في الأدب

أتمزَّق حسرة على الكتب التي فاتني تأليفها / حوار: محمد إدارغة

(نشر في الملحق الثقافي الأسبوعي لجريدة الميثاق الوطني، يوم 9-10 دجنبر 2001)
ضيف الحوار الآتي متشعب الانشغالات (الترجمة، البحث، السرد)، وهذا التموقع يقتضي لزوما مشاكسته في هذه الرحاب، ومساءلته في علائق هذا التنوع المطرد:

1) لماذا الترجمة منطلقا لتدشين سيرة مؤلفاتك، علما بأن أطروحتك للدكتوراه اكتست بعدا ميدانيا؟
يمكن النظر إلى عملية التأليف من منظورين: الأول أن يطلق كلمة «مؤلَّف» على العمل الذي اكتملت كتابته بغض النظر عن صدوره – أو عدم صدوره – إلى حقل التداول بين القراء. والثاني أن يطلق النعت نفسه فقط على العمل الذي ينتهي إلى القراء بهيأة كتابٍ مرَّ من مؤسسة الطباعة وأخذ شكل جسد «مستقل ونقي». إذا تموقعنا ضمن المنظور الأول كانت أطروحتي هي أول كتاب أصدرته، علما بأنها لم تصل إلى حقل التداول حتى اليوم، وكان ثاني كتاب أصدرته هو «سفر المأثورات» لأنه خرج إلى حقل التداول سنة 1992، فيما أعتقد، على أعمدة الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي، هو – كما تعلم – لم ينته إلى القراء بهيأة كتاب إلا في السنة المنفرطة. أما إذا تموقعنا ضمن المنظور الثاني، فسيكون أول عمل صدر «لي» هو فعلا كتاب «الفرنكوفونية والتعريب وتدريس اللغات الأجنبية في المغرب»، وهو مؤلف مترجم. ومعنى ذلك أنَّ عملية التأليف عندي تتمُّ بشكل بطيء جدا؛ لا يُكتَبُ المؤلفُ دفعة واحدة ويُنشَر، وإنما يُحرَّرُ على مراحل متقطعة، وعندما يكتمل النصاب لإصدار كتابٍ ما، آنذاك فقط يتم التفكير في نشره. وعملية تدشين النشر بالترجمة، بدل النصوص الإبداعية، لم يحكمها إلا هذا العنصر؛ إذا كان ظهور «الفرنكوفونية والتعريب…»، و«أبحاث في السحر» قد تمَّ سنة 1995، فإنَّ النصوص التي يتضمنها «كتاب الفقدان»، يعود تحريرها إلى 1985 والتي يتضمنها «حديث الجثة» ترجع إلى 1988، ومع ذلك لم يصدر هذا الكتاب إلا في سنة 1996، فيما لم يصدر سابقه إلا في السنة الفارطة (1997)!
أما المفارقة القائمة بين موضوع الأطروحة أو مجال التخصص (الأنثروبولوجيا) وبين ما أكتبه ومعظم ما أترجمه فتعود إلى أمر أساسي جدا، في اعتقادي، يتمثل في التنافر القائم بين المواد والشعب التي أدرِّسُ فيها – منذ مغادرتي التعليم الثانوي – والمجال الذي يُفترضُ أن أبحث فيه. بتعبير آخر، إن عزوفي عن مواصلة البحث بالشكل والإيقاع اللذين كنتُ أتمناهما مردُّه جزئيا إلى الجو العام الذي تعيشه مؤسسات تكوين الأطر المتمثل في كونها تقع في منزلة بين المنزلتين: فهي ليست بمؤسسات تعليم عالي بحصر المعنى ولا هي بمؤسسات تعليم ابتدائي أو ثانوي، والذي لا يساعد على الإنتاج خارج حقل علوم التربية التي لستُ متخصصا فيها (دون معرفة هل ذلك من حسن حظي أم من سوئه!). وإلا فأرني مؤسسة واحدة من هذه المؤسسات أنجبت مفكرا أو باحثا في حجم الأسماء اللامعة التي نجدها في أغلب الكليات المغربية.

