الرئيسيةالمقالاتأدب وعلوم اجتماعيةبيتر جيشيير Peter Geschiere: السحر والحداثة
أدب وعلوم اجتماعيةالمقالات

بيتر جيشيير Peter Geschiere: السحر والحداثة

ملخص الدراسة:
كيف يمكن تفسير مقاومة خطاب السحر «التقليدي» للتحوُّلات التي تُجريها الحداثة؟ يفترضُ هذا المقال(1) وجودَ تقارب قوي بين السحر الذي يعبر عن انفتاح نسبي للمجتمع المحلي وبين العولمة التي تفسح مجال الوصول إلى فرص جديدة. وبكيفية أعم، فمُرونة السحر تُشاركُ في «إعادة إضفاء طابع سحري على العالم» ré-enchantement المحسوسة أيضا في مجالات أخرى. لإدراك ذلك، يجب اعتماد إبستيمولوجيا تعددية والتخلي عن أية محاولة للتصنيف.
***
لقد شهدت الأنثروبولوجيا في العقد الأخير من القرن العشرين عودة ملحوظة للدراسات حول السحر في إفريقيا، كما في أماكن أخرى من العالم، وهي عودة مثيرة للدهشة في نهاية قرن هيمن عليه الانشغال بفكرة الحداثة: فبعد عقود طويلة من الإهمال النسبي لقضية السحر، عاد قسم كبير من المنشورات الأنثروبولوجية في تسعينيات القرن الماضي ليربط السحر بالحداثة بشكل صريح إلى حد ما(2). ومن الواضح أنَّ هذين المصطلحين يطرحان مشكلة:
فـ «السحر» ترجمة غير دقيقة لمفاهيم إفريقية كثيرا ما يكون معناها أوسع بكثير مما يدل عليه هذا الاصطلاح عادة، وبالتالي قد يكون من الأفضل ترجمتها على نحو أفضل وأكثر حيادا (على سبيل المثال بأنها عبارة عن «قوة خفية» أو «طاقة خاصة»). ولكن الأفارقة يستعملون اليوم المفهوم الغربي لـ «السحر» (witchraft) على نطاق واسع إلى الحد الذي يجعل من المستحيل تفادي استخدامه.
أما مصطلح «حداثة»، وهو بالغ السيولة، فأستخدمُه، كغيري من المؤلفين الذين يربطونه بالسحر، بمعنى مثال idéal أو حتَّى أسطورة لم تتحقق من خلالها أبدا استقلالية الفرد، ونهج علمي يَجعل العالم شفافا على نحو متزايد، ولكن أيضا الوصول إلى التكنولوجيات الجديدة والسلع الاستهلاكية الصناعية.
يرى بعض الباحثين، وخاصة أولئك الذين ينتقدون هذا الاتجاه الجديد، يرون في الربط بين السحر والحداثة ظهور إبدال جديد له قيوده الخاصة. هكذا، يرى هاري إنجلاند وجيمس ليتش أنَّ الحداثة توَفِّرُ نوعا من السرد الواصف meta-narrative (حكاية واصفة أو حكاية ضمنية) «من شأنها أن تنظم» على نحو متزايد إثنوغرافيا الأنثروبولوجيين، و«تعيق»، إنتاج معرفة أنثروبولوجية كما ينبغي»(3). ورغم تأكيد الأنثروبولوجيين على المخصصات المختلفة للحداثة، فهم في واقع الأمر يُقرّون ضمنيا بوجود تشابه كامن من شأنه أن يولد هذه الاختلافات الثقافية. يرى أنجلند وليتش أنَّ الإشارة المنهجية إلى الحداثة أو إلى عمليات التسليع ((commodification بالإنجليزية، في دراسة التحولات الجديدة لتمثلات السحر أو التيارات الدينية مثل النزعة الخمسينية(4)، على سبيل المثال، تعني ممارسة أنثروبولوجيا أطروحةٍ anthropologie à thèse تقيِّدُ النظرة الإثنوغرافية للعالِم الأنثروبولوجي وتذنب في حق مبادئ المنهج الإثنوغرافي نفسها. كما يدينُ بلير روثرفورد عيوب «الأنثروبولوجيا التحليلية الناشئة» التي تربط السحر بالحداثة وظواهرها العارضة (الرأسمالية العالمية وتشكل الدول). ولكنه يرى أنَّ هذا التحليل لا يأتي بأي جديد، إذ يواصلُ تقديم «تفسير وظيفي» للسحر الإفريقي من خلال ربطه بالحداثة كما كان علماء أنثروبولوجيا الأجيال السابقة يربطون السحرَ بمتطلبات النظام الاجتماعي (التحكم الاجتماعي social control)(5).
ومع ذلك، ففي هذا السياق ينبغي التأكيد على أن الربط بين «السحر» و«الحداثة» ليس مجرد نتاج مخيلة بعض الباحثين، بل على العكس من ذلك، يتم التساؤل على نحو متزايد في أجزاء كثيرة من أفريقيا عن أسباب الانتشار المفترَض للسحر، في قطاعات المجتمع الحديثة، وخاصة في فيما يتصل بأشكال جديدة من الاغتناء والمشاريع، سواء في السياسة أو في الجامعة أو المستشفى، وما إلى ذلك. إنَّ العلاقة بين «السحر» و«الحداثة»، في واقع الأمر، لا تنشأ فقط من نموذج جديد مبني في بيئة الجامعة المحمية: بل إنها ملاحظةٌ تفرض نفسها «في الميدان» بكيفية ملحَّة. وإذا كان من الصعب القول إن هناك زيادة حقيقية في السحر، وشائعاته، واتهاماته، أو حتى ممارساته(6)، فمن الواضح مع ذلك أنَّهُ يظهر علنا بشكل متزايد. فبعد الاستقلال، في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، كان يُنظر سلبيا إلى الحديث علنا عن السحر: كان ذلكَ «إدراجا» لإفريقيا في خانة «الشعوب البدائية» وإنكارا للتقدم السريع على طريق «التحديث». ولكن على مدى العقدين الماضيين، غزا السحر الفضاء العام: فهو يهين على شائعات «راديو الرصيف»، ولكن أيضا على وسائل الإعلام الرسمية (الصحف والتلفزيون)، ولم يعد النغانغا nganga («المطببون») يختفون، بل صاروا يقومون بالدعاية «لمستشفياتهم» بواسطة ملصقات كبيرة تمتدح خبراتهم في أشكال السحر «الحديثة» (مثل الصليب الوردي(7) أو بعض المعارف الخفية المشرقية).
بصفة عامة، يمكنُ القول إن خطابات السحر تقدم للأغنياء والفقراء لغة مفضَّلة تُحاولُ مواجهة التحولات الحديثة. وهي تحولات يُنظر إليها باعتبارها غامضة وفاتنة لأنها تفتح آفاقا جديدة، ولكن يُنظرُ إليها أيضا بأنها مخيبة للآمال، لأن قلة من الناس حقا يستطيعون الوصول فعلا إلى هذه الفرص الجديدة. بالتالي، فالربط المفاهيمي بين «السحر» و«الحداثة» يفرضُ نفسه في البحوث الجامعية بسبب التحدي العاجل المتمثل في فهم لماذا هذا الربطُ مقنعٌ للسكان. إن الفهم الأفضل لآثار الميل إلى استدعاء قوى خفية لتفسير التحوُّلات الحديثة، وما يترتب عنها من فوارق اجتماعية، يُصبحُ مسألة بالغة الأهمية.
