شوون راهنـة

تأملات أولية في العنف الصهيوني

ربما لا توجد أمة واحدة اليوم تمارس من العنف الوحشي قدر ما تمارسه أمريكا وإسرائيل. الأمر هنا من البداهة بحيث أي سعي للتدليل عليه من خلال سرد وقائع عدد الحروب وضروب التقتيل والتجويع والتعذيب التي مارستها هاتان الجماعتان لن يكون إلا ضربا من الحشو والاستطراد غير المجديين.

قد تجد وحدة هذا التوجه تفسيرها في التاريخ القريب لهاتين المجموعتين البشريتين: كلتاهما لا تاريخ لها، كلتاهما استحوذت على أراضي كانت مأهولة سلفا وهجرت أهاليها ورحلتهم، بل وأبادتهم في الحالة الامريكية التي أقامت حضارتها على أتقاض ثقافة سكان أمريكا الأصليين، وهم الهنود الحمر؛ الأمة الأمريكية تنحدر من مهاجري أوروبا الذين كانت الإقامة في القارة الجديدة ضربا من العقاب لعدد لا يستهان منهم؛ كانت أمريكا، بالإضافة كونها قارة «عذراء» تمنح الثروة والأمن والطمأنينة لقاطنيها الجدد، كانت أيضا ضربا من السجن لفئة من مجرمي أوروبا ومنحرفيها وقتلتها ولصوصها. ومن هؤلاء ينحدر بدون شك قسم واسع من سكان أمريكا اليوم. والسواد الأعظم، إن لم يكن مجموع سكان إسرائيل، ينحدرون بدورهم من بلدان أخرى موزعة عبر أنحاء العالم تعذر عليهم دون شك الاندماج فيها، مثلما تعذر على كافة أقليات عالم اليوم المطالِبة باستقلالها الاندماجُ في محيط تواجدها أو تعذر بالأحرى على هذا المحيط تذويبهم فيه (الأكراد، الأمازيغيين، السيخ، التيبت، وما إلى ذلك).