2) تترجح ترجماتك بين عدة اهتمامات تعلن عنها بيسر شديد عناوين كتبك. هل ترشيحك لهذه التيمات ترضخ بالضرورة لقناعات ظرفية أم لمستلزمات رؤية «أسليمية» خاصة؟
باستثناء كتاب «الفرنكوفونية والتعريب وتدريس اللغات الأجنبية…» في جانبه التربوي، وهو كتابُُ تمت ترجمته لأهداف ديداكتيكية محضة، فما أترجمه من نصوص يخضع فعلا لمستلزمات شخصية تتمثل في الانهمام باللغة والمهمش والمقصي، من جهة، وبضرب من استكمال التكوين، أو «التكوين المستمر»، من جهة ثانية؛
فالـ «أبحاث في السحر» يتناول موضوعا شبه محرَّم، ويُظهر الآفاق الخصبة الممكن ولوجها حالما نتخلى عن إصدار أحكام القيمة وننظر إلى الممارسات السحرية باعتبارها لغة رمزية يُمَظهر بها الإنسانُ، في ظروف شديدة الخصوصية تتمنع عن كل تفسير، توتراته مع نفسه ومحيطيه الاجتماعي والعائلي، و«اللغة والسلطة والمجتمع في المغرب العربي» يبرز ماذا يحدث (وكيف يتم) أن تتجاوز اللغة كونها أداة للتواصل إلى أن تصير مجال رهان للسلطة… هذا من جهة، ومن جهة ثانية، في فعل الترجمة، أظن من الضروري التمييز بين المترجم المتخصص (أو المترجم التقني) وبين الباحث المترجم. فالأول تشكل عملية النقل من لغة إلى أخرى مهنته الخاصة، وبذلك يمكنه أن لا ينشغل بمسألة الاستفادة مما يترجمه، سواء من حيث المضمون أو من حيث منطق إنتاج الخطاب وآلياته. أما الثاني، ما لم تدخل المادة المترجمة ضمن انشغاله، فإني لا أرى معنى لقيامه بعملية الترجمة، بمعنى أن هذا النشاط عنده يجب بالضرورة أن يتجاوز مسألة التوسط بين قارئ ومؤلف إلى أشياء أخرى تمس مسائل استكمال التكوين، والوقوف على عمليات الاستدلال، وخطوات منهاج أو مناهج البحث…من هذا الموقع أباشر عملية الترجمة.

3) من بين القضايا الأثيرة لديك في هذا التوجه البعد اللغوي وإشكالاته المتشعبة، وهو انشغال فلسفي يحضر أيضا بقوة في كتاباتك السردية. هل يمكن النظر إلى اللغة مفتاحا لفهم تشابكات هذا العالم المنكسر؟
فعلا، الأمر كذلك. فنحن – بني البشر – أسرى اللغة؛ بداخلها نقيم، ومن خلالها نرى العالم والأشياء من حوالينا، وبها ننسج فيما بيننا مجموع العلاقات التي تجعلنا كائنات اجتماعية. وأن يكون المرء كائنا اجتماعيا معناه أن يضع نفسه في خط توافقي مع مجموع الأفراد الذين يحيطون به، أن يخضع لممنوعاتهم ورقاباتهم وينضبط لأوامرهم وينكص عن نواهيهم. هذا ما تخيله لنا الجماعة وتتظاهر به. لكن حالما يخلو المرء لنفسه ويقوم بعملية «كشف حساب» – إن جاز التعبير – عن نصيب الراحة الذي يناله من هذه الجماعة حتَّى ينذهل للغبن الذي تلحقه به: يكتشف بداخله قارات وإمكانيات واحتمالات إما تجاهلتها الجماعة كليا أو فاتها الالتفات إليها. ومتى فعل (المرء) ذلك لم يكن بوسعه سوى أن يتصرف أحد تصرفين (وهذا أيضا أحد مظاهر كوننا بداخل اللغة مسجونين!!): أن يعبر عن اختلافه مع الجماعة برد فعل مادي قوي، كأن يقترف كافة المحظورات، وبالتالي يندرج سلوكه ضمن ما يسمى بـ «الجريمة» (السرقة، القتل، ارتكاب غشيان المحارم…) أو يعبر عن رد الفعل نفسه لكن بالكتابة. السلوك الأول يقوم به الناس العاديون الذين حرموا من ولوج عالم الإبداع، والثاني ينجزه معشر الذين أتيح لهم دخول هذا العالم وأطلق عليهم اسم «مبدعين». أعتقد أنني أشتغل ضمن الفئة الثانية، وما أحرره من نصوص يسعى إلى التموقع في هذه الخانة بالضبط.

