الرئيسيةمؤلفــــاتسردبالعنف تتجدد دماء الحبرواية بالعنف تتجدد دماء الحب (الفصل الثالث)
بالعنف تتجدد دماء الحب

رواية بالعنف تتجدد دماء الحب (الفصل الثالث)

عدتُ إلى البيت، حيَّيتُ زوجتي، لم ترد عليَّ، صرختُ في وجهها، قالت ساخرة مُتهكمة كأنها ضبطتني مُتلبسا:

– إني لأقرأ نواياكَ في عينيك، اعلم أنِّي لستُ من السَّذَاجَة بحيث أصدِّقُ ما تفتعله لتجعلني أنسَى أو أتناسى عِظم ما أتيته الليلة. مَن تكون – خيرا وسلاما – تلك «العَاهـرة» التي أغرقتـك بالقبــلات، دُون سائـر الأساتـذة،

كأنكَ أشهدتَ على نكاحها أبا هُرَيرة وأصحابَه؟

قلتُ: أنا نفسي لم أعرف من هي، ولازلتُ حتَّى الآن أتساءَل من تكون…

قهقهت ساخرة، ثمَّ قالت: ها ها!، أتستبلدني؟! أين ذهبتَ بعد انتهاء الندوة؟ كنتَ في موعدٍ معها، أليس كذلك؟ أين؟ أفي مَقهى أم حانة؟…

هويتُ على زوجتي بأقرب شيء إلى يَدي، أطلقتْ صرخة عظمى، ثمَّ ساد البيت صمت رهيب. هَل ماتت؟ أتصفح ملامحها، لم تمت، ها هي جالسة أمَامي تبتسم، غارقة في النظر في وجهي، وأنا شبه غَائب عن نفسي لفظاعة ما ارتكبته. اقتلعتني من شُرودي داعية إياي:

– هيا إلى البيت، هُناك سيكونُ الفضاء أنسب لهذا النوع من النقاشات.

قالت ذلكَ، ثم سوَّت حساب النادل، وسبقتني دون أن تتركَ لي فرصة للنطـق بأي كلمة….

لم أعرف حتَّى الآن أي مُنعطفٍ مال إليه ما دار بيننا إلى أن انتقلنا إلى الجهَة الأخرى من الإحسَاس والتفكير والسلوك: فما كادَت نفسي تطيب بالمكان حتَّى عَادت مُضيفتي، من الغرفة الأخرى، وهيَ نصف عارية، زاعمة أن حَرارة الجو كانت مفرطة، مع أن أنفي لم يكفّ عن الرشح مُنذ صباح ذلك اليوم بسبب نزلة أنفلونزا قوية مَا انفكت تعاودُني منذ مستهلّ ذلك الشتاء القارس بوجه استثنائي… جالستني قليلا، ثمَّ افتعلت إحضار كتاب، فإذا بها تعُود وقد أزالت حمالة صدرها، قرأتْ جملة من الكتاب، ثم اصطنعَت البحث عن مُعجم، فخرجت، وهَا هي تعود وقد خلعت سراويلها… ثمَّ توالى الاستئذان، والخرُوج والدخول إلى أن لم أفطن لنفسي إلا ونحنُ معا فوق سَرير النوم وهي عارية كأنهَا خرجت للتوِّ من رحم أمها.

بقدر ما كنتُ أتأمل الجسد العاري كان شعورٌ مزيجٌ من الرهبة والخشوع يستولي عليَّ. بدون تفكير مُسبق وجدتُني قد قمتُ وتوجَّهتُ إلى الباب الخارجي للمنزل. كان محكم الإغلاق بالأقفال. أحسستُ بارتياح كبير لم أدرك معناه إلا الآن: كنتُ أخشى أن يتسلل إلى البيت وحشٌ ضاري من بني جلدتي. يبدو أن المنازل في البدَاية كانت تبنى بدُون أبواب، ولم يهتد الإنسانُ إلى صُنع هذه المداخِل – المخارج التي تتيح وضعَ سَدّ منيع بين فضاء المسكن ووالِجه إلا بَعد أن فطن الإنسانُ إلى أن بينَ بني جلدته، بين بني قومه، من الوُحوش مَن هُم أشدّ ضراوة وبطشا من وحوش الغاب التي كان السعي إلى اتقاء شرِّها هو الأصلُ في اهتدائه إلى فكرة بناء مَساكن: وُحوش بني جلدته هم اللصُوص والقتلة.