يبدو أنَّ رؤية أخرى للعلاقة بين السحر والحداثة تنشأ من واحد من أكثر المؤلفات جرأة وأكثر ما في المتناول، حول السياسة في إفريقيا ما بعد الاستعمار، وهو كتاب إفريقيا انطلقت، من تأليف العالمين السياسيين الفرنسيين باتريك شابال وجان-باسكال دالوز(8). يُحيلُ هذان المؤلفان مرارا إلى كتابي السحر والسياسة في إفريقيا(9)، لكنهما يقومان بذلك في فصل عن «العودة بالمجتمع إلى التقاليد retraditionalisation de la société» (التشديد من عندي)، وهو ما يبدو للوهلة الأولى متناقضا مع الفكرة التي ينقلها عنوان كتابي. ولكن بالنظر إلى الأمر عن كثب، قد لا يبدو الفرق كبيرا. فإذا تتبعنا حُجتهما جيدا وجدنَا أنَّ هذه «العودة بالمجتمع إلى التقاليد» هي جُزء، لا يخلو من مفارقة، من حداثة خاصة بإفريقيا حيثُ تتداخل عناصر «تقليدية» (أو تقليدية زائفة) مع تصورات «حديثة». وهما يريان أن دينامية السحر، في الحقيقة، تشكل مثالا جيدا على استحالة الحفاظ في الممارسة العملية على ثنائية «التقليدي» و«الحديث»، مصطلحان يضعهما المؤلفان بين مزدوجتين بشكل منتظم مع الاحتفاظ بهما رغم ذلك. ويرى شابال ودالوز أن إصرار السحر على البقاء هو سمة «للحداثة الإفريقية». ومن الواضح أن هذا المفهوم الأخير يُثير سلسلة كاملة من الأسئلة الأخرى (هل هناك حداثة إفريقية على وجه التحديد، وبالتالي حداثة آسيوية، وأخرى أوروبية، وما إلى ذلك؟)، وهي أسئلة سأعود إليها أدناه.
من الواضح أن العلاقة بين «السحر» و«الحداثة» يمكن أن تؤدي إلى تفسيرات وردود فعل متباينة جدا. فعندما كان عليَّ أن أفكر في عنوان للنسخة الإنجليزية من كتابي، اتفقتُ تلقائيا تقريبا مع جانيت رويتمان Janet Roitman (التي ساعدتني في ترجمة بعض الفصول من النسخة الفرنسية وإعادة تحريرها) على عنوان: الحداثة والسحر(10) The Modernity of Witchcraft. يبدو أنَّ إشكالية الكتاب فرضته. ولكن من المؤكد أنه لم يكن هناك داع للقيام بتفكير نظري أعمق، وبالتالي يبقى السؤال هو معرفة إلى أي حد يمكن أن يكون الربط بين «السحر» و«الحداثة» أبلغ دلالة. هل يوفر مثل هذا الربط المفاهيمي مكاسبَ تحليلية أم أنَّ مفهوم «إعادة التقاليد» يعكس بشكل أفضل انفجار السحر في الحياة اليومية للعديد من أجزاء القارة؟
«سحر الثروة» وتنافذ «التقليدي» و«الحديث»:
يمكن استخدام أحد الأمثلة لتوضيح هذه الأسئلة. في العديد من أجزاء غرب أفريقيا على مدى القرن الماضي، لا سيما في بلدان الساحل، وعلى نحو متزايد في الداخل، انتشرت شائعاتٌ قوية حول الأسباب العميقة والسرية لظهور ثروات جديدة. بالنسبة للكاميرون، أتاحت سلسلة من الدراسات الجهوية تسليط الضوء على ظهور هذه الشائعات حول «سحر الثروة» الذي يعتبره الناس دائما شكلا جديدا من الممارسات الخفية. وتتلخص الفكرة المركزية لتلك الدراسات في أننا إزاء نوع جديد من السحرة لم يعودوا يأكلون لحم ضحاياهم، كما يفعل السحرة العاديون، بل يحولونهم إلى نوع من «الموتى الأحياء zombies» الذين يعملون من أجلهم. وبذلك، فالثروة الجديدة تقوم على استغلال عمل هؤلاء الموتى الأحياء.
ونجد في أعمال إريك دي روناي المثيرة أفضلَ تحليل لتأثير هذه التمثلات. وإريك هذا، هو قس كاثوليكي يدرس منذ خمسينيات القرن الماضي ازدهار تطور هذا السحر الجديد بين سكان دُوَالا (الكاميرون) وأخضع نفسه لتعلم كيف يصبح نغانغا(11). في دُوَالا، يُسمَّى هذا النوع من السحر إيكونغ ekong. ووفقا لروناي، فقد أصبح هذا السحر مثيرا للخوف على الخصوص في مدينة دوالا (الميناء الرئيسي والعاصمة الاقتصادية للكاميرون)؛ وعبارته المفتاح هي أن «يُباعَ شخص ما»، بالتالي ففكرة «البيع» نفسها تُحمَّل بمعنى ثقيل جدا. ويرى سُكّانُ دوالا أنَّ سحَرَة الإيكونغ هم، على الخصوص، تجار للموتى الأحياء ينقلون هؤلاء ليلا إلى «مزارع غير مرئية» تقعُ في منحدرات جبل كوپ Kupe (على بعد مائة كلم من الساحل)، حيث يتم إرغامهم على العمل أو بيعهم لمالكين آخرين. والواقع أن جبل كوپ – أو «الجبل السحري» – أصبح مكانا مركزيا في متخيَّل الثروة الجديدة. ففي جميع أنحاء الكاميرون، تُباعُ كتيباتٌ تعرض أغلفتها المعالم الضخمة لهذا الجبل المغطى بالغابات، يُقبل على شرائها أشخاصُ جشعون لأنهم يعتقدون أنَّ هذه الدفاتر تكشف أسرار الإثراء السريع الذي حققته نخبة صغيرة على مدى العقود الأخيرة.
ويلخصُ إريك دي روناي هنا بشكل جيد للغاية الوجه الآخر لوهم الثروة، وهو قلق الضحايا المحتملين الذين يخشون التضحية بهم في السباق بحثا عن علامات الثروة الجديدة، قائلا:
«عندما يرى شخص ما في الحلم أنه يُساقُ إلى النهر أو المحيط، مُكبَّل اليدين كعبد، دون أن يستطيعَ التعرف على وجوه خاطفيه، فإنه يُصابُ بالخوف، فيسعى إلى مقابلة ساحر نغانغا بأسرع ما يمكن»(12)
وبما أنَّ دُوالا كانت في الماضي ميناء رئيسا لتجارة الرقيق في المنطقة، فإنه يبدو أنَّ هذا الحلم المفزع وكأنه يعكس هلع الأهالي من غزوات البيض في الماضي. ويؤكد مُحَاورو روناي في الواقع الطابع المستورد للإيكونغ «حيث يُقتل المرء ويُباع»، من خلال تمييزه عن لمبا lemba، وهو سحر الأنثروبوفاجيا (الأدمة) أو أكل لحوم البشر الذي يُفتَرض أنه الشكل التقليدي للسحر. وهم يرون أن الإيكونغ يرتبط أساسا بالمدينة، ولكنه ربما وُلد قبل الغزو الاستعماري بفترة طويلة. في ذلك الوقت، كان عبارة عن جمعية تجمع الرؤساء والأعيان والتجار؛ «وبالجملة، فقد كانت تمثل الطبقة المترفة». وفي الآونة الأخيرة، ربما عرف سحر الإيكونغ دَمقرَطة، «فلم يعد حكرا على كبار الأثرياء، بل أصبح في متناول الجميع». ولكنه، بسبب تعميمه نفسه، أصبحَ في الواقع أكثر إثارة للقلق»(13).
ويعزو روناي هذا التغيير إلى ظهور العمالة المأجورة وانتشار المال، حيثُ لم تعد القدرة على البيع والشراء اليوم تتم وفقا لتقديرات رؤساء الأسر أو كبار التجار. ورغم ذلك، فإن الاقتصاد لم يُصبحُ أكثر شفافية. ويبدو أن تقلباتِ سوق العمل التي أصبحت ضرورية لبقاء الناس تفلتُ من كل سيطرة وتوقعات. بالتالي، فقد يكون من بين عوامل جاذبية الإيمان بسحر الإيكونغ، وفقا لروناني دائما، هو أنه تمكن من دمج بعض أسرار الاقتصاد الجديد. ويُبين استمرار هذا الاعتقاد لدى الطبقات الشعبية أنه لا يزال يقدم تفسيرا للثروة التي تتمتع بها القلة ولبؤس الجماهير.
إذا كان يبدو أنَّ سحرَ الإيكون، عند سكان دُوَالا، يعكس تاريخ تجارة الرقيق، في الواقع ما زال يُشتبَه في أنَّ البيض يلعبون دورا في الاتجار بالموتى الأحياء، فإنَّه يبدو أن مفاهيمَ موازية في حقول الغرب والشمال الغربي ترتبط في المقام الأول بظهور بورجوازية جديدة في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته. فقد ظهرت هذه التمثلات حديثا، ويُشار إليها بعبارات مختلفة، فيَجري الحديثُ بالأحرى عن الكوپي kupe (من اسم «الجبل السحري» مصدر الثروة) أو الفَاملا Famla (وهو حي راقٍ في مدينة بافوسام(14) معقلُ الطبقة البورجوازية الباميليكية(15) الشهيرة التي تسيطر على الاقتصاد الوطني). ووفقا لجان بيير فارنييه، فإن أثرياء تجار هذه المنطقة كثيرا ما يُشتبه في أنهم مَدينون بثرواتهم إلى سحر الفامْلا، ولكن حسب المؤلف نفسه فإنه «يبدو أن هذه الاتهامات (…) لا تؤثر عليهم ولا تجبرهم على إعادة توزيع ثرواتهم»(16). ويُظهر كيبان فيسي، في مقال حررناه معا، كيف أنَّ بنية هذه المجتمعات التراتبية للغاية، حيث احتفظ الزعماء بسلطة أخلاقية معينة، تقدم فرصا خاصة لرجال الأعمال كي «يغسلوا» ثرواتهم الجديدة المشبوهة التي جمعوها في أماكن أخرى(17). ومن خلال تكريس الثري الجديد ثروته للقائد – أي من خلال شراء أحد الألقاب التقليدية الجديدة néo-traditionnels التي استحدثها الزعيم لإدماج هذه النخب الجديدة (التي غالبا ما لا يكون أصلها من غير الوجهاء) في بلاطه – فهو يستطيعُ أن يحمي نفسه من الشائعات التي قد تفسر ثراءه بواسطة سحر الفامْلا. ولكن فيسي، شأنه في هذا شأن مُؤلفين آخرين، يضيف أنَّ الجشع الذي يتحالفُ به رئيسُ القبيلة مع هؤلاء الأثرياء الجدد يهدد بتقويض سلطته الأخلاقية بين بقية السكان بشكل خطير.
في الـسهول، يصرّ الناس أيضا على حداثة هذا السحر وعلى تناقضه مع أشكال السحر القديمة. ولكن من الواضح أنَّ هذا المتخيل ينشأ، في بعض النواحي على الأقل، في استمرارية مع مفاهيم قديمة. بالتالي، فمن اللافت للنظر أن نلاحظ حتى في حاضرة دُوَالا، عند أناس يعيشون في المدينة لعدة أجيال، أن سحر الإيكونغ يرتبط دائما بالقرابة، شأنه في هذا شأن أكثر أشكال السحر قِدَما. ولكي يكتسبه المرء، يجب عليه أن «يبيع» أحد أقاربه. وعلى هذا، فعلاجات النغانغا الموجَّهة لشفاء ضحايا سحر الإيكونغ، التي يَصفها روناي بوضوح شديد، تتطلب دائما اجتماع العائلة، حتى عندما يقتضي الأمر قدوم أقارب من بعيد. وإذا ما رفضت الأسرة أن تتعاون، فيتعين على النغانغا أن يتخلى عن القضية لأنه لا يعود قادرا على القيام بأي شيء لفائدة الضحية.
هناك عنصر آخر، هو مفهوم الدَّيْن، يمكن وصفه بأنه «تقليدي» في متخيل سِحر الإيكونغ / فاملا. ففي القصص التي تروي كيف يمكنُ للمرء أن يلتقط سحر الفاملا، يُحكى بطريقة متكررة القصة المجازية التالية: يصل شاب إلى المدينة، وهو جائع وعطشان، فإذا بشخص غريب يُقدم له البيرَّة والطعام، تراود الشاب شكوك فيبدأ في اتخاذ الحذر، ولكن الوقت يكون قد فات بالفعل، لأن الغريب يكون قد جنَّده في فاملا/ تأمين اجتماعي، وبالتالي صار على عاتق الغريب دين لن يتمكن من سده إلا من خلال «بيع» أحد أقاربه. إنه نمطٌ مألوف يظهر في سياقات أخرى. في هذه المنطقة، كثيرا ما يقال عن الرجل (أو المرأة) الذي توفي للتو إنه كان سَاحرا، وكان عليه دينٌ ثم رفض أن يدفع والديه إلى شركائه لتسديد ديونه، ففضل أن يقدم نفسَه، وبذلك يُصبحُ الساحر شهيدا على نحو ما. ولكن، إذا كان مفهوم الدَّين ليس جديدا في السحر، فإنه يكتسب أبعادا جديدة من خلال وضعه في علاقة مباشرة مع الفامْلا، وبالتالي مع السلع الاستهلاكية الجديدة التي يوفرها اقتصاد السوق. ويبدو أن بعض عناصر متخيل السحر، كمفهوم تراكم الديون أو التحكم الخفي في قوة الآخرين وعملهم، تندمج بشكل جيد للغاية في المنطق الرأسمالي. بهذا المعنى، فالخطاب السحري يتكيفُ بسهولة مع التغيرات الحديثة(18).
يمكن للعبارات التي يستخدمها الناس أن تختلف، فيقال إيكونغ ekong، أو فاملا famla، أو كوپ kupe، ولكن هناك دائما مفهوم أساسي مشترك بين جميع هذه التمثلات، وهو الفكرة التي تصف العلاقة الوثيقة بين أشكال السحر الجديدة والسلع الاستهلاكية التي أدخلتها السوق العالمية، وهي ممتلكات مرغوبة للغاية لأنها أصبحت رموزا للحياة «العصرية» نفسها، وتتمثل في المنازل «الصلبة» المجهزة بثلاجة وتلفزيون وكل ما يجعل الحياة العصرية ممتعة جدا؛ السيارات الفاخرة (مرسيدس، أو پاجيرو Pajero الآن)، وما إلى ذلك من العديد من الممتلكات التي يُعرف بها أولئك الذين يمتلكون سحر الإيكونغ / الفاملا. يبدو أن مصطلح «إعادة التقاليد» مفهوم إشكالي، بل وخطير إذا أردنا أن نحل العقدة المفاهيمية الكامنة في قلب هوس الناس بالانتشار المفترض للسحر «في حالة حرية(19)».