4) «أبحاث في السحر» الكتاب الثالث في سلسلة مترجماتك. هل يمكن اعتباره امتدادا لمبحثك للدكتوراه بحكم التوافق في نفس الانشغال؟
نعم هو كذلك بالفعل؛ فهو يتألف من قسم صغير من الدراسات التي شكلت خطوة البحث الوثائقي من الأطروحة التي أنجزتها. وقد حفزني لترجمة هذه الأبحاث أمران: الأول: المساهمة في إغناء الخزانة المغربية، ومن خلالها العربية، بنوع من الأبحاث / آفاق للبحث في موضوع السحر تخالف تماما تلك السائدة الآن في هذا الموضوع. ونعني بذلك إظهار الطابع الكوني للممارسات والمعتقدات السحرية، والوظائف التي تؤديها هذه الممارسات على الصعيدين الاجتماعي والنفسي. وهذا يقف في ضفة مقابلة تماما للدراسات العربية النادرة في الموضوع، والتي إما تختزل السحر، والخفي عموما، إلى شعوذة وترهات، إلى أعمال مارقة ومنحرفة عن الدين، أو إلى مظاهر للتخلف الاقتصادي والاجتماعي وممارسات تعوق التقدم
أما الأمر الثاني، فهو العودة إلى تلك الدراسات قصد التعامل معها من منظور مخالف لذلك التي تمَّ معها أثناء الاشتغال في الأطروحة. وأقصد بذلك القراءة المتأنية لها بغاية الوقوف على خطط عرض المعلومات ومنطق الاستدلال المتبع فيها. باختصار إنها عودة لاستكمال التكوين.
تبقى الإشارة إلى أن الدراسات التي ظهرت في «أبحاث في السحر» لا تشكل إلا قسما صغيرا جدا من مشروع أكبر أنوي استكماله على مراحل: فقد أنهيتُ حاليا إعداد الطبعة الثانية للكتاب نفسه، مزيدة بحيث اشتملت على خمس دراسات أخرى، ومنقحة بحيث استدركت ما فاتها من أخطاء في الطبعة الأولى. كما أنهيتُ ترجمة قسم لا يستهان به من مجموعة دراسات أنوي إصدارها تحت عنوان «اللغة والسحر»…

5) هل من خطوات حفرية أخرى تشكل الامتداد كما وكيفا تنقب في ذات الاشتغال المهمَّش وتراهن على إعادة ترتيب حصيلة البحث المغربي المعاصر في السحـر؟
تعاني الممارسات السحرية في المغرب – والعالم العربي عموما – من رقابة مزدوجة: رقابة الحداثة التي تختزلها إلى ترهات ومظاهر للتخلف العقلي والاجتماعي، ورقابة الإسلام التي تختزل الممارسات ذاتها إلى ردة وكفر. هذا معطى ثابت. لكن ما يدعو للاستغراب هو ملاحظة هذه المفارقة القائمة بين الممارسة الاجتماعية والخطاب العلمي بشأن الموضوع: حيثما أفلح «العامة» أخفقت النخبة الباحثة، ذلك أن الناس العاديين البسطاء تدبروا أمر التوفيق بين المعتقدات الوثنية والإسلامية، بين الرغبة والعقل، لشرعنة السحر وممارسته بما يمد الباحث بزخم من المعطيات الميدانية القابلة للجمع والتحليل والتأويل، لكن هؤلاء الباحثين أنفسهم يحجمون عن ارتياد هذا العالم. ففي حدود ما أعلم، لم يتناول هذا الموضوع إلا كتاب أكاديمي واحد هو «التطبيب والسحر» لنادية بلحاج، وكتابان تعميميان هما «الطب والسحر في المغرب» للدكتور أخميس، ثم «كلمات المشعوذ» لـعمر منير، وبضعة بحوث جامعية لم تجد طريقها للنشر، منها أطروحة خديجة أميتي «العرافة: دراسة سوسيو-ثقافية…». بالنظر إلى هذا المعطى، فإنني لا أعرف كيف يمكن الحديث عن «خطوات حفرية» في هذا المجال. كل ما كان بوسعي القيام به هو القيام ببعض الترجمات، وعما قريب سأصدر كتابا تحت عنوان: «هوامش في السحر» وآخر مترجما تحت عنوان «اللغة والسحر»، وقد أصدِرُ في السنة المقبلة – إن شاء الله – ثلاثة كتب في المجال نفسه، هي على التوالي: «صورة العالم في السحر العربي – الإسلامي»، و«الإسلام والسحر»، ثم «المسحورون أو رمزية الخطاب السحري في المغرب الراهن».

6) عبير الموت يتلبس حيزا هاما من كتاباتك السردية، حيث يتجسد بوصلة توجه وتفلسف تشعبات هواجسك. لماذا هذا الدخول في متاهات هذا الإشكال الميتافيزيقي؟
الجواب بسيطُُ جدا: حالما ينبذ المرء البديهيات والمواضعات التي يسجن المجتمع نفسه – ويلزم الأفراد بسجن أنفسهم ضمنها – يمكن لأي امرئ أن يجد موقعا له للإتيان بـ «المخالف». ولنبذ بديهيات المجتمع ومسلماته أكثر من داع أبسطها كون هذا المجتمع يحسم بمنتهى «السهولة» في القضايا التي حالما نعمل فيها الفكر ونطيل فيها النظر ونبحث فيها عما نحن إياه فعلا، تصير أعسر مما يُصَوَّرُ لنا. من هذه القضايا، مثلا، معنى الحياة والموت، أصل المرض، معنى السعادة والشقاء، العقل والجنون.. الخ. وباختصار شديد، إن المجتمع يمارس علينا نوعا من العَسْكَرة بكيفية يمكن نعتها بالديكتاتورية. وإذا كان لازال من الممكن الحديث عن انعكاسية مَّا استطعتُ إرجاع انشغالي بتيمتي الموت والجنون إلى ظروف «ذاتية»، تتصل بالفضائين العائلي والطبيعي اللذين نشأت فيهما (عائلة شديدة التدين، منزل يجاور مقبرة، ثم موت مجموعة من الأقارب في سنة واحدة – ضمنهم أخت لي – وأنا في سن لا يتجاوز الخمس عشرة سنة، وتشردي في مدينة الرباط سنة 1985-1986 في فضاء يعج بالسِّكيرين وبائعات الهوى والخارجات عن كل القوانين، وممارسي مهن وضيعة كبيع الخضر أو الجندية أو سياقة حافلات الأوتوبيس…)، كما إلى عوامل «موضوعية» تتمثل في مطالعاتي في هذا الباب (قراءات تتصل بمجالات الأنثروبولوجيا، والتحليل النفسي، والطب العقلي المضاد، والفلسفة التيتشوية، والفوضوية، فضلا عن نصوص جورج باطاي الفكرية والإبداعية، وروايات وقصص الماركيز دُ سَادْ…). ومعنى ذلك، فيما أعتقد، نوعُُ من الوفاء للذات والمحيط الذي احتككتُ به وطبعني في فترات من حياتي (ولا أودُّ في هذا السياق أن أحدثك عن تفاصيل أضرب المعاناة التي اجتزتها من قبل، وشكلت لديَّ – حسب ما أعتقد – لبنات الأسئلة التي تثمر ما أكتبه من نصوص إبداعية. من تلك المعاناة كوني اضطررتُ منذ سن مبكرة إلى المزاوجة بين الدراسة والعمل من أجل شراء مستلزمات الدراسة، فاشتغلتُ خيَّاطا، وحمَّالا، وبائع خضر، ومساعدا في آلة حصاد، وعمَّارا وخلاطا وقرَّابا وقلاَّبا وطيَّابا في أفران صنع الآجر التقليدي، وعاملا في حقول الشمندر واليقطين…).

7) يسعى الأستاذ أسليم من خلال هذه الأنساق السردية إلى تأسيس مشروع لغوي يشاغب السديمي في اتجاه ترميز مغاير يفوح تهكما لاذعا. أية رؤية تدعم هذا الموقف المتمرد؟
لعلك تقصد بذلك نص أو نصوص «سفر المأثورات». إذا كان الأمر كذلك فالمسألة بالفعل مسألة تهكم لاذع على مؤسسات وأشخاص، بل وحتَّى على اللغة ذاتها، سواء من داخل اللغة ذاتها من حيث انشطارها إلى لغة دنيوية وأخرى قدسية أو من جانب كونها محمَّلة بقوانين تفرض على كل من يكتب أن يموقع نفسه ضمن هذا الجنس أو ذاك. غير أنني لا أزعم تأسيس أي مشروع خطابي، لأنني لا أنوي الالتزام بهذا النمط من الكتابة في نصوصي المقبلة، كما لا ألزم به أحدا. فأنا أشمئز من كل السُّلط. وأظن أن هذا اللون من الكتابة يتأصل في أمرين: الأول رؤية للواقع وتعامل معه معينين، والثاني شكل من حمل هذا الواقع داخل اللغة، أي تصور معين للكتابة. يتجسد الجانب الأول في الرياء والنفاق اللذين صادفتهما في بعض من المؤسسات التعليمية التي اشتغلتُ فيها. تخيل أناسا يدعون التحضر ويظهرون سلوكات عقلانية وحكيمة، ثم تكتشف فيما بعد أنهم أبشع من الشياطين، أكثر من ذلك يمطرونك بالإساءة. ماذا بوسع المرء أن يفعل؟ أحد سلوكين: أن يمسك بأقرب شيء إلى يديه، ثم يهوي على خصمه، يضربه، يجرحه، يقتله، ذلك سلوكُُ طبيعي غريزي، سلوك إنسان الفطرة الذي لم يتعلم قط، وهو ما اجتنبته. أو يقوم بالفعل نفسه، لكن على صعيد آخر، هو الكتابة، فيكتب نصوصا هي بوحُُ وشكوى وانتقام في آن واحد: بوحُُ وشكوى من حيث كونها تعري الواقع وتفضح سلوكات وممارسات، وانتقامُُ من جانب كونها تعيد تشكيل الأحداث والوقائع ورسم الشخوص بكيفية لا تسعى إلى إشباع رغبة الانتقام الكامنة في الذات فحسب، وبل وكذلك تروم تخليد تلك الشخوص والوقائع في ذاكرة الثقافة من خلال إخراج النص إلى حقل التداول. إذا أساء إليَّ أحدهم إساءة شريرة، ورمتُ نقلها مجازيا للآخرين من خلال التركيز على وصف أنفه، مثلا، بدل فعله، قلتُ في خاطري: «إذا كان الناسُ يعيبون على المرء أن يكون أنفه أطول من اللازم بملمتر واحد، فلأنتقم من خصمي بقول: انظروا فلانا، إن له أنف طوله مائة متر!!»، إذا أساء مفتش إلى معلم أو أستاذ، بأن عاتبه وبخه بكلمة أو كلمتين، ثم أردتَ نقل تلك الإساءة إلى القارئ، أيهما سيكون أبلغ وأشد وقعا في نفسية القارئ؟ أن تقول: «زار المفتش المعلمَ، وبعد متابعة الدرس، صاح في وجهه: لقد ارتكبت الخطأ الفلاني» أم تقول: «زار الزالام بوبو الحواريَّ،، وهو يخفي عصا تحت جلبابه، ثم تابع الدرس، وفور انتهائه توجه إليه، وانهال عليه ضربا إلى أن أسقطه جثة هامدة»؟ شخصيا، أعتقد أن القول الثاني أبلغ وأمتع، وبالتالي فهذه الطريقة بقدر ما تحقق الإشباع للذات تخلق عالما غرائبيا تهويليا وشبه سوريالي لا تناظره إلا السوريالية القائمة في الواقع، والتي كانت أصلا في الكتابة.

