الرئيسيةحواراتالكتاب آيل إلى الزوال باعتباره وعاء حضارة تجنح الآن نحو الأفول / حوار منال خميس
حواراتفي الرقمية

الكتاب آيل إلى الزوال باعتباره وعاء حضارة تجنح الآن نحو الأفول / حوار منال خميس

أنجزت الحوار: منال خميس(*)

سؤال: ما يحدث على شبكة الأنترنت حالياً هل هو ثقافة تفاعلية أم مجرد ثقافة رقمية تعنى بالنشر فقط وتتبع السهولة والرخص وتوفير الجهد والوقت والمال لمن لم يتوفر لديه مكان للنشر؟

جواب: الأنترنت لا تعدو مجرد واجهة من أوجه حضارة جديدة بكل معنى الكلمة، نعيش الآن بدايتها، نتجت عن الثورة الرقمية التي تتجذر في الماضي السحيق؛ باعتبارها صناعة فهي تتأصل في سعي الإنسان المتواصل لاستبدال مصادر الطاقة العضوية بأخرى غير عضوية (الرقمية من هذا الجانب ثمرة لاختراع الكهرباء)، وباعتبارها ثقافة فهي تتأصل في سعي الإنسان المتواصل لتدوين أثره وتخزينه وتدبير هذا المخزون بشكل جيد. من هذا المنظور، يمكن اعتبار التواريخ الطويلة للكتاب والمكتبة وفن التصوير وتسجيل الصوت روافد صبت الآن في هذا المحيط الأعظم.

والثقافة بمعناها العالِم لا تشكل بدورها سوى وجه من الوجوه المتعددة لاستخدام الشبكة العنكبوتية؛ إذا طلبنا من أي محرك عرض مواقع المعلومات المتعلقة بصناعة السيارات، مثلا، كانت النتيجة من الكثرة بحيث سيخيل إلينا بأن ما في الأنترنت سوى السيارات بوجوه صناعتها واستخدامها والمتاجرة فيها، وإن نطلب منه معلومات عسكرية تكون النتيجة ذاتها، فيخيل إلينا أن ما في الأنترنت إلا الجيش والحروب ومتعلقاتهما…

العالم الافتراضي قارة جديدة بالمعنى الممتلئ للكلمة ومستوطنو هذه القارة مستخدموها. هذه القارة محايدة، إذ لا تعدو مجرد وسيط لتخزين سائر أصناف المعلومات (المكتوبة والصوتية والمرئية)، مهما كبر حجمها، ووضعها رهن إشارة طلابها بأقصى سرعة ممكنة، ووجوه استخدامها عديدة، وترتهن بالمواطنين الجدُد. يجري اليوم الحديث عن خطر تفكك الشبكة إلى جهات، تبعا للغات المستعملة، لكن أيضا تبعا لوجوه استعمال الشبكة المختلفة بين الصين والهند وأوروبا وأمريكا…

الأنترنت كذلك فضاء للحرية، لا تُفرض على المواطن الجديد قيود ولا أداء رسوم للإقامة ولمزاولة ما شاء من الأنشطة (متحملا مسؤولية وعواقب ما يقوم به طبعا)، ومن ثمة طبيعي أن نجد كل ما هو مذكور في السؤال أعلاه: نجد الثقافة، في المواقع العربية وغيرها، حقلا للتفاعل والمتاجرة والعرض المجاني، بل نجد الثقافة وشبهها، المبدعين وأشباه المبدعين، الكتاب والكَتبة جنبا إلى جنب…

س) هل يمكننا اعتبار المجلات والمواقع الالكترونية العربية إطارا جماعيا باستطاعته أن يقدم مبادرات فاعلة وأن يطور وينمي مفاهيم واتجاهات ثقافية تفاعلية عربية مشتركة أم أنها وكما هو واضح مجرد كيانات منفصلة لا ترقى إلى صفة العمل الجماعي؟

ج) مسألة العمل الجماعي في المنابر الافتراضية يمكن تناولها من جانبين:

الأول الطواقم الإدارية للمواقع. وهنا بالفعل، رغم توفير العالم الافتراضي لجميع شروط ممارسة عمل جماعي، في الحقول الثقافية والإبداعية والفكرية، اختارت المنابر العربية المتخصصة في هذه المجالات العمل بشكل فردي ومنفصل، بخلاف المواقع الأصولية والسلفية التي يبدو أن ثمة تنسيقا فيما بينها من خلال الارتباطات العديدة القائمة بينها، تشعبيا على الأقل. في حدود ما أعلم لا توجد بوابة عربية واحدة مخصصة للمواقع الثقافية والإبداعية والفكرية يمكن الاطمئنان إليها لاعتمادها مقاييس اختيار واضحة. لا يوجد أي تنسيق بين منابر يرتادها جمهور واسع من القراء والنقاد والمبدعين، مثل كيكا ودروب. لم تنشأ إلى اليوم هيأة أو لجنة عليا (أو اتحاد) للمجلات والمنتديات العربية الرقمية يجتمع فيها أصحاب هذه المنابر لرسم سياسة ثقافية مشتركة جادة، ومن ثمة تمكين جمهور المتصفحين من ارتياد أماكن خالية من التلوث المعلوماتي آمنة وذات مصداقية. المبادرة الوحيدة المعروفة في هذا المجال محاولة توأمة منتديي «القصة العربية» (السعودي) و«ميدوزا» المغربي، ولكنها لم تثمر لأسباب لا داعي لذكرها في هذا السياق. بل يغيب هذا التنسيق حتى بين هيئات كبرى مثل «الجمعية الدولية للمترجمين» العرب و«اتحاد كتاب الأنترنت العرب»، فهل نتوقع تنسيقا بين مواقع اتحادات الكتاب العرب؟ بل هل ننتظر مبادرة من موقع «اتحاد الكتاب العرب» باعتباره الإطار المفترض فيه أن يُوحد جهود جميع هذه الاتحادات القُطرية؟ علما بأن الأمر لا يفترض سوى الإرادة والعمل، بالنظر إلى إلغاء العالم الافتراضي لحاجزي الزمان والمكان، وتوفيره لإمكانيات هائلة للتواصل الكثيف والسريع.

أما الجانب الثاني، فهو جمهورُ الكتاب والمتصفحين، وفيه يصعب جدا القول بغياب عمل جماعي، إذ نجد أنفسنا – وهذه من طبائع النت – أمام مجتمعات افتراضية حقيقية، تبلغ أحيانا حد الاحتشاد الضخم، سيكون من المفيد جدا القيام بدراسات لرؤية ما يجمع كتاب مجلتي «دروب» و«كيكا»، مثلا، وما يجمع كتاب وقراء منتديات مثل «ساحات الجمعية الدولية للمترجمين العرب الحضارية»، و«مدينة على هدب طفل»، ومن الخليج إلى المحيط» و«منتديات أزاهير الأدبية»، ومطر، وغيرها…

س) الأنترنت ثقافة بنيت من فراغ دون اعتماد على موروث تراكمي سابق لها برأيك هل استطاعت مجلات الانترنت الالكترونية والمنتديات الثقافية الصادرة بالعربية من كافة بقاع الأرض أن تخلق حالة حراك ثقافية أو أن تؤسس على الأقل لموروث ثقافي عربي يمكن الرهان عليه؟

ج) صحيح أن الأنترنت بما هو ثقافة بُني من فراغ، ومستعملو هذا الوسيط في الوقت الراهن، وفي كافة بقاع الأرض يُشكلون الجيل الأول من المستخدمين، ستليهم أجيال أخرى لن تبق بالضرورة أسيرة ما نفعله الآن بالشبكة وفيها، وقد تتخذ ما تخزنه الخوادم الآن عنا ولنا حقلا للدراسة والبحث…

حالة الحراك الثقافي التي خلقتها المجلات الإلكترونية والمنتديات الرقمية العربية أمرٌ أكيد. وجه الحراك يتمثل في دخول الكتاب والباحثين العرب في كافة أرجاء المعمور في تواصل كثيف وواسع لم يفك العزلة عن المكرسين منهم ويضع إنتاجهم بين أيدي قراء العربية في القارات الخمس فحسب، بل وأتاح لأعداد كبيرة جدا ممن أقصتهم المصافي التقليدية (الورقية) – عدلا أو ظلما – من حقل التداول الورقي أن يوصلوا كتاباتهم وأصواتهم إلى القراء على قدم المساواة مع الأوائل، فكان أن سطعت أسماء إبداعية وفكرية لم تملك موطئ قدم في المشهد الثقافي الورقي…

الموروث في سائر الأحوال موجود، نصيب الأسد فيه للتراث، والفضل فيه يرجع إلى السلفيين الذين بنوا صروحا شامخة في العالم الافتراضي لا نظير لها في أي موقع من المواقع الحكومية العربية نفسها. فالموسوعة الشاملة، مثلا، رقمت لحد الآن أزيد من 6600 مصنفا من الكتب التراثية، وضعتها مجانا بين أيدي القراء، والجامع الكبير برامج يشكل أكبر خزانة لكتب التراث العربي الإسلامي. مقابل ذلك، باستثناء موقع اتحاد الكتاب العرب، وبعض المبادرات الفردية، كموقع الوراق، يمكن القول بألا شيء يُذكر الآن على صعيد رقمنة الإنتاج الفكري والإبداعي العربي الحديث والمعاصر..

أما مسألة المراهنة، فالقطاع الوحيد الذي يجب التركيز عليه، برأيي، هو نشر الثقافة الرقمية في العالم العربي وتمكين جميع المواطنين العرب من اقتناء حواسيب والاتصال بالشبكة باعتبار الرقمية باتت فرصة ثمينة موضوعة الآن بين يدي بلدان الجنوب لردم الهوة التي تفصلهم عن الشمال.

س) برأيك هل سيعاد الاعتبار يوما للكتاب الورقي والمجلة الورقية بعد هذه الهجمة الكاسحة للنشر عبر الانترنت؟

ج) الحديث عن «إعادة الاعتبار للكتاب الورقي» يوحي بوجود صراع بين النشر الورقي ونظيره الرقمي انتهى لصالح الأخير، بعد «حرب» انطلقت مع تخزين الملفات الكتابية في الأقراص المرنة، مرورا بالمُدمَجة، و«انتهاء» بالشبكة. أضع الانتهاء بين مزدوجتين لأن النشرَ نفسه، بشقيه الورقي والرقمي، قد يكون مجرد حلقة في تاريخ طويل لن تكون الحالية آخرها بالضرورة: تاريخ التوثيق وتدبير المعلومات الضاربة جذوره في القدم؛ الحديث جار الآن عن إمكانية زرع شطائر بحجم حبة الأرز في الجسم البشري، تمكنه من «حفظ» موسوعة بحجم Encarta أو Universalis  دون حاجة للرجوع إليهما في سند خارجي…

استحضار تاريخ الكتاب، منذ ورق البردي، حيث كان يأخذ شكل رولو، مرورا باكتشاف الجلد والورق، حيث أخذ شكل كتلة محفوظة بين دفتين، ما يُصطلح عليه بالـ «كوديكس»، و«انتهاء» بظهور مطبعة جتنبرغ، هذا الاستحضار يُتيح الوقوف على أن ذلك التاريخ كان بحثا متأنيا للوصول إلى شكل وحدها الرقمية بوسعها الآن إمداده بمقومات الوجود. وكان ذلك البحث يسير في خط مواز لاتساع شريحة المتعلمين والقراء والكتاب والعلماء في المجتمع البشري بما أدى إلى حصول ما يمكن نعته بـ «فوران» معرفي يحتاج إلى سند جديد للاستيعاب والبقاء وسرعة التداول..

الكتاب، ورقيا كان أم إلكترونيا، آيل إلى الزوال باعتباره وعاء حضارة بكاملها تجنح الآن إلى الأفول، وصار يُصطلح عليها منذ بضع سنوات بـ «حضارة الكتاب»؛ الأول لاعتبارات بيئية على الأقل، والثاني لطبيعته الهجينة العائدة إلى استحالة إجراء قطيعة مفاجئة مع ممتلك ينحدر من آلاف السنين.

مما سبق، بالإمكان تصور يوم يصير فيه نظر الإنسان للكتاب الورقي كنظره الآن للألواح الطينية السومرية أو أوراق البردي الفرعونية. إذا كان هذا لن يحصل غدا، فإن لا أحد منا بوسعه أن يعيش حقبة التحول كاملة اللهم للذين سيجتازون بنجاح تجربة الدكتور أوبري دي (من جامعة كمبريدج) القائل بإمكان إطالة عمر الإنسان بحيث يبلغ معدل حياته 1000 عام.

هامـش:

(*) منال خميس: شاعرة فلسطينية، أجرت معنا الحوار الحالي في إطار تهييئ ملف تحت عنوان: «الثقافة العربية على الشبكة الرقمية: للتفاعل أم للنشر فقط؟»، صدر بأسبوعية الديموقراطي، العدد الأربعون / 20 تشرين الثاني 2006.

(*) منال خميس: شاعرة فلسطينية، أجرت معنا الحوار الحالي في إطار تهييء ملف تحت عنوان: «الثقافة العربية على الشبكة الرقمية: للتفاعل أم للنشر فقط؟»، صدر بأسبوعية الديموقراطي، العدد الأربعون / 20 تشرين الثاني 2006.