استيقظ حارسُ الأخلاق بداخلي، أحسستُ بالذنب، سألتها:

– لماذا تعريتِ؟

احتوتني بنظرة غنجَة شبه سَاخرة، ثم قالت:

– يَبدُو أنك لم تفهم لحدّ الآن أي شيْء مما قلتُ، ولسـتُ ألـوم في ذلكَ إلا نفسي لأنني لم أكن واضحة بما فيه الكفاية: اعلمْ يا سيدي أنني لم أتجرَّد من ملابسي بعدُ، شأني في هذا شأن كل النسَاء. فللمرأة سران: سرٌّ في الجسد وآخـر في العقل. وهي من النرجسية بحيث تمنح للرَّجل سر البَدَن دون سـرّ الذهن موهمة إياه أن مَا من شيء فيها إلا وقد وهبته إياه بينما تظلّ، في الحقيقة، عذراء مُوصدة باب ضريحها مَدى الحياة، لأنها لا تمنح سرّها إلا لنفسها. وهذا يغدو مَصدر قلق عميق لها وللذين اشتهتهم نفسُها على السَّواء، يستوي في ذلكَ الذين استطاعت الوُصول إليهم والذين لم تستطع الوُصول إليهم. ولتبديد قلقها، فهي تفكرُ في الخيانة. فإن تيسرَت لها السّبلُ خانت بالفعل، وإن أعوَزتها خانت في الرغبة والمتخيَّل؛ أتظن أن المرأة التي تصرفُ ساعات خمس في التجوّل في سوق الخضر أو الملابس أو الحلي بدَعوى التحقق من أثمنة ما تودّ شراءه، أو بدعوى المشاكسَة والمماكسة حرصا عَلى مال البيت من التبذير، تلك المرأة أتظنها لا تفعَل شيئا آخر عَدا التحقق من الأثمنة؟ أتظن أن المرْأة التي تصرف أوقاتا طوالا خارج البيت تجالسُ الرجال في المنتديات والجمعيات، لا تفعلُ شيئا آخر سوى الدِّفاع عن حقوق الأطفال والأرَامل والمطلقات والأمَّهات المظلومات؟… وإذا تعذر عليها هَذا وذاك صرَّفتْ عجزها في إشعَال جحيم من رقابة الزوج ومُعاقبة الأبناء، وحولت الحياة دَاخل البيت إلى فرنٍ لا يُطاق. وأمام وضع كهذا ليس للرَّجل إلا أن يبحث عن نساء عديدات خارجَ البيت، عديدات بحيث يبلغ عددهن مائة امرأة فما فوق، ومع ذلك لن أضمَن له أن يحقق إشباعا ولا سَعادة. وهذا هو الوَجه الإشكالي في ما أود إقناعك به، لأنَّ للرجال بدورهن حقول شهوات، في العقل، لا ترْتوي أبدا، لأنها من ليالي قرون الكبت الطوَال تنحدر، كبت استغرَق نموه وكبره مجمُوع الأزمنة المنصرمة. وهل يمكن للإنسان أن يهدِم في يوم واحِد ما استغرق بناؤه عشرات آلاف السنين؟… إنَّ هذا هُـو الأصل في كون الرجل يطلبُ دائما المزيد وهو يترنح على الدوام لغبن مَا فاته وُلُوجُهُنَّ منْ أضرحة النساء ولو بلغ عدَد اللواتي قطفَ ثمارهن عشرَة آلاف امرأة أو أكثر.

قلتُ: هل يمكنُ أن أفهم من كلامكَ أننا نعيش في شوط مُتخلف جدا من الحضارة، في طوْر ناء جدا عن غيرنا من الشعوب؟ فالرَّجل الغربي، مثلا، متى أحبّ امرأة واتخذها زوجة أحبها فعلا، ولم يتمنَّ غيرها، فأحرى أن يشتهيهَا؛ ليسَ لشريكة حياته آنذاك إلا أن تتمدَّد على سرير النوم وتتخذ يمناها وسادا ثمَّ تنام نوما هَادئا لذيذا، وكذلك المرأة منهم…