8) يحرص أسليم السارد على موقعة شخوصه وتصعيد الأحداث في زمكانية عجائبية تدغدغ مخيلة القارئ دون مقاطعة الواقع. لماذا هذا القفز الفني المراوغ، وهل تراهن بالضرورة على قارئ إيجابي؟
لهذه الموقعة والتصعيد تفسيرُُ واحد يتمثل في الاستفادة من المطالعات الإثنوغرافية والأنثروبولوجية ونقلها إلى الحقل الأدبي. لقد كان الأنثروبولوجيون – الغربيون – يتجهون إلى المجتمعات الأخرى لمعاينة سلوكاتها باعتبارها تمنح نفسها بشكل سافر، أي بعيدا عن الأقنعة والتعقيدات التي بلغتها المجتمعات الغربية، لفهم المجموعات البشرية المعاينة (الآخر) في مقام أول ثم فهم المجموعات الأصلية للباحثين (الذات) في مقام ثان. وما سعيتُ إلى فعله في «سفر المأثورات» يندرج ضمن الخطة نفسها لكن دون احترام مراحلها كاملة؛ فالآمر يتعلق بنص أدبي قبل كل شيء: أقمتُ مدة من الوقت في إحدى مدن جنوب المغرب، وكان اللقاء الأولي صدمة بحق بالنظر إلى الاختلاف «الهائل» بين فضاء العاصمة وسكانها من جهة، والمدينة الجنوبية وأهلها من جهة ثانية، لكن بمضي الزَّمن اتضح أن الاختلاف ليس بالشساعة التي توهمتُ في البداية وأنَّ ثمة تماثلات عميقة بين القارتين، من ثمَّ استعرتُ تسمية هي «الطوروبرياند»، وباشرتُ مهمة نقل تلك التماثلات، فكانت النتيجة إمكان حذف السيارة وتعويضها بالحمار، والحديث عن الرجل الذي يرتدي جلبابا فوقه بذلة، والمحتجبة التي تدخن وتشرب خمرا، والسافرة القديسة، الخ.
أعتقد أن مسألة الرهان على قارئ ما تضمر تصورا للكاتب يجعل منه شبه رجل سياسة أو صاحب رسالة دينية، يُسخِّر خطابه لإحداث تصور مغاير للواقع بغاية إحداث تغيير ما. غير أني في ما أكتبه أنطلق من الذات، فأسعى إلى نقل تجربة وإحساس إلى إنسانٍ آخر (هو القارئ) واضعا نصب عيني إقناعه بلا اجتماعية المجتمع، ولا أخلاقية الأخلاق، ولا معنى المعنى. وإني لأتساءل أيَّ شيء يمكن للمرء أن يراهن عليه متى اختار هذا الموقع للكتابة.

9) تجربة الكتابة بمختلف أصناف مكابداتها تعرب عن مرارتها بصيغة ذكية عبر أجواء بعض سردياتك. هل من شهادة تشرِّحُ للقراء بعضا من هذه المعاناة؟
في تصوري، ليست لحظة الكتابة مثل سائر اللحظات. إنها انتقال إلى حالة ثانية تقع فيها الذات على تخوم المجتمع، تنتقل إلى موقع يشبه شرفة تتيح تأمل الناس وأنشطتهم وضوابطهم من بعيد. موقع بقدر ما يتيح للذات أن تضع مسافة بينها وبين نفسها يسمح بولوج مكان يقع في قطيعة مؤقتة مع المجتمع، تتحول معه الكتابة إلى شبه مِصفاة، تصفِّي الناس والسلوكات والضوابط التي تم إقصاؤها مؤقتا، وتدخل ذلك كله في عالمها، أو عوالمها بالأحرى. وبحسب خليط من الأحاسيس والأفكار يتكون داخل النص فضاءٌ -موقفٌ يكون ساخرا عنيفا متهكما أو منكسرا حزينا سوداويا. هذا الفضاء هو الذي يحدد ما يمكن تسميته بـ «موضوع الكتابة»…
لولوج هذه الحالة الثانية – عندي – يتم الاستسعاف بفضاء هو غرفة العمل، وزمن هو الليل، ومنشطات هي القهوة السوداء والسجائر، وأصدقاء سمر هم الموسيقى والخواطر والأحاسيس مواضيع الكتابة: الغرفة المعزولة حصنٌ منيعٌ ضد ضغوط المؤسسة العائلية باعتبارها المجتمع نفسه وقد لا حقه بهيآت متنكرة: زوجة، أبناء، آباء، الخ…باب الغرفة حدٌّ فاصلٌ بين المجتمع والغاب. هنا، داخل غرفة العمل، تبعثر، فوضى، موسيقى يتحكم في قوة ذبذباتها المزاج وألوان الخواطر، انشغالٌ بالأسئلة الكبرى أو اقتتالٌ مع أشخاص، وهناك، في الأمكنة المجاورة نظامٌ، صمتٌ، وقع خطو، حركات منخرطة في احترام الضوابط حتى الترنح. والليل بما يخيم فيه من سكون، يسهل الاختلاء بالنفس بعيدا عن الضوضاء والضجيج. وبمقدار التوغل داخل مساحة الليل الشاسعة تستحوذ عليَّ مشاعر متعارضة إزاء الآخرين: الإشفاق عليهم، لكن أيضا الإحساس بنوع من التفوق وإحراز سبق عليهم: هم الآن غارقون في النوم، يضيعون وقتهم في الشخير، بينما أنا يقظان حتى الثمالة، كأني سارق أختلس منهم خفية الزمن الذي كانوا سيصرفونه عملا لو لم يحل عجز النوم بينهم وبين ذلك.. ثم إنَّ السَّهَر يتيح استغلال الجسد، هذه الكتلة المنذورة للموت، إلى الحدود القصوى. هذا التصور وإن كان ميكانيكيا صرفا، وبالتالي فهو خاطئ تماما من وجهة نظر صحية تؤكد أنَّ الإنسان بمقدار إدمانه السَّهَر يقلص المسافة بينه وبين الموت، فإنه صحيح تماما من وجهة النظر الأخرى التي تقع على تخوم العلم والمرض، التي تهتدي إلى حقائقها ببوصلة من الإحساس المنخرط في الانتشاء الآني. بهذا المعنى يمكن اعتبار الكتابة تقتات من الجسد… أما القهوة والسجائر، فتمنحان القوة على التركيز. ترياق عظيم ضد القلق، ومناعة ضد الانفعال الذي يمكن أن يعبث بالخواطر. عملٌ متظافر بين الاثنتين لا ينقطع. رشفة من الفنجان لا تطيب ما لم تعقبها سيجارة، وسيجارة من العلبة لا تمنح نكهتها ما لم تعقبها رشفة. حلقة مفرغة. لكنها منتشية بفراغها. وفي الأفق سديم المرض والموت ينتشر. أما الموسيقى فتحول المرء إلى شبه ذرة في مهب الأحاسيس. قد تعمق الإحساس بالوداعة، وتزيح حجب الدواخل بين الموت والحياة، وتولج في مساحة الانتشاء الذهولي. كما قد تعصف ببراكين الأفكار الثاوية في الرأس، فينقلب كل شيء إلى سواد وظلام. وفي الحالتين معا، تظل وسيلة استعادة ما لا يستعاد. إليك بالوصفة: إن شئتَ استرجاع أجواء أي ذكرى، بأفكارها وأحاسيسها ومشاهدها وأشخاصها، فاسمع شريطا موسيقيا، لأول مرة، طوال ما سيصير ذكرى، واترك الزمن يمر، عاما أو عامين أو عشر سنوات. لا يهم. ثم أنصت للشريط نفسه من جديد. ستجد نفسك في المشهد نفسه، بين الأشخاص أنفسهم، وبالأحاسيس نفسها.. لذلك يستحوذ علي الفزع عندما أتخيل أن واحدا من الأشرطة التي أحفظ بعضها منذ 22 عاما قد يتلـف أو يضيع مني. كأن قطعة من جسدي وفكري ستضيع مني…
ضمن هذين الأفقين المتعارضين كُتِبَتْ نصوصٌ، أو انكتبت بالأحرى. قسم منها حاول استنطاق الموت والجنون، وقسم آخر نازل مؤسسات وأشخاص – كانوا مصدر قلق أو إساءة – في المتخيل والاستيهام، فسخر منهم. انكتبت لأن إيقاع كتابة كل واحد منها وزمنه لا يخضع للمشيئة. بذلك تستغرق أحيانا كتابة النص الواحد وقتا طويلا، يصل السنة أحيانا، مجزءا على شكل جلسات مبعثرة على مدار السنة. تكتب مقاطع منه ذات ليلة، ثم تنحى جانبا، وفي ليلة أخرى تبعد عن سابقتها بأسابيع أو أشهر تخرج المقاطع المكتوبة، فتنضاف إليها أخرى، أو تدخل عليها تعديلات، كي تنحى ثانية، وهكذا… فلا يُحسَمُ في أمر النشر إلا بعد أن يحصل نوع من التراضي بين كافة الحالات المزاجية والخواطر المتضاربة والرغبات والاستيهامات المتنازعة على مدار عدة جلسات. غير أن هذا التراضي ليس نهائيا. ربما هو مجرد ذريعة تبرر النشر، بدليل أن جيمع نصوص «حديث الجثة» و«سفر المأثورات» و«كتاب الفقدان» سبق نشرها في الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي، لكنها خضعت لتعديلات – كانت كبيرة أحيانا بحيث خلقت تباعدا حقيقيا بين «الأصل» و«المآل» – لما أعيد نشرها على شكل كتب. وبذلك يمكن القول إن النص النهائي لا وجود له. من هذه الزاوية تكون كتابة النص ضربٌ من محاولة القبض على السراب. خيبة مريرة. لكنها تعوض بشبه مكافأة تنطوي على جانبين متعارضين: جانب مبهج وخطير في الآن نفسه، والآخر ممتع ومفرح. تكمن البهجة في ما يهبه النص من ملامسات لقضايا تكون جوهرية أحيانا، كالموت والجنون، تفضي إلى نوع من الارتياح والقبول للمصير. لكن هذه البهجة تنطوي أحيانا على خطر الوقوف على عبثية الحياة والقيم بما يمنح للموت جاذبية لا تقاوم… أما الجانب الممتع فيتمثل في كون لحظة الكتابة قد تأتي بما يتعذر الحصول عليه في مكان آخر: الضحك إلى أن ترشح العينان بسيل من الدموع. وتلك كانت حالة كتابة «سفر المأثورات». فأثناء المقارنة بين الأشخاص الحقيقيين والأحداث الحقيقية، كما هما في الواقع، والأشخاص والأحداث نفسيهما كما صارا في النص بعد المرور من عمليات الحجب والتضخيم والتحريف والسخرية، كنتُ أنفجر ضحكا إلى أن أوقظ بضحكي النائمين من أهلي في الغرفة المجاورة. وآنذاك أقول: ها هو إذن نصٌّ جميل…

10) سبعة كتب هي حصيلة منشورات محمد أسليم. وهو مؤشر فعلا على عطاء مطرد متواصل ومحمود. كيف تنظر إلى هذا المؤشر؟
إنها حصيلة بسيطة جدا: فحصة المنشورات المترجمة تشغل أربعة عناوين فيما لا يتعدى نصيبي من المجموع ثلاثة كتب (كلها نصوص إبداعية!!).
بخصوص الترجمة، في اعتقادي، لا يمكن للمرء بأي حال من الأحوال أن يدعي امتلاك ما يترجمه من أعمال. فهي تبقى ملكا لأصحابها، وفضله في نقلها لا يعدو مجرد القيام بعملية وساطة بين المؤلف وقراء يفترض أنهم لا يعرفون اللغة التي كتب بها العمل في الأصل. في ما عدا ذلك، فهو لا يعدو مجرد محظوظ من حيث امتلاكه وثائق أو نصوصا لا يتوفر عليها جمهور القراء الذين يقاسمونه معرفة اللغة التي يترجم منها. وبصرف النظر عما يقال عن الترجمة من كونها إبداعا ثانيا أو عملية شديدة التعقيد لا تقل عن تعقيد البحث نفسه، فإنها تبقى نشاطا أسهل بكثير من نشاط الإنتاج الفكري، إذ يمكن للمرء أن يترجم خمسة كتب أو أكثر في السنة، لكنه لا يستطيع أن ينتج العدد نفسه من تفكيره الخاص. من هذه الزاوية، فعدد الكتب التي أصدرتها يبقى ضئيلا جدا بالقياس إلى ما تفتحه الترجمة من آفاق لغزارة الإنتاج. لو توفرت بنيات للنشر لأمكن للمرء أن يصدر على الأقل أربعة كتب على مدار السنة في هذا الحقل.
أما بخصوص الأعمال السردية التي نشرتها في ظرف سنتين 1996 و1997، فعمرها أطول مما يحدِّدهُ تاريخ صدورها على شكل كتب؛ فكتابة النصوص المجموعة في «كتاب الفقدان» امتدت من سنة 1985 إلى 1997، وتحرير نصوص «حديث الجثة» ومراجعتها امتد من 1987 إلى 1996… ألا ترى أني أشتغل بإيقاع السلحفاة؟! إني لأتمزق حسرة وندما على الكتب التي فاتني تأليفها.

مكنـــاس في 07/06/1998

السابق
الرقمية ونهاية الأعلام الادبية
التالي
في ماهية السحـر ووجوده أو عدمه / حوار: عادل الحربي