ولكن ما أن نبارح التاريخ القريب حتى تصير الحالة الصهيونية جديرة بالتأمل والبحث للوقوف على الجذور البعيدة التي تحرك العنف الذي ما انفكت إسرائيل تمارسه على الفلسطينيين منذ احتلالها أراضيهم حتى اليوم. قسم من هذا المحرك يكمن دون شك في العنصر الديني، حيث تحث التوراة على قتل الغير وتعذيبهم بكيفية تفوق بكثير حض الإسلام المؤمنين على محاربة المشركين والكفار  في باب نشر الدين الجديد والجهاد الذي صار يصطلح عليه اليوم بـ «الإرهاب». والغريب في الرأي العام العالمي وكبريات دوائر القرار في عالم اليوم أنها تغض الطرف على هذا الجانب؛ لا أحد يتكلم عن التطرف والأصولية اليهوديين في حين صارت دوائر الفرز الأمريكية تمدنا يوما بعد يوم بأسماء «إرهابيين» مسلمين ما انفكت قائمتهم تطول، هم في التصنيف المحلي علماء دين وفقهاء يستحقون كل الاحترام والتبجيل… ها نحن أمام ميراثين دينيين لأمتين بينهما أكثر من وجه شبه، لكن يُغض الطرف على هذا وتقام الدنيا وتقعد على ذاك.
يصف صاحب نظرية «صراع الحضارات» العرب بكونهم شعوبا عنيفة، موردا إحصائيات تبين العدد الكبير للنزاعات التي لم يعرف العرب سبيلا لحلها غير العنف. حسنا. ولكن هذه النقطة ذاتها، على التباسها، قد تمدنا بمفتاح فهم العنف اليهودي الراهن: بين العرب واليهود قرابة ليست عرقية فحسب، بل وكذلك لغوية وثقافية. بين المجموعتين رابط الانتماء إلى العرق السامي. أكثر بينهما قرابة عمومة، وسماع يهودي يتحدث بالعبرية يتيح للعربي الوقوف بسهولة على وجود شبه الشديد بين الكثير من المفردات العبرية ونظيرتها العربية. ومن ثمة، قد يكون مفيدا جدا البحث في صلة العنف اليهودي اليوم بالميراث السامي الذي يجمعهم بالعرب. هل يكون غياب اليهود عن فلسطين لآلاف السنين أبقاهم في نقطة انطلاقهم / رحيلهم؟ من هذه الزاوية للنظر، يمكن افتراض العرب – عرب فلسطين – أكثر تحضرا بكثير من الصهاينة؛ غياب الصهاينة عن مقامهم الأصلي أحدث ما يُشبه بياضا لم يعرفوا حتى الآن كيف يملؤونه إلا بالعنف ذاته الذي يرتد إلى آلاف السنين، الأمر الذي يتيح طرح فرضية عيش الأمتين الفلسطينية والإسرائيلية الآن في تاريخين ومكانين مختلفين: الفلسطينيون، بحكم بقائهم في مقامهم الأصلي، ساروا في خط تاريخي مسترسل ومتواصل يرتبط فيه الحاضر بالماضي ارتباطا وثيقا. الفلسطينيون يعيشون الراهن، الآن، الحاضر، هنا، بيننا (نحن معشر سكان القرن الواحد والعشرين)، فيما يعيش الإسرائيليون، بحكم رحيلهم، أو ترحيلهم، عن مقامهم الأصلي، بحكم تعرج سبل التاريخ بهم، بحكم تشتتهم في أوطان مختلفة، و«انقطاع» صلتهم بالماضي، ومن ثمة، بعودتهم إلى فلسطين، هم الآن يعيشون – أو يسعون للعيش – في الماضي، يحيون هناك، في زمن ما قبل الرحيل، خارج المكان الذي نوجد فيه نحن معشر سكان القرن الحالي. من هذا المنظور، يكون ما يُعاب على الأصوليات الجهادية الإسلامية التي تسعى لاستعادة دولة خلافة مفقودة هو ما تقوم به إسرائيل بالذات دون أن يعيبه عليها عرابوها ورعاتها. ألم يطمح المشروع الصهيوني في الأصل إلى إحياء دولة إسرائيل الكبرى التي تمتد من النيل إلى الفرات؟ ولكن الحجج الراجحة، دون شك، التي يُعترض بها على الأصوليات الإسلامية متمثلة في استحالة استعادة الماضي المفقود، على الأقل بحذافيره، تلك الحجج ذاتها تنطبق على إسرائيل فيما وراء صمها الآذان عليها وفيما وراء إغماض رعاة إسرائيل العين عليها.