من ناحية أخرى، يبدو أن مثل هذا المفهوم يُنكر ما يُعبِّر عنه هذا المتخيل عند الناس الذين يجربونه وينتجونه، وهو جهد متضافر للمشاركة في التحولات الحديثة أو حتى التحكم فيها. أو، كما يقول ب. جيوسيويكي،
«(…) هو العمل طويلُ النفس الذي يقوم به رجال ونساء – اعتدنا تسميتهم مجتمعات – من بين أكثر الفئات استبعادا في عالم العولمة، لإعادة التفكير في العالم، وتمثيل أنفسهم فيه باعتبارهم جهات فاعلة وليسوا ضحايا سلبيين(20)».
والتحدي هنا يتلخص في فهم الأسباب التي تجعل الخطاب السحري، الذي يرى بعض المتخصصين أنه مجرد ظاهرة عارضة épiphénomène للنظام «التقليدي»، يمتلك هذه القدرة على إدماج المستجدات الآتية من أماكن أخرى. أو بعبارة أخرى، لماذا يبدو هذا الخطاب وكأنه يزود الناس بحكاية مفضلة لمواجهة التحولات الحديثة؟
حاولتُ، في مقام آخر(21)، أن أثبت أن سر الدينامية «الحديثة» لخطابات السَّحَرة تكمن في تمحورها حول مفهومي التدفق والانفتاح، إذ يفتح خطاب السحر، في نواح كثيرة، فجوة داخل وحدة جماعية تميل إلى الانغلاق. والغزيرة الأساسية التي يتمتع بها الساحر، سواء تموقع في الإيكونغ أو داخل سحر أكل اللحوم البشرية الأقدم، قد تكونُ هي خيانة والديه لفائدة أناس وفدوا من الخارج. وهذا هو السبب في إمكانية وصف هذا السحر بأنه الجانب الأسود للقرابة، ولكن أيضا جانبها المعكوس. فنظام القرابة يميل إلى انغلاق في الجماعة المحلية، والحاجة إلى الزواج بأفراد من خارج الجماعة تخلق فتحات فيها، ولكن الجهود تُبذل لاحتوائها بسائر الطرق. علاوة على ذلك، فالسحر يفتح ثغرات أكثر تطرفا، لأنها سرية، في هذه الآثار المترتبة عن الانغلاق، وبالتالي فهو يشكل تسربا يخاطر باستنزاف القوى الحيوية للجماعة نحو خارج معادٍ ومُهدِّد. كما يعمل، في الوقت نفسه، على «تحصين» ممثلي الجماعة الذين يتعين عليهم أن يثبتوا قيمتهم أمام عالم خارجي مليء بالمخاطر والوعود في آن واحد. وهذه المبادئ الأساسية تساعد على فهم لماذا يفسح السحر المجال لتفسير التغييرات الحديثة تفسيرا جيدا. فالسوق العالمية، مثلها مثل السحر، تفتحُ فجوة خطيرة داخل المجتمع المحلي المغلق، إذ تفرضُ انفتاحا غالبا ما يكون قسريا ويبدو كأنه يقوض القوى الحيوية في الجماعة ويقدم فرصا غير مسبوقة للترقي ورفع قيمة الفرد. وبالتالي، ليس من المستغرب أن يوفر السحر خطابا شديد الفعالية لتفسير ألغاز السوق، كما ليس من المستغرب أن يربط هذا الخطاب بسهولة بين وقائع الأسرة المحلية والبيت وبين التحولات الجديدة. يبدو أنَّ السحر يرتبط ارتباطا وثيقا بنظام القرابة المحلي والفرص التي يخلقها تأثير السوق العالمية في آن واحد. وهذه القدرة المذهلة على الربط بين «الكلّي macro» و«الجزئيmicro » هي التي تستمر في جعل خطابه وثيق الصلة بالحاضر.
وعلى هذا، فإن الربط بين مفهومي السحر والحداثة ليس مجرد نزوة أكاديمية، إذ يمكنه أن يساعد في فهم الكيفية التي يتخلل بها المتخيل السِّحري ويؤثر بها في طريقة محاولة الناس أن يواجهوا التحولات الحديثة. بالإضافة إلى ذلك، يمكنه أن يوضح دينامية هذا المتخيل نفسها: نكتفي بالاستشهاد بمثال واحد سريع وهو: حتى تسعينيات القرن الماضي، كان جبل كوپ يوصفُ عموما بأنه وجهة نهائية لضحايا سحر الثروة الجديدة، وفي وقت أقرب إلى الزمن الحاضر، أصبح المتحاورون يصفونه بأنه محطة عبور يُرسَلُ منها الموتى الأحياء إلى مختلف أنحاء العالم. السحر هو خطاب متدفق ينتهك كل الحدود، ولهذا السبب فهو يتكيف بسهولة تامة مع عمليات العولمة، سواء في الفترة الأخيرة أو الفترات السابقة(22).
هل نحن أمام تجديد إبستيمولوجي؟
هل تشير العلاقة بين «السحر» و«الحداثة» إلى تجديد إبستيمولوجي، كما يوحي بذلك مُنسقو هذا الملف؟(23) يجازف هذا بأن يكون زعما مماثلا للحديث عن إبدال جديد. ولكن من الصحيح أن محاولة فهم دينامية الخطاب السحري وتأثيرها المستمر على تفكير الناس، على الرغم من التحولات العديدة، تقتضي إعادة النظر في المقاربات الحالية.
والمشكلة الأولى هي أنَّ المسألة المحرجة دائما، وهي «حقيقة» السحر، تبدو على نحو متزايد غير قابلة للالتفاف. فإذا أخذنا مسافة من الفكرة القائلة إن السحر ليس سوى بقايا «تقليدية» سوف تختفي تلقائيا مع التحديث، من ناحية، وإذا اتبعنا، من ناحية، أخرى الفكرة القائلة إنه يتعين على علماء الأنثروبولوجيا، كما يقول مايكل توسينغ في كتابه حول الشامان الهنود في الأمازون(24)، أن يمتلكوا جرأة «الانسياق» وراء متخيل أمثال هؤلاء «المعالجين»، فإنَّ مسألة «حقيقة» كل هذا المتخيل تفرض نفسها. من المؤكد أن توسيغ محق في إصراره على صعوبة فهم كيف يمكن للبينتاس pintas (الصور) التي يذكرها الشامان أن تكتسب قدرا كبيرا من القوة إذا ما استمررنا في التشكك فيها باعتبارها «غير حقيقية». ولكن إذا قبلنا «الانسياق» وراء متخيل من هذا القبيل (وهناك العديد من الأمثلة الحديثة لأنثروبولوجيين جادين أكملوا تكوينهم في العالم الخفي)، فهل ينبغي أن نتعامل بجد مع الاتهامات القاسية التي توجَّهُ لنساء عجوزات أو العقوبات المشدَّدة التي تفرض على ما يسمى بـ «الأطفال السَّحرة»؟
