كتاب الفرنكوفونية والتعريب وتدريس اللغات الأجنبية في المغرب

المصطفى الغربي:السجال اللغوي والثقافي حول اللغة الفرنسية في المغرب(*)

– ترجمة: محمد أسليم

لقد اهتم اللسانيون وعلماء النفس والسوسيولسانيون بالعلاقة الموجودة بين اللغة والفكر، أو بين شروط الوجود وأشكال اللغة، فانتهوا –ضمن ما انتهوا إليه- إلى نتيجة مفادها أن اللغة تشبه شبكة تروبرتسكي. فهي –عبر الأشكال والصور التي تصنعها- تنظم بطريقة حياة الجماعات والأفراد. وتشكل عادات اللغة أسس العالم الواقعي: «فنحن نرى، ونسمع، ونعبر بالشكل الذي نرى ونسمع ونعبر به لأن عادات جماعات اللغوية قد هيأت لنا سلفا اختيارات معينة في التفسير» . وهذه العادات تختلف من جماعة لغوية إلى أخرى : «ما من أمة إلا وتتكلم بالشكل الذي تفكر به وتفكر بالشكل تتكلم به. فهي ترسخ تجاربها في لغتها، بما في ذلك التجارب الحقيقية والتجارب الخاطئة التي تنقلها إلى الأجيال اللاحقة».

باللغة يدوم المتخيل الجماعي، وتصاغ المؤسسات قبل أن تترجم إلى سلوكات، وينقل المعيش اليومي أو يصاغ شفهيا أو كتابيا، أو يتخذ موضوعا للتأمل موضوعا للتأمل، أو ينقل كما هو باعتباره شكلا من الفكر المقولب.

في التنشئة الاجتماعية للطفل يتم نقل الظواهر الثقافية- وفي أغلب الأحيان يتم جعلها مفهومة- وباسطة وداخل الأشكال اللغوية الثانية والموافق عليها من قبل الجماعة. إن تعلم السلوكات الكلامية والخطابية ثابت ويتم حسب نماذج ثقافية ومؤسساتية تختلف كلما تقدم الفرد في السن وغير وضعه ودوره. واللغة لا تقتصر على توسيط وإفهام قسم هام من الظواهر الثقافية والاجتماعية فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى إجراء مثاقفة داخلية للفرد بواسطة أشكال لغوية وخطابية: «إن تعلم اللغة هو في الوقت نفسه تعلم للبنية الاجتماعية».

وداخل هذا التطور المنظور الفكري نفسه نصل إلى تفسير بعض العادات والتقاليد الاجتماعية –تفسيرا إن لم يكن كاملا فهو على الأقل نسبي- بهيمنة بعض الأشكال اللغوية والخطابية في لغة معينة. هكذا، فالتقليد الأنجلوساكسوني يتميز ببعض السمات الثقافية والاجتماعية لها صلة ببعض أشكال اللغة المستعملة. ولنذكر، على سبيل المثال، أن “تواتر التوكيدات المطلقة” يطابق النداء، وموافقة المخاطب…والمطابقة مع آراء الجماعة، وأن “ندرة الصياغات الشرطية” تطابق وعيا زمنيا غائصا بكامله في الحاضر والانشغالات الفورية.

ويقودنا هذا إلى تبين أن اللغة تكيف المواقف وتعد سلفا الأفراد والجماعات للفعل، لرد الفعل والتفكير بطريقة محددة.

انطلاقا من هذه الاعتبارات لا نفهم حدة السجال اللغوي والثقافي حيثما توجد لغات في موقع التنافس فحسب، بل ونفهم أيضا ضرورة مثل هذا السجال وإنتاجيته.

1-خطابات ورهانات

يأخذ هذا السجال في المغرب أولا مظهرا ايديولوجيا أساسا. ويتجلى ذلك بوضوح عندما يتعلق الأمر بطرح المشكل بعبارات الأصالة والارتباط بالإسلام –بالدين المنزل باللغة العربية، بالرسالة التي تحملها الكلمة المقدسة- أو، أيضا، لقد اقتضى الأمر مقابلة ثقافة المستعمر الغازية بصوت الذاكرة، بصوت ماض مجيد، منادى كما برقية أو عزيمة، أو أيضا عندما يتعلق الأمر بإسقاط بناء هوية استقبالية ببعدها المزدوج الثقافي والعلمي. آنذاك تتدخل مسألة أخرى في السجال، وهي قدرة اللغة العربية على نقل خطاب علمي وتكنولوجي (بنيخلف، الأخضر غزال) والمشاركة في آن واحد في تواصل المعارف الثقافية والعلمية ملتحقة بذلك بكبريات اللغات العالمية.

لقد شكل مشكل التعريب وما يتبعه من مشكل استعمال اللغة الفرنسية في المغرب-داخل الثنائية تمت دائما دراسة مسألة التعريب-منذ الاستقلال إلى وقنتنا الراهن موضوعا لأربعة اجتماعات وندوات رسمية: اجتماع «اللجنة الملكية لإصلاح التعليم» سنة 1957، أي غذاة الاستقلال، وخلاله كان سيتم صياغة المبادئ الأساسية لكل سياسة تعليمية، وهي التعريب، والمغربة، والتوحيد، وتعميم التعليم. ثم ندوة المعمورة سنة 1964، وندوتي إفران سنة 1970 و1980، وكلها لإعادة تأكيد نفس المبادئ وحل مشاكل ظرفية مرتبطة بالطلبة، والمناهج، والبرامج التربيوية، وظروف عيش المدرسين.

وفي الحياة الثقافية الراهنة للبلاد كثيرا ما يتردد من حين لآخر سؤال بمناسبة تنظيم حلقات دراسية أو عقد ندوات وتداريب. هذا السؤال الذي ينبثق بوضوح، ويضم في أغلب الأحيان الأقوال والخطابات المعبر عمها حول التعليم بصفوة خاصة، يدور حول الوضع الذي ينبغي إعطاؤه للغة الفرنسية في وقت شرع فيه في إجراء إصلاح وإعادة تثبيت اللغات المتواجدة في المحيط الاجتماعي والثقافي المغربي. ولا يطرح هذا السؤال دون شعور بتمزق يولد فيضا من الأفكار والأحاسيس.

لقد كانت المجالات التي كانت تحتلها اللغة الفرنسية إلى وقت قريب جدا تقريبا مجموع ما يمكن أن نسميه بأمكنة تغطية التظاهرات الفكرية والعلمية «للحداثة». وإذا كان الإنتاج المادي والفكري لا زال يتم في قسم هام منه باللغة الفرنسية إلى أيامنا هذه، فإن اشتغال أغلب المصالح التي لها صلة بإدراة الحياة اليومية يتم باللغة العربية. كذلك، إن رواج الخبر بهذه اللغة، وتبنيها حاليا باعتبارها لغة لتعليم العلوم في المؤسسات الابتدائية والثانوية قد أكسبها مؤخرا (وإن بشكل جزئي) الوظائف التي كانت تضطلع بها اللغة الفرنسية بمفردها. وهذا الوضع الغوي الذي يتحدد أساسا بتوزيع جديد للأدوار بين اللغة الفرنسية واللغة العربية يجد نفسه، علاوة على ذلك، محكوما بخطاب رسمي يؤخذ عليه كونه لا يعكس الواقع: فهو خطاب إشاري بدل أن يكون خطابا مستقبليان ا=توضيحي عوض أن يكون توقعيا، فإنه لا يكشف عن وسائل الفعل في الظواهر والعقليات ولا يعدها على نحو يتلاءم مع النية التي يترجمها. وهو خطاب لا يراد له أن يكون خطاب خالة يجب تصورها شموليا، وإنما خطاب نية واضحة، ومن ثمة يراد له أن يكون محملا بأفكار محددة بشأن ديناميكية التحول الواجب إرساؤه.

وتظهر هذه المسألة (مسألة الوضع الذي يجب منحه للغة) بصياغات مختلفة لكنها كلها تعبر عن إحساس بالقلق نفسه عندما يتعلق الأمر بن=تعميق التأمل في أي مسألة ذات صبغة بيداغوجية شمولية كانت (مناهج التعليم-علم الفرنسية باعتبارها لغة ثانية ذات صلة بالتعريب) أو دقيقة (ممارسات مهنية، لغوية وخطابية، أدوات ديداكتيكية، الخ..). وباختصار، فإن كل مشروع دراسة منهجية له صلة بالتعليم باللغة الفرنسية إلا ويستهدف مسألة وضع هذه اللغة وموقعها داخل المحيط اللغوي بالمغرب. وكلمة “وضع” (Statut) هذه تأخذ منذئذ كثافة حجاب وهمية لا تحول دون الإحساس بالواقع وأحيانا دون حتى رؤيته فحسب، بل وتحول أيضا استيعاب واقع الظواهر اللغوية في علاقاتها، فيحيط انطباع ضبابي بأمكنة الحضور الفعلي وخطوط حدود ومحيط كل لغة من اللغات الحاضرة في المشهد الاقتصادي والثقافي المغربي. وكثيرا ما يترتب عن وجود مثل هذا الغموض المؤسف في فهم الظاهرة اللغوية زوال المحبة والعطف، وأحيانا استقالة بذريعة أنه نظرا لانعدام القدرة على القيام بمثل هذه المعاينة (معاينة “غياب تحديد واضح لوضع اللغة الفرنسية في المغرب”)، فإن التأمل في قضايا ذات طبيعة بيداغوجية أو ديداكتيكية بصفة خاصة يبقى أمرا مستحيلا.