قهقهتْ، ثمَّ قالت: الآن تبدي سذاجة لا تقل عن تلكَ التي أبديتها عندما حدَّثتَني عن الأخلاق. سواءٌ أسلكتَ سبيل الزَّمن أم ركبتَ مطية المقارَنة، فإنك لن تجدَ للتخلف مقاما؛ إنه مجرَّد وهم؛ إن كونفوشيوسَ وبُوذا والإسكندر والمسيحَ ومحمدا… كلهم لم يمرّوا إلا قبلَ قليل: إن ترهف السمعَ يسيرا، تسمع صخب جُيوش الإسكندر، وصوت النبي وهوَ يدعو قريشا وحوافر جياد عقبة بن نافع وهي تغزو إفريقيا ووَقع أقدام الإنكشارية وهي تجوبُ ضفتي البحر الأبيض المتوسط طولا وعَرضا… فكلّ ذلك لم يمض على مُروره سوى بضع لحظات. ما القول عَن الثورتين الصناعية والزَّراعية؟ ما القول عن الحربين العظميين الأولى والثانية؟ كلّ ذلك لم ينته بعد، إنه بصدَد الجريَان لا غير. ثم إن الإنسان، ما من إنسان إلا ويعيشُ بُعدا مُزدوجا: قمة الحضارة، لكن أيضا عَتبة الحضارة؛ فتحن نزهو دائما، ونحسّ بكبرياء، بحظوة على الذين سَبقونا، لكون الزمن تأخرَ بنا، فلم نولد في العصر الحجري أو في عهد الإسْكندر المقدوني، أو إبَّان الفتوحات العثمانية…، الخ. ما أن يَستحضر أحدنا تلكَ العصور حتى يردِّد في خاطره منتشيا فرحانا: «لو عشتُ في تلك العصور لكانت حياتي تحت رَحمة نزوات الحكام، لو عشتُ هناك لما شاهدتُ تلفازا ولا استنرت بكهرباء ولا سافرتُ في طائرة ولا جلستُ أمام حاسوب، ولما عرفتُ أن قدمَ الإنسانَ قد وطأت سَطح القمر، ولما علمتُ أن العدة جارية على قدم وساق للنزول فوق المرِّيخ…، الخ.». ربما ذلك يُطمئن كل واحد منا، ويرسخ في ذهنه قناعة أنه أفضَل سائر بني البشر الذين مَضوا من قبل، لكن عندما نفعَل ذلك ننسى أن الإنسان الذي عاشَ في عصر الإسكندر أو شارك في الفتوحات البيزنطية كان هو الآخر يغمره الزهوُ نفسُه الذي يغمرنا الآن، كان يحسّ بالكبرياء نفسه وبالحظوةِ نفسها؛ حظوة كون الزَّمن لم يتقدم به، فلم يولد في العصُور السابقة. ولك أن تتصوَّر ما نحن إياه بالمقارنة مَع بني جلدتنا، مع حفدتنا، الذين أخَّرَ الزمنُ ولادتهم عنا بقرُون، الذينَ سيأتون بعد ألفي سنة أو أكثر. لكَ أن تتصوَّر أي شفقة ستثيرها فيهم ذكرى وجودنا.

صمتتْ برهة ثم أضافتْ: هَايْ هاي، لم يتحقق الإشباع الجنسي ولا سعادة الرِّباط المقدس بين الجنسين بَعْدُ في أيِّ بقعة من العالم. ففي أورُوبا، مثلا، حطمت الخيانة الجنسية كلّ الأرقام، بما جعل حرمة زنا المحارم نفسَها لا تسلم من الانتهاك، والرَّجل الغربي متى اختلى بامرأة عَربية أوشَك على الخبل جرَّاء ما يشتعلُ فيه من الرغبات ويستيقظ فيه من الاستيهَامات… وفوق ذلكَ كله، إذا سلمنا بأن الغربيين قد وصلوا فعلا إلى تحقيق الإشباع وسَعادة الصلة بين الجنسين، فبماذا تفسِّر ازدهار تجارة الجنس، في العَوالم الافتراضية، كَأفلأم الخلاعَة، والقنوَات الماجنة، ودُور «السِّيكس شوب»..، ما لم تكن هذه المؤسَّسات قد جاءت لتسد فراغا رهيبا داخل البيوت، وترقعُ حبل الزَّواج المهلهل على الدَّوام؟؟

لم يسعفني العقلُ في الاهتداء إلى أي جواب، هَاجَت حَوَاسِّي، هممت بتقبيلها، أبعدتني، أحسستُ بالغباء والضعف لأنني لم أقو على صَدِّهَا بمثل هذه الوحشية لحظة انكفأت علي وأمطرَت وجنتي بالقبلات.

قالت: ما هذا قصدتُ. لماذا تجعلون من المرأة فاكهَة، وتسخرون كل شَيء لإنضاجها حتى إذا طابَت أكلتم منها قسطا زهيدا ثمَّ انصرفتم بحثا عن أخرَى؟ وفضلا عن ذلك، فأنا لا زلتُ عذراء، ثم إني عاهدتُ نفسي بأن أظل عزباءَ مَـدَى الحيَـاة؛ أن ألازم مدَى الحياة وضعَ «المرأة المشرعة على الاحتمال»

لفني صمتٌ خجول، تدفق في خَاطري سيل من الأماني: «ليتني لم أذكر زواجا ولا طلاقا في عَرضي، ليتني صدَدْتها كما صدَّتني توّا، عندما انحنت على أذني وأغرقت وجتني بالقبلات، ليتني لم أشَارك أصْلا في تلك الندوة اللعينة، ليتني لم استجبْ لدعوتها، ليتني فارقتهَا في المقهى…». أعقب سيل الأماني غضبٌ كبير وشعور بالغبن شديدٌ. أي شيء يجبُ على المرء أن يفعله بجسد أنثى

عَار يتلوَّى رغبة وكلما رامَ الدنوّ منه صـدَّه عنه؟!