لحسن الحظ أن «الواقعَ» مفهومٌ مرنٌ على نحو متزايد في الخطاب الأكاديمي، وبالتالي فالأنثروبولوجي المحنَّك يعرف العديد من الإجابات الجاهزة عن مثل هذه الأسئلة. بالطبع لا يوجد «واقع» واحد، بل السؤال هو: كيف تكتسب الكلمات مثل هذه القوة(25)؟ هذه هي «الحقيقة» المعقدة التي يتعين على عالم الأنثروبولوجيا أن يحللها. ومع ذلك، فمثل هذه الإجابات لن تكون مُرضية دائما. وبذلك، فأثناء القيام بالبحث الميداني يمكن لمسألة «الحقيقة» أن تطرح نفسها على نحو غير متوقع، لا سيما عندما يتم تحويل الأقوال إلى أفعال مباشرة غالبا ما تكون ذات عواقب مروعة: اتهامات رهيبة، وعقوبات قاسية، وإدانات من قبل المحاكم الدولة، بل وحتى حالات إعدام بتُهمة السحر. في مثل هذه الأوقات، يصبح من غير المجدي أن يصر الباحث على الاقتصار على تحليل «الممارسات الخطابية»، وربما كان من الأفضل أن نعترف بأن العلماء يواجهون أحيانا معضلات يجب التغلب عليها.
هناك مشكلة موازية تتعلق بالتخلي الضمني بشكل أو بآخر عن التعريفات الواضحة والتصنيفات الدقيقة في الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة حول السحر. إذا أردنا أن نفهم ثبات هذه التمثلات والسهولة التي تندمج بها في التحولات الحديثة، فإنه يبدو للوهلة الأولى من المهم ترك حيز أوسع لتناقضات سيولة جميع تصنيفات هذا الحقل الملغم. ومثل هذه المرونة تفرض نفسها أكثر عندما لا يقتصر التحليل على الخطاب العام، بل يتجه صوب الارتباط بين الخطاب والممارسات اليومية. ومن اللافت للنظر، فيما بعد، أن نلاحظ الثقة التي فرض بها علماء الأنثروبولوجيا البنيويون – الوظيفيون تقابلات متطرفة في دراساتهم حول السحر: السحر مقابل الشعوذة witchcraft versus sorcery، والسحر الأبيض مقابل السحر الأسود، وما إلى ذلك. ومن الواضح أن هذا الحماس التصنيفي كان يستجيب لمبادئ المنهج العلمي نفسها. يجب على الباحث قبل كل شيء أن يصنف بياناته، وهي ضرورة تكتسي أهمية أكبر في ميدان البحوث المبعثَر الذي يقدمه السحر. ونظرا لانشغال هؤلاء الأنثروبولوجيين بالتحكم الاجتماعي، فهم كانوا، علاوة عن ذلك، يمنحون لتصنيفاتهم مضمونا أخلاقيا إلى حد كبير، ويبدو أن أحد أول التحديات كان التمييز بين الجوانب «الوظيفية» والجوانب «المختلة».
ومع ذلك، فالغموض الأخلاقي لخطاب السحر، والانزلاق المستمر لمحاولة أي جدولة في هذا المجال، هو الذي يعزز القدرات الدينامية لهذا النوع من التمثلات. وفي سائر أنحاء إفريقيا تقريبا، تعتبر هذه القوى الخفية بمثابة شر أساسي، لكن مبدأ عاما آخر يريد لهذه القوى أن توجَّه وتستخدمَ في أغراض بناءة. وسحرُ نغانْغَا هو النموذج الأولي لهذا الغموض. فهو لا يستطيع أن يُشفي إلا لأنَّه طوَّر نفسَه في بطن المريض إلى درجة الاستفحال، وبالتالي فهو صورة مزدوجة للغاية، قادر على فعل الخير، لكنه مثار توجس في كل الأحوال. وعلى نحو مماثل، يُفترض أن يكون السحر، وهو قوة الشر نفسها، أمرا لا غنى عنه لمراكمة كل السلطة والثروة. ولهذا السبب، مرة أخرى، يفسح هذا الخطاب المجال جيدا لجهود تفسير التحولات الحديثة وأوجه التفاوت غير المسبوقة التي تجلبها في أعقابها.
إن هذه الالتباسات وتبدلات المعنى يمكن أن تختفي في التصنيفات القاطعة التي أنجزها علماء أنثروبولوجيا الأجيال السابقة(26). وقد يكون هذا أحد أسباب معاناة الأنثروبولوجيا من بعض الانزعاج في مواجهة الازدهار المذهل الذي تعرفه هذه التمثلات في القطاعات الحديثة بالمجتمعات ما بعد الاستعمارية(27). ومن اللافت للنظر، في تسعينيات القرن الماضي، أن يتطور استئناف دراسة السحر بين علماء الأنثروبولوجيا المصابين «بفيروس» ما يسمى تيار «ما بعد الحداثة». ففي هذا المنظور، لا يُنظر إلى الواقع الأنثروبولوجي إلا باعتباره نتيجة مؤقتة «لمفاوضات» بين الباحث ومحاوريه، مما يؤدي إلى تنسيب التصنيفات (سواء تصنيفات العالم الأنثروبولوجي أو تصنيفات محاوريه) التي تقدَّم باعتبارها غير مستقرة وخاضعة لإعادة التفسير على نحو مستمر(28). ويبدو أن مثل هذا التساهل في مراعاة المبدأ العلمي المتلخص في أحادية المعنى قد فرضَ نفسَه على الأنثروبولوجيين ليتمكنوا من مواجهة التحولات والتأرجحات المفاهيمية التي تلعب دورا رئيسيا في دينامية السحر الحديثة. في هذا المجال، كان ب. جيوسيويسكي B. Jewsiewicki محقا عندما وصف وضعية الباحث «بالفُصَامِية». ويبدو أن «النظرة المدرسية» للأنثروبولوجيين الذين سبقونا وتصنيفاتهم القاطعة قد حجبت عن الأنظار المبدأ نفسه الذي كانوا يَسعَون إلى تفسيره، وهو التأرجحات والتناقضات التي تشكل قوة هذه الخطابات. ولكن هل يضطرنا أخذ السحر على محمل الجد واعتباره خطابا تدميريا في المقام الأول، ومقوضا لكل تمييز مفاهيمي، إلى اقتراف خطيئة ضد مبادئ المعرفة العلمية(29)؟
هذه الأسئلة هي جزء من إشكالية أوسع. إذا كان التحدي هو أن نفهم كيف تستطيعُ الكلمات أن تكتسب مثل هذه القدرة، في السحر كما في مجالات أخرى، فإنه يمكن لـ «التناقض ambivalence» أن يكون مفهوما مركزيا للجواب، بدلا من وحدة التسمية التي تحتفل بها الشرائع الأكاديمية. إن الجهود الدؤوبة التي بذلتها من أجل رؤية أوضح لما كان يحدث في اجتماعات قرى الماكا(30)، أثناء بحثي الميداني في سبعينيات القرن الماضي، يمكن أن تقدم مثالا واضحا لهذه المسألة. فمحادثات أهالي الماكا، كما هو الحال في مجتمعات «تراتبية» أخرى، هي وقائع شديدة الحركة، وبل وغالبا ما تكون مأساوية. كانت مشكلتي أساسا تتلخص في فهم كيف كان الشيوخ الليسجي كاند lessje kaande (ومعناها الحرفي هو: المتحدثون في المجلس») ينجحون دائما في تهدئة التوترات والتوصل إلى «حل» يقبله المستمعون بهذا القدر أو ذاك. وكنت أحبط بشكل خاص من عدم اكتشافي لخط واضح في الكلمات التي كانوا يستخدمونها؛ وفي واقع الأمر، يبدو أن الناس كانوا في الواقع يعودون إلى بيوتهم بتفسيرات مختلفة كثيرا لما قاله أعيانهم.
لذا، فقد كان ذلك مثالا جيدا على «الكلمات التي تكتسبُ القدرة»؛ كانت المهارات البلاغية لشيوخ الثرثرة ببهرجها ومَرَجها غالبا مُبهرة، حيث كان يبدو في بعض الأحيان أن الجميع يتحدثون في الوقت نفسه. ولكن لحظة البحث ظلت قليلة الوضوح. كان يتعين معرفة كيف يكون الشيء غير واضح تماما، ومع ذلك يشتغلُ ويؤدي وظيفته. إلا أنه، وأثناء اجتماع بالغ التعقيد، رجع طالب شاب إلى القرية لقضاء العطلة، فلام «النساءَ» على «الخلط في الكلام» وأخبرهن بأنه يتعين عليهن أن يقتصرن في كلامهن على القضية موضوع الحديث. وكان ذلك هو رأيي على وجه التحديد؛ إذ كانت القضية في حد ذاتها صعبة المتابعة للغاية وبدت لي «النساء»، مجموعة من خمس نساء استدعين للإدلاء بشهادة، وكأنهن يتحدثن في أيَّ شيء. آنذاك، قاطعَ أبرز أعيان القوم الشاب قائلا إنه لم يكن يفقه شيئا فيما هو اجتماع القبيلة: ألم يكن يعلم أنه كان عليه أن يبدأ حديثه كما تفعل النساء عندما تذهب لصيد السمك؟ فهنَّ يخبطن أقدامهنَّ على الأرض، ثم يحدثنَ ضوضاء كبيرة لإخراج الأسماك من جحورها. كانت الفكرة واضحة، وهي أنَّ النقاش ينبغي ألا يكون واضحا، بل إنه على العكس من ذلك يتطلب بعض الغموض ليتم التعبير عن كل المشاكل، وبعد ذلك فقط، يمكن أن يتدخل الأعيانُ للتوفيق بين الخواطر وجبر خلافات النفوس.
وفي الواقع، يبدو أنَّ ازدواجية المعنى وتعدده كانا الكلمتين المفتاحين للقوة البلاغية لذلك الشيخ (وزملائه). فبعد عودتي إلى هولندا، وعلى مدى اجتماعات أكاديمية طويلة، لم أستطع أن أمنع نفسي من الاعتقاد بأن كلمات زملائي كانت تفتقر بشكل رهيب إلى القدرة مقارنة بكلمات أعيان قبائل الماكا، وذلك يعود على وجه التحديد إلى المبدأ الذي يقتضي، في العالم الغربي، أن يحمل كلام المرء معنى واحدا وأن يتجه رأسا إلى موضوع الحديث. هل يمكننا أن نستنتج من ذلك أن المبدأ الأكاديمي الذي يقتضي الوضوحَ يشكل عائقا بدل أن يكون وسيلة ناجحة عندما نحاول أن نفهم قدرة الكلمات وسلطتها في السحر؟ إن حدودُ «النظرة الأكاديمية»، التي يصر عليها جيوسيويكي في دعوته إلى إبستيمولوجيا أكثر تعددية..، تصبح في سائر الأحوال واضحة في دراسة السحر(31).
يمكن لمثل هذه الانقسامات أن تكون أيضا خطيرة مقارنة مع القطب الثاني من عنواننا، وهو مفهوم الحداثة. فهل سيكونُ من المفيد الحديث عن «حداثة إفريقية»، كما يفعل ب. شابال وج.-ب. دالوز ، تكون إحدى خاصياتها استمرارُ حضور السحر في قطاعات المجتمع الحديثة(32)؟ فهذا المصطلح، شأنه شأن مفهوم «إعادة التقاليد»، يُعزز في نظري من سوء الفهم الذي يسعى المؤلفون إلى تجنبه. يبدو أنَّه يتم تصور هذه «الحداثة الإفريقية» باعتبارها نقيضا للشكل الغربي للحداثة. ولكن الإيحاء بمثل هذا التناقض يبدو لي خطيرا، على وجه التحديد عندما يتعلق الأمر بالسحر. على العكس من ذلك، من المهم ملاحظة أن إفريقيا، في هذا الصدد، ليست استثنائية كما يعتقد بعض المراقبين. تحاول العديد من الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة إثبات أنَّ الحداثة في الغرب تتميز في العمق بأشكال خاصة من السحر، وهي أشكال إن لم يكن من الضروري التعرف عليها بالسحر، فهي لا تعكر حلم «التحديث» الذي يُفهم بأنه تحقيق تدريجي لشفافية متزايدة(33). ولعل الفائدة الأوسع نطاقا التي يمكن جنيها من قراءة الحداثة انطلاقا من إفريقيا تكمن على وجه التحديد في المساعدة على فهم سحر هذه الحداثة – متنوع الأشكال إلى ما لانهاية – في حد ذاته. أما إرادة التمييز بين نموذج غربي للحداثة، وآخر إفريقي، أو آسيوي، فمن شأنها أن تؤدي إلى تعظُّمٍ لن يُفيد إطلاقا في تقدّم فهم أعمق لحلم الحداثة الذي تنبع قوته بالضبط من طابعه المتعدد والمتناقض.
وإذا، فالروابط بين «السحر» و«الحداثة» تفتح المجال لطرح قضايا تتجاوزُ بكثير سياق الدراسات الإفريقية وحده. فهذه الروابط توفرُ نقطة انطلاق استراتيجية لتصور الطابع المعقد للحداثة في حد ذاتها: «سحرها»، تحت مظهر إزالة الأوهام، وأهمية استمرار السر باعتباره ضرورة أساسية لأي شكل من أشكال السلطة، هذا السِّرّ الذي ما زال يُزعجُ دائما حلم تحقيق شفافية متزايدة. هذا من جهة. ومن جهة أخرى، يساعد الربطُ نفسه على فصل السحر عن «التقاليد» اللاتاريخية a-historiques وإدراك أفضل لطابع هذه التمثلات المتجدد. ومع ذلك، فمن المأمول ألا يتحجر هذا الربط المفاهيمي في إبدال اختزالي جديد؛ وليست هذه هي الحال، رغم مخاوف بعض النقاد، إذ لا يقترحُ أحد من الكتَّاب المذكورين أعلاه اختزال السحر إلى تصور معين من الحداثة. ومن الواضح أن المعاني المحتملة لهذه الخطابات هي أوسع بكثير، وأنه يكاد يكون من المستحيل اختزالها في مفهوم الحداثة المتغير والغامض للغاية. ومع ذلك، فإنه يتعين علينا أن نأخذ على محمل الجدِّ ذلك القلق الملحّ الذي يجري به تصور العلاقة بين الاثنين اليوم في أجزاء كثيرة من إفريقيا. وهذه ليست مهمة بسيطة بالنسبة للباحثين، إذ تفرض انفتاحا إبستيمولوجيا ربما يشكل أحد التحديات الرئيسية التي تواجه العلوم الاجتماعية في إفريقيا وأماكن أخرى من العالم.
(1) أتوجه بالشكر الكبير إلى: J. Anderson, F. Bernault, P. Chabal, J. Kees van Donge, J. Ferguson, M. Ferme, L. Malkki et B. Meyer لتعليقاتهم المحفزة والمفيدة.