لأول وهلة، تبدو المشكلة بالشكل المصاغة به وكأنها مشكلة نصوص قانونية تنظم وضع لغة من اللغات، إذ يتم الحديث عن الوضع ثم يقال عنه إنه غير واضح.

والحالة هذه، هل مشكل اللغة الفرنسية في المغرب مشكل نصوص قانونية موجودة سلفا أم أنه مشكل نصوص لم توضع بعد؟ في الفرضية الأولى، هل توجد نصوص تقنن اشتغال هذه اللغة دورها؟ ما هي هذه النصوص؟.

إذا نحن سألنا الراهنية الإيديولوجية والثقافية للسنوات العشرين الأخيرة حول كبريات الأحداث التي كان لها تأثير في الوضعية بالمغرب، وبصفة خاصة في مكانة اللغة الفرنسية في هذا البلد، وجدنا أنفسنا مضطرين لإبداء ملاحظتين:

أ-لا تثار اللغة الفرنسية إلا بالمقارنة مع اللغة العربية في سياق تعدد في الرهانات (ثقافية، اقتصادية، سياسية، اجتماعية)، ومن ثم صعوبة تشييد خطاب شفاف حول وضع تتراكم فيه-وبطريقة معقدة- ظواهر مختلفة: حينئذ، يبدو الجواب القانوني ضئيل الاحتمال، أي غير ملائم.

ب-من خلال هذا التعقيد يبدوا، مع ذلك أنه من الممكن التمييز بين ثلاثة خطابات. وهذه على الأقل هي الفرضية التي نقدمها. ونصوغ هذه الخطابات كما يلي:

1-الخطاب الأول يترجم انشغالات ذات صبغة تكنولوجية، وهو ما يدعى عادة خطاب التقنوقراطيين.

2-الخطاب الثاني سندعوه “تقليديا”، وهو في أقصى الحدود خطاب تشييئي.

3-أما الخطاب الثالث فهو ينحدر من أنثروبولوجيا ثقافية تتمحور حول مسألة تشييد الكائن المغاربي، أي خصوصيته، وهو لا يهتم بالتحديث فقط، بل يهتم أيضا بالتنمية.

وبما أن الأمر هنا يتعلق باستيعاب كرونولوجي للمسألة، فإن اهتمامنا سينصب على ما يلي:

أ-التعرف على هذه الخطابات وتحديد العلاقات الرابطة بينها.

ب-تحديد الرهانات الإيديولوجية والثقافية والاجتماعية التي تدعم هذه الخطابات.

2-خطاب التقنوقراطيين.

إن هذا الخطاب الذي يترجم انشغالات ذات طابع تكنولوجي يميل إلى الحداثة. والحالة هذه، فهو يقدم اللغة الفرنسية باعتبارها :”الوسيلة الوحيدة لولوج الثقافة التقنية والعصرية”. والتخطيط الخماسي 1960-1964 ينادي بكيفية واضحة يتبنى اللغة الفرنسية، أو بالأحرى بالحفاظ عليها لتدريس الرياضيات والعلوم الطبيعية والفيزياء والكيمياء. وهذه اللغة قد تؤدي أيضا وظيفة “أداة من أجل الثقافة العامة ومعرفة الحضارات ومعرفة الحضارات الأجنبية”. “وهذا الخطاب المعبر عنه حول الاختيار الواقعي للغات التعليم” سيصير أكثر وضوحا مع الدكتور بنهيمة (وكان آنذاك وزيرا للتربية الوطنية) في ندوته الصحفية التي عقدها يوم 6 أبريل 1966: «سيكون من المستحيل لسنوات طويلة إيجاد الأطر الوطنية الضرورية لتدريس المواد العلمية باللغة العربية، خاصة في التعليم العالي والتعليم الثانوي..ولمرحلة انتقالية، سيظل استعمال لغة أجنبية باعتبارها أداة عمل أمرا حتميا في المواد العلمية». وهذا هو الخطاب نفسه الذي كان يتمسك به أيضا المرحوم محمد الفاسي، وكان آنذاك عميدا لجامعة محمد الخامس وعضوا باللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال نسبيا أو كليا (A.U.P.E.L.F): «في حاجة إلى لغة واسعة الانتشار، وهي اللغة الفرنسية في رأينا» كذلك لم يخف الدكتور بلعباس أن الازدواجية اللغوية كانت تبدو له ضرورية لحقبة أطول إذا ما أريد تجنب انخفاض ملحوظ في مستوى التعليم بالمغرب.

إن هذا الخطاب هو الذي كان وراء قرار 29 ماي 1964 الذي جعل لباكالوريا صنف الآداب الأصلية لغتين أجنبيتين في مواد اختبار الكتابي. وكان الهدف منه الرفع من قيمة التعلم الأصيل بتمكينه من انفتاح يتيح له ولوج ميادين لم تكن اللغة العربية تتيح ولوجها في تلك الحقبة.

بالإضافة إلى الوظائف الآنفة الذكر التي كان على اللغة الفرنسية أن تؤديها، يبدو أن هذه اللغة تمثل عددا من القيم المرتبطة بحضارة الاستهلاك مثل: “التحرر”، و”الانعتاق الأخلاقي”. وعلى هذا النحو كانت الفرنسية تعبر عن “هوية” ثانية لجماعة تتألف من مفكرين، وأصحاب القرار، وحتى بعض منظري التعريب. هكذا، فالأخضر غزال (مدير معهد غياب ازدواجية للتعريب) يرى أنه لا يمكن أن يوجد تعريب في غياب ازدواجية لغوية. وهو يقترح أن تتم عملية التعريب أولا في غياب ازدواجية لغوية. وهو يقترح أن تتم عملية التعريب أولا في اتجاه نفس الأدوات الموجودة في اللغات عن طريق التعلم المدرسي والتقني. واستراتيجية المراحل الإجرائية هذه تتوقع الإبقاء على اللغة الفرنسية باعتبارها لغة تكميلية ذات أثر أكيد في مختلف القطاعات الحيوية للنسيج الاقتصادي والاجتماعي، لتصير بعد ذلك لغة مساعدة، وأخيرا لغة أجنبية. وهذا الحفاظ على اللغة الفرنسية بوضعها المفضل سيتم قبوله عامة لا سيما وأن فائدة اللغة الفرنسية في تحقيق التعريب ستترجم بإسهام فعال.

هذا التعريب نوعان: «تعريب لهجي» وهو الذي ترعاه الدراجة المتكلمة، والذي يتميز بعلاقته غير الصراعية نظرا لأن للسانين كفاءة متساوية. أما التعريب الثاني، فيخلق منافسة بين اللغة العربية الكلاسيكية واللغة الفرنسية. وبما أن علاقة القوة هي إلى جانب هذه الأخيرة، فإن هذا التعريب تعريب صراعي. ولعل البديل هو التبني المتبصر لـ «تعريب واع» يلتزم برد الاعتبار للغة العربية عن طريق ترجمة التراث الثقافي العربي. فعبر معاينة ثروات ثقافية ما يتم إثارة الفضول الفكري والعلمي. وآنئذ تباشر معرفة لغة من اللغات وتعلمها.

-يقدم بعض التقنوقراطيين (وعددهم ضئيل) كبديل لهذا التعريب الواعي» ما يدعونه بـ «تعدد لغوي فاعل Plurilinguisme) «actif» يربط بين العربية المغربية والعربية العصرية بالنسبة للمغاربة المتكلمين بالعربية، وبين البربرية والعربية العصرية بالنسبة للمغاربة المتكلمين باللغة البربرية. وفي هذه الحالة، يجب أن تدرس الفرنسية باعتبارها لغة للتبادل المكتوب أساسا. وبهذه الكيفية ستجد العربية العصرية نفسها مدعوة إلى احتلال أمكنة المعرفة والممارسة التي أصبحت شاغرة، وستضطر للرفع من جميع قدراتها باعتبارها أداة للتواصل والبحث. ولا يبدو في الوقت الراهن إطلاقا أن هذا الموقف يطابق الوضع اللغوي في المغرب.

