الرئيسيةالمقالاتأدب وعلوم اجتماعيةسيلفيا ليبي: السحر «العلمي» في عصر النهضة: هل هو تناقض؟ / ترجمة: م. أسليـم
أدب وعلوم اجتماعيةالمقالات

سيلفيا ليبي: السحر «العلمي» في عصر النهضة: هل هو تناقض؟ / ترجمة: م. أسليـم

يرى فرويد أن تعطش الإنسان للمعرفة ينبع من رغبته في السيطرة على العالم، ومن حاجته إلى إخضاع الطبيعة لقوته(1). ليست المعرفة فقط من وجهة نظر تأملية هي ما يهمه، بل كيف يمكن أن تساعده هذه المعرفة على التفاعل مع العالم وتغييره.

يعتبر السحر تقنية استثنائية للنجاح في هذه السيطرة على العالم. فقد تحالف في أوقات معينة مع المعرفة بالمساهمة في تقدمها، وفي الوقت نفسه بتعزيز الاقتناع بتوسيع هيمنة الإنسان على العالم. وفي إيطاليا، خلال عصر النهضة، اجتمعت الفلسفة والسحر والعلم والدين في شكل خاص جدًا من المعرفة هو الهرمسية l’hermétisme. كان العالـِم القادر على ممارسة السحر في الوقت نفسه فيلسوفًا وضع فنه في خدمة العلم. وهذا هو الحال بشكل خاص مع مارسيل فيسينو وجان بك دي لاميراندول وجيوردانو برونو وتاماسو كامبانيلاTommaso Campanella.. وسنرى كيف يلتقي السحر والعلم ويحفز كل منهما الآخر في اختلافاتهما وكذلك في هدفهما المشترك، لتأكيد قدرة الإنسان الكلية على الظواهر.

الحرية والقدرة الكلية في الفكر: النزعة الإنسانية:

إنسان عصر النهضة رجل «فاعل»، يسعى إلى استخلاص قوته من النظام الإلهي والطبيعي. والسحر والعلم قادران على إعطاء شعور بالقدرة المطلقة في الفكر والعمل. لقد وقع في طريقة تصور المعرفة تغيير جذري: لم يعد الإنسان مهتماً بالجانب النظري – التخميني – ففي هذا الشكل وصل الفكر اليوناني إلى ذروته – لكنه حوّل فضوله إلى التطبيق. ولم يعد التعليم الرسمي قادرًا على توفير أدوات معرفة الواقع ومواجهة مشاكله؛ والتحقق التجريبي من الفرضيات الذي لم يكن يهم الفيلسوف اليوناني بشكل خاص (لم يكن لديه الوسائل على أي حال)، يأتي الآن في الصدارة: هذا هو أصل العلم كما لا زال متصورا حتى اليوم. فشل العقل، فتمَّ الانتقال إلى أساليب أخرى أكثر صوفية وسحرية، فشُرعَ في زراعة النوص Noûs ، وهو قدرة الإنسان الحدسية. وهكذا، فالنوص والسحر متحدان في البحث عن شكل آخر من أشكال المعرفة، غير جدلي، تأملي، تجريدي، معرفة مجردة، وقادرة على إعطاء مزايا عملية(2): فالإنسان يريد أن يتفاعل مباشرة مع العالم، يريد تغيير الأشياء، وكذلك مصيره. يعتقد العالم أن السحر يسمح بالحصول على مثل هذه التأثيرات. وبذلك، يجعل الساحر من نفسه، بفضل فنه، بديلا عن الله: ينتزع الفكر السحري من الخالق الأخير القدرة على التصرف في الأشياء وتعديلها حسب مشيئته.

ولنوضح أن الإنساني(3) «الخالص» – الأديب، مقلد النصوص القديمة – لا يشجع على السحر. وجيودارنو يوبخهم على ذلك، فيطلق اسم «النحاة المتحذلقين» على الإنسانيين الذين يتعاملون فقط مع الشكل الأدبي للنصوص والذين لا يستطيعون فهم أنشطة الساحر. ولكن من النادر أن يكون هذا الجو خاليًا من الاختلاط، ذلك أن عناصر من التقليد غالبا ما تأتي لتتسلل إلى الجديد. في الحقيقة، لا يمكن للساحر أن يجد إلهامه وقوته إلا في جو إنساني.

يحلل فرويد العملية السحرية في المجتمعات البدائية ويقارنها بسلوك العُصَابي névrotique الذي تهيمن عليه النرجسية (الواضحة أو المقنَّعة):

«لذا، فإننا نميل إلى إقامة علاقة بين القدير العالي surestimation (…) للأفعال النفسية الموجودة عند البدائيين وعند العُصابيين والنرجسية، واعتبار هذا التقدير جزءًا أساسيًا من هذه النرجسية. يمكننا القول إن الفكر لا يزال يكتسي درجة عالية من الجنسية عند البدائيين، وأن من هنا يأتي الإيمان بالقدرة المطلقة للأفكار، والثقة التي لا تتزعزع في إمكانية السيطرة على العالم وعدم إمكانية الوصول إلى التجارب، وسهولة القيام بها، التي يمكن أن يطلع الإنسان من خلالها على مكانته الحقيقية في العالم (4)».

إذا تمسكنا بفرويد، فالقدرة الكلية للفكر قد سمحت للسحرة، المخلصين للروح الإنسانية في عصرهم، بـ «الإمساك» بالقدرة الكلية الإلهية: يغير الله مكانه، ينزل إلى الأرض، أو، بشكل أفضل، يثبت نفسه في فكر الإنسان، في الفكر السحري.

في النزعة الإنسانية، لم يعد المثال idéal في الله بل في الفرد. يخرج الإنسان من الخضوع ويتولى السلطة على نفسه(5). هذا الشكل من النرجسية هو تمرد(6) ضد أي سيطرة رأسية. وسيوجه العلم الحديث الضربة الأخيرة لأي شكل من أشكال الهيمنة المتعالية. ففي العلم، كما في السحر، تقوم الرغبة في القدرة الكلية بدعم البحث (7) (في كلتا الحالتين، تؤتي النرجسية ثمارًا جيدة).

يحدث التحول بدرجات: يدخل الله في الأشياء ويعطيها الحياة (الإحيائية animisme). لا يزال الدين بطبيعة الحال موجودًا في عصر النهضة (في الفلسفة والسحر والعلوم)، ولكن في شكل تسوية، كمبدأ للانتقال، عنصر المرور اللازم لمغادرة العالم، هو العالم «الإلهي»، والقدرة على دخول عالم آخر، هو العالم «الإنساني».

يفترض المفهوم «الإيماني» كمبدأ فكرة نظام فوق طبيعي surnaturel يسيطر على الكون؛ يعتبر المفهوم «الإنساني» مبدأ كل شيء في الحميمي، روح الإنسان ونفسه. في الإيمان باللهthéisme ، الله أصل كل شيء، في الإنسانية، هو أصل ما يفكر به. يؤكد بيك دي لاميراندول في رسالته «حول الكرامة الإنسانية»(8) يؤكد أن كرامة الإنسان لا تكمن في طبيعته المغلقة، في وضعه كعالم مصغر microcosme، بل في ممارسة حريته: حرية أن يصبح أي شيء، وتكمن قبل كل شيء في حرية التفكير بشكل مستقل. في الإيمان بالله، يتلقى الإنسان الخير (من الله) ويشعر بأنه خاضع لسلطة فوق طبيعية، في الإنسانية، يضع الإنسان نفسه معايير الخير، أما السلطة فوق الطبيعية فتختفي: يكتشف الإنسان في نفسه القدرة على الخلق (يشير بيك أيضًا إلى القدرة الإبداعية للإنسان باعتباره ساحرا(9)).

في عصر النهضة، تتحول الهندسة المعمارية. تمثل النزعة الإنسانية نهاية هندسة معمارية معينة تتمثل في العمارة باعتبارها جانبا خارجيا ومؤسسة، هرمية، عمودية. هذه الهندسة المعمارية المستوحاة من الشكل البطلمى (نسبة لبطيلموس) للكون(10)، تفقد سبب وجودها، لأن الشكل المثالي بدأ ينفذ(11).

يُظهر الساحر وجوده في تاريخ الأفكار في الوقت نفسه الذي تظهر فيه الحاجة إلى الحرية في المعرفة، وفوق كل شيء، حيال سلطة فوق طبيعية. وبعبارات التحليل النفسي، فقد بدأت المعركة مع الأب.

السَّحرة-الفلاسفة: إنسانيون ورجال علم

في عصر النهضة، يسير البحث عن الحقيقة جنبًا إلى جنب مع البحث عن القديم والأصلي؛ تاريخ الإنسان ليس عملية تطورية تسير نحو تعقيد متزايد، والتقدم يُترجَم إلى نهضة العصور القديمة. الماضي متفوق على الحاضر: تعيد النزعة الإنسانية اكتشاف الفن، والهندسة المعمارية، والأدب، والفلسفة الكلاسيكية (أي اليونانية الرومانية) تمامًا كما يتحول المصلح الديني إلى دراسة كتابات آباء الكنيسة الأوائل. أما الساحر، فيهتم بالأحرى بالسياق الوثني للمسيحية المبكرة، أي بالدين الكوني المتأثر بالسحر الشرقي ومعتقداته، وهو نوع من نسخة غنوصية(12) من الفلسفة اليونانية(13).

وحول شخصية هرمس الهرامسة(14) – يعطي الإغريق اسم إلههم هرمس للإله المصري تحوت، إله الحكمة -، سوف يتطور في القرن الثاني بعد المسيح أدب يوناني هام يتعلق بالفلسفة والعلوم الخفية.  ويعتبر كتابا(15) A Asclepius و Corpus hermeticum المؤلفين الرئيسيين اللذين وصلانا من تلك الفترة.

أصبح هرمس الهرامسة شخصية حقيقية في عصر النهضة، كاهنا مصريا، ومصدر الحكمة التي استمد منها أفلاطون والإغريق معرفتهم. وهو النقطة المرجعية للسحرة-الفلاسفة الذين نسبوا إليه كتابي Asclepius وCorpus hermeticum. ورغم أن القديس أوغسطين ينتقد بشدة عبادة أصنام هرمس، وإيمانه بالأرواح والشياطين، وإعجابه بالفنون السحرية للمصريين(16)، فالسحر الموصوف في Asclepius في نظر السحرة-الفلاسفة العنصر الأكثر جاذبية في النصوص الهرمسية.

يرى فيسينو(17) أن السحر يشكل نقطة انطلاق فلسفته الأفلاطونية الحديثة: فالسحر بمثابة شكل من أشكال اللاهوت القديم(18) (prisca theologica) سيقوده إلى النواة الأصلية للأفلاطونية، وهي غنوصية منحدرة من الحكمة المصرية(19). ورغم معارضة الكنيسة، فقد ساهمت أعمال فيسينو إلى حد كبير في توسُّع السحر والفلسفة الهرمسية في عصر النهضة. كان فيسينو يبشر بحقيقة أن أطباء العصور القديمة وقساوستها كانوا سحرة. والمسيح أيضا، في رأي الفيلسوف، كان ساحرا مطبِّبا. ثم إنَّ جميع المصنفات الطبية في العصور الوسطى وعصر النهضة تستخدم التنجيم: «كانت الوصفات الطبية تستند عادة إلى التصورات السابقة التي ترى أن العلامات تحكم أجزاء مختلفة من الجسم، وأن الأمزجة الجسدية المختلفة تخضع لمختلف الكواكب»(20).

وعلى أية حال، لا يمكن اعتبار سحر فينيسو ممارسة طبية بحتة منفصلة عن الدين: وكما يؤكد د.ب. والكر، فقد كان سحر فنيسو نفسه نوعًا من الدين (21). وهنا نأتي إلى جوهر التناقض: السحر علم ودين في الوقت نفسه، ومن المستحيل الفصل بين المجالين، فلماذا كانت الكنيسة تحمل نظرة سلبية تجاه السحر؟ أين يقع العنصر الانتهاكي؟: هل في حقيقة أن السحر كان يدخل في منافسة مع الدين ويحل محله أم في الشعور بالقدرة الكلية التي تمنحها ممارسته؟

إن سحر فيسينيو مهذب و«طبيعي»، إذ لا يستدعي الشياطين، وينطوي على استخدام طلسمات. يعتقد د.ل. والكر أن هناك تيارات في سحر فيسينو: سحر التعاويذ magie incantatoire الذي يمارس بتراتيل hymnes ودعوات invocations، والسحر «التعاطفي sympathique » الذي يستند إلى مجموعات طبيعية وطلاسم(22). وقد كانت معظم مشاكل الكنيسة تتعلق بهذه النقطة: ما هو السحر الذي يستخدمه الفيلسوف؟

هناك طبعا استمرارية بين السحر القديم (سحر العصور الوسطى) الذي يستحضر الشياطين، والسحر الجديد (سحر عصر النهضة)؛ وفي الوقت نفسه، يقدم فيسينيو نفسه دائمًا بتخطيط فلسفي. يتحد الفكر السحري مع فلسفة أفلوطين والأفلاطونية الجديدة المسيحية: يبرر فيسينو استخدام الطلسمات وسحر الـAsclepius  بالإشارة إلى الأفلاطونية الحديثة. إن حكماء العصور القديمة ومستخدمي الطلاسم الحديثين لا يستدعون الشياطين، ويمتلكون فهما عميقا للطبيعة، وللمراحل التي تليها انعكاسات الأفكار الإلهية النازلة إلى العالم الأرضي (هنا الرابط مع الأفلاطونية). وفقا لفيسينو، يمكن إعادة بناء أشكال العالم الحسي المتدهورة من خلال التصرف في الصور العليا التي تعتمد عليها. يقول:

«عندما يتعرض أي عنصر من المادة لأشياء من العالم العلوي (…) فإنه يخضع على الفور لتأثير خارق للطبيعة من خلال هذا العامل القوي ذي القوة الخارقة والحياة الموجودة في كل مكان (…) كما تعكس المرآة الوجه ويرجع الصدى الصوتَ»(23).

والـروح spiritus الذي يقع بين روح العالم وجسده، يقوم بنقل تأثير النجوم. بفضل عالم الأرواح spiritus mundi، تنزل تأثيرات النجوم على الإنسان. ويتكون هذا الأخير من مادة سُفلية مرتبطة بمادة الروح الموجودة في النجوم: وعمل السحر هو توجيه تدفق الروح في المادة ومراقبته. واللجوء إلى الطلسم أمر لا غنى عنه، لأنه هو «المادة» التي يحميها روح النجم التي يتم إدخالها فيها(24).

ويضيف بيك دي لاميراندول السحر القبالي إلى مجموعة سحر عصر النهضة(25). والقبالا kabbale تقليد باطني يهودي ينتقل شفويا من موسى، وسائله تشبه الإجراءات السحرية الأخرى ولكنه يستخدم القوة المقدسة للغة العبرية. إن هذا السحر أكثر طموحا من السحر الطبيعي لفيسينو، ويظل جزءا لا يتجزأ من الخطاب الديني.

والقبالا، مثلها مثل الهرمسية، تتساءل عن خلق العالم؛ تهتم باللوغوس logos. تحمل الأبجدية العبرية قوة قصوى في نظر القباليين: فهي تحتوي على اسم (أو أسماء) الله، وتعكس الطبيعة الروحية الأساسية للعالم ولغة الله الخلاقة(26). القبالا هي شكل من أشكال التصوف، يرافقه سحر يمكن للمرء أن يمارسه بطريقة ذاتية على نفسه، كنوع من التنويم المغناطيسي الذاتي.

ودعونا نلاحظ إلى أي مدى تحضر الروح الدينية في سحر بيك، وهو نفسه الذي نظَّر لكرامة الإنسان المتحرر من القوى العليا. ولكن مرة أخرى، يسعى السحر باعتباره تقنية لتمديد قدرات الإنسان على العالم إلى تمييز نفسه عن اللاهوت. في السحر الطبيعي والقبالي، الله وسيلة – مثل الطلسم، والكوكب، والصيغة السحرية، والحرف، والروح، وما إلى ذلك، وليس غاية. بهذا المعنى، فإن كل السحر هو هرطقة وتدنيس sacrilège.

يعتبر التمعن الفلسفي والديني في السحر القبالي معقد للغاية، بما في ذلك الجوانب العددية والتناغمية، مع الحفاظ على بُعد سحري قوي. يرى بيك أن العلامات السحرية الواردة في حروف الأبجدية العبرية هي التي تعمل(27). فالحروف تأخذ قيما عددية وتسمح بإجراء حسابات رياضيات متطورة للغاية: مرة أخرى، يوحد السحر والعلم مساريهما(28). يعود السحر إلى العدد باعتباره الأداة الرئيسية للعمليات التي وُضعت بها قوى الكون في خدمة الإنسان(29).

في السحر القبالي، يمكننا أن نفهم إلى أي حد يثري السحر والرياضيات بعضهما البعض. يرى كامبانيلا أن السحر لا يكون فعالا عندما يقترن بالعلم (الميكانيكا، في هذه الحالة) وعلى العكس من ذلك، فالعلم مدين بصعوده للسحر. يقول:

«السحر الاصطناعي الحقيقي يُنتج تأثيرات حقيقية (…). ومع ذلك، فإن هذا الفن لا يمكن أن ينتج تأثيرات رائعة إلا بمساعدة حركات محدَّدة المواقع، وأوزان وبَكَرات، أو باستخدام فراغ، كما هو الحال مع الأجهزة الهوائية والهيدروليكية، أو بتطبيق القوة على المواد. ولكن هذه القوى والمواد لا تكفي لأسر روح بشرية(30)».

وبفضل السحر الطبيعي، فهِمَ الإنسان كيفية استخدام السلسلة التي تربط الأرض بالسماء، بينما يتعلم، بفضل القبالا، كيفية التصرف في السلسلة العليا التي تربط العالم السماوي بالاسم الإلهي. يستخدم السحر الطبيعي الصور، أما السحر القبَّالي فهو، من خلال استعمال الحروف، يستخدم الأرقامَ (القيم العددية للحروف العبرية). وإذن، فسحر بيك يستخدم الرياضيات، وهو أيضا ديني مثل سحر فيسينو(31). وبالطبع، فهو واسع الخيال، وفني، لأنه قادر على توسيع المنظورات الجمالية عن طريق الإجراءات السحرية (32). وسحرة عصر النهضة فنانون، مثل دوناتيلو Donatello  ومايكل أنجلو، الذين عرفوا بفضل فنهم كيف يخللون تماثيلهم وأفكارهم بالحياة الإلهية. بهذا المعنى، فالفن السحري يجعل من العالـِم إنسانا إلهيا، إذ من خلال استخدام السحر والقبالا معا، يمكنه السيطرة على العالم بعلمه.

جيوردانو برونو والسحر «العلمي»

بفضل «علماء» مثل كيبلر وكوبرنيك، تم الانتقال من تصور للعالم أرضي المركز géocentrique إلى تصور عالم شمسي المركز héliocentrique. والمغزى العلمي لمثل هذا الاكتشاف هائل، وأيضا المفهوم الثوري للفكر الذي يدعمه: وكذلك هي مشكلة التنظيم المكاني، والإزاحة عن المركز، ونقل السلطة.

إن الحدود بين العلم والهرمسية غير مؤكدة في عصر النهضة، والسحر يظل عاملا أساسيا للتغيير. لا شك أن السحر والفلسفة الهرمسية قد ساهما في هذه الثورة العلمية، إن لم يكونا قد تسببا فيها بطريقة ما. من الواضح أن كوبرنيك لم يتوصل عن طريق السحر إلى فرضيته القائلة بأن الأرض تدور حول الشمس، ولكن عن طريق الحسابات الرياضية. ومع ذلك، تم تأسيس نظرية مركزية الشمس في أجواء دين الكون: يقدم كوبرنيك اكتشافه باعتباره عملا من التأمل في العالم، مفهوما بأنه وحي إلهي.

تشير رؤية كوبرنيك للعالم إلى الأفلاطونية الجديدة السحرية لفيسينو (الذي يستوحي دائما هرمس الهرامسة)(33)؛ أما عن جيوردانو برونو، فقد قدم نظريات كوبرنيك في أكسفورد، مستشهداً بالعديد من المقتطفات من كتاب «De vita coelitus comparanda» لفيسينو(34).

بالنسبة لبرونو، إذا كان كوبرنيك قد فهم مركزية الشمس باعتباره عالم رياضيات، فإنه لم يستخلص من فهمه ما يكفي من الآثار الفلسفية. يقول:

«نحن مدينون له (كوبرنيك) بتحريرنا من بعض الأحكام المسبقة الخاطئة للفلسفة الحالية، والتي لن أذهب إلى حد وصفها بالعمى. ومع ذلك، فهو نفسه لم يذهب إلى حد تجاوزها، لأنه، بدراسة الرياضيات بدلاً من الطبيعة، لم يتمكن من إنجاز اختراق كاف لإزالة جذور المبادئ الكاذبة والمضللة، ومن خلال تفكيك كل الصعوبات التي أعاقت الطريق، لم يتمكن من تحرير نفسه وتحرير الآخرين من سعيهم إلى إجراء تحقيقات لا جدوى منها لتحويل انتباههم إلى أشياء ثابتة ومحققة (35)».

استقبل برونو فكرة دوران الأرض حول الشمس بحماس، ليس لأسباب علمية، ولكن لدعم فلسفته في التغيير الدائم، في الحركة المستمرة لجميع الأشياء(36):

«لتجديد نفسها (الأرض) والولادة من جديد (…). لأن هذه الأشياء التي لا يمكن أن تكون أبدية باعتبارها أفرادا (…) هي أبدية باعتبارها أنواعا؛ (…) إن الإبادة الكاملة أمر مستحيل على نطاق الطبيعة بأكملها، فالأرض تتحول من حين لآخر من كل أجزائها إلى نظام جديد، وتجدد نفسها على هذا النحو (…). وأؤكد أن سبب حركتها، ليس فقط في مجملها ولكن في أجزائها، هو السماح لها بالمرور من كل التقلبات حتى تستطيع أن تجد نفسها في أي مكان وبالتالي تخضع لجميع الأشكال والأوضاع الشائكة(37).

مجنون، عاشق، وشاعر: الشاعر: يقترن هوس العظمة عند الشاعر بحماسة شعرية مذهلة. والدافعُ العاطفي الذي يحرك فلسفته الهرمسية والسحرية هو إبداعي إلى حد كبير. والواقع أن النرجسية والقدرة الكلية لفكر برونو قد أعطيا أفضل النتائج هنا: ففكرته التي تتلخص في ربط تصوره للكون اللامتناهي (المأهول بعوالم لانهائية (38)) بنظام كوبرنيك مثيرة للدهشة. لقد أسفر حدس برونو «السحري» عن نتائج كبيرة مثل الحسابات الرياضية لكل من كبلر وكوبرنيك وغاليلي؛ وثبت أنها صالحة علمياً، على الرغم من أنه يستخدم الخيال والصيغ السحرية بدلاً من الحسابات الرياضية.

وسحرُ برونو سحرٌ «علمي» – كتب في 1589 De magia mathe -matica – وأيضاً ديني. ومع ذلك، فمن المؤكد أنه أقرب إلى الإحيائية منه إلى اللاهوت: فالله وسيلة للمعرفة تحت تصرف فيلسوف الطبيعية. يبحث برونو عن الألوهية في الكون اللامتناهي(39): فالله يمتد في الأشياء والظواهر والرجال والعوالم التي خلقها. وفي هذا «التشتت» يُظهر الله قدرته المطلقة، مثل الإنسان القادر على استيعابه في ذهنه.

ورؤية برونو للعالم حيوية(40) وسحرية؛ وهي في نظر أ. كويري ليست روح رجل حديث بعد. يقول كويجيه:

«ومع ذلك، فرؤيته للكون قوية ونبوية ومعقولة وشاعرية لدرجة أنه لا يمكن للمرء إلا أن يُعجب بها. وقد أثرت – على الأقل من خلال هيكلها العام – إلى حد كبير على العلوم والفلسفة الحديثة، بحيث لا يمكننا إلا أن نمنح لبرونو مكانة مهمة جدا في تاريخ العقل البشري(41)».

كان برونو واثقا من أفكاره، مجددا وغير مبال، ولذلك لم يتراجع أبدا عن مواقفه «السحرية العلمية». اتهمته محاكم التفتيش بالهرطقة، بعد محاكمة دامت ثمانية أعوام، فأحرق حيا في 17 فبراير 1600 في روما.

قدرة السحر المطلقة، قدرة العلم المطلقـة

في هذا السياق المضطرب من عصر النهضة، تطور الفكر السحري وتطورت معه المعرفة العلمية. ينطلق السحر والعلم من المبدأ نفسه، ويحولان السلطة من الله إلى الإنسان. تدريجيا، سيتم استبدال الروح «المجنونة» والإبداعية التي تحيط بالسحر بالبحث عن الدقة والصيغ الرياضية والمنطقية.

منذ غاليلي وديكارت(42) إلى أيامنا هذه، العلم هو الذي «يحكم» العالم: لم تعد القدرة الكلية في التفكير السحري، ولكن في الحساب العلمي. كتب فرويد في الطوطم والحرام أنه: «في تصور العالم العلمي، لم يعد هناك مكان لقوة الإنسان  المطلقة(43)»، لكنه يضيف مباشرة بعد ذلك أن «الثقة في قوة الروح البشرية التي تأخذ في الاعتبار قوانين الواقع تبقى جزءا من الإيمان البدائي في القدرة الكلية(44)».

لم يكن فرويد مخطئا. يمكننا أن نرى اليوم أن قدرة العلم الكلية ليست مجرد تصور – ليست مجرد اعتقاد – ولكنها تمارس هيمنة حقيقية في جميع مجالات المجتمع (المعرفة، والسياسة، والشأن الاجتماعي).

لقد أخذ العلم مكان الرَّبّ. فهو في محاولته لمحاربة الحتمية يُصبح هو الذي يحدد الذات وتاريخها. تستسلم هذه الذات للعناية الطبية الجيدة، كما كانت في السابق تضع نفسها في يد الله: الذات في انتظار الدواء المدهش، كما كانت تنتظر المعجزة من قبل.

فيما يلي مثال: المرض الوراثي هو المعادل العلمي للحتمية. في فيلم جيمس غراي James Gray العاشقان (2008) Two lovers، يضطر رجل إلى مغادرة المرأة التي يحبها لأن الزوجين يحملان مرضا وراثيا يمكن أن ينتقل إلى أطفالهما في المستقبل. وبسبب هذا الفصل، سيحاول الرجل عدة مرات أن ينتحر. لقد نزل عليه التشخيص الطبي لمرضه الوراثي مثل حكم إلهي: «أنت حامل للمرض X = أنت مريض = أنت فاشل، أنت لا تستحق الحب = يجب أن تموت.»

وقدرة العلم الكلية تسود اليوم كما لم يفعل السحر من قبل(45). وكما رأينا، فقد كان السحر نوعًا من التسوية بين القوة الإلهية وقوة الفكر البشري: عرف السحر كيفية الحفاظ على التوازن، في حين أدى تعدد تخصصات أعلام النزعة الإنسانية – المهتمين بالفلسفة، والآداب، والرسم، والعمارة، وعلم الفلك، والرياضيات، والسحر… – إلى بعثرة قدرة المعرفة الكلية التي فقدت مركزها.

إن الروح القلقة، والجسورة والشُّجاعة التي تحرك النزعة الإنسانية هي قريبة من «هواية(46) dilettantisme » اليونان ما قبل سقراط. «الهواية» بمعنى الاستهتار، وعدم الاهتمام، وغياب غائية في الحياة: وعبارة كل شيء يسير panta rei لهيراقليطس(47) تعبر عن هذا الموقف في كثافته الكبرى. لأن التناقض هو جزء من الـطبيعة phusis: ليست حقيقة تفسير الطبيعة هي التي تطوق العقل البشري وتضعفه، بل تفسيرها بطريقة واحدة. «الهواية» تمنح الحياة للمتعدد: المعارض، المتناقض، وألعاب المضاربة التي تجذبنا. نجد «الهواية» عند السحرة الإنسيين.

يمتزج الشعور بالقدرة الكلية التي يمنحهم السحر إياها – لنفكر في جنون العظمة عند برونو – بالعذاب: تجوال برونو وكامبانيلا مثال على ذلك(48). تقترن قدرة التفكير السحري الكلية بالانزعاج، والقلق، والاضطراب: من أجل أن يفهم المرء العجز ويحوله إلى قوة، لابد له من القيام بتجربة قدرة سقوطه الكلية. إنها عملية نفسية (وتاريخية) حتمية.

«أخذُ زمام السلطة على الذات»: هذه الفكرة التأسيسية للنزعة الإنسانية يمكن أن تتكيف أيضا مع التحليل النفسي (49). والفرق هو أن الذات لا تعتبر نفسها إلها في نهاية التحليل النفسي. فالنرجسية مجروحة: سقوط المُثل(50) التي يتحدث عنها فرويد (معادل النكسة النيتشوية «لقد مات الله») ليس واجباً أخلاقيا أو شكلاً من أشكال الاستقالة كان من الممكن وراثتها من الموقف الديني، بل قوة، «القوة» الحقيقية للذات.

لكن المثل الأعلى، حتى عندما يُقاوَمُ، فإنه لا يزال موجودا: لقد «هزم» العلم الدين، ولكنه لم يهزم المثل الأعلى الذي دعمه هو نفسه. مثالٌ على استعداد لسحق الذات، تجريده من استقلاليته، من «كرامته الإنسانية»، إن شئنا أن نقول هذا مثل الساحر بيك دي لا ميراندول. في هذا العالم ما بعد الحداثي الذي يمجده العلم ويخيب أمله تباعا، تولد الذات من جديد بفضل نرجسيتها الجريحة. أو على الأقل، هذا ما يمكن أن نتوقعه من التحليل النفسي.

ترجمة: محمد أسليـم

النص الأصلي:

Silvia Lippi, La magie «scientifique» à la Renaissance : un paradoxe ?

الهوامش:

(1) S. Freud, Totem et tabou, Paris, Gallimard, 1993, p. 192.

(الترجمة العربية: سيغموند فرويد، الطوطم والحرام، ترجمة: جورج طرابيشي، بيروت، دار الطليعة، (د.ت.) (المترجم)).

(2) ولنلاحظ أن مكيافيلي، وفقًا لـليو ستروس، يحدد ترقيم فصول كتابه الأمير بناءً على الأعداد القبالية:

Strauss, Pensées sur Machiavel, Paris, Payot, 1982, p. 75 et suiv

(3) الإنساني humaniste: الذي ينتمي إلى النزعة الإنسانية humanisme. (م).

(4) S. Freud, op. cit., p. 210.

(5) من خلال استعمال أيضا السحر والفلسفة والرياضيات والعلوم الطبيعية.

(6) ثورة خفية، لأنها لا تظهر نفسها علانية. خاصة مع السحرة، لأن نظرياتهم السحرية كانت غارقة في الدين.

(7) يتحدث فرويد عن نزوة السلطة، المقترنة دائما مع نزوة السطوة: ««لا يمكن أن تكون نزوة المعرفة (…) مرتبطة حصريا بالجنس. فعملها يتوافق، من ناحية، مع جانب سطوة متسامي، ويعمل، من ناحية أخرى، مع طاقة المتعة الرؤيوية.»

Freud, Trois essais sur la théorie sexuelle, Paris, Gallimard, coll. «Folio Essais», 1987, p. 123.

(8) J. Pic de la Mirandole, Œuvres philosophiques, Paris, PUF, coll. «Épiméthée», 1993, p. 4.

انظر أيضا في المؤلف نفسه:

Boulnois, «Humanisme et dignité de l’homme selon Pic de la Mirandole», p. 293.

(الرسالة متوفرة بنصها الكامل في شبكة الأنترنت، باللاتينية والفرنسية:

Pic de la Mirandole, De la dignité de l’homme

(م)).

(9) F. A. Yates, Giordano Bruno et la tradition hermétique, Paris, Dervy, 1996, p. 197.

(10) النموذج البطلمي مركزه الأرض، بمعنى أن الأرض ثابتة في مركز الكون.

(11) يوضح أ. سيفينيو أن الشعور المعماري، المتطور جدا في العمارة الإيطالية، ليس سوى التعبير التشكيلي للرؤية التوحيدية للعالم التي يظل الايطاليون أوفاء لها ومتمسكين بها.

Savinio, « Introduction » à Tommaso Campanella, La città del sole, Milan, Adelphi, 1995, p. 19.

(12) الغنوصية هي حركة دينية تقوم على الاعتقاد بأن للناس أرواحا إلهية سجينة في العالم المادي الذي خلع إله شرير اسمه الخالق أو الصانع démiurge.

(13) F. A. Yates, Giordano Bruno et la tradition hermétique, op. cit., p. 20.

(14) «هرمس الهرامسة باليونانية : Ἑρμῆς ὁ Τρισμέγιστος، ونطقها العرب: هرمس طريس‌مجيسطس، وتعني “هرمس مثلث العظـَمة”؛ باللاتينية Mercurius ter Maximus؛ بالإنگليزية: Hermes Trismegistus)  اعتقد الأقدمون من اليونانيين أن النبي إدريس هو هرمس ويلقب هرمس طريس‌مجيسطس أي ثلاثي التعليم لأنه كان يصف الله بثلاث صفات ذاتية هي الوجود والحكمة والحياة. والذميّيون والعرب المسيحيون يسمونه أخنوخ (بالعبرانية חֲנוֹךְ).»، المصدر: موسوعة المعرفة، مادة (هرمس) (م):

(15) لعلهما كتابا «زجر النفس»، و«مختار الحكم ومحاسن الكلم» المنشورين ضمن: هرمس الحكيم بين الألوهية والنبوة. هرمس ما نسب إليه وما كتب عنه، إعداد: أحمد غسان سبانو، دمشق، دار قتبية للطباعة والنشر، الطبعة الرابعة، 2010، (221 ص.). (م).

(16) يستخدمونها لجلب الشياطين إلى داخل تماثيلهم التي أصبحت الآن أصناما.

(17) مارسيليو فيسينو (1433-1499) Marsilio Ficino: هو أحد الفلاسفة الإنسانيين الأكثر نفوذاً في أوائل عصر النهضة الإيطالية وأحد علماء الفلك ومحيي الأفلاطونية الحديثة وكان على اتصال مع كل مفكر أكاديمي وكاتب رئيسي في يومه، وكان أول مترجم لأعمال أفلاطون إلى اللغة اللاتينية. ويكيبيديا. (م).

(18) اللاهوت القديم prisca theologica هو فلسفة طاهرة، أنزلها الله على موسى فوق جبل سيناء.

(19) علاوة على ذلك، فقد تفوق هرمس المصري بالأقدمية على أفلاطون اليوناني. قام فيسينو بترجمة Corpus hermeticus ، الذي أسماه  Pimander (أي «الروح الإلهي»)، قبل أن يترجم أعمال أفلاطون.

A. Yates, Giordano Bruno et la tradition hermétique, op. cit., p. 32.

(20) Ibid., p. 85.

(21) D. P. Walker, The Ancient Theology : Studies in Christian Platonism from the Fifteenth to the Eighteenth Century, Londres, Duckworth, 1972, p. 42 et suiv.

(22) يؤكد د.ب. والكر أن سحر العزائم الذي يصفه فيسينو في كتابه « De vita coelitus comparanda » والأناشيد الأورفية هما شيء واحد.  Ibid., p. 23

(23) M. Ficin, « De vita coelitus comparanda, 26 », dans Opera Omnia, Bâle, 1575 (deux volumes), p. 571.

(24) يرى فيسينو أن الطلسم يستمد قوته أساسا من المادة وليس من الصور. فالطلاسم تتحقق تحت تأثير الوئام، الشببيه بالتناغم.

(25) يرى الإنسانيون، الشغوفون بالتناظر في العمارة كما في الفكر، بوجود موازاة بين كتابات هرمس الهرامسة، والنبي موسى، والقبالا. فالقبالا، في نظر بيك، هي مصدر الحكمة اليهودية المسيحية: إذ تثبت الحقيقة المسيحية.

A. Yates, Giordano Bruno et la tradition hermétique, op. cit., p. 109-110.

(26) الخلق، من وجهة نظر الله، هو التعبير عن وجوده الخفي الذي يمنح لنفه اسما، هو اسم الله القدوس، فعل الحلق الدائم.»:

Ibid., p. 119.

(27) يمكن أن نتجرأ على إقامة تشبيه بين «العلامة السحرية» و«الدال»: فكلاهما فاعلين في مجاليهما على التوالي، السحر القبالي، والتحليل النفسي.

(28) يفسر ف.أ. يات أن علم الأعداد Gematria هو أحد المناهج الأكثر تعقيدا في السحر القبالي، لأنه «يقوم على القيم العددية التي تمنح لكل حرف من حروف الأبجدية العبرية، فيؤدي إلى عمليات رياضية بالغة التعقيد بفضلها، عندما يتم تحويل الكلمات إلى أعداد والأعداد إلى كلمات، كان يتم قراءة تنظيم العالم كله بعبارات عددية.»

A. Yates, Giordano Bruno et la tradition hermétique, op. cit., p. 119.

(29) يعتقد فيثاغورس أن العدد هو أصل كل حقيقة.

(30) T. Campanella, Magia e grazia, Rome, Fratelli Boca, 1957, p. 180.

صحيح أننا يمكن أن نقرأ اليوم مصنفات السحرة الفلاسفة أسهل بكثير من قراءة مراسلاتهم العلمية. يفقد الاكتشاف العلمي قوته بمجرد ما تنتهي صلاحيته، بخلاف الفكر الذي يؤسس ذلك الاكتشاف ويدعمه.

(31) يمكن دراسة أصل الرابط العضوي بين السحر والدين عند بيك:

Pic de la Mirandole, Œuvres philosophiques, op. cit., p. 4.

(32) F. A. Yates, Giordano Bruno et la tradition hermétique, op. cit., p. 132.

(33) يمكن أن نقرأ في نصوص هرمس الهرامسة أنه يعطي أهمية كبرى للشمس. والسحر الشمسي عند فيسينو يلتقي مع أفلاطون على الصعيد الفلسفي: فالشمس هي الروعة الواضحة، الصورة الرئيسية للأفكار.

(34) F. A. Yates, Giordano Bruno et la tradition hermétique, op. cit., p. 189.

(35) G. Bruno, « La cena delle ceneri », dialogo I, dans Opere italiane, vol. I, Laterza e figli, Bari, 1907, p. 28.

يرى برونو أن الرياضيات يمكن أن تكون شكلا من أشكال التحذلق، طريقة في الوقوف في منتصف الطريق قبل الوصول إلى الحقيقة العميقة.

(36) يرى برونو أن الكون غير القابل للتغيير كون ميت، لأن الكون الحي يجب أن يكون قادرا على الحركة والتغيير: 

Koyré, Du monde clos à l’univers infini, Paris, Gallimard, coll. « Tel », 1988, p. 65. Pensons au panta rei (« tout coule ») d’Héraclite. Héraclite, Fragments, Paris, Flammarion, coll. « GF », 2002, p. 98-113.

(37) G. Bruno, « La cena delle ceneri », dialogo I, op. cit., p. 29.

(38) من كلمات برونو نفسها: «أنا واثق (…) من أنه لن يكون من الممكن بأي حال من الأحوال العثور على السبب، حتى نصف المحتمل، في أن تكون هناك حدود لهذا الكون الجسدي، وبالتالي السبب في وجوب أن تكون النجوم الموجودة في مساحته محدودة العدد. »:

Giordano Bruno, « La cena delle ceneri », dialogo III, op. cit., p. 73, cité dans A. Koyré, Du monde clos à l’univers infini, op. cit., p. 61.

ويوضح أ. كيويري: «فضاء برونو، فضاء كون لامتناهي وهو في الوقت نفسه الـ «فراغ» اللانهائي (الذي يساء فهمه إلى حد ما) ودي لوكريتوس متجانس تمامًا وفي كل مكان هو نفسه» (ص 67). وفكرة الفضاء اللانهائي التي تحتوي على عوالم لا تحصى موجودة بالفعل في كتاب بالفعل في De natura rerum للوكريتوس .

(39) «هكذا، يجد تفوق الله نفسه معظما، ويتجلى في عظمة إمبراطوريته. وهو لا يتباهى في واحد، بل في شموس لا تعد ولا تحصى، ليس في أرض واحدة وعالم واحد، بل في ألف أرض وعالم. ماذا أقول؟ ما لا نهاية (من العوالم).»

Bruno, De l’infinito, universo e Mondi, épître dédicatoire, cité dans A. Koyré, Du monde clos à l’univers infini, op. cit., p. 64.

وفضاء برونو فارغ، لكنه ليس فارغا في أي مكان، لأنه مليء بالوجود في كل مكان. يشرح أ. كويري: «إن الفراغ vacuum الذي لن يملأه شيء سيشكل قيدا لفعل الله الخلاق.» A. Koyré (p. 62, note 2)

(40) في التصور الحيوي، تحرك المادةَ قوة حيوية: إنها قوة غامضة خفية الحياة في المادة.

(41) A. Koyré, Du monde clos à l’univers infini, op. cit., p. 78.

(42) لم يكن لدى الفيلسوفين أي تعاطف واحترام تجاه السحر والسحرة الفلاسفة، ومع ذلك اعترف غاليلي بصحة بعض أطروحات جيوردانو برونو.

(43) S. Freud, Totem et tabou, op. cit., p. 208.

تقول المقاطع السابقة: «في المرحلة الإحيائية، نسب الإنسان إلى نفسه القدرة الكلية؛ وفي المرحلة الدينية، تنازل عنها للآلهة، لكنه لم يستسلم بشكل نهائي، احتفظ بالحق في قيادة الآلهة وفقًا لرغباته من خلال ممارسة تأثيرات متعددة عليهم.» يعتمد فرويد على الدراسات الأنثروبولوجية حول المجتمعات البدائية، ولكن في تاريخ الفكر، المرحلة الدينية هي التي تسبق المرحلة السحرية-الإحيائية.

(44) Ibid.

(45) يتساءل غي غراي، في مقابلة، لماذا نفكر دائمًا في العبقرية باعتبارها شيئا «علميا». يعتقد غراي، من ناحية أخرى، أن هناك عباقرة «عاطفيين»، أي أولئك القادرين على فهم السلوك العاطفي للناس.

(46) وهي اليونان الأكثر “حربية:

Savinio, « Introduction » à Tommaso Campanella, La città del sole, op. cit., p. 16, note 1.

يونان الضمير، يونان سقراط وأفلاطون، في نظر سافينيو، «منحلة». وبالمثل، يمكننا أن نعتبر عصر العلم الحديث، عصر غاليلي وديكارت، مثل بداية انحدار الثقافة الإنسانية. يتحدث سافينيو أيضا عن «الستاندالية»، كنموذج للإنسانية المحسَّنة.

(47) هيرقليطس: فيلسوف يوناني عاش قبل سقراط، تأثر بأفكاره كل من سقراط وأفلاطون وأرسطو، قال بأن النار هي الجوهر الأول، ومنها نشأ الكون، كما قال بالتغيّر الدائم. وضع كتاباً وحيداً، لم يصلنا منه غير شذرات، ولا يعرف المؤرخون عن حياته إلاّ القليل جدا. (م).

(48) لنفكر في الإله اليوناني المتجول والمسافر: الإله اليوناني «راكب». وبفضل حبه للتجوال، يترك الناس أحرارًا في الأرض. يظهر الله نفسه ثيوقراطياً عندما يتوقف عن السفر، عندما يصبح ساكناً. ومثل الله، الإنسان الثابت هو أيضا خطير.

Ibid., p. 20, note 1.

(49) بمعنى «تولي المسؤولية»، الخروج من الاعتماد على الآخر.

(50) يقول لاكان عدة مرات: المثل العليا بجميع أنواعها: الذات، والأب، والله، والدين، والأمة، والعلم، والسياسة … «الآخر مشطوب (A)». انظر، من بين أمور أخرى:

Lacan, L’objet de la psychanalyse (1965-1966), séminaire inédit, AFI, HC, p. 147