قضايا وملفات

محمد أسليـم: ملاحظات حول قراءة الأعمال الرقمية العربية (أو الإبداع والنقد والتواصل المفقود)

قراءة د. فاطمة البريكي تبدو معيارية شأنها شأن معظم الكتابات النقدية العربية التي تتناول الكتابات الرقمية العربية؛ تسود الأحكام والأوامر والنواهي حيث لا يجب. بل ثمة من يبلغ به الأمر إلى إعادة إنتاج الذهنية اللاهوتية عبر السعي إلى توحيد الرؤية والكلام تماما كما يفعل الفقهاء أمام النصوص المقدسة المفترض أنها حاملة لمعنى واحد يتحتم على الجميع النظر إليه بعين واحدة وترجمتها بتعابير واحدة… ننسى أن النقد يأتي بعد الإبداع، وأنه بدون أعمال إبداعية لا مكانة للنقد الأدبي بتاتا. مهمة النقد، من هذه الزاوية للنظر، يجب أن تكون وصفية دون أن تتجاوز التشخيص إلى إملاء ما كان يجب أن يكون أو ما يجب أن يكون..
مصدر الخطأ في مجموعة من المقاربات النقدية العربية يأتي من اعتماد مرجعية نقدية غربية. حسنا هذا مفيد وضروري وجميل، ولكن الكتابات الغربية ترتكز على تراكم من النصوص، على مُنجَز. هذا المنجز هو ما أفضى إلى تصنيف التفاعل والرابط إلى أنواع. لماذا نطالب هذا بفعل ما يفعله ذاك؟
يبين النقاش الذي أعقب بعض كتابات د. محمد سناجلة، بل وبعض تصريحات هذا المؤلف نفسه، من جهة، ووفرة هذا «الجنس» المسمى بـ «الفلاشيات الإسلامية»، من جهة ثانية، أن الكتابة الرقمية عندنا كتابة داخلية المنشأ endogène، تولدت عن تفاعل مبدعين عرب مع آلة الحاسوب ومجموعة من البرامج بعيدا عن أي تأثير أو تقليد للمنجز الأدبي الرقمي في ثقافات أخرى. هذا أمر يجب على النقد العربي أن يأخذه في الحسبان على الدوام، ومن ثمة يتعين علينا إغناء التنظيرات الغربية بالإضافات العربية لا إلزام الإبداع العربي باقتفاء خطوات الكتاب الرقميين الغربيين.
إليكم مثالا عن التعسف الذي يمكن أن يطال بعض الأعمال العربية جراء تبني التصنيفات الغربية:
سبق أن أخرج بعض النقاد العرب محمد سناجلة رأسا من دائرة كتاب الرواية الرقمية بسبب نوعية الروابط المستخدمة في رواية «ظلال الواحد». مرجعية هذا الإقصاء هي المقارنة بين «ظلال الواحد» وكتابات غربية توظف الرابط التشعبي إلى حد الوصول بالنص إلى التحول إلى متاهة، من جهة، وبين «ظلال الواحد» نفسه ونصوص غربية رقمية توظف التفاعل إلى حد إشراك القراء في عملية الكتابة.
الأسئلة التي يمكن مواجهة هذا النوع من المقاربات بها هي: من أين جاء هذا النوع من التعامل مع الرابط والتفاعل؟ ما هي خلفياته الثقافية والفكرية والإبداعية؟ من هو قارئ هذه الأعمال؟ هل هذا النوع من التعامل مع الرابط والتفاعل من الإلزامية بحيث لا يعفى منه أي كاتب رقمي على وجه الأرض؟ هل هما إلزاميان لكل كتابة تدرج نفسها ضمن حقل الإبداع الرقمي؟
شخصيا، أرى إمكانية مقاربة الموضوع على نحو آخر:
من ظلال الواحد»، مرورا بـ «شات»، وصولا إلى «صقيع» تحضر أشكال لتوظيف تقنتي الرابط التشعبي والتفاعل بالإضافة إلى الصورة والصوت (الغائبين في عدد من الروايات الرقمية. هذا أمر ننساه سهوا أو قصدا)، ما هي هذه المستويات؟ هذا التشخيص يجب أن يكون مجرد مرحلة يتعين مواصلتها في اتجاهين:
– الأول: رصد مدى تواترها في الإبداعات الرقمية العربية الهزيلة جدا للأسف الشديد، ما يُجبرنا على الانتظار لوقت طويل، اللهم إذا حصلت مفاجأة ما، كأن يشهد الإبداع الرقمي العربي فورانا غير متوقع. في هذا الصدد، كل يمكن القيام به الآن (وهو حقل يتيح للنقد أن يزاول عمله على كل حال، أن يشتغل على شيء موجود) هو توسيع الرصد والتشخيص إلى العملين الآخرين المنجزين، هما: قصة ربع مخيفة للدكتور أحمد خالدتوفيق ونص «احتمالات» لمحمد اشويكة. مجرد عقد الصلات بين الأعمال السريدة العربية كاملة، يتيح الخروج باستنتاج أول، هو أن الكتابة العربية السردية الرقمية تأخذ منحيين:
– أ) منحى النصوص القصيرة: «ربع مخيفة»، «احتمالات» و«صقيع»؛
– ب) منحى النصوص الطويلة: «ظلال الواحد»؛ «شات»
– بالنظر إلى مجموع النصوص من وجهة نظر الأجناس التقلدية للأدب، نحصل على خريطة أخرى تتيح التمييز بين:
– أ) نصوص تحرص على نقاء «النوع»: «ظلال»، «احتمالات»، «ربع مخيفة»
ب) نصوص تعتمد التداخل والمزج بين جنسي الشعر و«الحكي»، بين السرد الرقمي والشعر الرقمي: «شات»، «صقيع»
– الثاني: محاولة البحث عن أشباه ونظائر لهذا التعامل في نصوص رقمية غير عربية، وهذا متاح، في سبيل صياغة ما يمكن تسميته بـ «نظرية الأدب الرقمي» التي يجب أن تشمل الكتابة الرقمية قاطبة، بمعزل عن لغاتها، على غرار نظرية الأدب التقليدي، إن كانت تلك الصياغة ستتيسر في يوم من الأيام
—–
عناوين الأعمال المذكورة:
1) قصة «ربع مخيفة»:
http://www.angelfire.com/sk3/mystory/
2) رواية «شات»:
http://www.arab-ewriters.com/chat/
3) نص «صقيع»:
http://www.arab-ewriters.com/saqee3/
4) «احتمالات»:
http://chouika.atspace.com/
تنويه:
وردت هذه الأفكار تعقيبا على دراسة د. فاطمة البريكي لقصيدة معن مشتاق:
المولود التفاعلي البكر وفرحة الانتظار
وارأيتُُ إعادة نشرها هنا منفصلة تمهيدا لتطويرها لاحقا، حيث سيتعين تدقيق بعض النقط وتعزيز التأمل باستشهادات، ثم إضافة قسم غائب لم أتطرق إليه الآن (وسبق لي إثارته في دراسة لي حول «نظرية رواية الواقعية الرقمية)، وهو التلقي الاندهاشي الاحتفائي اللامشروط الذي يصل أحيانا حد أسطرة الأعمال المنجزة.
(منتديات ميدوزا، ومنتديات واتا، 14/11/2007)

الكاتب: محمد أسليـم بتاريخ: الإثنين 27-08-2012 03:41 صباحا

السابق
محمد أسليـم: الفلاشيات الإسلامية وبعض قضايا النقد الرقمي
التالي
م. أسليـم: مُسوَّدة مشروع للنشر الرقمي بوزارة الثقافة