الرئيسيةمؤلفــــاتسردبالعنف تتجدد دماء الحبرواية بالعنف تتجدد دماء الحب (الفصل الرابع)
بالعنف تتجدد دماء الحب

رواية بالعنف تتجدد دماء الحب (الفصل الرابع)

غرقتُ في بحر من الهلاوس، غفوتُ لحظة، وهاهي موسيقى إيروتيكية صاخبة تقتلعني من غفوتي. ما هذا؟ أفي الحلم أنا أم في اليقظة؟ فقد أسدَلَتْ مضيفتي شعر رأسها، ثمَّ ارتدَت حمالة صدر بيضاء وسليبا أبيض، واستسلمتْ لرقصٍ ماجن مُغو، على إيقاع شريط Enigma الموسيقي: هَا هي واقفة قبالتي، تطيل النظر فيَّ بعينين من ليل، ترسِل شبه أنةٍ أو وَحْوَحَةٍ، تعقبها بقبلة تبثها إلي عَبر الهواء، تثني نصف جسدها العلوي يمنة ويسرَة بحركة بطيئة، كأنها أفعى تسير واقفة، تميل إلى الأمام، تركعُ، تدلي رأسَها إلى أسفل، يلامسُ شعر رأسها الأرض، تقف فجأة، يتطايرُ شعرُها في الفضاء كما يتطاير شعر الراقصات في ليالي الحضرة، تقصدني وهي تلتوي رقصا، تمسَحُ عنقي وأذني وخدِّي وجبيني ثم فمي برأس لسانها، تطبع على عنقي قبلاتٍ راغبة عميقة، انطلقتْ رغباتي وشهواتي من عقالها، وقفتُ، عانقتُها، راوَغَتني، ابتعدتْ عني ببضعة أمتار مُوَاصِلة رقصها الإيرُوتيكي الغنج المدلل، عَلى غرار تلك اللقطة التي تختم بها قناة Chanel Adult حصتها اليومية غير المرموزة، في منتصف كل ليلة. لاحقتُها وهي تتملصُ مني مواصلة رقصَها إلى أن بلغنا معا حاشية السَّرير، عانقتُها، جذبتها إلى صدري داعيا إياها إلى التمدّد على السَّرير، تملصت مني بمنتهى الخفة وهي ترسِلُ إشارة تمنع بوجهها، ثم انتقلت إلى الجهة الأخرى المقابلة للسَّرير. تذكرتُ نصا، كنتُ قرأته من قبل، تحت عنوان «بالعنف تتجدَّد دماء الحب»، يتضمن مقطعا وصف فيه صَاحبه لقطة هي نسخة حرفية مما أعيشُه الآن، ها هو المقطع بين يدي:

«غرقتُ في بحر من الهلاوس، غفوتُ لحظة، وهاهي موسيقى إيروتيكية صاخبة تقتلعني من غفوتي. ما هذا؟ أفي الحلم أنا أم في اليقظة؟ فقد أسدَلَتْ مضيفتي شعر رأسها، ثم ارتدت حمالة صدر بيضاء وسليبا أبيض، واستسلمت لرقصٍ ماجن مُغو، على إيقاع شريط Enigma الموسيقي: ها هي واقفة قبالتي، تطيل النظر فيَّ بعينين من ليل، ترسِل شبه أنةٍ أو وَحْوَحَةٍ، تعقبها بقبلة تبثها إلي عبر الهواء، تثني نصف جسدها العلوي يمنة ويسرة بحركة بطيئة، كأنها أفعى تسير وافقة، تميل إلى الأمام، تركعُ، تدلي رأسها إلى أسفل، يلامسُ شعر رأسها الأرض، تقف فجأة، يتطايرُ شعرها في الفضاء كما يتطاير شعر الراقصات في ليالي الحضرة، تقصدني وهي تلتوي رقصا، تمسَحُ عنقي وأذني وخدِّي وجبيني ثم فمي برأس لسانها، تطبع على عنقي قبلاتٍ راغبة عميقة، انطلقتْ رغباتي وشهواتي من عقالها، وقفتُ، عانقتُها، راوَغَتني، ابتعدتْ عني ببضعة أمتار مُوَاصِلة رقصها الإيروتيكي الغنج المدلل، على غرار تلك اللقطة التي تختم بها قناة Chanel Adult حصتها اليومية غير المرموزة، في منتصف كل ليلة. لاحقتُها وهي تتملصُ مني مواصلة رقصَها إلى أن بلغنا معا حاشية السَّرير، عانقتُها، جذبتها إلى صدري داعيا إياها إلى التمدّد على السَّرير، تملصت مني بمنتهى الخفة وهي ترسِلُ إشارة تمنع بوجهها، ثم انتقلت إلى الجهة الأخرى المقابلة للسَّرير».

