الرئيسيةالمقالاتأدب رقمي وثقافة رقميةالرقمية ونهاية الأعلام الادبية
أدب رقمي وثقافة رقميةالمقالات

الرقمية ونهاية الأعلام الادبية

(نشرت هذه الدراسة في الملحق الأسبوعي لصحيفة الاتحاد الاشتراكي (إبداع وفكر)، أبريل 2005.)
يبدو أن إمكانيات النشر الجديدة التي فتحتها الرقمية، ممثلة في الأنترنيت أساسا، ستلحق تغييرا عميقا بالوضع الاعتباري للأدباء على نحو ما عرف حتى اليوم. فإلى عهد قريب ظلت الكتابة ممارسة محصورة في دائرة صغيرة من الناس، هم أولئك الذين ينجحون في المرور من المصفاة أو قنوات التصفية، ممثلة بالنقاد وهيئات تحرير الصحف والمجلات ولجان قراءة دور النشر، ومن ثمة الوصول إلى نشر أعمالهم في الوسائط التقليدية للقراءة، الورقية طبعا: كتب، مجلات، صحف. وهي دعامات مكلفة، مما يجعل جانب الربح والخسارة يطرح نفسه عاملا حاسما في قرار نشر هذا العمل أو عدم نشره.
لا ناشر يقبل المجازفة بأمواله لإصدار عمل لن يلقى رواجا في السوق. إذا اعتبرنا إلى جانب هذا العنصر (كلفة النشر) عنصرين آخرين هما: الحضور – الشعوري أو اللاشعوري – لقدسية الكتاب نفسه (الديانات الكبرى استخدمت الكتاب في إمداد الناس بتعاليمها) وشيوع الاعتقاد الذي يعتبر الأدب إلهاما، فهمنا لماذا كان الشعراء والكتاب يحظون بتقدير كبير ويملكون وضعا اعتباريا غير عادي في مجتمعاتهم يجد ترجمته الواضحة في ما يسمى بالأعلام الأدبية… ربما يصدق هذا على جميع الثقافات: مثلما للفرنسيين ديدرو وموننتسكيو وإيميل زولا وبالزاك، مثلا، للعرب طه حسين والعقاد ونجيب محفوظ وعبد الرحمان منيف، الخ.
ولكن هيمنة الكتاب لا تعدو مجرد محطة في التاريخ الطويل لعلاقة المعرفة والذاكرة بالسند، والذي يميز فيه الفيلسوف بيير ليفي بين أربع محطات:
– مرحلة المشافهة البدئية: كان سند المعارف البشرية وخزانها هو الجماعات الحية، عبر الذاكرة، حيث كان يعادل موت الشخص المسن في القبيلة إحراق مكتبة بكاملها؛
– مرحلة الكتاب: صار فيه الدفتر هو مستودع المعارف، وظهرت الكتاب المقدسة (التوراة، الإنجيل، القرآن)، وصار ممتلك المعرفة هو الشارح والمفسر لمحتويات الكتب؛
– مرحلة المطبعة: انتقلت فيه المعارف إلى رفوف المكتبات، وصار ممتلك المعارف هو الشخص الموسوعي؛
– مرحلة الرقمية: تعرف ما يُشبه عودة إلى حقبة المشافهة الأولى، لكن بطريقة لولبية، حيث صارت الجماعة الحية مجددا هي ممتلكة المعرفة، مع فارق أن مكان إيواء هذه المعرفة هي الشبكات الافتراضية(1).
بخلاف الوضع السابق، صار الآن بإمكان أي كان أن يضع ما يكتبه بين أيدي جميع القراء المحتملين بمنتهى السرعة وأقل التكاليف. لأجل ذلك، يكفيه أن يلم بالمبادئ الأولية لإنشاء صفحة شخصية وإرسالها إلى الشبكة العنكبوتية. وهو ما يتحقق الآن، وللوقوف عليه يكفي المرء أن يخصص حصة قصيرة للإبحار في المحيط الرقمي: سيجد آلاف المواقع، بل الملايين، التي تتضمن قصائد ونصوصا سردية وأعمالا روائية ومقالات وخواطر… وهو ما لا يمكن أن يفضي سوى إلى مراجعة للوضع الاعتباري القديم للكاتب، ومن ثمة إلى نهاية الأعلام الأدبية. أي كاتب يستطيع اليوم أن يستقطب ملايين القراء في الشبكة الرقمية على غرار ما يستقطب كبار الكتاب الورقيين ملايين القراء (الورقيين طبعا)؟ لا أحد بالضرورة لسبب بسيط وهو أن القراءة الرقمية تختلف اختلافا جوهريا عن القراءة الورقية.