(2) انظر، على سبيل المثال، الكتاب الذي أشرف عليه ج. وج. كوماروف:
– J. et J. Comaroff, Modernity and its Malcontents. Ritual and Power in Postcolonial Africa, Chicago, University of Chicago Press, 1993.
ولأخذ نظرة عن الأدبيات الحديثة حول السحر في سنوات 90، يُنظر:
– D. Ciekawy et P. Geschiere, «Containing witchcraft: conflicting scenarios in postcolonial Africa», African Studies Review, 41 (3), 1998, pp. 1-14,
و:
– B. Rutherford, «To find an african witch: anthropology, modernity and witch-finding in north-west Zambia», Critique of Anthropology, 19 (1), 1999, pp. 89-109.

(3) H. Englund et J. Leach, «Ethnography and the meta-narratives of modernity», Current Anthropology, 41 (2), 2000, pp. 225-248.

(4) الخمسينية pentecôtisme: هي «حركة دينية بروتستانتية ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وتتميز هذه الحركة بالإيمان بأن جميع المسيحيين بحاجة لأن يعيشوا اختبارا فريدا لكي يكونوا مسيحيين فعلا، ويسمى هذا الاختبار بمعمودية الروح القدس». موسوعة ويكيبيديا، النسخة العربية، مادة «خميسينية». (المترجم)

(5) ينتقد روثرفورد (انظر الملاحظة 2) هذه المقاربة التحليلية الجديدة – الذي لا يرى فيها أي جديد على الإطلاق مؤاخذا على علماء الأنثروبولوجيا عم أخذهم بعين الاعتبار لتأثيرات تدخلاتهم في هذا المجال المسيس إلى حد كبير. ومن المؤسف أن المقال المذكور يتنول في عجالة شديدة «تأثيره السياسي» في مطاردة للساحرات في منطقة البحث.

(6) تستبعد الطبيعة السرية للسحر (حتى لو تعلق الأمر بـ «سر علني») أي إمكانية لـ «قياسه». انظر النقاش الأنثروبولوجي القديمة حول معرفة ما إذا كان السحر قد تقوى أو ضعف على العكس بفعل «التهدئة» الاستعمارية، يُنظر على الخصوص:
– M. Douglas, «Introduction», in M. Douglas (ed.), Witchcraft Confessions and Accusations, Londres, Tavistock, 1970).

(7) الصليب الوردي Rose – Croix: هو مدرسة سرية نشأت في القرن السابع، مقصورة على فئة معينة من الناس الغربيين، وتهدف لمساعدة التطور الروحي للبشرية. عن موسوعة ويكيبديا، النسخة العربية، بتصرف. (م).

(8) P. Chabal et J.-P. Daloz, L’Afrique est partie. Du désordre comme instrument politique, Paris, Economica, 1999.

(9) P. Geschiere, Sorcellerie et politique en Afrique. La viande des autres, Paris, Karthala, 1995.

(10) تم العثور بالطريقة نفسها على العنوان الفرعي للترجمة الفرنسية لهذا الكتاب، وهو لحومُ الآخرين. اقترح السيد ضيوف بعد أن سمع أ. ممبي A. Mbembe يناقش بعض فصول المخطوط. ما زلت لا أعرف بالضبط ما يعنيه هذا العنوان، ولكن يبدو أنه يروق القراء. هل الكتب عن السحر ربما في حاجة إلى عناوين ذات طابع لغزي لإنصاف تناقضات هذه الظواهر؟

(11) انظر على الخصوص:
– E. de Rosny, Les Yeux de ma chèvre, Paris, Plon, 1981, et L’Afrique des guérisons, Paris, Karthala, 1992;
وبخصوص دوالا، انظر:
– R. Austen, «The moral economy of witchcraft: an essay in comparative history», in J. et J. Comaroff (eds), Modernity and its Malcontents…, op. cit., pp. 89-110;
انظر أيضا الدراسة الرائدة التي أنجزها أ. أردنر حول مفاهيم موازية عند الباكويريين (وهم الجيران الغربيين لدوالا):
– E. Ardener, «Witchcraft, economics and the continuity of belief», in M. Douglas (ed.) Witchcraft Confessions and Accusations, op. cit., pp. 141-160,
وبصفة عامة:
– P. Geschiere, Sorcellerie et politique…, op. cit., chap. 5.

(12) E. de Rosny, Les Yeux de ma chèvre, op. cit., p. 93.

(13) Ibid., p. 92.

(14) بافوسام Bafoussam: هي العاصمة وأكبر مدينة في المنطقة الغربية من الكاميرون، تقع في جبال بامبوتوس، وهي ثالث أهم مدينة في الكاميرون، بعد ياوندي ودوالا. عن موسوعة ويكيبديا، النسخة الفرنسية. (م).

(15) الباميليك bamiléké: هي أكبر مجموعة عرقية في الكاميرون، تتشكل من سكان مناطق الكاميرون الغربية والشمالية الغربية، وتعتبر جزءًا من المجموعة العرقية لشبه البانتو. عن موسوعة ويكيبيديا، النسخة الفرنسية، (م).

(16) J.-P. Warnier, L’Esprit d’entreprise au Cameroun, Paris, Karthala, 1993, p. 74.

(17) C. Fisiy et P. Geschiere, «Sorcery, witchcraft and accumulation. Regional variations in South and West Cameroon», Critique of Anthropology, 11 (3), 1991, pp. 251-278;
وانظر أيضا:
– C. Fisiy et M. Goheen, «Power and the quest for recognition: neo-traditional titles among the new elite in Nso’, Cameroon», Africa, 68 (3), 1998, pp. 383-403.

(18) انظر أيضا المقال الحديث لج. ج. كوماروف:
– J. et J. Comaroff, «Alien-Nation: zombies, immigrants and millennial capitalism», Bulletin du Codesria, n° 3-4, 1999, pp. 17-29,
وفيه يُظهر المؤلفان أن الخوف من «الزومَبَة / جعل الناس موتى أحياء zombification» يمتزج بقوة مع الخوف من تدفق الأجانب المقترن بانفتاح البلاد على السوق العالمية.

(19) هذا هو العنوان المثير للفصل الأخير من كتاب ج. دوبريه حول نزابيي الكونغو برازافيل، حيثُ يُظهر كيف أن «السحر الحُر» يُثبتُ «تفكيك نظام» (مجتمع النزابيnzabi):
– G. Dupré, Un ordre et sa destruction, Paris, Orstom, 1982.

(20) B. Jewsiewicki, «Ouvrir les sciences sociales», Annales. Histoire, Sciences sociales, à paraître. Annales. Histoire, Sciences sociales, à paraître.

(21) P. Geschiere, Sorcellerie et politique…, op. cit.;
انظر أيضا:
– D. Ciekawy et P. Geschiere, «Containing witchcraft…», art. cit.

(22) حول «العولمة»، باعتبارها «جدلا للتدفق والانغلاق»، انظر:
– B. Meyer et P. Geschiere, «Globalization and identity: dialectics of flow and closure», in B. Meyer et P. Geschiere (eds), Globalization and Identity. Dialectics of Flow and Closure, Oxford, Blackwell, 1999, pp. 1-17.

(23) المقصود هنا الملف الذي خصصته مجلة السياسة الإفريقية Politiques Africaines للسحر، بعنوان «قدرات سِحرية Pouvoirs sorciers»، ومنه ترجمنا الدراسة الحالية. (م).

(24) M. Taussig, Shamanism, Colonialism and the Wild Man: a Study of Terror and Healing, Chicago, Chicago University Press, 1987.

(25) لقد عبرت عن هذه المسألة بطريقة في غاية الأهمية جان فافري سعادة في كتابها:
– J. Favret-Saada, Les Mots, la mort, les sorts. La sorcellerie dans le Bocage, Paris, Gallimard, 1977.

(26) علاوة على ذلك، ليس أوائل علماء الأنثروبولوجيا وحدهم هم من يسعون إلى فرض تصنيفات جامدة. ففي مساهمة الأخيرة (كتاب تذكاري مكرس لـ R.Buijtenhuijs R.، سيصدر عن دار النشر كارثالا)، يتهمني الباحث في العلوم السياسية كومي تولابورCoumi Toulabor بإهمال الاختلافات الاصطلاحية التي تقيمها العديد من اللغات الأفريقية بين «الساحر الضار» و«الساحر النافع». وحسب تجربتي، إذا أمكن إبراز مثل هذه الاختلافات على المستوى المعياري، فإنها تكون متقلبة للغاية في الممارسة وظرفية للغاية. ألا يميل تولابور Toulabor إلى الاعتقاد بأن مثل هذه التقابلات المعجمية هي نهائية؟ يستطيعُ الخطاب الأكاديمي أن يفضل اختلافات دقيقة وواضحة، ولكن واضحة، ولكن إمكانية مثل هذه الانزلاقات المنتشرة في كل مكان والتناقضات الاصطلاحية هي التي تمنح للخفي قوته.

(27) انظر:
– P. Geschiere, Sorcellerie et politique…, op. cit.

(28) انظر أيضا:
– J. Favret-Saada, Les Mots, la mort, les sorts…, op. cit.,
التي طرحت هذه الرؤية منذ سبعينيات القرن الماضي (وبالتالي، بوقت سابق بكثير عن معلمي الأنثروبولوجيا الأمريكية «ما بعد الحداثيين»، أمثال ب. تيلير وب. رابينوف أو ج. كليفورد). ولعله مما يميز بحث جان فافري سادة أنها توصلت إلى هذا التنسيب للواقع الأنثروبولوجي – إذ تشدد بالخصوص على دور الباحث على نحو ما يُشركه مخاطبوه في بنائهم للواقع – في دراسة أنجزتها في فرنسا، وبالتالي «في عقر دارها» إلى حد ما (إقليم البوكاج).

(29) من أجل نقاش أكثر تفصيلا لمخاطر هذا الإفراط التنظيمي في دراسة السحر، والقضايا الإبستيمولوجية التي تترتب عنه، انظر:
– P. Geschiere, «Pluralisme épistémologique: science, sorcellerie et schizophrénie», Annales. Histoire, Sciences sociales, Année 2001 56-3 pp. 643-649.
ويُظهر الكتاب الأخير لج.-ف. بايارت J.-F. Bayart بسيل من الأمثلة المنتقاة بشكل جيد أن الأمر يتعلق بمشكلة إبستيمولوجية أوسع بكثير. ويلخصها باعتباره «المتخيل مبدأ للتناقض»:
(J.-F. Bayart, L’Illusion identitaire, Paris, Fayard, 1996, p. 166).

(30) الماكا maka: سكان من بانتو إفريقيا الوسطى يقطنون جنوب الكاميرون، في شمال غينيا الاستوائية وشمال الغابون. عن موسوعة ويكيبيديا الفرنسة. (م).

(31) B. Jewsiewicki, «Ouvrir les sciences sociales», art. cit.

(32) على سبيل المثال، عمل J. Comaroff, «Consuming passions: child abuse, fetishism, and the “new world order”», Culture, 1997, pp. 7-19, ، حول تجليات الذعر الأخيرة التي شهدها الغرب والتي تم فيها استحضار تصرفات شيطانية وإساءة معاملة الأطفال، والتي تحللها المؤلفة باعتبارها جانباً لا يتجزأ من الحداثة الغربية. انظر أيضا: – J. et J. Comaroff, «Occult economies and the violence of abstraction: notes from the south african postcolony», American Ethnologist, 1999, et P. Geschiere, «Of witch-doctors and spin-doctors: the role of “experts” in african and american politics», in B. Meyer et P. Pels (eds), Magic and Modernity, Londres, Routledge, 2007.

(33) على سبيل المثال، دراسة:
– J. Comaroff («Consuming passions: child abuse, fetishism, and the “new world order”», Culture, 1997, pp. 7-19.
التي تتناول التجليات الحديثة في الغرب لحالات الذعر التي تستدعي أعمالا شيطانية واعتداءات على الأطفال، وتحلل المؤلفة هذه الحالات باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الحداثة الغربية. انظر أيضا:
1. et J. Comaroff, «Occult economies and the violence of abstraction: notes from the south african postcolony», American Ethnologist, 1999, et P. Geschiere, «Of witch-doctors and spin-doctors: the role of “experts” in african and american politics», in B. Meyer et P. Pels (eds), Magic and Modernity, Londres, Routledge.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *