الرئيسيةمؤلفــــاتسردبالعنف تتجدد دماء الحبرواية بالعنف تتجدد دماء الحب (الفصل الثاني)
بالعنف تتجدد دماء الحب

رواية بالعنف تتجدد دماء الحب (الفصل الثاني)

الفصل الثاني

ما أن وطئتُ عتبة مقهى العزاب حتَّى لاحَ لي وجهها، جلستُ بجانبها، صارت مائدتنا شبه مغناطيس يجذبُ أنظار الرُّواد قاطبة لفرط جمال جَليستي، فاتحتني قائلة:

– لستُ من أقربائكَ، كما قد يخيل إليك، ولا حتَّى من اللواتي يُحتمَل أن يكنَّ أعجبنَ بمحاضرتك، بل إني كدتُ أعتبرها أضعفَ المداخلات على الإطلاق لولا أنها أثارت في ذهني الأفكارَ التي قررتُ أن أقنعكَ بها…

قلت: لا أزعمُ أنني جئتُ بوحي أو بحقائق نهائية. اطرحي أمَامي المسألة، هات الحجج والبراهين المضادَّة، وأنا علـى أتـم الاستعـداد لمراجعـَة كـلَّ شـيء علــى ضــوء مـا

تقترحين.

قالت: ذكرتَ أنَّ ظهور المؤسَّسة العائلية يرتبط في شق منه بالضُّعفِ، مثلها في ذلك مثل كافة القوانين: فسن القوانين يتوِّجُ تسلطا لا مثيل له: في البدايَة ينال الأقوياء ما يشاءون بفضل قوة عَضلاتهم، لكنهُم يفطنون إلى أن هذه القوة ستطالها شَيخوخة مزدوجة طالَ الزمان أم قصر: شيخوخة السِّن، وشيخوخة النسل، وفورَ فطنتهم لذلك يعمدُون إلى تحرير قوانين، هي ضرب من عُقود ومواثيق يضمنون بها استمرار امتلاكهم، هُم وأبناؤهم، الامتيَازات التي كانوا نالوها بالقوة. بهَذا المعنى، لا يرتبط رجُل بامرأة إلا ليؤممها ويَصرف عنها، بقوة القانون، جَبابرة الرجال ومَردتهم الذين يصولون ويجولونَ في حلبات النساء، لجمالهم أو لأموالهم، لعضلاتهم أو لدهائهم… ثم ذَكَرْتَ أن ظهورَ مؤسسة العائلة نفسَه يرتبط في شقه الآخر بالمزايا النفسية التي يحققها هَذا التنظيم، حيث سَردتَ مجموعة من الحالات النفسية زاعما أنَّ الإنسَان لو لم يجد فيها راحة وسَعادة لكان استغنى عن الزَّواج منذ قرون. أليس كذلك؟

قلتُ: بلـى.

قالـت: هذا بالضَّبط ما أريـدُ مُناقشتك فيه. وأود أن

أستهلَّ هذه المجادلة بسؤال؛ سُؤال واحد لا غير، تمنحني وعد شرفٍ بصدق الإجابة عليه:

– أتحبّ زوجتك أم لا؟

سادَ صمتٌ رهيبٌ، هممتُ بالنطق، احتوتني نظراتُ جليستي الملحاحة الغنجة، وجدتُ نفسي غارقا في الصَّمت. داخل صَمتي طاردتني مؤنستي:

– أتحبُّ زوجتك أم لا؟ عِدني وعْدَ شَرَفٍ بصدق الإجابة…

سادَ صمتٌ أطول، خلتُ نفسي نائما، لملمتُ كلمة، هممتُ بإلقائها، حاصرني جمالُ الجليسة، أصابني شبه دُوار، غرقتُ في تأمل محيَّاها بإجلال وخشوع، تارة أغرقُ في نشوة الابتهاج بجمال بدئي، وتارة يغيبُ وجه المؤنسة فتنبجسُ منه صورة زوجَتي أيام تعرفتُ عليها… تساءلتُ هل أحسَست يومئذ بالنشوة ذاتها وبالجاذبية ذاتها؟ اختلط الوجهان: وجهٌ قديمٌ جديدٌ، ووجهٌ جديدٌ قديمٌ. هاجت حواسّي، تمنَّيتُ لو كانت زوجتي هي جَليستي الآن. قلتُ كمن استيقظ لتوِّه من النوم:

– لا!!!

تنفسَت الصعداء، كأنها نجحتْ في اختبار عسير، أو نجت من عقاب وَشيك، سوَّت مقعدها قليلا بحركة فهمتُ منها أنها حدثت نفسها قائلة: «يحقُّ لي الآن أن أستمر في مجالسته ومحادثته؛ شيءٌ ما يُبـرر الاستمرار في الجلوس معه والتحدُّث إليه». ومما رسخ في ذهني صَواب هَذا التفسير كون الوضعُ الجلوسي الجديد الذي أخذته محادثتي، سمَّر بصرها في وجهي بحيث صَار مستحيلا عليها أن تنظر في أيّ رجل آخر غيري، وهي التي كانت قبْل قليل مُطبقة ببصرها على فضاء المقهى وشخوصِه الجالسين والمنصرفين والقادمينَ، كأنها جهاز رادار فائق الحسَاسية. أحسستُ بالذنب؛ لماذا لم أصرفها لحظة طبعتْ على خدِّي قبلاتها العميقة الملحاحة؟ زَوجتي المسكينة جَالسة الآن مع طفليها، تنتظرُ وصولي كيْ تستفسرني عن أفكار ذكرتها في العَرض، كنتُ أخفيتها عَنها من قبل، وأنا أستمتع بالنظر في هذا الوَجه الملائكي الذي سوف يتضِح لي – فيما بعد – أنه خرَج من سُلالة الشياطين… أحسستُ بالنشوة: لم يكن بوُسعي أنا ولا أي رجل آخر أن يرفض قبلاتها؛ فهي أوقعتني في مَا لا أتردد الآن في تسْميته بفخ: تصرفتْ على نحو أوهمني بأنها موظفة جديدَة في الكلية، ولما اطمأنت إلى أنني خدِعت، انحنت ثم دَنت بفمها إلى أذني كأنّها ستبلغني أمرا إداريا هامّا، بيدَ أنني ما ملتُ بأذني كي يسهل عليَّ التقاط ما خيلَ إلي أنها كانت تودّ قوله لي، ويسهُل عليها إيصال «رسالتها» إلي حتَّى وثبت عَلى وجنتي وأغرقتهما بالقبلات…

أجبتُ زوجتي في حوار بيني وبينهَا بصَدد المشهد المعلوم:

– أيّ رجُل بوسعه أن يفعل شيئا آخَر غير ما فعلته؟!

لكنها ردَّت حجَّتي باعتـراض أقـوى، ربما كان هُـو سبب انتشائي، وتبدّد إحساسي بالذنب؛ صرختْ في وَجهي بعينين جَاحظتين يتطايران شـرا:

– ولماذا اختارتك وحدَك من بين سَائر السَّادة الأساتذة؟ ..

نعم لماذا اختارتني من بين سَائر زملائي؟ أنا بدَوري ما فتئتُ أطرح السؤال بداخلي حتى الآنَ، ولكن أحدا لن يصدِّقني على الإطلاق.

– ………..

قالت: لو لم يكـن لها تصـورٌ عنـك، لو لم تكـنْ لهـا

مَعرفة مسبقة بك، لو لم يكن لها فهمٌ معين لنصوصك، لو لم يُحْكَ لها عنك، لو.. لو.. لو.. لو.. لما جرأتْ على فعل ما فعلته مَعك وحدكَ…

انتزعتني الجليسَة من اللجاج الدَّائر في رأسي بيني وبين زوجتي، أخذَت ملامحها حَزْما عتابيا قزَّم عبوس ربة البيت؛ بدَت محاورتي مِثلَ أمّ شريرة أمسكتْ عصا وعبسَت، ثم ألقت في وجه طفلهَا سيلا من العتابات والتعنيفات تمهيدا لإمطار ظهره ضَربا. قالتْ لائمة مُستغربة:

– ولماذا لا تحبها؟!!

قلت مُتمتما: أقصد أنني لم أحسّ بالسعادة معها. ربما لكون الحبّ يتلاشى داخل الحياة الزَّوجية؛ في البداية يحبُّ الرجل الفتاة – مشروع زواجه، فيكونُ سعيدا، يتخيَّل أنها ستأويه في فردَوس، لكن مَا أن يجمعهما سَقف واحدٌ، وتتمطى الأعوام علىالبيت، ويعمِّره الأبناء حتَّى تصيرُ الحاجة إلى الآخـر محضَ روتين.

قالت: عَجبا، ولماذا؟!

قلت: لستُ أدري، ربما كانتْ طبيعة الإنسان دائما هَكذا…

قالت: هَل يمكنني أن أفهمَ أنَّ الإنسان يكون أسعد إن لم يتزوَّج؟

قلتُ: ربمـا.

تنفست الصّعداء مُرسلة زفرة أطول من الأولى، كأنها نجحت في اختبار أعسَر، أو أفلتت من عقاب أوشك، سوَّت مقعدها قليلا بحركة حَازمة فهمتُ من خلالها أنها حدَّثتْ نفسها قائلة: «يحق لي الآن أن أستمرّ في مجالسَته والحديث مَعه؛ ثمة شيءٌ ما يبرِّر البقاء معه…».

قالت: ذاكَ هو رأيي بالضبط، وذاكَ هو الاعتراض الذي أردتُ إبداءه إزاءَ ما جاءَ في عرضك. فأنا لستُ مُتزوجة، ولا أفكر في الزواج ، ولن أفكرَ فيه على الإطلاق. بل لا يخطرُ ببالي نهائيا الارتباط بأيِّ رجلٍ مهما كانَ جماله الجسدي ومرتبته الاجتماعية، ولو لمجرَّد شهر أو شهرين، لأنه مَهما يعاملني لن يجد لغزو قلبي سَبيلا؛ سأمله بسُرعة، وينقلب ميلي إليه إلى نفور… لو فعلتُ لكنتُ كأنني عمدتُ إلى قيدٍ ووضعته على يدي ورجلي، يمنعني من حرية الحرَكة والتصرُّف. البقاء مع رجل واحد سيحرمني من لذة الإقامة في الاحتمَال وما أدراكَ ما الإقامة في الاحتمال؛ هي أن أشعرَ على الدَّوام بأنني حرّة طليقة، بأنني مِلكٌ لنفسي، مُهيأة دائما لإقامة علاقة جديدة، أترقب على الدَّوام أن أرتبط بصلة جديدة مع رجُل جديد دون أن يكون لأي رجُل قديم، «ارتبطتُ به» من قبل، أدنى حق في مَنعي عن ذلك … لكن، أنتَ لماذا تزوجتَ؟

قلتُ: لستُ أدري، كل ما أعرفه هُو أنني لم أفطن إلى هذه الحقيقة إلا في وقتٍ قريب جدا، لم ألتفت إليها إلا بعد فوات الأوان؛ فأنا الآن رَبّ بيتٍ، كما أنني أبُ أطفال، ولي مَسؤوليات تجاههم، ولا يعقلُ أن أنصرف وأتركهم، إن فعلتُ أذنبتُ في حقهم، كنتُ كمن ارتكب جريمة في حقهم. وفي النهَاية، إنَّ الأطفال أنفسهم يرتقون ما يخرمُه الزمن. إذا كانت العلاقة بالزَّوجة تتحول إلى أزَل من الرّوتين، فالأبناء يزوِّدُون الأب والأم، في كلِّ يوم، بوقود جديد لطي ما سَيَأتي من السنوات. إنهم يمنحون الطرفين نوعا من التعويض، حيث يَنسى كلُّ طرف الآخر، بل وحتَّى نفسه، ليصرفَ اهتمامه وبصره إلى ما يجمعه بالطرف الآخر: الأبناء. ثمَّ فوق هذا كله، إنني لستُ نادما على زواجي، لأنَّني لو لم أفعل لربما كنتُ الآن صُعلوكا أو مشردا، أو ربما كنتُ ميتا لفرط ما كان سينقضُّ علي من أمراض عَائدة إلى سوء التغذية وقلة الاعتناء بالنفس والبدن…

قالت: لا أشاطرُ زعمك بأنَّ التخلي عن الأطفال يُعَدّ جريمة في حَقهم. حقا إن ذلكَ سيؤلمهم، بيد أنَّ الألم قِسمة متداولة بين بني الإنسان. فإذا أنجزَ بحث تاريخي في موضوع تداوُل الألم، ربما كانت النتيجة التي سيتم التوصّل إليها هي: إن يُتمَ الأطفال، والترمّل، والعجز الجسدي، أمانة أو قسمة توزَّع على بني البشر توزيعا عَادلا، أي بالتسَاوي، ولكن في دورات زمنية وأجيال محدَّدة، إن كان من التعذر صياغة قوانين بصدَدها فيمكنُ على الأقل تبيّن ما يلي: إن شقاءَ هذا الطفل اليتيم أو الذي انفصلَ والداه عن بعضيهما، مثلا، والذي تتفتت أكبادُنا شفقة عليه؛ شقاؤه ذاك هو «الضريبة» التي يقدِّمها على السَّعادة التي عاشها من سبَقه من أفراد شجرة نسابته، الذينَ لم يذوقوا طعمَ اليتم ولا شقاءَ فراق الأبوين، الذين كانوا يعيشون، ويلدون، ويُنشئون أبناءهم، وتمتدُّ بهم الحياة إلى رؤية أحفادهم. وهَذه السعادة التي تغمر هذا الجدّ الذي يسعد لكون الحياة قد امتدَّت به إلى أن رأى أحفاده، بلْ وربما حتى أبناء أحفاده، تلكَ السعادة ليست سِوى المكافأة التي نالها عن «الشقاء» الذي عاشَه بعض أعضاء شَجرة نسابته من قبل، الذين ترمَّلوا أو ذاقوا طعم أن يكونَ الرجل أيما، أو ماتوا صغارا… وعليه، يكونُ معنى الحياة نفسها هو إما ضريبة يؤديها المرءُ عن سابقيه أو مكافأة ينالها عن سابقيه أيضا. بهذا المعنى، فإن الفردَ محضَ وَهْم.

وفيما وَراء هذه الخلفية العميقة للأشياء، أعتقـدُ أن المرء بإمكانه أن يخلـق السَّعادة لنفسه متى شاء، كأن تغيرا دوامَ القبوع في البيت بأن تنظما خرجَات أو أسفارا، تدخلا إلى السِّينما من حين لآخر، تجلسَا في مقهى رُفقة طفليكما…

قلتُ: يا سيدتي، قد فعَلنا ذلك كله وأكثرَ منه؛ سَافرنا، وخرجنا، وأكلنا في المطاعم، وقضينا ليَالي في الفنادق، وتجولنا مَعا في الشَّوارع، إلى أن احتمينا من روتين الإقامة فيها بالهرُوب منها. لكننا لما عُدنا إلى البيت وجدنا روتينه قد كبر واشتدَّ سَاعده إلى أن انفتلت عضلاته، فخشينا العودَة إلى الشارع مخافة أن يَكون روتينه قد صَار غولا… إني لموقن أنني لستُ الوحيد الذي يعاني من هَذه الرتابة. ولكي تقفي عَلى ذلك، يكفي أن تلقي إطلالة على حَانات المدينة. ستجدينهَا مكتظة عن آخرها بالآباء، مثلي، الذينَ يتمردون على مُؤسَّسة الزواج، يهربونَ من جحيم البيت، ويحتمون بظلال الحانة، محاولين تعويضَ برودة العلاقة بالزوجة بدفء العلاقة بالخمرة.

قالت: أخطأتَ الخطأ كله إن ظننتَ أنَّ السِّكِّير ومُدمن المخدِّرات يسكران ويتناولان المنشطات العقلية لكي يفرَّا من المجتمع وضوابطه. على العَكس، إنهما ما يَفعلان ذلك إلا لكي يظلا على صلة وَطيدة بهذا المجتمع، ما يمتطيان طائرة العَقل إلا ليمتثلا لأوامِر الجماعة ونواهيها. كلُّ شيء يتم وكأنهما لا يطيقان المؤسَّسات وقيمها وقيودها، ولكن نظرا لتسلط الجمَاعة وغلبتها، فإنهُما يلجآن إلى الخمرَة والمخدرات لينزلا من أعالي التمرُّد إلى سُفوح الطاعة. كأنَّ السِّكِّيـرَ، بإدمانه الشربَ، يخاطب الآخرينَ قائلا: «اعلموا، ياسَادة، أنني لستُ متفقا معكم، أني غير راض عن كلّ ما تأمرونني بفعله وتحثونني عَلى تركه. في ممكلة الجور والاستبداد بالرَّأي نصبتم رايات وشيدتم ضَوابط، وقلتم لي: “هكذا ينبغي أن تكون”، ثمَّ ألزمتموني بتقديم فروض الطاعة والوَلاء يَوميا… تريدون مني فروض الطاعة والوَلاء؟ حَسنا، سأقدِّمها، لكنني لن أفعل ذلكَ إلا بالانتقال إلى حَالة ثانية، تبديكم لي أشباه مَلائكة، لا يأتيكم الخطأ من أمامكم ولا منْ خلفكم؛ كل ما تقولونه صحيحٌ، وكل ما تأمرُونني بفعله وجيه، ولذلك سَأفعله. لكن اعلموا أني لا أمتثل لأوامِركم إلا لأني سكرانٌ. إن صحوت قلقتُ جدا، لأنني سأكون في حاجَة إلى خمر أو مخدر». ويترتبُ عن ذلك أن المجتمعَ هو الذي يوجد في حالة سُكر لا السَّكران. بتعبير آخر: المجتمعُ سكرانٌ بصَحْوه والسَّكرانُ صاحٍ بسُكره.