هل هذا مؤشر انحطاط؟ «أكيد»، سيقول المتمسكون بالكتاب الورقي وعصر الكتاب التقليدي عموما بشقيه المخطوطي – إن جاز التعبير – والمطبعي الذي دشنه جتنبرغ منذ خمسة قرون، لكن، من زاوية أخرى، يمكن اعتبار هذا «الابتذال» للكتابة والإنزال للكتَّاب من أبراجهم العالية ثمرة طبيعية لقرون من العمل وشبه «تأميم» لممارسة ظلت لآلاف السنين حكرا على نخبة محظوظة، في سائر المجتمعات، تيسرت لها وسائل التعلم والقراءة والكتابة…
أكيد أن الثورة الرقمية تنتظم في سلسلة يمكن للبحث التاريخي أن يعزل مكوناتها ويوقف على مسار كل حلقة منذ العهود السحيقة إلى يومنا هذا، والنتيجة ستكون طبعا هي إسهام كافة الحضارات، كل بنصيب، إلى أن وصلت الأمور إلى هذا الإنجاز الذي يذهلنا اليوم مع أنه لازال في بداياته. ويأتي في طليعة المساهمين الحديثين في الثورة الرقمية الحضارات الصينية واليونانية والعربية… بهذا المعنى تكون الرقمية ثمرة عمل جماعي للجنس البشري، وأي محاولة لاختزالها إلى ابتكار غربي محظ ستكون محكومة حتما بنظرة ضيقة وانسداد أفق. لا ننس أن أسرع حاسوب في العالم اليوم، من حيث سرعة الأداء والقدرة على إنجاز العمليات الحسابية، يصير متجاوزا في مدة 18 شهرا. ثمة من يرى أنه لو كان قطاع السيارات يسير بالوتيرة نفسها التي تسير بها التكنولوجيا المعلوماتية لكان بالإمكان اليوم شراء سيارة بثمن لا يتجاوز ثلاثة دولارات، ولا تحتاج أكثر من لتر بنزين لقطع مسافة 350 ألف كيلوميتر(2). وهذه النقطة وحدها تجعل المختصين في شأن مستقبل الكتاب، وإن كانوا يتفقون على النهاية الحتمية للكتاب الورقي على المدى البعيد، يترددون في حسم الصيغة التي سيأخذها الكتاب الرقمي. ومما يغذي هذا التردد تعاقب أجيال هذا الكتاب في وقت وجيز: فمع كل معرض دولي للكتاب يظهر جيل جديد واقتراحات جديدة. وتظل النتجية أن هذا الكتاب لازال في طور التجربة…
صحيح أن للإسفاف الموجود في الشبكة ما يناظره في عالم النشر الورقي، لكن النشر الرقمي يتميز عن نظيره الورقي بجملة نقط أكتفي بذكر اثنتين منها:
الأولى الانخفاض الرهيب لكلفة إيصال النصوص إلى القراء، الأمر الذي حرر الكتابات من المصافي التقليدية المتمثلة في هيآت تحرير المجلات والصحف، ولجان القراءة بدور النشر، وبالتالي جعل بإمكان أي فرد أن ينشر ما شاء، ولأجل ذلك يكفيه الإلمام بالمبادئ الأولية لإنشاء صفحات الويب، والتوفر على جهاز حاسوب متصل بالشبكة، ثم رفع كتاباته إلى جهاز خادم مستضيف. علما بأن ثمة مئات الشركات التي تقدم خدمة الاستضافة المجانية.
الثانية الانتشار الواسع للنص المنشور. إذا كان الكتاب الورقي يأخذ شكل جسم مادي يتطلب الحمل والنقل والسفر والتوزيع والبيع والشراء، والتنقل داخل حدود جغرافية الخ.، فإن الكتاب نفسه، عندما يتخذ من الرقم سندا له، يتحرر من القيود السابقة كافة، وبالتالي يصل إلى مجموع القراء المحتملين، في كافة أرجاء المعمور المتصلة بالشبكة، ويكون رهن إشارتهم 24 ساعة على 24 ساعة. بكلمة واحدة، لقد حررت الرقمية النص من إكراهي الزمان والمكان.
هذان المعطيان جعلا باب النشر مشرعا على مصراعيه أمام الجميع، وطبيعي أن تزحف جيوش الكتاب «الممنوعة» في عالم النشر الورقي (عدلا أو ظلما) إلى اقارة الجديدة بغاية الاستيطان، وتجد فيها ما يشبه جنة عدن… الله وحده يعلم مبلغ الثروات التي يجب على البشرية اعتمادها إن شاءت أن تصرف عبر القناة الورقية ما هو منشور اليوم في الشبكة من معلومات، هذا إذا افترضنا أن هذه العملية ممكنة أصلا، لأن المعرفة بانتقالها من رفوف المكتابات المادية إلى الرفوف الافتراضية صار من المتعذر الإحاطة بها(3).