قلتُ كأنني أمام الشَّخصية ذاتها. وبما أن صاحب النص قد اختفى هذه الأيام رفقة إحدى خليلاته السِّرِّيات، فما أدراني أنني أمامَ العشيقة نفسها؟ ألا يردِّدُ هو نفسه أنه لا يكتب إلا نصُوصا واقعية؟ نعم لن تكونَ هذه إلا خليلته الحالية. خليلته الحالية هي التي تقيمُ في شقة سرِّية، بعيدا عن والدَيها، هي التي تمرَّدت على كل المؤسَّسات وعلى رأسها الزواج، هيَ التي صاحبت من الرِّجال ما جعلها قادرة على النفاذ إلى نوايا محدِّثها من مجرد حركة يد يقوم بها، أو من مجرد كلمة يتفوه بها أو مجرَّد نظرة يُرسلها… استحوذَ عليَّ الهلع، سألتها:

– هل أنتِ خليلته؟

قالـت: لا

أيقنتُ أنني شخصٌ من لحم ودم وليس مجرَّد شخصية في نص الكاتب، تنفستُ الصعداء، وحمدتُ الله، ثم ودَّعت هلاوسي وعدتُ إلى مآربي الأخرى:

أيّ شيء على المرء أن يفعله أمَام جسد امرأة يتلوى رغبة، يُرسِلُ نداء الرغبة والشهوة، لكن كلما دنا منه صدَّه عنه؟ راودتني فكرة اغتصابها: لأَسْتَدْرِجَنّهَا إلى حاشية السَّرير، ثم أعانقها بيدٍ وأسحبها من الأرض بساقي فما تفطن لنفسها إلا وهي ممدَّدة فوق السَّرير وأنا أعتليها. قال قائلٌ بداخلي: «إن تفعل تكن الشاهدَ نفسَه عَلى قولها السَّابق: “كل الرجال يصيرون كلابا أمَام المرأة، بحيث إن أعتاهم وأشدّهم هيبة ووقارا، في الشَّوارع، والإدارات، لينكسرُ بين فخذيها في أقلّ من رمشة عين إذا ما اختلت به فوق سرير”». اخترتُ سبيل الحيلة؛ انصرفتُ إلى الحمَّام، حيث قضيتُ وقتا لا يُستهان به في الاغتسال وتصفيف الشعر والتعطر، ثم عدتُ وأنا موقنٌ من القدرة على الإطاحة بها، هذه المرة، على شاكلة ما أطاح النبي الزائفُ مُسيلمةُ بنبية تميم الزائفة أمينة سَجَاح.. بيد أني ما عدتُ حتى رأيت ما شق عليَّ فهمه، فأحرى تصديقه: فقد وجدتها جمعت شعرها، وغطته بمنديل أبدَاها كالمتدينة، ثم ارتدَت قميصا تدَلى تحت ركبتيها، واضطجعت فوق السَّرير وقد كسَى وجهها حزنٌ عميقٌ. سألتها:

– ماذا ألـمَّ بك؟

أجابتني بنظرة مبهمة عميقة مرفوقة بزفرةٍ، فهمتُ أنها كانت في غضب شديد مني أو بصدد توجيه عتابٍ قويّ إلـي.

قلتُ لها: ماذا فعلتُ؟ أي شيء قمتُ به – ولو عن غير قصدٍ – فجَـرَّ عليَّ كل هذا الغضب؟

أجابت بالنظرَة المبهمة العميقة نفسِها المرفوقة بالزفرة ذاتها التي فهمت منها أنها كانت في غضبٍ شديدٍ مني أو بصدد توجيه عتابٍ قوي لـي…

لما لم تزدها أسئلتي وتوسّلاتي إلا إمعانا في الإحجَام عن الكلام، انزويتُ في ركنٍ من الغرفة، واحتميتُ بصمتٍ رهيب وأنا أدخن سيجارة تلو أخرَى بشراهة مَا عهدتها في

نفسي من قبل، كأني رَجُلُ مَطـَافِئ.

ساد الغرفة صمتٌ رهيبٌ. تعزَّز الصمتُ بسكون جسدينا وفتور حركاتنا، صرْنا مِثلَ حجَرين مُودَعين في طريق أو رَابية، أو مثلَ شيئين نفيسين قابعين في مبنى أثري سَحيق مُوَارى في باطن الأرض بفعل توالي القرون. تحولت كلّ حركاتنا وكلماتنا – مُنذ التقينا في المدرَّج حتى احتمائنا بالصَّمت قبلَ قليل – إلى محض ذكرَى غائمة، كأننا مُستغرقين في جلسة يوغا مُنذ عشرات السِّنين. فرغَ ذهني من عَملي وزوجتي وأطفالي وكلامي، فصرتُ خفيفا ما يملأني إلا الريح. وبقدر ما كنتُ أزداد فراغا كنتُ أزداد عمقا وقدرة على التوَغل في دَهاليزي وطبقاتي البَاطنية. أحسستُ لأوَّل مرة بأنني فعلا مِلكٌ لنفسي. رددتُ في قرارة نفسي: «ما أكونُ الآن إلا داخل قبرٍ أو قبيْل القيامة». وفجأة أحسستُ بالحجبِ بيني وبين الأزمنة والفضاءَات ترتفع، وهاهِي الأنات تتناهى إلى الغرفة من كل حَدب وصَوب. وفي غمرة ذلكَ الضجيج المرعب غرقتُ في التفكير:

لسنا أوَّل من يقيم على وَجه البرية؛ فمن قبلنا جرَت أممٌ وشعوبٌ كلها بادت، جماعات وأفرادٌ كلهم ابتهجوا للولادة، ثم كبروا، وماتوا. منهم من مَات طريحَ الفراش، واحتضر، ثم غادَر الحياة وهو يعلم أنه سَيغادرها؛ ارتسم أمَامه المجهول، مجهُول الموت، تعذرَ عليه إدراكه من خارج الحياة، بمقولات وأحاسيس وأفكار غير تلكَ التي تعلمَها في الحياة، فمضى وكله أنينٌ وحسرة وبكاءٌ حتى. ومنهم من مات مريضا مقتولا في حربٍ وبحكم إعدَام، تعذب عذابا طويلا قبل أن يسلم الروح. كم أنَّة أرسَلَ، وكم دموعا ذرف، وكم صُراخا أخرجَ من هَول التعذيب أو الألم الذي ألحقه به سيفٌ أو رمحٌ أو بندقية أو قنبلة أو لغمٌ قبل أن يُسلم روحه! وبعد موت كل فردٍ تنوح جماعة بكاملهَا من الأقارب والجيَران، من وَطأة فقدانه، ينتشر النحيب في السَّماء. آه لو تمكن العلمُ من صنع آلة لالتقاط / استعادة أصوَات النواح والعَويل والنحيب التي تردَّدت فوق هذه الأرض، عقبَ كل فقدَان، وابتلعها الفضاءَان الطبيعي والبشري، فحَجباها عنا إلى الأبد. لو تأتى ذلكَ لربما تعذر عَلى الأحياء البقاءُ على ظهر الأرض لأنَّ أنين سابقيهم سيُصمي آذانهم. أي امرئ يقوى على الحياة في بيتٍ تكون الغرفة المجاورة له ترسل أنينا وصُراخا ونحيبا لا ينقطع ليلا ولا نهارا؟ لا أحَد إطلاقا، ومع ذلك يبدُو أن بني البشر هم هذا «الأحَد» الذي يقوى على ذلكَ، لأنهم أداروا ظهورَهم لما انصرف من الآلام وما يتمّ الآن وما سَيلحق بهم هم أنفسهم. تساءلتُ: لماذا ساقني التفكير إلى هذه المنطقة؟ قال قائلٌ بداخلي: «تلك نبوءة العرَّاف؛ شيءٌ ما سيحدُث في هذه الليلة الليلاء». أخذتْ فرائصي ترتعشُ.