ثم إن ظننت أنه بالإمْكان تعويض المرأة بالخمرة، كما ذهبَ إلى ذلك ألفريد دُو موسيه في «نزوات مَريانا» أو بُودلير في «الجنات الاصطناعية» و«أزهَار الشر» وآخرون كثيرون، إن ظننتَ ذلك كنتَ مخطئا أيضا، لأنه لا يُعوِّضُ امرأة إلا أخرى. والطريقُ الملكي لذلك الاستبدال هو أن يخون الزوجُ زوجته، أن يرتبط بسيدة أو أكثر… وبإقامته هَذه العلاقات، سيتغلبُ حتما على الروتين، ويعيد تفجير ينابيع الحبِّ التي أقبرتها زَوجته فيه. ذلك أن الرَّجل ضعيفٌ دائما بطبعه، وما أحوجَه إلى امرأة تعامله كما لو كانَ طفلا صغيرا؛ تبتسمُ له على الدَّوام، تسأله عما به، تقرأ أقلّ قسمات محياه لدى كل لقاء جديد بينهما. وهذا ما لا تعطيه النسَاء، هذا ما تبخلُ به النساء على أزواجهنَّ، لأنهن لا يعرفنَ جميعا هذه الحقيقة، واللواتي يهتدينَ إليها – بالصّدفة أو بإعمال التفكير – سُرعان ما يسدلن عليها حُجُبا وأستارا ويقمن بينهن وبينها حواجزَ شاهقة. وبذلك، ما أن تثقل إحداهن كاهلَ زوجها بحمل من أطفال حتَّى تتمطى وتنفرج أسَاريرها وتتنفس الصعداء قائلة: «إن هذا الرَّجل ليس سوى زَوج لي»؛ «ليس هذا الرَّجل بأكثر من مجرَّد زوج لي»، ما أن تثقل كاهله حتّى تنقلبَ عليه وتأتي من الأفعَال والتصرُّفات بما يجعله يحسّ كأنه يعيش مع والدته أو جدَّته… وأمام وضع كهذا، للرَّجل الحقّ في أن يتخذ له خليلة خارج البيت؛ لا يرَاها يوميا فلا يشبع منها، يشتاق إليها علىالدوام، ولا تراه يوميا فتحن إليه على الدَّوام، ومتى التقاهَا لم تسعها الدنيا فرحة بلقائه، فتنيمُه في فراش من حبّ وتغطيه برداء من عشق، مُغدقة عليه كل ما حرمته الزوجة منه أو لم تقدِّمه له إلا بمنتهى الشحِّ والتقتير، تفعل الخليلة ذلك وكلها خوفٌ من أن يكونَ قد بقي فيها بقية لم تمنحها إياه. وله أن يتدبَّر أمر الحصُول على عشيقته إلى أن يتأتى له ذلك. إن عجز أو انسدَّت في وجهه السُّبل فخادمة البيت تكونُ دائما أقرب الإناث إليه، وأكثرهُن في مُتناول يديه…

قلتُ لها: ما أعتقدني قادرا على إتيان مثل هَذا السّلوك ولا ذاك؛ فكلاهما تصرّفٌ لا أخلاقي.

قهقهت ضَاحكة، ثم قالتْ:

أوَّلا، إن الخيانة الزَّوجية هي أسمى شكل للتعبير عن رفض مؤسَّسة الزواج من دَاخل الزواج نفسه. عندما يخونُ زوجٌ مَّا زوجته، فإنه، عبر هذه الخيانة، إنما ينقلُ في الواقع رسالة؛ يقول: «أنا متزوّجٌ، لكنني أعزب أيضا» أو «أنا أعزب، لكنني مُتزوج أيضا»، وهو قولٌ مجانسٌ لقول اللصّ، والعَاهرة، والمتحوِّلة جنسيا، كما سأوضِّحُ لكَ في ثنايا هَذه المحاورة.

صمتت لحظة، أرسَلت قهقهة أعلى من الأولى، ثم سوَّت جلستها كأنها سَتلقي محاضرة، وواصلت حَديثها قائلة:

كانَ بوسعي أن أتخيل كلَّ شيء إلا أن تكون من السَّذاجة بحيث تعتقد بوجود «الأخلاق». إنَّ الأخلاق ليعجز عن تصوّرها «واضعوها» و«صانعوها» أنفسهم فأحرى أن يقوَى على تقمُّصها وتجسيدها قطعانُ التابعين، وذلكَ لأمور:

الأوَّل: للأخلاق نفسها طبيعة زئبقية، الأمرُ الذي يجعلها تتمنَّعُ عن الانسكاب في أيِّ وعاء، ويجعلها لا «تقيمُ» إلا «هناك»، علما بأن هَذا الـ «هناك» هو الآخر زئبقي يتغيرُ موقعه وجهته بتغير مَوقع الكلام/الكائن/الهنا؛ فإذا كان الهنا هُو الأرضُ كانت الأخلاق في السماء، أو كانت في سَائر العوالم إلا الأرْض؛ كان كوكبنا أصغر من أن يسَعَ الأخلاق؛ كان مَوطن الصَّلاح والاستقامة ومقامُها هو النجوم والكواكب والمجرَّات الأخرى. وإذا كان الـهُـنا هو الإنسانُ كانت الأخلاق خارجه؛ كانت في سَائر الأجساد والكائنات إلا الإنسَان؛ كان موطنها ومقامُها الجبَال والبحَار والأنهار والأحجَار والطرُقات والأشجَار والحيوانات…

الثاني ليكون للأخلاق وُجُودٌ يجب أن يكون للاأخلاق وجودٌ أيضا. فالشيء لا يتحدَّد إلا بغيره، بنقيضه؛ لا تتحدَّد هويته، لا يكتسبُ استقلاله ويصير قابلا للتمييز إلا بضِدِّه. بيد أنني صرفتُ دهورا في تأمل ما يفعله بنو الإنسان فما وجدتُ إلى التمييز بين الإثنين سَبيلا. أما رأيتَ أن الصَّلاحَ والولاية لا ينسكبان إلا في وعاءٍ من دَنسٍ؟! لا تحدثني عن التوبَة، فذهني أصغرُ من أن تقيم فيه صُورة امرئ يَصرف أزمنة في الفجور واللهو والسّكر ثمَّ يلتحق بين عشية وضُحاها بركب الزَّاهدين. إن المرء الذي يصرفُ الأوقات في الحانات إلى أن تشرقَ عليه الأنوار الحاتمية فيبذر أموَال أبنائه تبذيرا، بلا حسابٍ ولا تقتير، فيتصدق على من شاءَ الصَّدقة ويشرب أنخاب الخسران معَ من شاء الشراب، ويُعَـرِّضُ جيبه لنهب من شاء من القوَّادِين والوُسَطاء والعَاهرات، وكلما أوقعوا به واجَه خسَارته بالإشفاق عَليهم والتماس أعذارَ شتى لهم… ذلك المرء يـَمْقته الناسُ، ينظرون إليه بأعين ناقصة، ويمنحونه وَضعا اعتباريا يقعُ على طرف نقيضٍ من ذاك الذي يمنحونه للرَّجل الذي يصرفُ أوقاته في العناية ببيته وزَوجته وأبنائه وفي عبادة الله ابتغاءَ حسن الإياب. بيد أنهم جميعا في ذلكَ مخطئون؛ ألا يضعُه سلوكه ذاك في مقام واحدٍ مع أولياء الله الصالحين؟ ألا يضعُه سلوكه ذاك في مقام واحدٍ مع أكبر الزَّاهدين؟ إن تبذير الأموال في الحانات لهوَ، في الواقع، رسَالة مزدوجة يوجهُها المبذر إلى المجتمع، ثمَّ إلى نفسه:

يقولُ للذينَ نصَّبوا أنفسهم على المجتمع حُرَّاسا: «قد منحتموني مُكافأة على عَملي، هي هَذه الأوراق التي تزكمُ الأنف لأن لها رائحَة كرائحَة برَاز الكَلب. تكافئونني بأوراق! هه؟! أهذا جَزاءُ عملي؟! إليكم أوراقكم، استعيدوها». بهذا المعنى يَكون إدمَان شرب الخمر في الحانات ووُجوه صَرف النقود التي تفضي إلى «الإفلاس»، أو على الأقلّ تضع المبذر عَلى النقيض من مضاعفة الملكية التي تؤدِّي إلى الثراء، عبر مُراكمة الأموال واكتنازها، وبالتالي تجلب للمدّخر مزيدا منَ الاحترام من لدُن المجتمع، يكون ذلك نوعا من إعلان قطيعَة مع المجتمَع. وأعرف شخصيا رجُلا يمكن اعتباره نموذَجا مثاليا لهذا السّلوك: فهو رَبّ حَانة صغيرة، يقضي اليَوم مُشتغلا، وعند سَاعة الإغلاق يجري الحسَابات، ويُفرغ الصّندوق مما اجتمعَ له طيلة اليَوم من أربَاح، ثم يضعه في جَيبه، وينصَرف إلى حَانة أفخم فندق بالمدينة، وهُناك يقضي بقية الليلة في احتساء الخمُور وتنقيط العَاهرات والرَّاقصات بالأوراق النقدية، إلى أن يصرف كلَّ ما اجتمَع له في اليَوم، وآنذاك فقط يعود إلى المنزل مرتاحا مُطمئنا، رَاضيا مَرضيا.

أما الرِّسَالة الثانية – التي يوجِّهها المبذر لنفسه – فهي: «إذا كنتُ أبذرُ أموالي في الحانَات، فذلك لأني أحرص الحرصَ كله على ألا أعود إلى البيت ومَعي مَال؛ لأني أحرصُ على الاتصَاف بالاستقامة؛ أسهرُ على “تبرئة ذمتي” وإراحة ضميري». أو هي: «ما أودّ قوله عبرَ تبذيري أموالي هو: «الآن وقد أعدتُ لهم مِلكهم يحق لي أن أعُود إلى منزلي مُرتاحا، وأناَم ملء جفوني». وتبذيرُ المال باعتباره سعيا إلى الطمأنينة، يمكنُ تفسيره على النحو التالي: كأن الحرصَ على المال يشكل عبـئا عَلى المبذر؛ كأن النقدَ، بوجوده وحده، يتطلبُ تفكيرا مُستمرا فيه: يتطلبُ التفكير في كيفية صيانته، في كيفية تدْبيره، في كيفية مُضاعفته، في كيفية حسَابه، في جمعه، في طرحه، في ضربه، في قسمته، الخ.، وذلكَ عبءٌ يُوَلد صُداعا في الرَّأس. تجاه ذلك كله، ينهَض المسرفُ، فيصرف دفعة واحدة، في يوم واحد أو ليلة واحدة، كل ما ملكت يدُه، ليتأتى له بعد ذلك أن ينعَم بالرَّاحة، ويصرفَ الطاقة المذّخرة – التي كان سيبتزه منها الحرصُ على المال – في أشياء أخرى؛ إذا كان مثقفا أو كاتبا، فإنه مَا أن يتخلص مِن النقد حتى يجد نفسه «مضطرا» للانشغال كليا بالمطالعة أو الكتابة. بهذا المعنى، تكون الكتابة تعويضا أو بديلا رَمزيا عن المال المفقود. وإذا كان تاجرا أو عاملا استعجَلَ استئناف تجارته أو عمله كي يعوِّض الأموال التي أنفقها في غير الوجه الذي كان يجب إنفاقها فيه، فيعود إلى دكانه أو مقرّ عمله وهو يفيضُ حيوية ونشاطا. بهذا المعنى يمكن اعتبار الخسران محرِّكا لعجلة العمل ومنشطا لدورات الإنتاج. ومعنى ذلك أن عجلة المجتمع لا تدورُ بسُرعَة إلا فوق طريق من دَم وعظام وجماجم. فكرة ما أن نمضي بها قليلا إلى الأمام حتى ترتسمُ في الأفق الحقيقة المرعبة التالية: إن الدّول التي تعيشُ اليومَ في تجانس وتناغم وحُسن جوار بحيث يستحيل تصوّر إمكان أن تشن إحداها حَربا على أخرى، تلكَ الدول عاشت فيما مضى حُروبا ضارية على الصَّعيدين الدَّاخلي والخارجي. وبالمثل، فالشعوبُ التي تشهَد اليوم حروبا أهلية قاسية، تطاحنات عرقية وَحشية، مَا تقتاتُ يوميا إلا على أخبار الدِّماء، والصُّراخ والبكاء، تلكَ الشعوب إنما تزرَع بهلعها الرَّاهِن بُذور مستقبل آمن مُطمئن رغيد. بيد أنه، مثلما براكينُ هذه تبشر بهدوء وديع، كذلك يبشر سُكون تلك بزلازل مُروعة آتية لا ريب فيها؛ سِلمُ اليوم جائزة عن حرب الأمس، لكنه يمهد في الآن عينه لحرب الغد؛ وحربُ اليوم عقابٌ عن سِلم الأمس، لكنها تمهِّدُ في الآن عينه لسلم الغد. حقيقة أروَع من سابقتها: الإنسانُ راكبٌ في أرجوحة؛ طرفها القصي الأوَّلُ سلمٌ وطرفها القصيّ الثاني حَربٌ، طرفها خيرٌ وطرفها شرّ، طرفها أخلاقٌ وطرفها لا أخلاق.

والسَّارق؟ إن حَرَكة السارق لا تبعد عن إشرَاق المتصوف وذهول الحشّاش إلا بمقدار إصبع أو أقلّ. مثل المتصوف أو الحشَّاش يُدَاهمُ السارق هدفه وهو غارقٌ في الرَّغبة والرَّهبة. الرغبة، لأن الاستيهامَ يسلط عليه فرحة يتخيل نفسَه فيها وقد سَطا على هدفه فصَار مِلكا له، يتمتع بكامل حُقوق التصرّف فيه، وبالوَجه الذي يشاء. والرَّهبة، لأن الخوفَ يسلط عليه حَذرا شَديدا من أن يُضبَطَ فيسَاق إلى السِّجن. خليط الفزَع والفرحَة تحمرّ له الوجنتان وترتعشُ المفاصلُ وتتسارع نبضات القلب داخل مُطلق الزَّمن الذي يحيط بلحظة التهيؤ للسَّطو: يتحوَّل الناسُ من حول السَّارق إلى كائناتٍ مُفرطة الغباوَة ومُفرطة الفطنة في آن واحد، الأمر الذي يُجبرُه على القيام بحسابٍ مُزدَوج… وفيما وراءَ الرغبة والرَّهبة والسَّذاجة والفطنة يضع السَّارق الملكية في أزمَة، يضع نفسَه خارجَ مُواضعة اجتماعية حيوية: بينما يخاطب المجتمع كل فردٍ قائلا: «اشتغل لتملِكَ» أو «لكي تملك عليكَ أن تشتغل»، يخاطبُ السَّارقُ المجتمعَ قائلا: «إني لا أريدُ أن أشتغل، لكنني مع ذلك أريدُ أن أملك» أو «لن أشتغل ومع ذلك سأملك؛ سأملك دونَ أن أشتغل». كلنا نكرَه العمل في العمق، لكننا لا نملك جرأة البوحَ بهذه الكرَاهية ولا ترجمتها إلى سلوكٍ مخافة أن يقطع عنا المجتمع ما نقتاتُ به. كلنا نكره العَمل، في قرارة أنفسنا، لكننا لا نملك جرأة السَّارق لنترجم هذه الكراهية إلى سطو على ما يملكه الآخرون. لو كان المجتمعُ وفرَ لنا جميعا، وعلى قدم المساواة، ما نأكل وما نشرب، وما نلبسُ، أترى السَّارق كَان سيكون له وجود؟ اعتقد ما شئتَ، أما أنا فأرى أن الأمر لو كان على ذلك لما وُجد السَّارق أصـلا، لما خطرت السَّرقة على بال، لكان فعلها في

حُكم العدَم.

ستتهمني بالدفاع عن السَّرقة؛ بتبرير ما لا يُبرَّر واختلاق منطق لمن لا منطق له. حسنا، هذا مَا يبدو لأول وهلة، لكن ما أن تبذل مجهُودا قليلا في فتح عينيكَ من حواليكَ حتى تقف على الحقيقة المرعبة، وهي أننا وسَط اللصوص نقيمُ! نعم، إن العديدَ من المهن والأنشطة التي ينظر إليها باعتبارهَا شريفة، تقوم في الحقيقة على استبلاد الآخرين واختلاسهم. مجَّدتَ في مداخلتك الفنَّ. وأود الابتداء من هَذه النقطة بالضبط. أنا أومن بأنَّ اللصوصية هي الهيكل العظمي للفنّ. ستستغرب لهذه الفكرة، لكنني ما جئتُ هنا بجديد؛ فقد سبق للجاحظ أن ألفَ كتابا أسماه «كتابُ اللصوص ودُستور العيارين»، قال فيه: «فنونهم…». وبقدر ما آسف على فقدان الكتاب يتبدَّد أسفي لكوني، من خلال قراءة المقاطع التي سَاقها عنه الأقدمُون، أستنتج أن وَجه الصِّلة بين اللصوصية والفن لم يتبينه الجاحظ ولا من كتب بعده في الموضُوع، بمعنى أن ما يردُ في الكتب القديمة في الموضوع لا يعدو مجرَّد سرد حشد من المعلومَات الأمبريقية، الإثنوغرافية، تفيدُ في معرفة فئات اللصُوص ودوافعهم، وطرقهم المعتمدة في اللصُوصية، دون أن تفيدَ في تبين الصِّلة القائمة، مثلا، بين السَّرقة وفنون كالشعر أو السِّحر أو الغناء، أو المسرح، الخ. ومَا أود إقناعك به هُو أن للممارسَات اللصوصية وجها فنيا يتضحُ مَا أن نصنف السرقة إلى صنفين: الأول يلتقي فيه اللصّ مُباشرة بالضحية، فيتولى مهمَّة الانتشال، وأسمي هذا النوع الأوَّل «السرقة بالفعل». أمَّا الثاني، فيسخر فيه اللصّ وَسَائط احترافية، للاتصال بالضحايا، تستهدفُ جلبهم طواعية كي يمتثلوا أمَامَه شخصيا أو يمثلوا أمَام وسطاء آخرين فيقدمون لهم أمْوالهم طواعية.

حقا، أمَام تعقد مَظاهر السَّرقة وأنواعها وحيلها لا يمكن لهذا التصنيف أن يبدُو إلا مغرقا في العمُومية. ومع ذلكَ، فإني أعتقد أن كافة أضرُب السرقة تندرج ضمنه: سَرقة الممتلكات، وسرقة العَواطف، وسَرقة الجماعات، وسَرقات الأفراد، وسَرقات الدّول… لا أود إثقال سمعك باختبار هذا التصنيف على كافة أضرُب السَّرقات، وفي المقابل سَأحاول أن أوقفك على صنف واحدٍ، هو سرقات الشركات التجارية والصِّناعية الأفرادَ من خلال استعمال القنوَات الإشهارية. بتعبير آخر، سأسْعى إلى إظهار أنه مثلما يوجدُ وراء فقدان راكب حافلةٍ حافظة نقوده لصٌّ من لحم ودَم، هو الذي تولى عمَلية الانتشال، كذلك يوجَد وَرَاء شراء مستهلكٍ مَّا منتوجا غير جيد لصّ سخره صاحبُ معمل صنع المنتوج المذكور. هَذا اللص يأخذ أشكالا عديدة، لو شئتُ جردها جميعا لاستغرق مني ذلك ساعات طويلة جدّا، ولوقفنا معا على الحقيقة المقرفة، وهي أننا لا نخلو من أن نكونَ سَارقين – رغم أنفنا – أو نعيش من أموال مَسروقة أو نيسّر للصُوص سُبل السطو على الآخرين. ولذلكَ ارتأيت الاقتصار على شَكل واحد، هو الخطاب الإشهَاري:

تدخُل عملياتُ التجارة المرتكزة على الإشهار ضمن ما يمكن تسميته باللصُوصية «اللطيفة» أو «الوديعَة». بخلاف اللص «المتوحِّش» أو «الخشن»، الذي يعمَد إلى العنفُ الجسدي لابتزاز ضحيته، يعمدُ اللص «اللطيف» أو «المهذب» إلى استغباء ضحيته أو اسْتبلادها: فلكي يَبيع منتوجاته، يعمدُ إلى الإشهار؛ يتصل بمؤسَّسات نشاطها هو الإشهار، فيطلب منها أن تروِّج لهذا المنتوج أو ذاك. هَذا الصنف من اللصُوص لا يسرق مباشرة، لا يتصل مُباشرة بالضحية، وإنما يلجأ إلى أشخَاص محترفين، مِهنتهم بالضبط هي ابتكار الأكاذيب والحيل الكفيلة بالإيقاع بضَحايا يتجهون، بُعَيْدَ وقوعهم في الفخ، إلى اللص الحقيقي، إلى منتج المنتوج المراد ترويجه (في هَذا الإطار، يمكنُ أن ندرج ضمنَ الممارسات اللصوصية عملياتِ تقليد الاسْم، كأن يسمَّى منتوجا ماَّ، مثلا، “باط”، ويكون منتوجا فعَّالا، ثم يَأتِي لصّ صاحب مَعمَل، فينتجُ منتوجا أقلّ فعالية وأقلّ كلفة، ثم يطلق عليه اسم “بات”، لكنها لصُوصية بدائية، مقدار ما تخاطبُ الجانب الأكثر سذاجة في كلِّ واحد منا، تستهدفُ الفئات الأكثر سَذاجة في المجتمع كالأميين والبدو، الخ.). علما بأنَّ هذا اللص يقبع داخل مقرّ هو مصنع المادة، ثم يرسلُ بضائعه إلى وُسطاء، فيبيعونها بالتقسيط. بهَذا المعنى، فإن أصحاب الدَّكاكين يبعيون الكثير من المنتوجَات الفخاخ / منتوجات اللصوص. مُهمة هذه المنتوجات هي الإيقاع بالناس، تمثيل البؤرة أو المكان الذي ستتمّ فيه عملية السَّرقة، الذي سيباع فيه هذا المنتوج.

ما تفعله مُؤسَّسات ابتكار الأكاذيب والحيل الكفيلة بالإيقاع بالضحايا هو كتابة سيناريو، واختيَار ممثلين، ومخرج. ومعنى ذلك أن جزءا من الصناعة السِّينمائية – أو مستوى منها – يتمّ تسخيره وتوظيفه لكي يظهرَ أن المنتوج كذا هو الأفضل. من هَذه الزَّاوية يمكن تحليل بعض اللقطات الإشهارية على ضَوء فرضية أنَّ ما من خطاب إشهاري إلا ويقوم على أسُس ثلاثة: الإغراء، والاستعراء، ثم التهديد. ووجهُ اللصوصية في الخطاب الإشهَاري أنه يعمدُ إلى تغيير المرجع، فيقدِّم القبيح باعتباره جميلا، ويحجب الجميل، يشوش عليه، ما لم يقدمْه باعتباره قبيحا؛ يعمدُ إلى إحدى آليات اشتغال الفن. يقدمُ منتوجا محدود الفعالية باعتباره فعالا جدا، بغاية أن يُصدقه الناسُ، فيشترونَ قلة الفعالية بثمن الفعَالية؛ يَدفعون مالهم في منتوج لو عرفوا ضآلة فعاليته لما تردَّدوا لحظة في الامتناع عَن شرائه، الخ. إنهم يشترون بضاعة رغم أنفهم. يجعلهم الخطاب الإشهاري في وَضعية حَاجة إلى ما هم في غنى عنه. بهذا المعنى، يمكنُ اعتبار الحملات الإشهارية التي تقوم بها بعض الأبناك لإغراء النّاس بالاقتراض عمليات نصبٍ من زاوية كونها تخلق حَاجة لدَى من هو غير محتاج أصلا؛ تغريه. والصّحف بدورها تعمَد إلى مُساعدة هذا النوع من اللصُوص، من حيث كونها تنشرُ إعلانات إشهارية لبعض الموادّ لا لشيء سوى لأن أصحَابها يؤدّون مبالغ مالية مقابل الإعلان عن نشر النصوص الإشهارية. إنَّ القنوات التي تمرِّر الخطاب الإشهاري لا تمرره مجانا، وإنما بمقابل يكون خياليا في بعض الأحيان. إنها تقتاتُ من عملية احتيال لصّ مَّا / شركة مَّا على الناس. بهذا المعنى، يجري اللص شبه مُقامرة في البداية؛ يروِّج لمنتوج نجاحُ رواجه غير مضمون؛ يدفع مالا كبيرا كي يُقال ويُعاد قول: «إنه منتوجٌ رائع». وقنواتُ الإشهار تذيع هذه القولة وتتنصَّل من كل عواقبها. إن لقي المنتوج رواجا شديدا لا يكون لها الحق في مُطالبة اللص / صاحب المنتوج بأن يقتسمَ معها نصيبا من الأرباح أو يمنحها قدرا من المال زيادة على ما تم الاتفاق عليه لحظة إطلاق لقطة الإشهَار. وإن لم يرُج، فليسَ للص الحق في أن يحاسبَها على عدم استجابة الناس للخطاب المذاع، لأنها وإن كانت توصل فعْلا الخطاب الإشهاري إلى المستهلكين المحتملين، فهي لا تملكُ سلطة عليهم ولا يمكنهَا النفاذ إلى سَرائرهم…

الثالث: للمجتمع في قوْل «هذا أخلاقي» و«ذاك لا أخلاقي» المآربَ قاطبة إلا مأربَ الانشغال بالأخلاق. لنعد إلى مثال الخمرة. إنَّ شرْبها قلما يُبقي المرءَ في وَضعية عَادية؛ فإذا شبَّهنا الحالة الطبيعية للإنسَان برقاص ميزَان في حالة سُكون، أي بالنقطة الصِّفر أو بنقطة الاعتدال، كانت الخمرة، متى بَالغ الإنسان في شربها، لم تضَعه إلا في أحد حدَّين قصيَّين:

أحدهما يشكلُ ما يمكن تسميته بـ «مَدينة فاضلة»، وفيه تكاد جميعُ المشاكل المستعصية تجدُ سبيلها إلى الحلّ؛ يصير الإنسانُ حنونا عطوفا، يبذل بسخاء، يكرمُ المحتاج، يُصغي إلى المشتكي، ترهف حاسّة تذوق الفن لديه، فيعود إلى بيته محمَّلا بلوحات تشكيلية ومِزْهَريات وشمعَدَانَات… هي أشياء لم يخطر على باله اقناؤها قبل أن يدخل الحانة. قد ينطبق ذلك على ربِّ البيت وربِّ المجتمع على السَّواء. أما سمعتَ ما أورَده ابن عذاري عن أحد الزعماء؟ قالَ: «وفي سنة 345، أخرج أبُو إبراهيم بن الأغلب صَاحب إفريقية مالا كثيرا لحفر المَواجل، وبنيان المسَاجد والقناطر لكلمةٍ كانت منه على سُكر»* . من هذه الزاوية، يمكن تفسير مناهضة المجتمع للسّكر، أو على الأقلّ بلوغ هذه المرتبة من الشَّراب، وبالتالي إدراجها ضِمن «اللاأخلاق»، بكون ضابط العمل هوالمهدَّد؛ سَخاء السِّكير قد يدفعُ البعض إلى عَدم الاكترَاث بالعمل؛ سيقول: «ثمة دائما، في خمارة مَّا، رجلٌ مَّا يعاقر الكأسَ، ومتى ارتقى في مَدَارج السّكر درجات عُليا تصدَّق عليَّ». لكن، ألا يحظنا المجتمَع نفسُه على الصَّدقة؟ ألا يعتبرها عملا خيرا، وبالتالي يدرجها ضمنَ الأخلاق؟

أما الطـرف القصيّ الآخـر فهـُو العنـف، وفيه تضـع الخمرة المرء في مساحةٍ لا تعرف الخوف، ولا التردّد، ولا تقدير عاقبة الأمور – هذه العَاقبة التي ليستْ في نهاية المطاف سِوى يقظة المجتمع وكلية القدرة والحضُور اللذين يَطبعان القانون – فلا يتردَّد في الضرب والجرح والقتل والسَّرقة. وبكلمة واحدة، فإنَّ الخمرة، في هَذا المستوى، توقظ الغرائز التي مدَارُ التنشئة الاجتماعية بكاملها لجمُها وتنويمها في باطن كلِّ واحد منّا؛ توقظها وتخرجُها من معاقلها، فتجرّد عملَ المجتمع في ترويض الفرْد من كل فعالية، وتحيله إلى مجهودٍ ذهبَ سُدى. وانتقاما من ذلك، يُعاقب المجتمع السّكير الذي جرأ على ارتكاب ما ارتكبه؛ يُجري شبهَ حوار بين طفل وأبيه: يُعاقب الأبُ طفله قائلا له: «كنتُ نبهتك إلى كذا وكذا، كنتُ نهيتك عن فعل كذا وكذا، كنتُ حذرتك من مغبَّة فعل كذا وكذا، والآن وقد فعلتَه فقد ألزمتني عقابَك. أرأيتَ كيف أنَّ لي عينا لا تنام؟ أرأيت أنني لا أخلف الوعيد؟!».

ستقول لي: «ها نحنُ أمام ضربٍ من البشر يبدو سلوكهم غير أخلاقي بشكل صَريح»، لكن أينَ نضع الذين لا يطالهم القانون، وهُم فئتان: فئة تنتهكُ القانون عَلى مرأى ومسمَع من الناس، لكنها لا تعاقَب إما لأنها صَاحبة القانون نفسها وواضعته أو لأنها صَاحبة مَال وجاه ونفوذ، وفئة تأتي ضرُوب المحرمات قاطبة بعيدا عَن أعين المجتمع والقانون، فلا يفطن إليها أحدٌ، لا تعاقبُ، وبالتالي يَستمر الناسُ في النظر إليها باعتبارها «طيبة» و«متخلقة»؟

الرابع: إنَّ ما يسمَّى بـ «الإنسان» لا يعدو مجرَّد بضاعة مُفلسة، ما من كائن «ناطق عاقل» إلا ويجدُ نفسَه مورَّطاُ فيها، مُجبَرا على حملها. «ماذا يجب عليَّ أن أفعل بـ “الإنسان” الذي أنا إياه؟»، هذا مَا يبدو أنَّ جميعَ «العُقَلاء النّاطقين» لا يكفّون عن طرحه. وهم جميعا يسعَون إلى التخلص مما أسميته بضَاعة، إلا أنهُم للوُصُول إلى ذلك لا يتبعون إلا أحدَ مَسلكين: بعضهم يعمَد إلى تزيين البضاعة في أعين الناظرين، فيقول لهم: «نِعمَ السِّلعة هذه. ما فيها عيبٌ ولا أدنى نقيصة»، وهؤلاء هم الذين يَتظاهرون بحب الحياة، ويسلكون للاجتماع كل السّبل، هم الكائنات «الاجتماعية» التي اتخذت مِن ارتداء الأقنعة، والنفاق، والاستعرَاء، والكذب، والتظاهُر بالتوازن ومحبة الغير، عُمْلة… أما البعض الآخر، فلا يُريد الإيقاع بأحد؛ لا يريد تمرير بضاعة فاسدة باعتبارها جيدة، ولذلك فهو يقول لكل من أراد شراء بضاعته: «نعم سيدي، قد راقتكَ بضاعتي، رَاقك مَظهري وسُلوكي، لكنني لا أخفيكَ ما فيها من عيوب. انظر ها هي عُيوب سِلعتي واحدا واحدا، افتح عينيكَ جيدا حتى تكون على بينة مما تفعل». وهؤلاء هُم الكائنات التي تنعتُ بـ «اللاأخلاقية»، «اللااجتماعية»، «المُقلقة» و«المثيرة «للقلق» و«القرف» جرَّاء حبها الحقيقة ورفضها ارتداء الأقنعة وتمثيل أدوار زائفة… يفعل بَنو الإنسان ذلك أفرادا وجماعات:

الجماعة من الصنف الأوَّل تتألفُ من أفراد، هم الذينَ يستيقظون في الصَّباح الباكر، فيلبسُون بأناقة، ويحرصُون على أداء واجباتهم المهنية والعَائلية بمنتهى الدقة، يُضربون عن الحانات، يعقدون في المقاهي للنمِيمة ولائم ومأدُبات، إن كان أحدُهم على مَوعد مع زوجته وَأطفاله وفاته الموعد بنصف دقيقة أقامَ الدّنيا وأقعدَها إن لم يَنفخ في الصّور ويُقم القيامة… عَلى تمرير البضاعة الفاسِدة يتآزرُون. أما الجمَاعة الثانية، فتتألف من الذين لا يتملمونَ من فراش النوم إلا بمنتهى المشقة، كأنَّ اليقظة طريقٌ إلى المقبرة. أداءُ الوَاجبات الاجتماعية والمهنية عندهُم تقلبٌ في سعير، ولذلك فهُم يتملصون من الوَاجبات قاطبة إلا واجب الوُقوف في شرفة المجتمع، على هَامِشه، حيث يغرسون زُهورا وورودا، من دمَائهم ولحومهم تقتاتُ؛ يتخذون من الحانات ونوادي القمَار بُيوتا لهم، ينشرُون فيها جثثهم ويَعرضونها أطباقا، مَأدبات لنهش الناهشين، لا ينصرفون منها إلا عَلى خطى من جَمر… على كشف زيف البضَاعة يتعاونون…

بناءً على ما سَبق، فإني لأحثكَ على الارتباط بسيِّدة أو أكثر. وحتى إذا اعتبرتَ هذا خطيئة، فاعلم أنَّ مَغفرة الله تسَعُ خطايا الإنسانِ قاطبة إلا شرَّ أن يُسيء إلى غيره بأن يتسببَ في موته أو إيلامه، كأن يجرحه أو يبتر أحَد أعضائه أو يتسبب في سجنه أو غرقه أو إحْراقه أو السَّطو على ممتلكاته… وهَذه أبعد الأشياء عما أحظك عَليه.

قلتُ: حتى وإن كان الأمرُ على ما تقولينَ فإني لا أستطيع القيام بهذا ولا ذاكَ. لا تنسي أن زوجَتي مُوظفة. إنَّ الإقامة في الحانة لأهونُ علي ألف مرَّةٍ من إتيان هَذا أو ذَاك.

قالت: ستشيخُ قبل الأوان، سَتهرم قبل الأوان، ولا تمضي إلى المقبرة إلا وقد تحوَّل جسدُك إلى أجزاء مُفصَّلة (pièces détachées) جرَّاء ما سيثبُ عليك من أمرَاض. ذلك أني تأملتُ الخمَّارات فما وَجدتها إلا أفرانا وما رأيتُ رُوادها سوى شطائر لحم أو خبز فيهَا تنطبخ؛ عندما أدخل حانة مَّا أوَّل ما أفعلُ أتأمّلُ وُجوه زبنائها وبنيات أجسامهم. إن وَقَعَ بَصَري على زبون مُسنّ، تبدو عليه عَلامات الإدمان والإنهاك البدني؛ سمات كونِه صَرف شطرا من عُمره في ارتياد الخمارة يوميا، إنْ وقع بصري عليه قلتُ: «إنَّ هذه الشطيرة من اللحم أو الخبز قد نضجت منذ مُدَّة، والأليق كانَ إخراجُها من هنا، فما بقاؤها مَزيدا من الوقت إلا احتراق لها»، وإن وقعتْ عيني على شابّ يافع تساءلتُ: «هي ذي شطيرة لحم طازجة دخلت الفرنَ لتوِّها، كم سنينَ يلزمها البقاء في هذه المحرقة كي تنضج؟».

ثمَّ إن اعتراضك ليس بعذر، إذ على العَكس كلما كانت المرأة مُتمدرسة كلما سهُل على الزَّوج إقناعها بضرورة خيانته إياهَا وفوائد هَذه المعاشَرة الممنوعة. لا تحدثني عن الزَّواج الأحادي، فهو لا يجب أن يُلزَمَ به إلا مَن تزوَّجَ امرأة أمِّية، لأنه لن يقنعها بفائدة الخيانة ولو سَاق لها حجج الدّنيا قاطبة، فأحرَى أن يقنعها بحكمَة تعدّد الزوجات. بخلاف ذلك، فالمرأة المثقفة تملكُ من اتسَاع الذهن والابتعَاد عن التحَجر، وقابلية تفهّم الآراء المخالفة لقناعاتهَا، ما يجعل من السّهولة على الزّوج أن يقنعها بكل شيء. وأنا لا أفهم لماذا لم يأخذ المبادرة أيّ رجُل منكم، أنتم معشَر الرجال، حتى اليوم. أكثر من ذلكَ، إني لا أفهَم لماذا لا تتصرَّف النسَاء المثقفات متى ضبطن أزواجَهن يخونونهن إلا على نحو مَا تتصرَّف به النساء الأميات. أتتصور ماذا فعَلت أختي، وهي امْرأة موظفة، عندما ضبطت زوجَها فوق الخادمَة؟ انتابتها حالة هستيرية، فارتمت على الأرْض والتوت فوقهَا مدة طويلة وهي تتخبط وتصرُخ كمَا كانت ستتلوَّى وستصرخُ عذارءُ رامبو المجنونة أمَام بعلها الجهنمِي لو أراها حِلياً، ثم قامت وكسَّرت مِن أواني المنزل النفيسَة كل ما كان في متناول يديها، وأخذت توَلول وتصرخ إلى أن احتشدَت جمهرة الجيران في بيتهَا، حتى إذا استعادت رُشدَها أوسَعت زوجها شتما ورَكلا، فما أشبعَها ذلك، فغضبت، وهَجرت منزلها إلى بيت والدَيها، بينما غرق هو في الخجَل ولازم بيته؛ لم يقو على الذهَاب إليها اعتذارا. ومع ذلكَ، ما مضت بضعَة أيام حتى سُقتُ لها – أنا التي لستُ سوى امرأة – من الحجج والبراهين ما جَعلها لا تعودُ إلى البيت رَاضية مَرضية فحسب، بل وأيضا قبَّلتْ رأسَ زوجها وقدَميه طالبة منه أن يغفرَ لها ما اقترفته في حقه من إسَاءة. قالت له:

– إني أعـرفُ تمـام المعـرفـة أنــك رجـلٌ، ونصيــبُ

الرِّجال من الشهوة يضاعف نصيبَ النسَاء منها… لذا، متى أحسستَ بالروتين اخبرني، سأتكفل شخصيا بأن أسُوق لك من النساء ما يبدِّدُ عنك الحزن ويجلو عنك الغمَّ، ويجدد شراييَن الحب في بيتنا إلى أن تنفجرَ ينابيع العشق بدواخلك، فتغدق عليَّ من الحنان والعطف والمحبَّة وحُسْن المعاملة والكلام الجميل ما يُعِيدُنِي عقودا إلى الوارء… نعَم، سأتولى شخصيا أمرَ الاختيار، لأن امرأة أعرفها فأختارهَا لك، خير ألفَ مرة من امرأة لا أعرفهَا وتختارها لنفسك: التي أعرفُ ستحترمُ الرباط المقدس بيننا؛ ولن تحدثها نفسُها إطلاقا بأخذك مني، ستترفعُ عن ذلك. أما التي لا أعرفُ فقد تحدثها نفسها بالسَّطو عليكَ وأخذك مني، وقد يتأتى لها ذلكَ بسهولة لما يُعرفُ عنكم – أنتم مَعْشَرَ الرِّجـَال – من سُرْعَة انهزَام أمَامَ النسَاء، فأفقدك إلى الأبد يا عزيزي…

وذلكَ ما كان، وهُما الآن يعيشان في سعادة لا مثيل لها؛ من يراهما يخيَّل إليه أنهما قد عادا إلى الوَراء قدر عشرين سنة أو أكثر…

قلتُ لها: لا تحدثني نفسي بذلكَ، ولا أظنني أقوى عليه. وإن كنتُ ألومُ في ذلك أحدا كنتِ أنتِ أوَّل من ألومُ. نعم، أنتن معشرَ النساء، الأصلُ في شقائكن وشقائنا، لأنكن ناديتن بتحرّر المرأة، فنلتنه، ولم تقنعنَ بالحرية ففرضتن علينا الزواج الأحَادِيِّ، ومن ثمَّ جنيتنَّ على أنفسكنَّ وعلينا: على أنفسكنَّ لأنَّ العديدات منكن لا يتزوجن ولا يـَعثرن على شغل يَسْدُدْنَ به رمقهن، فلا يجدن بُدّا من بيع أجسادهن في الشوارع حتَّى إذا ذبل جمالهن وانفضَّ الرجال من حولهن، انقلبن إلى قوَّادات أو إلى شحَّاذات أو مجنونات، والحال أنه كان بوسعهن الانضمام إلى بيوت فيعمِّرنها، ونسَاء فيؤنسنها، وفرش فيدفئنها. وأنا مُوقن أنه لو كان العمل بتعدّد الزوجات لازال مباحا لما وجدَت مومسٌ واحدة في البلاد؛ ثم جنيتنَّ علينَا لأنني، مثلا، قنطت من بُكاء زوجتي اليومي من جرَّاء تمزقها بين عمل البيت وعمَل خارج المنزل، قنطتُ من كثرَة البرامج الإذاعية والتلفزية التي تلبسُ فيها النساء الجلادَات أقنعة الضحايا البريئات، قنطتُ من كثرة الكتب التي تدَافع عن المرأة ضدَّ ظلم ذكوري مزعوم… ما أرى الرَّغبة المختفية وراء كل هذا اللغو واللغط سوى السَّعي إلى قلب الأدوَار بين الجنسين بحيث يصير الرجل امرأة وتصير المرأة رجلا؛ فتصبح قادرة على أن تمارسَ على زوجها أضعاف ما تزعم أنه يمارسه عليها حاليا من جُور وتسلط. بل إنَّ عددا منهنَّ قد حملنَ أعلامَ النصر المسبق، قبل قيام المعركة، وتقدمن الرَّكب؛ أقعدن أزواجهنَّ في البيت وألبسنهم، تنوراتٍ وأحذية عالية الكعب، وأجبرنهُم على غسْل الأواني، وترتيب البيت، وتنظيفه، وغسْل الملابس… فيما يصرفنَ هنَّ الأوقات في مُنتديات الدِّفاع عن حقوق الأرَامل والعانسات والمطلقات. متى تناولت إحداهنَّ الكلمة لم تفه بحرفٍ واحدٍ إلا وهي مجهشة بالبُكاء، كأن السّياط تلوى على ظهرها صباح مساء. أي قِوامَةٍ هذه؟ أتدري أيَّ شيء كنتُ سأفعله لو ابتليتُ بامرأةٍ من هذا العيار؟ لحملتُ عصا وقلتُ لها:

– اسمعي رحمك الله يا ست!. أحسبتني قوَّادا لكِ أم خلتني ثالثا مَرفوعا؟ اسمعي رحمك الله يا ستّ: لكِ أن تختاري بين اثنين لا ثالث لهما؛ فإمَّا تساهمي في ميزانية البيت وتجعلي محاسنك ومَفاتنك حكرا عليَّ، فنواصل العيشَ سويا تحت هذا السَّقف أو تستمري في الاستئثار بأموالك، لا تخرجي إلى العمَل إلا وقد صرتِ شبه عرُوس، جرَّاء ما تظهري من مَفاتن، حتى إذا عُدتِ إلى المنزل كنستِ المسَاحيق وخلعت التنورات والكسوات والأحذية العالية وارتديتِ أسمالَ تبديك أقرَب إلى خادمة بيتٍ منك إلى زَوجة، فأقعدنَّك عن العمل، وأجبرَنَّك على مُلازمة المنزل، لا أغادره إلا وقد غلَّقتُ أبوابه من ورائي بمفاتيح، ولا تغادرينه إلا وقد سترتِ وجهَك بخمار ولففتِ جسَدَكِ بمئزر يكنس الأرض إلى أن يتعالى الغبار. ألستِ من سُلالة عقبة بن نافع ومُوسى بن نصير؟!

مَا يشفي غليلي في هذا الصِّنف من النسَاء، بل العوَانس وما هنَّ بعوانس، إلا الشيخ؛ كلما دعونه إلى منتدى من منتدياتهن، وحيته إحداهنَّ يعرف تاريخها حقَّ المعرفة، ردَّ التحية، ثم سَألها هامزا لامزا: «أين تركتِ إحليلك؟!». ما إحليلها إلا زوجُها طبعا، لأنهَا قبل أن تتشبَّه بالعانسات، كانت قد جعلت من وجهها بُستانا، غرست فيه زهورا ووُرُودا، ثم رفعتْ عموديها الرّخاميين إلى أبراج السَّماء، ونصبت ضريحهَا قبلة لطوابير الزناة، يحجون إليه من كلّ فج عميق… حتى إذا ذبلت، وصَار ضريحها أوسع من يأوي رجُلا واحدا، وتحرَّكت غريزة الأمُومة بداخلها، التفتت يمنة ويُسرة فإذا الرجال جميعا من حولها منفضّون. فلما انقطعَ رجاؤها ويئست، ملأت جُيوبها بما تأتى لها جمعه من أمْوال الحلال والحرام، ثم قصدَت رجلا أضمر الجوعُ بطنَه، وأرته كمشة أورَاق، ثم قالت له: «هيتَ لك»، فإذا بها بين عَشية وضحاها من النسَاء المحصَّنات. ومنذ ذلك اليوم، وهي تواظب عَلى حضور أنشطة الجمعيات والمنتدَيات، تدافع عن حقوقها التي سلبها إياها بَعلها الجهنَّمي، تاركة إياه في البيت يَعجن الخبز ويطبخ الطعَام ويغسل الملابس… ومن يَدري؟ فقد قيل إنها لا تخرجُ إلا وقد غلَّقت الباب من ورائها بأقفال ومفاتيح؟…

اسمعي يا ستّ. لا أريد مُواصلة الحديث في هذا الموضوع. فقد يتهمنَني بالكفر والزندقة، ويحتشدن بباب منزلي ويرمينَني بالحجارة… رأسي أخذَ يوجعني وإنّي لأفكر جدّيا في تأسيس جمعية للدّفاع عن حقوق الرِّجال.

لو كان لي الحقّ في اختيار أكثر من امرَأة واحدة لاخترتُ أربعا: واحدة مثقفة موَظفة، الأمر الذي يضمَن للبيت مَوارد اقتصادية كافية، وأخرَى متخصِّصة في شؤون الطبخ وتنظيف البيت، بما يجعَل الجمَاعة في شباَب وقوة دائمين، وثالثة لتربيـة الأبناء وتعليمهـم، مما يضمن لهم تفوقا دراسيا دائما، ورابعة متخصِّصة في الرقص والغنَاء والتمثيل، مما يبدِّد غيُوم القنط عن البيت ويجعَله في صَحْو دائم…

قالت: إني لأتفق تماما مع كلّ ما قلته حولَ كفاحهن ضدَّ ظلم ذكوريّ مزعوم. وإلى قولك السَّابق أضيفُ مسألة ونكتة:

المسألة أنَّ المرءَ عندما يحضر اجتماعاتهن ويرى هيآتهن، ويستمع لكلامهنَّ، يبهرنه لا محالة إلى أن يقولَ: «ما أراني إلا أمام حفيدَات ديدْرُو ومُونتيسكيو. سبحان الله! ها هي الحداثة التي كسَّرت عقول مشايخنا القدماء قد جَاءتنا خَانعة طيعة ذليلة ما تجرّها إلا شُعور البنات». لكن ما أن يختلي المرءُ نفسه بإحداهنَّ حتى يجد نفسه قاعدا أمام مَا يشبه جدَّته أو أفظع. إنَّ حُبَّ الماضي والاتباع ليجري في مَجاري دمَائهن جرَيانا، حتى إني لا أترددُ في تسميتهن بـ «حارسَات التقاليد». لماذا يُطالبن بالشيء ويتنصلنَ منه؟ بتنصلهن مما يطالبن به، ألا يكرِّسن ويرسِّخن ما يشكين منه؟ إني ما أرى أعتى الرِّجال تسلطا إلا بيادقَ في أيدي النساء!

أما النكتة، فهي أني حَضرتُ، في السنة الفارطة، مُحاكمة رَمزية، تآزرت على عقدها جمعياتٌ عديدة، نفخت في الصّور وأقامت القيامة، فهبَّ الوافدُون والوافدات من كل حَدب وصوب، وتوَالت شهادات النسَاء المظلومات، يلقينها بأنفسهنَّ أو تنوب عنهنَّ في الإلقاء نائبات، فلاحظت – ضمنَ ما لاحظت – أمرين: الأوَّل: كلّ المظلومات ونائباتهن أخفين وجوههُنَّ بخمُر، وأجسادهن بجلابيب سُود إلى أن صرنَ كالمحتجبَات، فقلتُ: «يا سُبحان الله! بالأمس كنت رافعة عموديك الرخاميين إلى أبراج السَّماء، تشرعين ضريحك لمن شاء، تقدمين أكاليل اللذة والمتعة لمن شاء، وأنت تعلمين علم اليقين أن الطريق محفوفة بالفخاخ والشرَاك، ولما وقعت في أحدها انقلبت بين عشية إلى أختٍ للأم طيريزا!». الثاني: قلبتُ كلامهنَّ على وجهه وظهره مِرارا وتكرارا فما وجدتُ فيه للرجل مكانا؛ فالتي سُجنت في مَاخور وأجبرت على ممارسَة البغاء كانت سَاجنتها وجَلاَّدتها امرأة، والتي كادت أن تجد نفسَها بغيا راقصة في بلاد العجم إنما نصبت عليهَا امرأة، كانت مُصدِّرتها امرأة… آنذاك قلتُ: «أين الرَّجل في كل هذا؟ ما يجلدُ النساء إلا النساء»، ثم أضفتُ: «أمرُكنَّ بينكن أيتها النساء»؛ «شأنكنَّ بينكنَّ أيتها النساء»، وغادرتُ القاعة وشعور بالقرف يملأني ورغبة قيء تنتابني.

ليكن ذلك. بيدَ أني لا أتفقُ إطلاقا مع رغبتك في الزواج بأربع نسَاء، لأنه يتنافى وطبيعة المرأة. ذلك أنَّ الزوجة بوسعها أن تقبل من ربّ بيتها كل شيء وتغفرَ له خطاياه قاطبة إلا أن يجعلَ فراشها قِسْمَة بينها وامرأة أخرى. ثم إنَّ الرجل مهمَا يفعل، لن يعدل بينهن…

قلتُ: مَعناه أنَّ المرأة عدوَّة للمرأة، أنها حاكمة ديكتاتورية ومتسلطة، لا تعرفُ التسامح ولا تعدّد الرغبات والأمنيات… مَعناه أنكن لو تقلدتن أزمَّة الحكم لكان مقدار نصف دقيقة كافٍ لقيام الحرب العالمية الثالثة: الدَّولة بيتٌ والعالم بيتٌ، ومثلما البيت لا تتساكنُ فيه امرأتان كذلك العالم لا تحكمُه امرأتان. أنتن تنفرن غريزيا من بعضكن بَعضا، تكرهن غريزيا بعضكنَّ بعضا، لذلك ستقتتلنَ لأتفه الأسباب… ثم أيهما أفضل للمرأة؟ أن تتعرَّض لغبن صغير في البيت، من جراء عدم قدرة زوجها على العدْل بين شريكاتها فيه، أم تتعرض لغبنٍ كبير في مجتمعها، فينبذها الجميع؟

قالت: أنا أفضِّل الحلَّ الأوَّل. أليست خَادمة البيت دَائما في متناول ربـِّه؟

قلتُ: بلى، ولكنها تغدُو مصدر شقاء آخَر عندما تكونُ صغيرة السِّن وأكثر جمالا من ربَّة البيت، إذ ترتدي الزوجة آنذاكَ بذلة وقبعة، وتحمل عَصا ومُسدَّسا، ثم تنذر نفسَها لإثباب النظام والأمن داخلَ المأوى.

قالت: وإذن ففي هذه الحالة يبقى العُنف هُو السبيل الوحيد لإحيَاء السعادة داخل البيت وتجديد شرَيان الحب فيه. نعم، العنفُ هو الطريق الملكي إليه، ذلكَ أن المرأة تحتاج إلى أن يعاملها الزَّوج كما لو كانت صبية، فيجعل لها فِراشا من حنان، وغطاء من عشق، ويسألها دائما عَن أمانيها ورَغباتها وشهواتها، ولا يحدثها إلا بكلمات تقطر من شهْد عَسَل… غير أن كبرياءَه يمنعه من ذلك، فضلا عن أنه هُو نفسه يكون دائما أحوج من المرأة إلى مَا تحتاجه منه: يحتاجُ إلى أن تعامله كطفل، فيجدُها، لدى كل عودة له إلى البيت، قد تزيَّنت وتعطرت، ولبست أبْهى الحلي والحلل، ثم أحضرَت ماء دافئا، فتبتسم له، وتمسكه من يَديه وتسوقه إلى أن تجلسَه في مكان مريح، وتخلع حذائيه وخُفيه، وتحضر مَاء دافئا وتغسل قدميه وتنشفهُما، ثم تناوله الطعام، وتلازمه وهُو يأكل، سائلة إياه عمَّا ينقصه، محدثة إياه بكلمات تقطر من شَهد عسل… وانسجَاما مع هذا الكبرياء، يجب على الرَّجل أن يعامل زوجته دائما بمنتهى القسْوة والعنف، فيوبخهَا، ويعنفها، ويقرِّعها، ويهددها، ويوسعها شتما ولكما، رَكـلا لطما، لسبب أو لغير سَبب، إلى أن تنكسر أمامه، لأنَّ انكسارها أمامَه هو وحده ما يمكن أن يفجرَّ فيه ينابيع حاجياتها منه. آنذاكَ، سيشعر بالتفوق، وينتشي بذكورته ورُجولته وأنانيته، ويحس أنه بالفعل أقوَى من المرأة ومتفوق عليها، فتنحدِر به الغريزَة من أعالي القسْوة والغضب إلى سُفوح الشفقة والندم؛ سيتمزق حسْرة، فيغدق على شَريكة حياته من الحبّ والحنان والعطف، وحُسن المعاملة، وجميل الكلام وحَلاوة اللسان، ما يكفي لقضَاء أسبوعين أو ثلاثة في فردوس حَقيقي، بعدهما يجب عليه حَتما أن يعود إلى ضربها ثانية ليستهلّ دائرة العنف من جديد… أنا مُوقنة أن العنف الدوري، داخلَ البيت، يقود حتما إلى مَنح الحياة الزوجية دماء طرية، ويجدِّد تدفق شَرايين الحب والعَطف والحنان بينَ الزوجين.

* ابن عذاري المراكشـي، البيـان المغـرب في أخبار الأندلس والمغرب، تحقيق ومراجعة: ج. س. كولان وإ. ل. بروفنسال، بيروت، دار الثقافة، ط. III / 1983، ج. 1، ص. 113.