في الواقع يبدو أن الاشتغال الذي كان يعبر عنه هذا الخطاب هو إرادة إدماج المغرب في العالم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي العصري بواسطة اللغة الفرنسية أساسا. وقد كان هذا الخطاب يبدو في نظر البعض خطابا قريبا من الجحود باللغة العربية، ومن ثم هذا الرد للفعل القوي من جانب دعاة الخطاب الثاني الذي أسميناه بالخطاب التقليدي.

3-الخطاب التقليدي

هو الخطاب الذي يترجم اهتمامات خاصة بتجديد اللغة العربية في حقوقها الأولى والمشروعة. والسبب في ذلك هو أن اللغة هي العامل الأساسي للاندماج في جماعة ما وأداة التواصل الثقافي ونقل القيم التي تؤلف النموذج الاجتماعي والثقافي الموافق عليه. بهذا المعنى يكون تأثيرها في الفرد تأثيرا حاسما مادام أنها محملة بتصورات واعتبارات أقرتها الجماعة. فهذه الأخيرة تحكم أفعال وتفاعلات الأفراد طبقا لشكل ثقافي وأخلاقي وروحي صاغته أعوام من التاريخ.

غير أن ما خلقه هذا من حدة ومناخ جذري حول الخطاب الأول وضده قد جعل المنظور الذي يتموضع هو بداخله أقرب إلى منظور يرفع من شأن التراث الثقافي وينطلق من اللغة العربية.

ولتقديم أمثلة عن هذا الخطاب الذي قد يكون خطابا حدا، سنذكر بموقف أنصاره من مجموعة من النقط الخاصة بالمسألة اللغوية في المغرب.

لعل النقطة الأولى هي إرادة التعريب مهما كلف الأمر ودون إدماج كلف ودون إدراج عملية التعريب ضمن مشروع تنمية شاملة تلعب فيه اللغة العربية الدور الأول. هكذا فالمؤتمر السابع لحزب الاستقلال المنعقد بالدار البيضاء أيام 12-13-14 فبراير 1965 قد نادى بـ «تعريب مجموع السلك الابتدائي، والمواد الاجتماعية والتقنية بكيفية تجعل تعريب السلكين الابتدائي والثانوي ينتهي كليا في أقل من عشر سنوات. لقد كان يعتقد آنذاك بالإمكان تعريب التعليم الابتدائي في ظرف ثلاث سنوات ومباشرة (اي من 1964 إلى 1967)، وأن مجموع السلك الثانوي كان سيعرب سنة 1974.

وقد أخذ الاستقلال وزير التربية في ذلك الوقت (السيد بنهيمة) على تنبيه اللغة الفرنسية لغة لتعليم المواد العلمية –وإن-لفترة انتقالية، بهذا التوجه سيمضي الوزير على عكس الاختيار الذي قررته لجنة التربية والمجلس الأعلى للتعليم ونتائج ندوة إفران السابقة. إن توجهات الوزير أو –بتعبير آخر- تبني اللغة الفرنسية أداة توجهات هما «ذاتا طبيعية تقوض مرتكزات شخصيتنا ووحدة بتحطيمها لوحدته الثقافية القائمة على اللغة القومية، وهي لغة القرآن».

وقد كان يتقاسم هذا الرأي مثقفون من مشارب مختلفة. ففي بيان علماء المغرب ورد أن اللغة الفرنسية كانت أصلا في انتشار هذه اللغة “الهجينة” (خليط من العربية والفرنسية) التي تفسد القيم الثقافية والروحية للأمة. بالإضافة إلى ذلك، فحضور اللغة الفرنسية العائد إلى «ضغط استعماري خفي» كان بتواطؤ محلي على إعطاء هذا الحضور «طبيعة مشروعية واستمرارية».

وقد ضم الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (أ.و.ط.م) صوته إلى معارضي الإجراءات التي اتخذها السيد بنهيمة متهما إياه «النيل من التيار الوطني التحرري ومفاقمة تبعية البلاد للخارج». ويقدم هذا التنظيم حجة أخرى هي عجز اللغة الأجنبية عن دراسة الواقع الوطني.

لقد قدم كل من حزب الاستقلال والعلماء حجتين أخريين للتنصل من سياسة «الفرنسة» (Francisation) هذه: فمن جهة، إن استعمال اللغة الفرنسية يساهم في اجتثاث ممنهج للغة العربية مانعا إياها من التطور، في حين أن الشرط الضروري لتطور لغة من اللغات هو استعمالها في الحياة، والتعليم، والعلم. ومن جهة أخرى، إن ثمن استعمال اللغة الفرنسية ثمن جد مكلف مادام نصف الميزانية المخصصة للتعليم يصرف في تسديد رواتب المدرسين الأجانب الذين يستورد ثلثاهم بالعملة الصعبة. يترتب عن ذلك ضرورة نبذ ازدواجية لغوية تتسبب في تدبير الأموال والمجهودات” من أجل مردودية زهيدة لاسيما في التعليم الابتدائي.

ونرى أن هذا الخطاب كان خطابا مفرطا بمانوية بالية. فهذا الموقف المصر على سلبيته تجاه كل مشروع تعليمي مرتكز على “اختيار واقعي للغات التعليم”/ كما كان يقال في ذلك الوقت، كان يشوه المشكل ويحرفه بجعل التعريب موضوعا متوترا لأنه موضوع إيديولوجي.

لا يمكننا ونحن نعيد النظر في إحداث الأعوام الأخيرة، وخاصة في هذه المواقف التي اعتبرناها «تقليدية»، إلا أن نسجل ما يتضمنه هذا الخطاب الثاني من تعصب وحمية حانقة وإرادة شبه تفتيشية. ويدل ذلك على هذا الاقتراح لتأميم «مؤسسات التعليم المسيحية في المغرب بذريعة أن اللغة العربية هي «لغة الاستقلال والحرية والكرامة»، أما اللغة الفرنسية فهي لغة الاستعمار الثقافي والفكري».

هناك خطاب آخر سيواصل –في نظرنا السجال- في موضوع استعمال اللغة الفرنسية في بلدان المغرب العربي، رغم أنه يقع على نقيض الخطاب السابق، فإن شكله –باعتباره ردا على التقليديين- لا يبدو واضحا. ويتعلق الأمر هنا بأطروحة جلبير غرانغيوم (1983) التي ترى أن اللغة العربية العصرية «أداة استثمار كلي للعالم المغاربي من قبل الثقافة الأجنبية!، أي أنها حصان طروادة للتغريب…ليس لهذه اللغة مرجع ثقافي خاص، ولا جماعة خاصة بها…إنها لغة المواطنة العالمية (Cosmopolitisme) للبرجوازية الصغيرة وللانفتاح على التأثير الأجنبي، ليس لها حيوية الدارجة ولا عمق العربية الكلاسيكية…».

وهذه اللغة العربية العصرية التي بها تحاول بلدان المغرب العربي أن تضبط تبادل الأفكار والتجديد التكنولوجي لا تعدو مجرد «نقل للغات الغربية»، ومادة بديلة تفتقر إلى التماسك الذي نجده في الفرنسية. هكذا، فـ «تأثير اللغة الفرنسية في العربية العصرية يجد ترجمته في التعابير الجديدة وصياغات الأسلوب والبنيات التركيبية». وبتعبير آخر، فما يشكل بالنسبة للغة أخرى إمكانيات للتكيف والتطور يمثل بالنسبة للعربية أصلا في التحول، لا بل وحتى بذور تسمم (كذا).

مع هذا كله، فاللغة الفرنسية حاضرة كما كانت لغة لـ «رد الاعتبار «للهوية العربية»، و«وسيلة» في متناول العرب لـ «تصفية صدماتـ(هم الـ)نفسية (الـ)لاشعورية».

ومن منطلق الإقصاء نفسه يصر بعض المثقفين على الاعتقاد بأن «تفوق اللغة الفرنسية قد حال بيننا (نحن المغاربيين) وبين انفتاحنا على مختلف الحضارات، وأسوأ من ذلك أنه قادنا إلى فقدان حضارتنا نفسها…».

ويبدو أن وجهتي النظر السابقتين تشاركان معا في ميتافيزيقا واحدة ولا تختلفان إلا في الموقف الإيديولوجي: هذا الموقف هو تعريب مرتكز على «ميتافيزيقا الهوية» في حالة، وعلى فرنسة وسواسية مبنية على قراءة مبتورة ومغرضة لتاريخ وصيرورة بلدان المغرب العربي في حالة أخرى.

ويبدو أن هذا الخطاب من أجل التقليد-بأي ثمن وكيفما كان –يريد تأجيج «القوى الكامنة في الشعور الديني». وفي هذا الجو الذي ترافقه دائما شكوك ومواقف حاسمة تروج الأحكام المصوغة حول الظاهرة في كليتها دون تمييز ولا إحساس بنسبية الأشياء.

وكخلاصة حول هذا الخطاب، يبدو أنه إذا كان ما لاشك فيه أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية، أي اللغة التي بها يمكننا إرساء مقومات شخصياتنا، فإن التسامح وبعد النظر يظلان من بين المكونات الأساسية لهذه الشخصية المغاربية والعربية. وبذلك لا يمكن الافتخار بالدفاع عنها والعمل في الوقت نفسه على إرساء أحادية متوحشة تنفي الآخر.

4-الخطاب الأنثروبولوجي

يمرر الخطاب الثالث الذي أسميناه «الخطاب الأنثروبولوجي» رؤية شمولية حول المشهد اللغوي والثقافي بالمغرب. وتحول الأنثروبولوجيا الثقافية التي ينحدر منها الخطاب أن تشجع نمطا من فهم الكائن المغاربي انطلاقا من الاعتبارات الآتية:

أ-المشكل اللغوي يندمج في البعد التاريخي الذي شهد تكونه، وبذلك حمولته، ودوره، ومقتضياته، ونتائجه تتضح بشكل أفضل في ذلك البعد.

ب-تعتبر اللغة أحد مكونات الشخصية. وطرح المشكل بعبارات الاختيار الواقعي للغات للوصول إلى الحضارة بدلا من طرحه بصيغ توطيد مختلف مكونات الشخصية والتطور إنما هو تحويل للمشكل.

ج-لغة التعليم الأولي يجب أن تكون هي اللغة العربية. ويمكن تشجيع باقي أنماط التعبير عن التفردات الثقافية المتنوعة التي تتشكل منها الشخصية المغربية.

د-تعليم الفرنسية في المغرب «مسألة مغربية – مغربية»، أو هي قضية ديداكتيك اللغات الأجنبية خاصة بالمغرب.

ولتقديم أمثلة عن هذه الأطروحات سنعرض تاريخا موجزا، أو –على الأصح- خلاصة سريعة للدور الذي لعبته اللغة الفرنسية منذ الحقبة الاستعمارية، خلاصة سيعقبها تذكير بالموقف الرسمي وموقف الأحزاب السياسية المغربية من المسألة اللغوية في المغرب وكذا موقف مثقفين أو مفكرين يساهمون في صياغة هذا الخطاب الأنثروبوجي.

تاريخيا، يبدو هذا الدور للغة الفرنسية في المغرب دورا مزدوجا. هكذا، فإبان الحقبة الاستعمارية «اعتبرت سلطات الحماية التعليم في البداية بمثابة عامل للإدماج (إدماج المغاربة)، فإذا به يصير عاملا للاحتجاج على الوضع القائم». فبتقديم ذلك التعليم للمغاربة بعض الظواهر التاريخية الخاصة بالثورة الفرنسية وبعض المفاهيم مثل «القمع» و«الحرية»، ومفاهيم أخرى تنتمي إلى التاريخ المعاصر، بقيامه بذلك فإنه يكون قد عين لهم (المغاربة) الطريق الواجب اتباعه من أجل إثبات الذات ضد القمع الاستعماري.

وقد تلت هذه المرحلة التي لعبت فيها اللغة الفرنسية (عن غير قصد منها) دور التوعية، الأمر الذي جعلها محل إعجاب وتقدير، الفترة التي رجح فيها الخطاب التقليدي. ومن ثم، العنف الذي طبع هذا الخطاب الذي تبقى نواياه في نهاية المطاف مشروعة ونبيلة، وهي الحفاظ على لغة القرآن وصيانتها من التنصل الذي كان يهددها. هل كان ذلك التنصل موجودا في الواقع أم أنه لم يوجد سوى في أذهان المفكرين الذين كانوا يدافعون عن هذا الخطاب؟

يعتقد الكثيرون أن تلك الحقبة كانت حقبة مثمرة. فهي التي أتاحت مجئ هذا الخطاب الثالث.

في معرض الحديث عن ضرورة تعليم اللغات الأجنبية في المغرب كثيرا ما يذكر أصحاب القرار استعارة «العربية ممتدة في أوربا»، وهي استعارة أراد بها الملك الحسن الثاني أن تعليما كهذا لن يمحو هوية المغرب وأصالته، بل هو بالأحرى قادر على جعل هذه الهوية والأصالة تنفتحان كليا. وقد ركز وزير التربية الوطنية في معرض تذكيره بهذه الاستعارة –في مقال أصدره في مجلة وزارة التربية الوطنية- على الإشكالية الجديدة التي يعرفها تعليم اللغة الفرنسية في المغرب من الآن فصاعدا: «بينما استعادت اللغة العربية دورها في المدرسة باعتبارها أداة أساسية للتعليم، فإن دور اللغات الأجنبية قد صار واضحا ومقبولا بسهولة من قبل الرأي العام ومسؤولي التربية والتعليم. لما تحررنا من عقدة استبدال اللغة الوطنية بلغة أجنبية صار من السهل –من الآن فصاعدا- تبني اللغة الفرنسية انطلاقا من المدرسة الابتدائية، ولغات أخرى في المستويات اللاحقة».

وبالرجوع إلى تصريحات الأحزاب السياسية في موضوع المسألة اللغوية في المغرب نجد أن جميع الأحزاب، باستثناء حزب الاستقلال، كانت لها دائما مواقف «توفيقية».

هكذا، فالاتحاد الاشتراكي للقواد الشعبية (إ.ق.ش) يرى أن التعريب لا يتعارض مع تدريس اللغات الأجنبية. فهذه الأخيرة تظل في رأينا شرطا ضروريا للاستفادة من المصادر والمراجع الأجنبية». أما النقابة الوطنية للتعليم (ن.و.ت)، فترى أن الفرنسية يجب أن تكون «وسيلة لانتفاع والانتفتاح والمشاركة في تطور الحضارة العالمية». ويرى الاتحاد المغربي للشغل (إ.م.ش) أن «اللغة الثانية ضرورية لتحقيق تفتح أكبر للمواطن على الحقائق العالمية». غير أن هذا الموقف الواقعي العملي ترافقه شروط منها، بصفة خاصة، أن لا تكون اللغة الفرنسية «لغة ناقلة في المدرسة …ولغة العمل في الحياة» (إ.م.ش)، ولا «أداة للنفوذ الاقتصادي أو وسيلة لاحتكار الإنتاج الفكري». ما تم المطالبة به، إذن، منذ البداية هو أن لا يكون استعمال اللغة الفرنسية على حساب اللغة العربية، وبالمقابل أن تحتل كلتاهما موقعا متكاملا مع موقع الأخرى في مشروع تنمية شمولي يأخذ بعين الاعتبار تنمية مختلف قطاعات الحياة الوطنية ( الإدارة، الاقتصاد، الثقافة، التكوين، إلخ… ).

ومع ذلك، فإن اللغة العربية ينظر إليها من هذه الوجهة للنظر أيضا- رغم تغاضيها عن إقامة تعارض بين اللغة تشكل جزءا من المكونات الأساسية للشخصية إذ بها وفيها يعبر شعب ما عن عبقريته وقدراته على التكيف و الخيال و الإبداع. لذلك، فالتطور الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي لبلد من البلدان لا يمكن أن يتحقق كليا ما لم يتم رد الاعتبار للغته و إعادة الحيوية إليها إلى أن تصير قادرة على نقل الأفكار، والمشاعر، و الممارسات، و أنماط التنظيم و الفعل، و التجديدات التكنولوجية، و البحت العلمي. فالفعل التحديثي حسب باولو فريري (paolo frreire ) هو حركة تعامل المجتمع كموضوع ما دام قطب القرار يوجد خارجها : فعندما يوجد قطب القرار- من منظور تنظمي- داخل المجتمع نفسه، فإن هذا الأخير يتصرف بصفته ذاتا. وبقدر ما يرتبط مفهوم التنمية بعملية تحرر المجتمع، فإن فعل التحديث يطبع وضع تبعية واضحة».

إن هذه الفكرة التي تتبناها الدول والمقاولات المالكة للتكنولوجيا الكفيلة بالرفع من تبعية الدول والمقاولات المقتنية للمصادر الممونة يعبر عنها مؤلفو تقرير هام حول نقل التكنولوجيا: «ليست التكنولوجيا مجرد بضاعة تباع وتشترى، بل على العكس هي حاصل عملية لإنتاج ونظام اجتماعي»، أو بتعبير آخر: إن التحكم في علاقة النقل بالنسبة للمجتمع المتلقي (المتسم بالتبعية الثقافية) أمر وهمي أن تمفصله اللغوي تفسده تداخلات وانشطارات وخسائر وانتماء مزدوج ملتبس اجتماعيا. فرق تسود: فسيد اللغة والتقنية والعلاقة البيداغوجية هو سيد سياسي».

لا يتمثل الحل، إذن، في مجرد نقل (هو، علاوة على ذلك، ليس بالسهولة التي تتصور)، وإنما في تشجيع الكفاءات المحلية لكي تتجدد. ويمكن القيام بذلك كانت الذات نفسها متحررة من مثاقفة «استيلابية وباترة»، ومنخرطة في اتصال واقعي بين الثقافات. هكذا، فـ «الدخول إلى الحداثة الذي يؤسس نظريا –فيما يبدو- خيارا لصالح الازدواجية اللغوية لا يمكن أن يتحقق إلا باستعادة الكائن المغاربي لجذوره».

وإذا كان يمكن استعادة الجذور بطرق عديدة، أي باستعارة طرق مختلفة وداخل شفرات مختلفة، فإن هذه الاستعادة ستتم بالشكل الأفضل داخل اللغة الوطنية وبها. وبالفعل، فآنذاك سيتم التطور من الداخل، وستنبثق استراتيجيات وأنماط لمعالجة القضايا الجوهرية من مخيلة أصيلة مشبعة بتراث ثقافي بكامله. آنذاك سيمكن لحوار الثقافات أن ينعقد عارضا نفسه باعتباره عملية تسمح –في آن واحد- ب‘نتاج قيم جديدة وإعادة حقن قين أخرى مادام «زمنيا» محكوم يه بأن يكون زمنا تعدديا وما دمنا نربح بالتأكيد عندما نعزف عن إعادة خلق العالم بدون توقف.

صوت آخر يأتي ليرافع لصالح اللغة العربية بوصفها لغة للتعليم: «يجب أن تكون لغة التعليم الأولي هي اللغة الوطنية لأن المعرفة جد النسبية التي ملكها التلاميذ عن الفرنسية لا تتيح لهم أن يتلقوا تعليما فعالا بالفرنسية، وهي لغة لا يمارسونها. بالإضافة إلى ذلك، فالتعليم المنقول حرفيا من النموذج الفرنسي يصير كليا تعليما مغلوطا تاريخيا، عديم الفعالية، بل وغير مرئي بالمرة». هذه، باختصار، هي مواقف الـ (S.N.E.S) والـ (P.S.P.E.S) الفرنسية.

وفي سياق الأفكار نفسه –رغم هذه الأفكار تفرط في الإساءة إلى اللغة الفرنسية-قال فليب أردان (Philippe ARDAN): »إن اللغة الفرنسية قناة تتيح ولوج الحضارة العصرية، أي تمكن من الاتصال مع العالم الخارجي، إلا أنها قد تحط من شأن اللغة الوطنية. فمناهج التعليم، والتفكير، وولوج المعرفة قد تكون غريبة عن عبقرية الحضارة العربية الإسلامية…ومن شأنها أن تحول دون تحقيق مجتمع قومي بالفعل».

ويواصل فيليب أردان أطروحته هذه مشيرا إلى أن اللغة (الأجنبية) تدخل عناصر حضارة طارئة، إقليمية وخاصة. كما تقحم سلطة مخدرة تحول على الخصوص دون تساؤل.

إن ما قيل في هذا المقال يبدو لنا مفرطا، لأن البرامج التعليمية المغربية -خلافا لما يتم الإصرار على تأكيده-ليست منقولة حرفيا من البرامج الفرنسية. فمغربة التعليم الابتدائي والسلك الأول من التعليم الثانوي قد تمت رغم كل شيء، وتعريب المواد العلمية متواصل بشكل عادي (مع ما ما يلاقيه من صعوبات موضوعية كانت متوقعة).

في الواقع، إن عملية التعريب ونتيجتها الطبيعية –أي مغربة الأطر- قد قطعنا أشواطا هامة. ولا أدل على ذلك من هذه التواريخ التي نقدمها كمؤشرات على وضع لغوي بدأت معالمه تتضح بشكل أفضل:

-1965: بداية تعريب الابتدائي (السنة الثالثة)

-1969: مغربة التعليم الابتدائي.

-1973-1974: تعريب الفلسفة.

-1974-1975: تعريب التاريخ والجغرافيا.

-1982-1983: تعريب تدريس الرياضيات في السنة الأولى.

-1983-1984: تعريب تدريس الرياضيات في السنة الثانية.

-1984-1985: تعريب تدريس الرياضيات في السنة الثالثة.

-1985-1986: تعريب تدريس الرياضيات والعلوم الطبيعية والعلوم الفيزيائية في السنة الرابعة.

-1986-1987: تعريب تدريس تعليم الرياضيات، والعلوم الطبيعية، والفيزياء والكيمياء في السنة الخامسة.

-1987-1988: تعريب تدريس الرياضيات، والعلوم الطبيعية، والفيزياء والكيمياء في السنة السادسة.

-1988-1989: تعريب تدريس الرياضيات، والعلوم الطبيعية، والفيزياء والكيمياء في السنة السابعة.

تعتبر التجربة المغربية في هذا الباب تجربة فريدة من نوعها. فبالموازاة مع التعريب تتواصل حركة تجديد في اتجاه تقوية وتحسين تعلم اللغات الأجنبية ولاسيما الفرنسية..هكذا، فـ «لتدعيم القدرات اللغوية عند الطفل وتمكينه من مواجهة التعليم العالي والتكيف معه بنجاح…قررت وزارة التربية الوطنية تقوية اللغة الفرنسية بالزيادة في الساعات المخصصة لها والرفع من مستوى مناهج تعليمها».

والغاية من ذلك هي تمكين كل تلميذ يصل إلى الجامعة من متابعة دراساته العليا بالفرنسية، لاسيما في الكليات والمعاهد والمدارس العلمية والتكنولوجية في المغرب أو الخارج على حد سواء.

وقد جاء هذا الرفع الذي يهم الشعب العلمية ليخفف من حدة نقص عدد الساعات المخصصة للغة الفرنسية في هذه الأقسام الذي ترتب عن تعريب المواد العلمية. ومن خلال عودة مفصلة إلى هذا الموضوع، يمكن تسجيل أن التعريب لا يقصى مبدئيا تألق اللغات الوطنية ولا حتى الأدب المغاربي المكتوب بالفرنسية. وبهذا الصدد لابد من تسجيل لملاحظتين الآتيين:

أ-إن التوقع الذي كان سائدا في الستينات بشأن اضمحلال الأدب المغاربي المكتوب بالفرنسية يجد نفسه اليوم مكذبا أكثر من أي وقت مضى.

ب-إن هذا الأدب المغاربي يتخذ لنفسه مرجعيات ثقافية عربية-بربرية إسلامية، وبذلك فهو يتبدى متجذرا في المجال المغاربي ومتحررا من كل إرادة لفرض هوية متوحشة. إنه يسلك بشكل متزايد طريق الاختلاف المعترف، والمضمون، وكذا سبيل حوار الثقافات.

ويبقى أن هذا الحوار لن يتحقق بشكل كلي إلا بوجود تبادل لغوي حقيقي وبيداغوجي بين المغرب العربي والغرب لأن التبادل اللغوي المزعوم لازال يتم في أغلب الأحيان في اتجاه واحد، بل إنه يتم في بعض الأحيان حتى بنية للاستبدال، وهي نية في غاية الخطورة لاسيما وأنها تختفي وراء صيغ براقة.

يردد هذا الخطاب الأنثروبولوجي المسألة التي صاغتها الأحزاب السياسية، والنقابات، أو جمعيات للمثقفين، أي مسألة عجز اللغة العربية عن نقل خطابات علمية وتكنولوجية وصلاحيتها كأداة للبحث والتقصي في مختلف ميادين المعرفة.

ويرى محمد بنيخلف أن «اللغة العربية» لغة قادرة على الاتساع بواسطة الاشتقاق، والتعبير بمنتهى الدقة عن المفاهيم الأكثر اصطناعا بفضل اتساع إمكانياتها المصطلحية…فهي لغة علمية ببنيتها اللغوية نفسها». ويمضي المؤلف إلى أبعد من ذلك بإحالته على جبرا إبراهيم جبرا الذي أكد أن «النحو العربي –رغم تعقيده- ذو جوهر منطقي كالرياضيات». ويقدم كدليل على هذا التعقيد التجربة التي قام بها ب. بشاي (P.BICHAÏ) من جامعة هارفارد، فاستطاع أن يبرمج في حاسوب صغير نظاما للترجمة إلى العربية».

غير أنه يعترف، إلى جانب ذلك، بأن اللغة العربية لازالت تعرف صعوبات أكيدة، الأمر الذي يقتضي من المرء، مثلا، لكي يقرأ نصا ما قرأه سليمة من الناحية الإعرابية، وبشكل مفارق، أن يكون قد تعلم مسبقا كيفية حل الرموز الخطية للنص نفسه. ثم إن تعقيد القواعد النحوية يجعل من الصعب معرفة كيفية اشتغال اللغة. يضاف إلى ذلك صعوبة وضع مصطلحات موحدة. وهي صعوبة راجعة، من جهة، إلى عيوب نمط التواصل السائد بين مختلف البلدان العربية فيما يتعلق بموضوع البحث المصطلحي –حيثما وجد هذا البحث- ومن جهة أخرى إلى اللهجات الجهوية: «أحيانا يكون الأصل في اختلاف المصطلحات هو الأنفة الشخصية أو المحلية لهذه اللهجات». ومع ذلك، فهذا الرأي يبقى قابلا للنقاش، إذ يبدو –على العكس- أن فقر اللغة العربية إلى المصطلحات التقنية أمر لا يدعو المؤلف إلى القلق مادام المعجم المصطلحي في نظره لا يمثل سوى 25% الباقية من لغة اعتيادية. ثم إنه يرى أن مشكل المصطلحات، هذا، مشكل زائف لأن حله –على الأقل- ليس مستحيلا رغم التأخرات المتراكمة في هذا الباب، وذلك شريطة أن يتم التحكم في التنافس القائم بين اللغات المتواجدة.

ويرى الأخضر غزال أن اللغة العربية قد تم استخدامها لنقل العلوم والتقنيات وأدوات البحث الدقيقة في مجال العلوم المحضة والعلوم الإنسانية على حد سواء.

وللاستشهاد على قدرات تكيف اللغة العربية مع مقتضيات الخطاب العلمي نسوق الأمثلة الآتية:

أ-إن بعض الفونيمات ليس لها قيمة كونها وحدات متميزة فقط، بل إنها تشكل علاوة على ذلك مؤشرات دالة. هكذا:

فالـ «ش» يعبر عن التناثر.

والـ «ر» يعبر عن الوقاية.

والـ «ض» يعبر عن الأشياء الكبيرة الحجم..

إن أغلب الكلمات المكونة من هذه الفونيمات تحمل في ذاتها علامة المعنى الذي تشير إليه. وبذلك، فإن اللسانيين، وحتى الطلبة غير المجبولين على اللغة العربية، يجدون مادة للبحث والتجديد ومعالم بيداغوجية. أما بالنسبة للمبتكرين التكنولوجيين، فالأمر يعد حقا نعمة، ذلك أن العلاقة بين صَ وصِ هي أقل اعتباطا مما هي عليه في باقي اللغات، وبذلك تبقى مهمتهم سهلة بشكل ملحوظ.

وبفضل الاتشقاق يمكن للغة الغربية أن تبدع كلمات جديدة وتبتكر المعجم المصطلحي الضروري للتعليم والبحث العلمي ومختلف قطاعات الحياة العصرية شريطة أن تستغل إمكانياتها منهجيا وعقلانيا. فعلى سبيل المثال، حول الجذر «(حساب) calcul» يمكن أن نصوغ بالفرنسية كلمات: calculer (حسب)، و calcul (حساب)، وcalculatrice (آلة حاسبة)، وcalculateur (حساب). ويطابق هذه الكلمات في اللغة العربية المفردات الآتية، وكلها تنتمي إلى الجذر نفسه: «حسب»:

مقابلاتها في اللغة العربيةالمفردات المشتقة من الجذر «حسب»

 

 

حَسَبَ

حَاسَب

تَحَاسَبَ

اِحْتَسَبَ

حَسَّبَ

أَحْسَبَ

حِسَابٌ

حِسْبَان

حِسْبَةٌ

حَسْبٌ

تَحَسُّبَ

مُحْتَسِبٌ

حَاسِبٌ

مُحَاسِبٌ

مَحْسَبَةٌ

حَسِيبٌ

حَاسُوبٌ

Calculer, compter

Demander les comptes

Faire les comptes ave

Prendre

Faire des comptes

 

Calcul, compte

Conjecture, calculateur

Actuaire, calculateur

Compte

Précaution, prévision

Comptable

Actuaire, calculateure

Comptable

Compte

Demandeur de compte

Ordinateur, computer

 

ب-اللغة العربية تقبل جيدا الدخيل. ومن شأن هذا الأخير أن يكون عاملا لتملك التجديد العلمي والتقني بصفة خاصة، وقابلية الانفتاح على الثقافات الأخرى. يرى هاجي (Hagye)- على عكس غرانغيوم-أن الدخيل ليس هو المغامرة الطارئة التي تعري، بل هو أحد شروط حياة اللغات لأنها متكلم بها من طرف مجتمعات بشرية تتصل فيما بينها بالضرورة في الزمان والمكان. والدخيل، إلى جانب دلالته على اشتغال اللغات، هو أحد محركات تطور هذه الأخيرة. وقدرة لغة من اللغات على استيعاب المفردات الدخيلة هو نفسه دليل على إبداعية هذه اللغة». ومن بين الدخيل الذي أدمجه الاستعمال اللغوي العربي وتبناه يمكن ذكر ما يلي:

الدخيل                                              الأصل الفرنسي

تلفزة                                                     Télévision

ديناميكية                                              Dynamique

بيداغوجية                                             Pédagogie

ابستميلوجيا                                         épistémologie

ج-فيما وراء الدخيل المعجمي، هناك دخيل آخر أدمج إدماجا كليا. ويتعلق الأمر ببعض الأبنية التركيبية: فعلى سبيل المثال، يمكن ذكر استعمال عبارة «نحو» التي تقابل الصياغة الفرنسية «à l’égard de» .

مثال:

جملة تشتمل عل عبارة «نحو»:

-فلان أدى واجباته نحو حقوق الله.

في التصحيح المقترح، هناك حذف لعبارة «نحو»، أي حذف المخصص المقابل لضمير الملك « ـه» (حقوقـ « ـه») والمدمج في كلمة «واجب». لقد تم تعويض الأداة المحذوفة بعلامة الجمع كما تم التعبير عن التخصيص بترتيب الكلمات في المحور التركيبي.

د-البنية المقطعية للغة جاهزة للمعالجة المعلوماتية في شروط لم تعد أصعب من تلك التي تعرفها اللغات الأخرى. وبهذا الصدد يمكن الإشارة إلى مثالين:

1-العمل الذي أنجزه الخضر غزال حول «الطريقة المعيارية للطباعة العربية»، وهو تمثيل للحروف يتيح كتابة النصوص العربية مشكولة حسب الطرق الجاري بها العمل في مجالات الطباعة والإعلاميات.

2-التجربة التي قام بها الأستاذ بشاي –من جامعة هارفارد-الذي كتب أن «العربية مبنية بشكل جيد بحيث يمكن للحاسوب أن يجد بنفسه الموازين الصرفية المناسبة بمجرد ما يلتقط الجذر».

هكذا، فعلى أساس الأشكال الآتية:

/فعل/، /اندفع/، /يتفاعل/

يمكنه (أي الحاسوب) أن يعطي، على سبيل المثال، انطلاقا من الجذور:

/دفع/، اندفع/، /يندفع/

/قسم/، /انقسم/، /يتقاسم/

/ضرب/، /انضرب/، /يتضارب/

ومع هذا، فمن الضروري تصور التعريب على صعيد الدول العربية على مستوى السياسة اللغوية الواجب اتباعها اتجاه أوروبا وباقي الدول بغاية الرفع من شأن اللغة العربية. وعلى مستوى التربية والتعليم، من الضروري إجراء تشاور من أجل إرساء استراتيجيات تعريب عن طريق البرامج الدراسية الملائمة، وكذلك بتحسين إسهام وسائط الاتصال في هذا الباب.

إن تعدد طبيعة الهوية المغربية يشكل عنصر ثراء من اللائق الحفاظ عليه. كما يجب أيضا الحفاظ على هذه التعددية من اللغات التي يشكلها التعايش بين اللهجات الجهوية واللغات البربرية. فهي تمثل مستودعا أو دعت فيه الذاكرة الجماعية المغربية على امتداد التاريخ آثار معيشها والحساسية والمعتقدات والعبقرية التي تحركها.

في اللمحة التاريخية القصيرة للعلاقات القائمة بين اللغة العربية، والبربرية، واللهجات الجهوية تم تسجيل أن هذا التعايش قد استطاع أن يبقى ويتوطد لأن السلطة كانت، منذ تأسيس الدولة المغربية، بيد أسر تنحدر من عائلات بربرية، هي عائلات صنهاجة، ومصمودة، وزناتة.

يلاحظ أن البربرية دون أن «تنزل منزلة اللهجة العامية» (الشامي، 1987) هي أساس أبعد من أن تكون قد ربحت عنوان مجدها الذي ربما لا سبيل أمامها لربحه عدا منافسة «التيفناغ» (بوكوس، 1979)، أي كتابة الطوارق. ومع ذلك، يجب تسجيل أن الثقافة البربرية قد صارت منذ السبعينات أكثر حضور كما أن رد الاعتبار إليها هو بصدد الترسخ وإن بشكل بطئ: فوسائط الاتصال تأخذها في الحسبان بشكل متزايد، كما تنزع عنها تدريجيا الطابع الفولكلوري. أما في التعليم العالي، فهي تشكل موضوع فضول ثقافي مثمر. ولا أدل على ذلك من هذه البحوث لنيل الإجازة، وشهادة الدروس المعمقة، ودبلوم الدراسات العليا، التي ساهم في ازدهارها وتفتحها.

ورغم أن التعريب يبدو في الوقت الراهن لا يعارض هذا التعايش، فإنه توجد فئة –نادرة في الواقع- تخلط بين المطالب من أجل الرفع من قيمة تعبير الثقافات البربرية والجهوية من منظور تعددية ثقافية يجب الحفاظ عليها وبين طائفة بربرفونية أو ذات نزعة جهوية.

وبالفعل، فإن الدفاع عن «نزعة بربرية» ما إنما هو وضع عراقيل أمام تماسك وحدة غذا ضروريا أكثر من أي وقت مضى لمواجهة مشاكل التخلف. كما أنه تكريس لـ «عزلوية»، على صعيد المواقف والأفكار، تحول دون الاتجاه نحو «نزعة استقلالية» في وقت لم تعد فيه –على المستوى العالمي- أي حاجة للبرهنة على إسهام السياسات الجهوية (أي المراعية للتجمعات الجهوية). فماذا الآن عن العلاقة مع اللغة الفرنسية؟

لقد تم تقدير عناصر إجابة عن هذا السؤال خلال ندوة عقدها معهد الدراسات والأبحاث للتعريب (م.د.أ.ت) والمجلس الدول للغة الفرنسية (C.I.L.F) في موضوع «العلاقات بين اللغة العربية واللغة الفرنسية حصيلة وآفاق 1975-1985». هكذا، فقد قال السيد غربوج ممثل الأمين العام لجامعة الدول العربية، في معرض حديثه في الندوة نفسها عن التبادل في المجال اللغوي إنه يجب القبول بمجهود متبادل يتيح «للدول العربية أن تحافظ على حضور اللغة الفرنسية وتوطده، ويتيح لفرنسا، من جهتها، إرادة تطوير تعليم اللغة العربية وتشجيع المعرفة بالعالم العربي الإسلامي».

وبالإضافة إلى ذلك، أشار ممثل الكاتب العام إلى أن «مسألة قد تم تشييدها» بين العربية واللغات الأجنبية، الأمر الذي يتيح للهوية القومية أن تؤكد ذاتها. من الآن فصاعدا، سيتعلم المواطن العربي اللغات الأجنبية بوصفه «رجلا حرا» ودون أن يخشى الوقوع في الاستلاب. وآنذاك، ستعتبر اللغة الفرنسية بمثابة ثروة إضافية «تأتي لترفد التيار الأساسي، وهو اللغة الأم لغة الثقافة والمعيش». وبحسب السيد غربوج، يبدو أن الازدواجية اللغوية تتقدم في سائر البلدان العربية بدون صعوبة تذكر، وذلك بالموازاة مع إثبات «الثقافة القومية لحيويتها» الكبيرة في الدول نفسها.

من هذا المنظور، تمت التوصية اللغة الفرنسية ليس لقيمتها النفعية (بالمعنى الضيق للكلمة)،وإنما لمحتواها الثقافي مادامت اللغة الفرنسية لغة ثقافة وحضارة.

وقد خلص الطاهر غيفا، من جهته، (إبان الندوة نفسها) إلى أنه يجب على دول اللغة الفرنسية أن تتخلص من «موقف خاطئ واختزالي تجاه الثقافة العربية، ذلك الموقف الذي يقوم على البحث في أعمال الماضي وجهل الأعمال المعاصرة، من جهة، والتعلق بالمخالفة للمألوف، أي الغرائبي والفولكوري، من جهة أخرى، وذلك على حساب الأعمال القديمة والمعاصرة التي تمثل –من وجهة نظر المجتمع العربي الذي نشأت فيه- ظواهر ووقائع عظيمة».

إن حالة التعدد اللغوي التي يعرفها المغرب قابلة لأن تشكل مصادر للذكاء والخيال والحساسية لفائدة تقدم البلاد. وذلك طبعا إذا تم استغلالها بذكاء وبعد نظر. ومسألة الهوية الثقافية سيتم فهمها آنئذ بصفتها قبولا لمختلف أنماط الفكر داخل مجموع ثقافي منظم ومحدد الغايات بحيث لا يعني فيه مفهوم العودة إلى الأصالة اختزالا إلى أصالة وحيدة وثابتة على حساب باقي أشكال الأصالة ولا إقصاء للمكونات اللغوية والثقافية التي دمجها التاريخ المعاصر في الشخصية المغربية.

إن أي استعمال يضفي على هذا المفهوم طابعا أسطوريا إنما هو يزيف علاقات الفرد بالحاضر، أي يفرض عليه نمطا من تمثل الأحداث والظواهر من خلال نماذج مغلوطة تاريخيا وقيم زائفة. ويترتب عن ذلك حالة وعي سكونية ومواقف لا تتيح إطلاقا الأخذ بعين الاعتبار لأفكار مرتبطة بالتنمية ولا إدخالها في أنماط معالجات القطاعات المرتبطة بالإنتاج الاقتصادي والثقافي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامــش

• -العنوان الأصلي للدراسة ومصدرها:

« Le débat culturel et linguistique », in Mostapha El GHRBI, Aménagement linguistique et enseignement du français au Maroc. Enjeux Culturels, Linguistiques, Meknés, La Voix de Meknès, 1993, pp : 31-50.

– SHAFF. A, Langage et connaisance, Paris, Ed. ANTHROPOS, 1973, p : 71.

-HERBERT., Cité A.SHAFF, Cité par El AYADI. M., « Langue, culture pensée. Enseignement et systéme scolaire », B.E.S.M., Casablanca, Najah El Jadida, 1983, p.18.

-BERSTEIN. B., Langage et classes sociales, Paris, Les Editions de Minuit, 1975, p : 59 (347 pages).

-المرجع السابق.

-مشكل استخدام اللغات الوطنية يطرح بحدة أقل.

-من المحقق أن العاهل المغربي قد ذكر مرتكزات ليس سياسة لغوية فحسب، بل وكذلك أسس فلسفة تربوية، فمن أقواله مثلا: “الأمي في عصرنا هذا هو من لا يعرف سوى لغة واحدة”. بهذا الصدد، راجع خطاب جلالته في إيفران يوم 27 فبراير 1987، وكذا الخطاب الذي ألقاه يوم 30 نوفمبر 1987، وكامتداد للتوجيهات الواردة في هذين الخطابين، نذكر بعض التصريحات الشهيرة للدكتور عز الدين الواردة في هذين الخطابين، نذكر بعض التصريحات الشهيرة للدكتور عز الدين العراقي وزير التربية الوطنية (سابقا): “إن تعليم اللغات العربية لا يجب أن يلغي تعليم اللغات الأجنبية، ونعني بها الفرنسية، وذلك منذ المدرسة الابتدائية”؛ “إن خطر الصراع بين اللغات لا يحدث إلا في غياب التحديد الدقيق لوظائف اللغة الوطنية واللغة الأ جنبية”؛ “إن مغرب اليوم وأكثر منه مغرب الغد يجب أن يكون بلدا لثلاث لغات:؛ “يجب على الطفل المغربي أيضا أن يتقن اللغة الفرنسية التي أعاد مخططنا للتعريب التحديد الدقيق لوظيفتها وعلاقاتها باللغة الوطنية”؛ “لقد صار تعليم اللغة الفرنسية من الآن فصاعدا متخلصا من كل جو صراعي. فالفرنسية، باعتبارها أول لغة أجنبية إجبارية، تشكل في نظامنا التعليمي المكمل الضروري للتكوين الذي يتم باللغة العربية: إنها وسيلة للانفتاح على العالم الخارجي وأداة لولوج ثقافة مختلفة”.. انظر عملنا:

EL GHERBI. M. ; Aménagement linguistique et enseignement du français au Maroc. Enjeux culturels, Linguistiques et didactiques, Meknès, la voix de Meknès, 1993.

حيث أوردنا في الملحق متنا متشكلا من خطب سياسية ونصوص حكومية خاصة بالسياسة اللغوية في المغرب.

-انظر مخططات التنمية والنصوصو الحكومية” في الملحق 1 من المصطفى الغربي، مرجع سابق.

-ويبدو هذا الموقف غربيا إذا علمنا موقف هذا الحزب من المسألة اللغوية في المغرب. انظر أسفله والخطاب التقليدي”

-انظر القسم الخاص بـ “الصور المستدخلة ونظام القيم” في عملنا المذكور أعلاه.

-الغربي،م.، مرجع مذكور، الملحق 1: “توجهات الأحزاب السياسية”.

-المرجع السابق.

-نفسه.

-يطالب بحذف تعليم اللغة الفرنسية من التعليم الابتدائي لإتاحة تحسين مردودية هذا السلك التعليمي. وترتكز هذه المطالبة على اعتبارات ذات طبيعة سيكولوجية يمكن أن نذكر منها:

-اضطرابات البث الصوتي وخاصة تمفصل بعض الفونيمات في بعض الأحيان.

-البكم الذي ينتج عن اضطراب وجداني لاحق بفقدان الصلة مع تعبير لا يتم التحكم فيه.

-GRANGUILLAME. G. , Arabisation et politique linguistique au Maghreb, Paris, 1983, Maisonneuve & Larose, 1983.

-المرجع السابق.

-«ينخرط نقصان قيمة الهوية العربية في هذه اللغة (الفرنسية)، ويساعد الاستعمار على ذلك. وداخل هذه اللغة نفسها يجب أن يتم الاعتبار للهوية. فالاعتراف بالعلاقة مع هذه اللغة في تعارضها الوجداني نفسه (Ambivalence) هو امتلاك لوسائل تصفية الصفات اللاشعورية» نفسه، ص: 159.

-بنيخلف.م.، الاحتمالات والإحصاء الرياضي، الدار البيضاء، المطابع المغاربية، 1975، ج 1، ص: 4.

-مفهوم طوره جيدا عبد الله العروي وعبد الكبير الخطيبي. راجع أيضا:

EL GHERBI. M., Cit., Annexe 1, «textes ».

-SRIEBE. N., « Enseignement, élite et système des valeurs », Annuaire de l’Afrique du Nord, C.R.E.S.M., 1974.

-لقد شكلت الاستعارة موضوع عمل تصويري للرسام المغربي الشرقاوي، وهو عمل استخدمه الخطيبي بدوره، في أحد أعماله، باعتباره ما قبل نص/ ذريعة (Pré –texte).

-راجع عز الدين العراقي، «الحسن الثاني رائد مسيرة التربية والتعليم»، الرسالة التربوية، وانظر أيضا: المصطفى الغربي، مرجع مذكور، الملحق «مخططات التنمية ونصوص حكومية».

-من تقرير لجنة التعليم للمؤتمر الوطني الثالث للاتحاد الاشتراكي للقوات المنعقد في الدار البيضاء أيام 8-9-10 دجنبر 1987. راجع: الغربي.م.، مرجع مذكور، الملحق 1 «توجهات الأحزاب السياسية».

-نمن الميثاق الوطني حول التعليم 22، 23 و24 يناير 1971، انظر المرجع السابق الملحق 1، «التنظيمات النقابية».

- Fitouri. C., Biculturalisme, bilinguidtisme et éducation, Paris, Delachaux et Niétslé, 1983, p.43.

-Transfert de technologie et développement : Rapport et observations présentés lors des journées d’études internationales sur les transferts de technologie et dévoloppement, Dijon 30 Septembre-2 Octobre 1976 ; sous la direction de P. JUDET, PH. KAHN, A. KISS et TOUSCOZ, Paris, Librairies Techniques, 1977, 562 pages.

-راجع على الخصوص أعمال عبد الله العروي، وهشام جعيط، وعبد الوهاب بوحديبة، وبول باسكون، وعبد الكبير الخطيبي.

-SOURTAU. C. , « Choix de la langue et transfert de technologie », in Annuaire de l’Afrique du Nord, 1976, pp. 91-100.

-Colloque du S.N.E.S. 22-24 Janvier 1971 et pour l’A.S.P.E.S., voir article n° 47, Avril 1971.

-ARDAN, P., « Vinght ans de coopération culturelle et technique avec la Maroc : échec ou réussite ? », in Annuaire de l’Afrique du Nord, 1974, p. 225, (pp. 209-226)

-من خطاب الدكتور الهلالي وزير التربية الوطنية، بمناسبة الدخول المدرسي والجامعي 1987-1988 انظر: الغربي.م.، مرجع مذكور، الملحق «مخططات التنمية والنصوص الحكومية».

-المرجع السابق، الملحق 2: «الساعات والبرامج».

-نفسه، الملحق 1: «نصوص نقدية».

-انظر القسم الخاص بـ «التعاون الثقافي والتقني» في عملنا السابق الذكر.

-الاتحاد المغربي للشغل: «اللغة العربية الملطفة والمنعشة والموسعة غنية ما فيه الكفاية لكي تستخدم في سائر المعارف والتخصصات». انظر المرجع السابق، «توجهات الأحزاب السياسية».

-يرى العلماء أنه لا يجوز اتهام اللغة العربية بـ «العجز في مجال المصطلح العلمي الجديد في الوقت الذي لا ينكر فيه أحد أن هذه اللغة كانت اللغة العلمية الوحيدة الجديدة طوال القرون الإسلامية الزاهية (العصر الوسيط في أوربا). انظر: المرجع السابق، ملحق رق: 1 «توجهات الأحزاب السياسية».

-يقصد باللغة العربية «العصرية» مثلما يقصد باللغة الفرنسية –وبدون اكتراث – لغة فلوبير، أي اللغة المألوفة أو الاصطلاحية.

BENYAKHLEF. M., Pour une arabisation de niveau, Casablanca, Impression graphoprint (sans date d’impression), p, 78.

-نفسه، ص. 73.

-BARBOT. M., « Réflexion sur les réformes de l”arabe littéral. In la réforme des langue histoire et avenir, U.I., 1982, Illustration du croisement racins-schéma, cité par Zizi. A., «l”enseignement des sciences entre deux langues », in le français dans le mande, n° 189, Nov-Décem. 1984. Paris, Hauchette, Larousse, p. 135.

وتتوفر العربية على أداة ممتازة للاشتقاق القياسي، التقاطع جذر –بنية يقصر بفقره في اللواحق، لكن تراكبه الدقيق يخفي طاقات لم تستغل نسبيا».

– فهو يرى أن الدخيل يجعل من العربية العصرية «نقلا حرفيا من اللغات الغربية». هكذا، «فعدم كفاية الفرنسية تترجم في أن واحد بألفاظ جديدة، وبصيغ أسلوبية وبنيات تركيبية». وبإجراء كشف جساب لهذا الدخيل يتضح أنه أهم من ذلك الذي تعرفه اللغات العالمية لمعروفة أكثر في الوقت الراهن».

-HAGYE.G., “Voie et destins de l’action humaine sur les langages”, in la réforme des langues , Histoire et avenir. U.1, Briske Overlage, cité par ZIZI. A., Op, Cit.

-الأخضر غزال هو صاحب نظام CODAR-A.S.V: العربية المعيار مشكولة (Arabe Standared Voyellée). وهذا النظام هو مجموعة من الحروف موجهة لكتابة ونقل نصوص باللغة العربية بالتقلبات الموجودة في مجالات الطباعة، والرقاقة، ونقل المعطيات، والمواصلات المسافية.

-مذكور في بنيخلف. راجع أعلاه.

-راجع أعلاه، ص: 8 وما بعدها.

-«تعتبر اللغة البربرية، إلى جانب اللغة الإثنيوبية –التي تنتمي بدورها إلى مجموعة اللغات الحامية السامية- اللغة الإفريقية الوحيدة التي لها نظام للكتابة مستقل». راجع:

CAMPS, g., Brebéres aux marges de l’histoire, collection archéologie, horizons neufs, Editions des Hespérides.

وهذه الكتابة تدعى «تيفناغ»، وهي قيمة جدا ما دامت تعود إلى ما قبل التاريخ، بالإضافة إلى كونها لغة صواتية أساس. كما أنها لم تتح الفرصة لأي إنتاج أدبي. ونشاهد اليوم امتزاجا حقيقيا بين اللغة العربية واللهجات البربرية إذ أن ثلثي أبنية جمل الدارجة المغربية تنحدر من أصل أمازيغي، وثلث واحد من أصل عربي. أما المفردات فثلثاها من المغربية الدارجة والثلث الباقي من أصل بربري.

-لا يشاطر بوكوس هذا الرأي، إذ يقول: «هكذا، يمكن القول إن السنن البربري يعتبر لغة، لكنه لغة مسود عليها. وهذه الهيمنة تجد تفسيرها في تظافر العوامل الآتية: الاستعمار، والتبعية الاقتصادية، والثقافية، والهجرة، وتمركز الدولة، والتهميش الذي تتعرض له البربرية من طرف العربية والفرنسية». انظر:

BOUKOUS. A., « La culture populaire, l”unité dans la diversité » , in Lamatif, N° 122, p :40.

-MOUFAKKIR. A., et HAJJI. Compte rendu du colloque paru dans le quotidien AL-MAGHRIB, n° 2539 du Mercredi 15.5.1985.

وقد انعقدت هذه الندوة في الرباط أيام 6،7 و8 ماي 1985.

-المرجع نفسه.

السابق
المصطفى الغربي: ما وراء الفرنكوفونية من أجل كفاءة عبرثقافية وتعددة اللغات
التالي
المصطفى الغربي – وضعية اللغة الفرنسية في المشهد اللغوي بالمغرب