ثمة من يندد اليوم بهذا الوضع، بل هناك من يعتبره وضعا مهددا للحضارة البشرية جمعاء. ويقوم التأمل هنا في جوهره على ما يسمى بمسألة «المصفاة». الغياب التام كل الرقابة على ما ينشر يجعل في متناول أي كان أن يأتي وينشر ما شاء باعتباره ما شاء، مما يؤدي إلى بلبلة وتشويش على الأعمال الرصينة، من جهة، ويتدخل في صلب عملية التنشئة الاجتماعية للأطفال محدثا فيها تشويشا، من جهة ثانية(4)…
لكن، من زاوية أخرى، يمكن اعتبار الوضع نفسه نتيجة طبيعية لعمل في مجال الكتاب استغرق آلاف السنين من البشرية؛ في عصر الكتاب المخطوط كان التعلم نشاطا لا يقوى عليه إلا الأثرياء لارتفاع ثمن الكتاب وصعوبة نسخه، ومع اختراع جتنبرغ تحرر المخطوط وانتقل من ملكية مقصورة على الأغنياء والميسورين إلى فئات واسعة داخل كل مجتمع، وبالتالي اتسعت دائرة تعلم الكتابة والقراءة وولوج دائرة المعارف، ومن ثمة أيضا أصل الأعداد الهائلة للكتاب والشعراء والباحثين اليوم من حيث العدد، بالمقارنة مع مجتمعات الماضي، وهذا الفوران للإنتاج الكتابي في كافة حقول الإبداع والمعرفة.
مما سبق يمكن استخلاص أن الرقمية الآن بصدد سحب الأرضية ذاتها التي كان يقف عليها في الماضي ما نسميه بـ «الأعلام» لإدخالها تغييرات جوهرية على الكتابة من حيث كم الإنتاج، وسهولة السند وسرعة الانتشار، لكن أيضا من حيث ممارسة التلقي أو القراءة؛ بيئة النصوص الرقمية تختلف كليا عن بيئة النصوص الورقية. من الآن فصاعدا كف النص عن أن يكون جزيرة معزولة، وفي المقابل صار عقدة داخل خيط أو خيطا في نسيج، وبالتالي صار مستحيلا عليه أن يأسر القارئ الذي تحول بدوره إلى شبه رحال على الدوام؛ صار كل نص بداية رحلة تقود إلى نصوص أخرى… ومعنى ذلك أن صلة الوفاء لهذا الكاتب أو ذاك، من لدن القارئ، على نحو ما كان سائدا في أزمنة الأعلام تتعرض الآن لشرخ كبير… وأشهر مثال على ذلك، الكاتب الأميريكي Stephen King، الذي أراد في يوليوز 2000، الاستئثار بالعائدات الطائلة لكتابته، بعيدا عن وساطة ناشره الورقي، فوضع روايته الجديدة The plant، على الخط، رهن إشارة القراء مقابل دفع أقساط شهرية، لكن عدد قرائه انهار بشكل متزايد بما جعله يتخلى عن المشروع في شهر دجنبر من السنة نفسها، ولم يكن ما كتبه قد تعدى ستة فصول من العمل(5).. هذا المثال يدعم فكرة نهاية الأعلام التي نتوقعها.
من مؤشرات هذه النهاية أيضا ظهور برامج للكتابة (يسميها البعض بآلات للكتابة )(6)، يتيح أحدها للقارئ مثلا اختيار موضوع القصيدة التي يريد فيتكفل البرنامج القادر على نظم ملايير الأبيات، بإنجاز عمليات حسابية تفضي إلى نظم الأبيات وموافاة القارئ بها في بضع ثوان. أكثر من ذلك، باعتماد برمجة تزاوج بين قواعد اللسانيات التوليدية والتحويلية تقعيدات غريماس وكورتيس السردية وإمداد الحاسوب بمعجم لغوي، يُنتج الجهاز نصوصا أدبية في كافة الأجناس المعروفة بإتقان قد يضاهي مهارة الإنسان، وبكميات تتجاوز القدرات البشرية(7).