كل شيء في معاملة لإسرائيليين لبني عمومتهم الفلسطينيين يوحي بأن هذا القسم من الأمة اليهودية لم يأت لفلسطين كي يعيش جنبا لجنب مع أبناء العم، في سلم وأمن وطمأنينة، وإنما جاء ليغتصب الأراضي ويقتل السكان المحليين ويلقي بهم خارج الجغرافيا، وهوة ما تشهد عليه مخيمات الفلسطينيين في الأردن ولبنان والأعداد الهائلة للسكان الفلسطينيين المشتتين في كافة أرجاء المعمور.
إن ما صدق على الهنود الحمر في أمريكا لن يتكرر مع الفلسطينيين. وهنا واحدة من نقط الاختلاف داخل ما يجمع بين أمريكا وإسرائيل؛ الإبادة التي أنجزتها أمريكا في حق الهنود الحمر وثقافتهم يستحيل أن تحققها إسرائيل في حق الفلسطينيين. بيد أن إسرائيل تبدو غير راغبة الآن، على الأقل، إطلاقا في استخلاص الدروس التي استخلصتها كبريات الإمبراطوريات الاستعمارية الحديثة التي آلت كلها إلى الزوال واضطرت لإعادة الأوطان إلى أهلها والرحيل (اليابان، بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، البرتغال، وما إلى ذلك.)، وفي ذلك الخطر كله على بقائها، إن هي شاءت البقاء، في الشرق الأوسط؛ ستضطر للرحيل في الأمد المتوسط أو البعيد.
إسرائيل تراهن اليوم الرهان كله على أمريكا، ورهانها يبدو رابحا الآن، في زمن القطب الواحد، حيث لا تكتفي الولايات المتحدة الأمريكية بمدها بالمساعدات المالية التي بلغت منذ ولاية بوش الابن إلى اليوم وحدها 9 مليار دولار، بل وكذلك بآخر ابتكارات تكنولوجيا صناعة الأسلحة في باب أسلحة الإبادة والفتك الجماعيين من قنابل ذكية وأخرى عنقودية، بل أسلحة كيماوية وفسفورية محرمة دوليا، ثم تتكرم وتزيد فتحميها من الإدانة والحساب والعقاب في أكبر هيأة قانونية في زمننا الراهن وهي مجلس الأمن التابع لهيأة الأمم المتحدة. ولكن أليست الإمبراطورية الأمريكية آيلة إلى الزوال على نحو ما بين ذلك إيمانويل طود في كتابه «نهاية الإمبراطورية» وعلى نحو ما تشي به مؤشرات عديدة من داخل أمريكا ليس أقلها التدهور الاقتصادي والاستدانة المزمنة لمبالغ مالية ضخمة من اليابان والصين ودول الخليج النفطية بالخصوص؟ ما مصير إسرائيل آنذاك؟ لا يبدو أن الإسرائيليين يطرحون هذا السؤال على أنفسهم، ومن ثمة، يمكن القول إن إسرائيل تعرض نفسها لخطر التلاشي بسبب قصر النظر الذي يحكم سلوكها اليوم. إذا واصلت هذا السلوك ولازمت هذا الموقع الذي تعمل به العرب عموما والفلسطينيين بالخصوص فسيأتي لا محالة يومٌ تشرق فيه شمس جديدة على هذه البقعة من العالم. شمس بدون إسرائيل، لأن الدولة العبرية ستتحول إلى ما يشبه كابوسا انجلى أو أكذوبة تكسرت على صخرة الواقع.
إذا اعتبرنا إلى جانب هذا الرهان غير المشروط، بل الرهان الوجودي إن صح التعبير، لإسرائيل على ولية نعمتها أمريكا، قرابةَ الدم واللغة والثقافة التي تجمع الإسرائيليين بالعرب، بدا الكيان الصهيوني بمثابة فصيل داخل عشيرة أو أفراد داخل عائلة واحدة، هي العائلة السامية، اختار بيع الأقارب للأباعد ولعب دور العمالة وسائر الوظائف اللاأخلاقية والخسيسة من موقع الأنانية المفرطة والمصلحة الضيقة والرؤية التي لا تعدو الأنف (كما يقال في الدارجة المغربية). ضمن هذا المنطق الألفي (نسبة لآلاف السنين) كان حريا بالإسرائيليين قبول ما يتفضل الفلسطينيون بمنحهم إياهم من مقامات وأراضي ولا يتطلعون إلى شبر واحد زيادة. أليس الفلسطينيون هم الذين لازموا أرض فلسطين بكل ثقلها الرمزي والديني، وحرسوها، وحموا عمرانها من الخراب والتلاشي ومقدساتها من الزوال، طيلة هذه الآلاف من السنين التي غاب فيها اليهود عن فسلطين؟
كان حريا بالإسرائيليين أن يغلبوا قرابة الدم واللغة والثقافة، بل وحتى قرابة الجغرافيا التي فرضوها بالقوة إلى أن انتهى الأمر بالفلسطينيين إلى عدم المطالبة بأكثر من حق الإقامة في وطن بجوار إسرائيل تكون عاصمته القدس، ويسخروا ما اجتمع لهم من معارف وعلوم وأموال، بل وحتى صداقات ودعامات، في بلدان الشتات، لخدمة المقام المشترك بينهم وبني عمومتهم العرب عموما، والفلسطينيين على الخصوص، وبناء مشرق عربي ديمقراطي متحضر آمن مطمئن، ولكن للصهاينة طرقا أخرى في مكافأة ذوي القربى. طرق تنحدر دون شك من عرقنا، عرقنا السامي، الذي نعير به اليوم نحن معشر العرب وحدنا، وننعت بأننا قوم عنيفون.

محمد أسليـم
(منتديات ميدوزا، 21 غشت 2006)

الكاتب: محمد أسليـم بتاريخ: الأحد 02-09-2012 02:31 مساء

السابق
محمد أسليم: الكتاب آئل إلى الزوال باعتباره وعاء حضارة تجنح الآن نحو الأفول / عداد: منال خميس
التالي
محمد أسليم: الأدب بانتقاله من الورق إلى الرقم لم يعد هو الأدب ويصعب عليه أن يظل كما كان / إعداد حسن سليمان.