حوارات

محمد أسليـم: هناك صلة وطيدة بين الدين والسحر (1)/ ياسر الهلالي

– ياسر الهلالي: من خلال اهتمامك بموضوع السحر ونشرك لإصدارات فيه، هل يمكن أن تعطينا تعريفا لهذه الظاهرة؟
محمد أسليـم: لا وجود لتعريف جامع يغطي هذه الممارسة في سائر المجتمعات، لأنَّها تتلون حسب البيئات الثقافية والأزمنة. وعموما، يمكن القول إنَّ السحر سعيٌ للتأثير في العالم المحسوس بقدرات فوق طبيعية، ليست في متناول سائر الناس، ويتألف من مكونين: أسطورة (معتقد) وطقس (ممارسة). الأسطورة تمدُّ بـ «النظرية»، والطقس بـ «المعرفة» وأدوات العمل. في السحر، لا وجود لطقس بدون أسطورة ولا أسطورة غير مؤسِّسَة لطقس.
على سبيل المثال، يتشكل الكونُ في المنظور السحري من عالمين: علوي وسُفلي، وما يحدث هنا، في الأرض، يتحدَّدُ بحركات الـ «هناك»، أي الأفلاك، والكواكب، والأبراج، ومنازل القمر، وما إلى ذلك. بالتالي، يُمكن استباق معرفة وقائع المستقبل وتعديل مسار ما يقعُ هنا، من خلال تأمل حركات العالم العلوي والقيام بتدخلات تأخذ شكل طقوس، وهو ما تقدمه وصفات السحرين: المدوَّنة كتابيا، والمتناقلة شفويا.

ي. هـ.: ما هي المجالات التي يتدخَّلُ فيها السحر؟ وهل تتكلل تدخلاته بالنجاح أم أنَّ الأمر لا يعدو مجرَّد وهم؟ وإذا كانت تدخلاته تتكلل بالنجاح، فما السر في ذلك؟
م. أ.: تغطي هذه التدخلات كافة مشاغل الإنسان، ابتداء من العلل النفسية والجسدية، بكافة أنواعها، مرورا بالعلاقات العائلية والاجتماعية والمهنية، ووصولا إلى المكاسب المادية. ويكفي للتحقق من ذلك فحص «الخطاب الإشهاري» الذي يعتمده مزاولو السحر أو تصفح فهارس مصنفات السحر مما هو متاحٌ في الأسواق أو حتى في شبكة الأنترنت. بل، يمضي السحر إلى ما هو أبعد، فلا يقيد مجالات تدخله بزمنه ومجتمعه، إذ يترك الباب مفتوحا لاستيعاب كل المستجدات الممكنة، وذلك من خلال وصفات ما يُسمى عندهم بـ «قضاء الحاجة»، حيثُ يُكتفى بوضع الإطار وتعيين توابل العمل، إن جاز التعبير، ويُتركُ للمستخدم شأن ملء ذلك الهيكل بما يشغله بصرف النظر عن ماهيته.
لو لم تتكلل تدخلات السحر بالنجاح لما استمر منذ القدم ولما عرف هذا الانتشار الجغرافي حيث يُمارس في بلدان القارات الخمس. وقد يكمنُ مفتاح معرفة «ماذا» يجري في السحر و«لماذا» في الخطاب السحري وليس في التحقق من صحة معتقداته واختبار طقوسه، بطريقة الفحوص المختبرية لإثبات جودة منتوج ما أو فساده، بمعنى أنَّ نجاح التدخلات الخفية تكمن في اللغة أوَّلا وقبل كل شيء. والسحر في هذا الجانب، يُشبه ما يُسمى في الطب بـ «العلاج البديل» أو «الدواء الوهمي»، حيثُ يُناوَل المريض ماءٌ أو مادة ليس لها أية خاصية علاجية، باعتبارها عقارا، فيُشفى من علَّته فعلا بقوة الوهم. ففيما يمكن تسميته بـ «القضايا السحرية»، نجد شبه حرب لغوية بين أطراف ثلاثة على الأقل: الضحية، الساحر، ثم مُزيلُ السِّحر. والأطراف الثلاثة تمتح من مخزون لغوي ثقافي (بالمعنى الأنثروبولوجي لكلمة ثقافة)، وتتبادل المواقع في الكلام والسياق….

ي. هـ.: ما واقع المعتقدات والممارسات السحرية في المغرب والمواكبة البحثية لها.؟ هل حصل تحول، على سبيل المثال، بين أحوال الظاهرة اليوم وأوضاعها في مستهل القرن الماضي، كما رصدته مجموعة من الدراسات التي تدخل ضمن ما يسمى بعلوم الاجتماع الكولونيالية؟
م. أ.: في الإسلام هناك صلة وطيدة بين الدين والسحر، إذ في القرآن إشاراتٌ إليه، كما إلى الجن والشياطين والملائكة، ومن هنا شيوع الاعتقاد بالسحر بوصفه جزءا من الإيمان، وكثرة تعزيز الكلام في المغرب بالإحالة إلى القرآن للتدليل على وجود السحر، وكأن عدم الإيمان بوجوده يشكل خرقا للعقيدة.
على صعيد الممارسة، يعتبر السحر من الأفعال الهامشية التي تُزاول في الظل، ولذلك من السذاجة توقع أن يتكلم الشخص الذي يلوذ به للزواج، أو التطليق، أو هلاك ظالم، أو جلب شخص آخر، وما إلى ذلك، عن صنيعه، ما يجعل المقولة «في إثنوغرافيا السحر، يجب على الباحث دائما أن يتموقع في مكان ما » التي استخلصتها إحدى الدراسات حول ممارسات السحر في المجتمع الفرنسي تنطبق أيضا على المغرب. في أوساط السحر، لا ترُوجُ الكلمة ما لم يُضمَن لها غيابُ الحظر، ووحده التورُّط في العلاقة السحرية يفسح مجال الكلام أمام أطرفها.
على مستوى البحث، فيما عدا دراسات تعدُّ على رؤوس الأصابع، أغلبها يتناول الموضوع من جانبه الغرائبي، تكاد الاستثناءات الأكاديمية تبقى في حكم الانتظار. وقد تجد هذه النُّدرة تفسيرها في الحظر المُلقى على السحر من واجهتين: الحداثة تعتبره من مظاهر الجهل والتخلف، والدينُ يُدخله في باب الحرام. وبذلك، تبقى دراسات كولونيالية، كتلك التي قام بها إدموند دوتيه وموشان، وغيرهما، بحوثا مَعْلمية، مع ضرورة الاحتراس من خلفياتها النظرية وهو ما لا يجري أحيانا. على سبيل المثال، في غياب تأطير الترجمة العربية لكتاب إدموند دوتيه (السحر والدين في أفريقيا الشمالية الصادر حديثا) بمقدمةٍ تنبه إلى تشبع خلفيته بأطروحات المدرسة الأنثروبولوجية التطورية العُنصرية، إذ كرَّسَ دوتيه جهدَه لدعم تلك النظرية بمعطيات ميدانية من مجتمعات شمال إفريقيا، بما فيها المغرب، بوصفها تجمعات بشرية تعيش في حقبة ما قبل عقلانية وما قبل منطقية، فقد يفوت القارئ غير المتخصص أنَّ استنتاجات البحث المذكور قد عفا عليها الزَّمنُ وتعرضت لانتقاد شديد في عقر دارها منذ وقت طويل. هذا من جهة، من أخرى، في غياب نشر الجامعات المغربية لبحوث طلبتها بشعب الإجازة والماستر والدكتوراه، بصيغة رقمية، على غرار ما هو شائع في معظم جامعات اليوم، بما فيها جارتنا الجزائر، يبقى الحُكمُ السَّابقُ نسبيا، إذ لا يُعرفُ بالضبط الحيز الذي تحتله بحوث السحر في شعب علوم الاجتماع بالجامعة المغربية.

ي. هـ.: ورد في إشارة سابقة أنَّ الدينَ قد شجب المعتقدات والممارسات السحرية، ومع ذلك فهذا المنع لم يفض إلى وضع حد لوجودها، فهل يتعلق الأمر هنا بخرق سافر لتعاليم العقيدة أم أنَّ هناك التفافا على موقف الدين؟
م. أ.: للوهلة الأولى، يبدو الأمر محسوما، إذ يروجُ أنَّ السحر محرم قطعا، ويكثر الاستشهاد بقوله تعالى: «ولا يفلح الساحر حيثُ أتى» (طه: 69). ولكن بالرجوع إلى تناول الفقهاء المسلمين للموضوع، يتضحُ أنَّ الأمر ليس بهذه البساطة. فأمام ظاهرة كونية، شأنها شأن ممارسات أخرى، كالغناء والشعر، يبدو أنهم وجدوا أنفسهم في غاية الإحراج. وبأخذ مواقفهم مجتمعة، يتضحُ أنهم لم يجدوا بُدا من صياغة موقف متأرجح، يفتح الباب للإباحة والحظر على السواء.
تأتى هذا الحل من خلال تفسير حرف «ما» في الآية الشهيرة: «وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ…» (البقرة: 102)، إذ انقسم الفقهاء إلى فرقين: أحدهما اعتبر «ما» موصولة، بمعنى «الذي»، ما قد يعنى أن الله أنزل السحر فعلا على هاروت وماروت، ليبتلي البشر، وثمة يكون مصدر السحر ربانيا. ودَعمَ هذا الفريق رأيه بأسطورة تتردد كثيرا في كتب التفسير وبروايات مختلفة، وهي قصة هاروت وماروت المعروفة. أما الفريق الثاني، ففسر «ما» في الآية السابقة، باعتبارها نفيا يُرادفُ «لَمْ»، فرأى أن الله تعالى لم يُنزل السحر على الملكين، وبالتالي فقد تنحدر هذه الممارسات من أصل شيطاني، فدعم هذا الفريقُ رأيه بحكاية أخرى، هي قصة الملك سليمان والجن الكثيرة الورود هي الأخرى، وبروايات متنوعة، في سياق شرح مستهل الآية السابقة: «وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ، ولكن الشياطينَ كفروا يعلمون الناسَ السّحرَ» (البقرة: 102). وبناء على هذين الفهمين، استطاع السحر بشقيه، الأبيض والأسود، الخير والشرير، أن يجد له حيزا في الثقافة والمجتمعات العربيين الإسلاميين، وهو ما يتبين من عناوين المصنفات السحرية، إذ تتأرجح بين المقدس، مثل «النور الرباني في العلم الروحاني»، و«شموس الأنوار وكنوز الأسرار»، على سبيل المثال، والمدنَّس، مثل «الكباريت في إحضار العفاريت»، و«سحر هاروت وماروت»، وما إلى ذلك. من هنا أيضا أمكن للسحرة توظيف العديد من السور والآيات القرآنية في الطقوس السحرية، ربانيها وشيطانيها! وبالجملة، في الممارسة، يتعذر الفصل بدقة بين الفضائين (القدسي والشيطاني، الخير والشرير، الحلال والحرام)، إذ بتحليل خطاب من يلوذ بالسحر، وتبريره لجوءه إليه، باعتباره ملاذا أخيرا للخروج من ورطته، يتبنُ أن الأمر يتعلق في نهاية المطاف بتسمية مرتبطة بسياق: فمن يزعمُ أنَّهُ اضطر لممارسة السحر لإبطال سحر شخص ثان، ويصفُ نفسه بالضحية، سيَنظرُ إليه ساحرُه المزعوم باعتباره هو السَّاحر. لا أحد يقول إني ساحر، في المقابل يقول: «الآخر هو الساحر‌»، وإذا ما «اعترف» أكد أنَّ هذا الآخر هو من أرغمَه على مزاولة السحر للدفاع عن نفسه لأنه وقعَ ضحية سحره، ويتم تغيير اسم السحر بأسامي «خيرة»، مثل «الكتابة» و«التفوسيخ»، وما إلى ذلك. وهذه الازدواجية للعواطف خاصية ملازمة للإنسان في سياقات عجزه عن تفسير ما يخرج عن نطاق سيطرة العقل. من هنا، يصعب اعتبار مزاولي السحر متحايلين على الدين. فهم بكل بساطة أناس بعد انسداد جميع الآفاق أمامهم، يلوذون بما يظنون أنه لا بدّ منه، ليتخطوا أزمات صحية أو نفسية أو أوضاعا عائلية أو اجتماعية في غاية التعقيد. والمغاربة في هذا لا يختلفون عن المسيحيين بسبب قوة الحظر الديني المضروب على السحر، وتسببه في مآسي رهيبة. فمزاولو السحر وزبائنهم هناك يمارسون أعمالهم اليومَ في سرية تامة، ولا يتحدثون عن ممارساتهم إلا اضطرارا وفي دائرة ضيقة جدا، لا تتجاوز المعنيين مباشرة بالسحر، ولغاية نفعية وعملية في المقام الأول، بمعنى أنَّ هذا الحقل يبقى مجال حظر في الأفعال والأقوال على السواء.

ي. هـ.: ولكن في الإسلام، هناك أيضا السنة النبوية. فماذا عن السحر فيها ؟
م. أ.: ورد في الخبر أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد تعرض لأذى السحر، فعانى أعراضا جسدية وذاكِرية، حيث قيل إنَّ آلاما بدنية قد أصابته في فترة من حياته، وأنه كان لا يأتي نساءه ويخيل إليه أنه أتاهنَّ، فافترضَ أن وراء الأمر سببا جسمانيا، فلجأ إلى وسائل التطبيب الشائعة آنذاك، لكن دون جدوى، فاستدعى الغيب، بإيكال أمره إلى الله، فزاره ملكان، وأكدا أنَّ ما أصابه كان من فعل ساحر، وسَمَّيَاه، وحدَّدا الطقس الذي استخدمه، وعيَّنا مكان دفن السحر، فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم قريبين له، فذهبا إلى مكان دَفن السحر، فأخرجاه،وأبطلاه بقراءة إحدى المعوذتين، فتخلص الرسول من مُصابه.
سمَّى مفسرو القرآن الكريم «الشق النفسي» في الحدَث الآنف «سحرَ التأخيذ»، وهو أن يُؤخذَ الرجل من زوجته بالسحر، وقدَّموا وصفات لإزالته والتخلص منه في حالة الوقوع ضحيته. لكن، بتحليل هذه الوصفات، يتضح أنها في نهاية المطاف لا تخرج عن دائرة السِّحر، ما يتيحُ استخلاصَ أنَّ مفسري القرآن الكريم تصرفوا وفقا إحدى قواعد اشتغال الثقافة، وهي أن كل شيء يتمُّ كما لو أنها تخاطب أفرادها قائلة: «لا تفعلوا كذا، لكن إذا اضطررتَم لفعله، فإليكم كيفية القيام به» !. هذه القاعدة هي ما يجعل الأحمق الفرنسي، على سبيل المثال، يختلف عن نظيره المغربي، وهذا عن الأمريكي، وما إلى ذلك. في حالة السحر، كل شيء تمَّ كما لو كان الفقهاء يخاطبون المسلم قائلين: «لا تمارسْ السحر، ولكن إذا اضطررتَ، فإليك كيفية مزاولته» !، لكن من هذا الباب سيرتدي السحر لباسَ الدين.
بتأمل حادثة سحر الرسول، يلاحظُ أنها تنسجم مع ما يمكن تسميته بـ «الخطاطة الكونية» لممارسة السحر، كما تتضح من دراسات كثيرة تناولت عدة مجتمعات بما فيها عربية إسلامية. تتحدد تلك الخطاطة في مساعي ثلاثة تم ذكرها قبل قليل. ويتبين من خلال دراسة مجموعة من الحالات السحرية المغربية أنَّ أصحابها، وعلى غرار سائر من يلوذون بالسحر في سياقات ثقافية مختلفة، يتبعون هذه الخطاطة الكونية نفسها ويعيدون في الآن نفسه إخراجَ (بالمعنى المسرحي للكلمة)ـ «أزمة سحر الرسول» صلى الله عليه وسلم

ي. هـ.: يرى الكثيرون أنَّ اللجوء إلى السحر ينتشر في المجتمعات المتخلفة، بخلاف نظيرتها المتقدمة التي تنشر فيها الصناعة والتقنية ويسود فيها السلوك العقلاني.
م. أ.: لا علاقة للمعتقدات والممارسات السحرية بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والإنجازات التقنية والعلمية. فهذه أمور توجد أيضا في سائر المجتمعات. ومع أننا لا نتوفر على أي إحصائيات بخصوص رقم معاملات السحر، إن جاز التعبير، في المجتمع المغربي، فالأرقام المتوفرة عنه في بلدين كأميركا وفرنسا، على سبيل المثال، تعد بملايير الدولارات واليوروهات، ما يفيد أنَّ انتشار المعتقدات والممارسات السحرية لا علاقة له بحضور الصناعة والتقنية والتفكير العقلاني. بل يمتلك السحر قدرة كبيرة على التكيف بحيثُ يستخدم بعض سحرة اليوم وعرَّافوهم أحدث التقنيات كالهاتف وشبكة الأنترنت والإشهار. في هذا الصدد، قد يكون السحرُ أحد الأبعاد الجوهرية في الإنسان، مما يجعل تسمية «الإنسان الساحر «Homo-magus التي اقترحها البعضُ تنطبق فعلا على نوعنا. على سبيل المثال، أدرج تودوروف في فصل «الخطاب السحري» من كتابه أجناس الخطاب ضمن فئة سحرة المجتمعات المتقدمة اليوم الفنان التشكيلي الذي يأخذ قماشا، ويلصق فيه قطعا من كيس محروق وأخرى من الصحف، ثم يسميه لوحة ويبيعها بمبلغ 10000 دولار. إليه يُمكن إضافة أن دوائر التنجيم اليوم هي أيضا مراكز الدراسات والتوقعات التي تطلق «نبوءات»، من نوع: «هذا العام، سيبلغ معدل النمو في هذا البلد نسبة كذا، وفي ذاك سيبلغ معدل البطالة نسبة كذا. هذا سيدخل منطقة الخطر العليا، وذاك سيعرف مزيدا من الاستقرار، وما إلى ذلك. هذا من جهة.
من أخرى، بما أنَّ السحر لم يحل مشاغل أرقت الإنسان منذ القدم، وظلت إلى اليوم خارجة عن نطاق سيطرة العقل والعلم، كالموت والجنون، والشيخوخة، والمرض المستعصي علاجه، والكوارث الطبيعية، وما إلى ذلك، سيبقى هذا العجز فرصة سانحة لتدخل السحر
وخلافا لما يُعتَقَدُ من أنَّ الأشخاص الذين يلوذون بالسحر لا يستعملون العقل، فالعكسُ هو الصحيح، إذ أوَّلُ ما يقوم به المرشحُ لاستدعاء تدخل سحري، كما سبقت الإشارة، هو محاولة فهم ما يجري له، في محطة استثنائية في حياته، وذلك عبر طرح سؤال: لماذا وقع لي هذا؟ لماذا أنا بالضبط؟ ما سببُ ما يقعُ لي؟ فيقدِّمُ إجابات عقلية، ويسعى إلى وضع حد لمأساته بوسائل لا دخل للسحر فيها، ولكن أمام تواتر فشل مساعي الحل، يتدخل التفسير السحري الذي يقدم جوابا مفاده أنَّ علة ما يحصل هي ما ورائية، وأن وراءها فاعلٌ إنسي، وما إلى ذلك، لتتدخل المرحلة الثالثة وهي مزاولة طقوس إنهاء المشكل التي قد تتكلل بالنجاح كما قد تتكلل بالفشل، ولكن السحر، بخلاف العلم، يقدم في الحالتين معا تفسيرا لمآل تدخله، وهنا أين تقع القطيعة بينه وبين العلم. بتعبير آخر، السحر عقلانية من نوع آخر، استثنائية، تدَّعي القدرة على تفسير كل شيء والتدخل في كل شيء، بينما عقلانية العلم عامَّة، في متناول الجميع، ومجال تدخلها محصور وقدرتها التفسيرية لا تتجاوز عموما حقل اشتغالها.

ي. هـ.: هل يُفهَم من هذا أنَّ الحدُود بين العلم والتقنية والسحر ليست واضحة بالقدر الذي يُتصوَّر؟
م. أ.: بمقدار التوغل في الماضي تغيم الحدود بين العلم والسحر لدرجة الاختلاط أحيانا. على سبيل المثال، كان علم الحسابُ، إلى غاية العصور الوسطى، يسخَّرُ أيضا في التنجيم، وكيمياء اليوم أصلها خيمياء أو فن الحصول على المعادن النفيسة بوصفات يمتزج فيها السحر والخفي والتصوف، بغاية نيل إكسير الحياة. ولم يدخل العلمُ المنعطف الذي يوجد فيه اليوم إلا ابتداء من القرن XVIم، حيثُ أقصى من دائرة اهتمامه كل ما لا يقبل الملاحظة والتجريب واستخلاص قوانين، فاستثنى كليا الفريدَ والمفردَ والمتفرِّدَ، وهذا المهمَّش سيجد له دائما حضنا وملاذا في السحر.
لكن، بتأمل إنجازات العلم الحديث، يتضحُ أنه قد افترق فعلا عن السحر، لكن بمدى تقدمه ربما يجده أفقا لمسيرته كما لو كانت نقطة انطلاقه سحرا فإذا بـ «خطِّ الوُصُولِ» سحرٌ.. كأنَّ الاثنان مسجّلين في الكود الجيني للإنسانِ. والحالة هذه، يمكن افتراض أن دائرة أولى هي على وشك الاكتمال، والتساؤل عما عسى أن تكون الدورة الثانية: هل ستكون لا علم ولا سحر أم ستكون شيئا أكبر من العلم والسحر؟ وفيما بضع أمثلة:
حققت التقنية اليومَ ما يُسمَّى في مصنفات السحر الإسْلامية العربية بـ «طي المسافات»، وهو تسْخير الجن لقطع مسافات طويلة في مدة أقصر بكثير من قدرات وسائل النقل السائدة آنذاك، وهي البهائم والعربات، إذ لو قدر للقدماء أن يُبعثوا ورأوا سياراتنا وطائراتنا، فلن نخلو من منظورهم أن نكونَ سحرة أو مخلوقات أخرى غير بشرية.
قد تكون الدمى الجنسية الآلية التي نزلت إلى الأسواق مؤخرا تحقيقا تقنيا-علميا لوصفات السحر السحيقة المسخرة لزواج الإنسي بأنثى من الجن تأتيه بصورة ملكة جمال إنسية، إذ تُصنَعُ دمى اليومَ بمواصفات جمالية تحت طلب المستخدم وبالمواصفات التي يشاء.
أما لو أخذنا بعين الاعتبار وعود علوم تكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية وعلوم الإعلام والاتصال والذكاء الاصطناعي، بتوسيع قدرات الإنسان الجسدية والعقلية، بحيثُ يبلغ معدل عمره عدة مئات من السنين، وإنتاج آلات مجهرية قادرة على التجميع والتوالد الذاتيين، وجعل مجتمعات المستقبل خليط من مخلوقات بيولوجية وأخرى غير بيولوجية، بعضها مزيج من الآلة والبيولوجيا وبعضها الآخر آلة صرفة، وما إلى ذلك مما يُخطَّطُ له ويُعمل على تحقيقه في معاهد ومختبرات، فستصدق بدون شك قولة بعضهم بأننا بصدد العودة إلى – الاتجاه صوب – المرحلة الإحيائية.

-صدر ضمن ملف «لماذا لا يزال المغاربة يلجأون للسحر؟ » الذي أعدت مجلة زمان، العدد 32، يونيو 2016، أجرى الحوار: ياسر الهلالي

السابق
عبد الحميد الأركش: 04 – رحْلة فِي عَالم البغَـاء. إشكالية الأصل والأسباب / ت. م. أسليـم
التالي
محمد أسليـم: السحر موجود بالنسبة لمن يؤمنون وفعاليته رمزية / جريدة المساء