هل ينتج عالم الرقم أعلامه؟ ربما، ولكن إذا كان من المحقق أنهم لن يكونوا نسخة من أعلام عصر الطباعة الورقية الآيل إلى الزوال، فإنه من الصعب الجزم بالشكل الذي سيأخذونه بالنظر إلى الآفاق التي فتحتها الرقمية أمام الكتابة التي لم يعد الخط فيها يتجاوز مجرد أحد مكونات النصوص التي صار من الآن فصاعدا بإمكانها أن تحتضن الصوت والصورة، بل وعمليات حسابية، ناهيك عن إمكانية التفاعل مع القارئ الذي صار في بعض الكتابات يختار مسارات للقراءة بحيث يستحيل قراءة النص الواحد بطريقة واحدة في مرتين متعاقبتين، بل ويستحيل إنهاء قراءة النص الواحد على غرار ما نجد في رواية ميكائيل جويس بروايته Afternoon التي صارت الآن من كلاسيكيات جنس روائي جديد ظهر مع الرقمية، يسمى «النص التشعبي التخييلي» Hypertexte de fiction. هذا الشكل الإبداعي الجديد الذي عرف انتشارا واسعا وأحدثت برامج خاصة لإنشائه(8)، يستحيل كتابته وقراءته في الورق نظرا لأنه يفتح إمكانيات عديدة للكتابة والقراءة، يحرر المؤلف من إكراهات الكتاب الورقي (الأبعاد الثلاثية: الطول، السمك والخطية) ومقتضيات السرد الكلاسيكي، ويدخل القارئ في متاهة؛ يضعه أمام خيارات عديدة للقراءة على نحو يجعله هو كاتب ما يقرأ، ويجعل من القراءة عملية تفاعلية، مفتوحة على الدوام، لا يوقفها إلا ملل القارئ أو رغبته في هذا الإمساك….
في ختام هذه الورقة، لا يفوتنا ملاحظة أن معظم الكتابات الإبداعية العربية المنشورة في الشبكة اليوم لا تستحضر هذا الإبدال الجديد الذي فرضته الثورة الرقمية على الكتابة في عالمنا الراهن، إذ الهم الرئيسي للمبدعين العرب – حسبما ما يبدو – هو استغلال الأنترنت بغرض النشر لما يوفره هذا الوسيط من سهولة للوصول إلى القارئ وتجاوز للرقابات التقليدية. ليس هذا فحسب، بل تحرك هذا النشر لدى الكثيرين رغبة قوية في الانتشار الواسع، ومن ثمة إرسال النص الواحد، من لدن المؤلف الواحد، إلى عدد كبير من المنابر، وهو سلوك لا يعي حقيقة استحالة تحقيق شُهرة على غرار ما كان يتم في النشر الورقي، لأن الشبكة، كما مر بنا، عالم لا مركز له و لا محيط. أكثر من ذلك، في حالات عديدة «ينجح» البعض في صنع اسمه في الشبكة، ثم يعود لإصدار كتاباته «الرقمية» في منشورات ورقية.؟؟؟
————
هوامـش:
(1) Pierre Lévy, Essai sur la syberculture: l’universel sans totalité. Rapport au conseil de l’Europe, version provisoire :
http://hypermedia.univ-paris8.fr/pierre/cyberculture/cyberculture.html
(2) Ministrère de la culture, Rapport de la Commission de réflexion sur Le livre numérique, mai 1999»:
http://www.culture.gouv.fr/culture/actualites/rapports/cordier/avant- propos.htm
(3) Pierre Lévy, «Essai sur la syberculture: l’universel…», op.cit.
(4) Umberto Eco, Auteurs et autorités ( un entretien avec Gloria Origgi, traduction d’Anne- Marie Varigault) :
http://www.text- e.org/conf/index.cfm?ConfText_ID=11
(5) Christian Vanderdorpe, Pour une bibliothèque universelle:
http://www.uottawa.ca/academic/arts/lettres/vanden/biblio_uni.html
وكذلك:
– Louise –Caroline Dias, Cyberculture: La fracture du texte numérique, Mémoire présenté dans le cadre du DESS, Université Lumière Lyon II, 2002, pp. 31, 71, 83.
(6) Bernard Magné, «Machines à écrire, machine à lire«, in Études françaises, Internet et littérature : nouveaux espaces d’écriture?Volume 36, numéro 2 (2000):
http://www.erudit.org/revue/etudfr/2000/v36/n2/005258ar.pdf
(7) Jean Clément, «La littérature au risque du numérique», in Document numérique 2001/1-2, Volume 5, pp. 113-134.
يمكن تصفح المقال انطلاقا من العنوان:
http://www.cairn.info/article.php?ID_REVUE=DN&ID_NUMPUBLIE=DN_051&ID_ARTICLE=DN_051_0113
(8) يمكن الوقوف على لائحة لأعمال الخيال التشعبي، بالعنوان:
http://esastgate.com/Hypertext.htm
ومن الأعمال التي يمكن قراءة نصوصها كاملة على الخط، يمكن الرجوع إلى، رواية amnésie انطلاقا من الوصلة:
http://www.amnesie.net
و يمكن الوقوف على لائحة لأعمال الخيال التشعبي، بالعنوان:
http://esastgate.com/Hypertext.htm

الكاتب: محمد أسليـم بتاريخ: الخميس 23-08-2012 08:38 مساء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *