الرئيسيةحواراتوضعية الأدب الرقمي في العالم العربي / حوار: خديجة باللودمو
حواراتفي الرقمية

وضعية الأدب الرقمي في العالم العربي / حوار: خديجة باللودمو

حوار مع الأستاذ “محمد أسليم” / إنجاز خديجة باللودمـو

سأبدأ حواري معكم انطلاقا من فكرة مفادها أنّ الأدب الرّقمي شكّل خلخلة في أطراف المنظومة الإبداعيّة والنظرية الأجناسيّة، فهل يمكن اعتبار هذا التحوّل مشروعا؟ وكيف يمكن أن نقرأ نظريّة الأدب في ظل الأدب الرّقمي قراءةً جديدةً؟ وبالمقابل هل مهّدت مقولات ما بعد البنيوية للنظرية الأدبية الرقمية؟

يقترن الأدب الرقمي اقترانا وطيدا بالانتقال الجاري حاليا من الحوامل المادية إلى الحامل الرقمي. فبتأمل تاريخ الكتابة والحوامل يتضح أنَّ استبدال حامل بآخر يؤثر على أشكال الكتابة والقراءة تأثيرا يمضي إلى حد ظهور أشكال جديدة من أنواع الخطاب، وأنَّ كل شيء تمَّ كما لو كان ذلك التاريخ مسيرة دؤوبة بحثا عن تدوين أكبر عدد من المعلومات في أصغر حيز ممكن، وهو ما تأتى مع الحاسوب الذي لا يتيح هذا فحسب، بل ويُمكِّنُ أيضا من تسجيل الخط والصوت والصورة، في آن واحد، مما يحفز على توسيع ممارسة الكتابة بحيث تكف عن أن تكون مجرد تدوين رموز لغوية إلى احتضان عناصر خارج لغوية. هذه النقطة وحدها كفيلة بفتح آفاق جديدة أمام الكتابة عامة، والأدبية بالخصوص. وقد تكون التجارب الأدبية الرقمية العربية خير دليل على ذلك، إذا ما ثبتَ أنها كانت وليدة التعامل مع الحاسوب وحده، بمعنى إذا تأكد أنه لم يسبق للمبدعين الرقميين العرب أن اطلعوا على أعمال أدبية رقمية أجنبية من قبل، أو ارتكزوا في كتاباتهم على تجارب إبداعية أو نظريات نقدية عربية تنطوي على بُذور يمكن أن تساعد على نشأة هذا الأدب. فوراء نشأة الأدب الرقمي الغربي خلفية متينة متعددة الواجهات، إذ هو:

وليد الإبدال السيبراني الذي نشأ في سياق الحرب العالمية الثانية؛
سعي لتجسيد بعض الأفكار الرومانسية، مثل المطالبة باستقلالية الشذرة باعتبارها جنسا أدبيا مستقلا، ونظرية الفن الكلي؛
ثمرة تجارب أدبية ورقية طويلة سعى أصحابها إلى إظهار الجانب المادي للعلامة اللغوية، بالإضافة إلى سعي معظم حركات الطليعة الأدبية للقرن العشرين لتفجير إطار الصفحة الثابت؛
خرق لبعض مكونات العمل الروائي المألوفة، كما في حالة الرواية الفرنسية الجديدة، وإرساء الشذرة كجنس أدبي قائم، وإشراك القارئ في كتابة العمل الأدبي، وتحطيم الحدود بين الفنون، وتفجير إطار الصفحة الثابت، وما إلى ذلك؛
تعب الورق ووصول إنتاج الأدب الورقي، في ظله، إلى طريق مسدود؛
صدى لعدد من النظريات العلمية، كنظرية الفوضى، ونظرية والكوارث، وغيرهما؛
انشغال بإيجاد وسيلة لتوثيق المعارف جراء انفجار إنتاجها منذ اختراع المطبعة، وفي القرون الثلاثة الأخيرة بالخصوص؛

بخصوص صياغة قراءة جديدة لنظرية الأدب في ظل الكتابات الإبداعية التي تكتبُ وتُقرأُ حصرا في جهاز الحاسوب، أظن من السابق لأوانه الخوض في موضوع كهذا، لاعتبارات ثلاثة على الأقل:

فمن جهة، إنَّ هذا الأدب لا زال في بداياته، ونماذجه العليا لم تتشكل بعدُ. ومن ناحية ثانية لم يحقق تطور الأجهزة الرقمية والبرامج المعلوماتية استقرارهما بعدُ، في وقت ترتبط فيه تجارب الكتابة الرقمية ارتباطا وثيقا بهذين العنصرين. فعلى سبيل المثال، عندما كانت الحواسيب لا تتوفر على شاشات كانت الكتابات الأولى تقتصر على التوليف والتنويع الموجهين للنشر الورقي، وعندما أصبحت الأجهزة تتوفر على شاشات وصارت متعددة الوسائط ظهرت النصوص المتحركة والكتابات الهجينة التي تجمع بين الكتابة والصوت والصورة، وعندما تم إطلاق شبكة الأنترنت ظهرت الكتابات الجماعية، وما إلى ذلك. أخيرا، بينما تستند النظرية الأدبية الحالية على المؤلف والنص، يُركِّزُ الأدب الجديد على القراءة دون إيلاء اهتمام بالمؤلف والنص، بحيثُ يتعذر حفظ هذا الأخير إطلاقا في كتاباتٍ، كالنص المولد بالحاسوب، والنص الذي لا يُقرأ سوى مرة واحدة، والنص الذي يختفي فيه المكون اللغوي تماما، وهذه الجوانب تشكل أحد وجوه قطيعة الأدب الرقمي مع الأدب المكتوب في الحامل المادي الذي أصبح يُنعتُ بـ «الأدب الورقي» أو «الأدب التقليدي»، ومثل تجارب أدبية رقمية أخرى ترتاد مساحة متاخمة لفنون قائمة، كألعاب الفيديو، مما جعل بعض النقاد الغربيين يتساءل عما إذا كان الأدب باستعماله للتكنولوجيا الرقمية يُجازف بالتلاشي والتبخر فيها. في حدود علمي، لا يشتغل منظرو الأدب الرقمي الغربي على هذه الواجهة (توسيع النظرية الأدبية بحيثُ تشمل الأدبين الورقي والرقمي معا). وإذا كان بعض النقاد العرب يخوضون هذا المجال، فذلك قد يعود لسببين:

أولهما الإغراءُ الذي تمارسه فكرة إمكانية تحقيب الأدب إلى ثلاثة عصور (شفوي، وكتابي، ثم رقمي)، والاعتقاد بأنَّ هناك استمرارية بين الأدبين الورقي والرقمي على غرار الاستمرارية المفترَضة بين الأدب الشفوي ونظيره الكتابي – معَ أنَّ في هذه المسألة نظر لا يتسع المقام لبسطه – وأن الأجناس الأدبية لا تموت، بل تواصل حياتها داخل الأشكال الجديدة؛

أما السبب الثاني فهو عدم ارتياد الكتابة الرقمية العربية للتجارب التي يتعذر فيها استعمال أدوات النقد القديم على الإطلاق، كإنتاج أعمال لا تتجلى نصوصها إلا في حالة اشتغال، مما يجعل من المستحيل الحصول على نسخة منها، وكتابة نصوص يولِّدُها الحاسوب، بمعنى يؤلفها اعتمادا على البرمجة، وتأليف نصوص أخرى يحضر فيها المكون اللغوي بشكل باهت أو يغيب فيها تماما.

ومع ذلك، يظل باب الاجتهاد مفتوحا، والمستقبل وحده سيبين ما إذا كان هذا الطرحُ صائبا أم لا.

بخصوص صلة الأدب الرقمي بما بعد البنيوية، أظهرت دراسات غربية عديدة، لاسيما أبحاث جورج لاندو حول النص التشعبي التخييلي وجودَ صلة لهذا النص بالنظريات النقدية الأدبية بالفعل، وأنَّ جهاز الحاسوب وتقنية النص التشعبي قد أمدا مجموعة من مفاهيم ما بعد البنيوية، كموت المؤلف، والنص المنكتب (أو القراءة باعتبارها كتابة)، والنص باعتباره شبكة، وفكرة اللامركز، وما إلى ذلك، بأداة فعالة للتجسيد. بذلك، يمكن اعتبار هذا التيار رافدا للأدب الرقمي، من بين روافد أخرى.

بالنظر إلى تجربتكم المتميزة والتي تمثلت في “منتديات ميدوزا”؛ حيث كتبتم مقالا بعنوان “وداعا منتديات ميدوزا” عبّرتم فيه عن عميق أسفكم لما تعرضت له هذه المنتديات من قرصنة مقصودة، في رأيكم هل عبّرت عملية الاختراق المتكررة عن رفض لهذا اللون الأدبي الجديد؟ وأين يمكن أن نضع المثقف العربي في دائرة الثقافة الرقمية والاشتغال الرّقمي وقد تناولتم هذه القضية في بعض دراساتكم؟

أولا، لم يكن الأدب الرقمي في منتديات ميدوزا سوى ساحة ضمن ساحات أخرى عديدة، كساحة تكريم أدباء ومثقفين، وساحة السرد، وساحة الشعر، وساحة الموسيقى، وغيرها. وبذلك، يستبعد جدا أن يكون رفض الأدب الرقمي هو سبب الاختراقات المتكررة التي لم تعاني منها منتديات ميدوزا وحدها، بل العديد من المنتديات والمواقع. على سبيل المثال، تعرض موقع الناقد المغربي محمد الداهي للقرصنة مرات عديدة، وتعرض موقع الشاعرة المغربية ثريا ماجدولين للقرصنة، وأحدث ما تم اختراقه موقع «الإمبراطور» للشاعر والروائي العراقي المقيم في الدنمرك أسعد الجبوري، وهو من كبريات المواقع الأدبية الرائدة والمتميزة في المشهد الثقافي والأدبي الرقمي العربي. ولعل هاجس التعرض للاختراق هو ما جعل صاحب مجلة «اتحاد كتاب الأنترنت المغاربة» يختار تسكينا مجانيا عند إحدى الشركات التي تقدم هذه الخدمة، بدل أن يشتري اسم نطاق ويكتري مساحة استضافة. وإذا كان هذا النوع من التسكين يضمن الحماية من الاختراق، لأنَّ الشركات توفر حماية قوية لخوادمها، فإنه في المقابل يعرض المواد المنشورة فيها لخطر الاختفاء في أية لحظة إذا ما ارتأت الشركة إلغاء تلك الخدمة. فقد حذفت شركة ياهو، على سبيل المثال، جميع مدونات موقع «مكتوب»، وكانت تعَدُّ بالآلاف، بعد أن اشترته من صاحبه الأردني. في حالة ساحات ميدوزا والأمثلة التي ذكرتُ، تأتي القرصنة من جهتين: من شباب معلوماتيين عرب يتلذذون بإظهار مهاراتهم المعلوماتية عبر الاختراق، والرسائل التي يتركونها بعد الاختراق لا تدع مجالا للشك في ذلك، كما تأتي من متدينين إسلاميين يكنون العداء للثقافة والمثقفين باعتبارهم حداثيين وعلمانيين وما إلى ذلك، وهنا أيضا تترَك رسائل معادية للعلمانية والثقافة الحداثية. وبالجملة، لا تعاني من الاختراق إلا المواقع التي لا تتوفر على فريق يؤمن حمايتها، وهو ما تعذر في حالة منتديات ميدوزا لأسباب لا يتسع المجال لذكرها.

في الأعوام الأولى لإطلاق شبكة الأنترنت في العالم العربي، كان المتدينون الإسلاميون هم أول من التحق بالعالم الافتراضي، من خلال إطلاق عملية رقمنة الموارد الدينية العربية الإسلامية ووضعها على الخط، مما جعل الدخول العربي لشبكة الشبكات دخولا تقليديا دينيا في المقام الأول. في المقابل، انقسم المثقفون الحداثيون العرب إلى قسمين: قلة التحقت بالشبكة وأغلبية كبيرة أحجمت أو ترددت، وبذلك انشطر هؤلاء إلى فريقين، فأصبحنا إزاء نوعين من المثقفين الحداثيين: رقميون، وورقيون. لكن مع مجيء الويب 2.0، في عام 2004، وظهور شبكة الويفي والهاتف الذكي واللوح الرقمي، والمدونات، وشبكات التواصل الاجتماعي، بعد ذلك، التحق معظم المثقفين العرب بالشبكة، ومن أبواب عديدة، فاختفى التمييز السابق. بيد أنَّه بالموازاة مع ذلك، واصل المد الرقمي توسيع زحفه إلى أن ابتلع الثقافة بالمفهوم المتعارف عليه، بمكونيها الديني التقليدي والحداثي العصري، فلم تعد سوى أحد مكوناتٍ سبع لا تقبل الفصل بينها، يجمعها اصطلاح «الثقافة الرقمية»، وهي: التكنولوجيا، والثقافة، والمجتمع، والاقتصاد، والقانون، والجغرافيا والسياسة، كما اتضحَ أنَّ الثقافة الشبكية تحكمها قوانينٌ ثلاثة، هي: تحرير البث، ومبدأ التواجد في الشبكة، ثم إعادة تشكيل الحقل الثقافي، من خلال انتشار ثقافة الريمكس، والفن الإلكتروني، والبودكاست Podcast، والمدونات، وشبكات تبادل الملفات من جهاز إلى آخر Peer to Peer، والبرامج المعلوماتية مفتوحة المصدر، وشبكات التواصل الاجتماعي، فأدت هذه التطورات إلى ما يشبه سحبا للبساط من تحت قدمي المثقف بمعناه الحديث لفائدة فاعلين جُدُد:

بعضهم كونيون وقلائل: هم أبطال الكود المعلوماتي الذين يعيدونَ تشكيل العالم، وينعطفون بالبشرية نحو وجهة مختلفة تماما عن كل ما ورثه الإنسانُ عن ثورات النيوليتية، واكتشاف الكتابة، والمطبعة، والثورتين الصناعيتين الأولى والثانية؛
والباقي هم حشود مستخدمي الأجهزة الرقمية ومرتادي الفضاء الافتراضي.

وعلى غرار واجهة السياسة في الأقطار العربية، حيث في غمرة بناء الدولة الحديثة، فرَضت العولمة، واقتصاد السوق، والثورة الرقمية، نهاية الدولة القطرية بإلزامها بالتخلي عن بعض وظائفها الحيوية، وفي مقدمتها الشغل. على غرار ذلك، في غمرة انهماك المثقف الحديث، بوجهيه: التقليدي-الديني والحداثي-العصري، في عصر جتنبرغ، ليغير مجتمعه، من خلال توعية الناس ونشر ثقافة القراءة والكتاب، عبر القنوات التعليمية (الكتابة، التعليم، الصحافة)، وشبكات القراءة، داهمنا المد الرقمي ويجري الحدث ليس عن ترتيب مراسم وداع عصر جتنبرغ فحسب، بل وكذلك عن موت أحد أعمدة العقل الحديث وأكبر روافد المنهج العلمي الحديث، وهو ديكارت، لفائدة تركيبية ونسقية يخطط بعضُ متطرفيها لتجاوز الإنسان الحالي نفسه بتعديله وتطويره بيولوجيا في أفق خلق نوع بشري جديد. وتمدُّ الرقمية هذا النوع من المشاريع بأداة فعالة للتحقيق، مما يجعل مثل هذه التطلعات تبدو أكبر من مجرد طوباويات كما يظن البعض… وباختصار، كل شيء يحمل على الاعتقاد بأنَّ المثقفين بالمعنى المتعارف عليه قد تجاوزهم الركبُ وأصبحوا «خارج دائرة اللعب»، إن صحَّ التعبير.

ترجمتم العديد من المقالات الرّائدة في “الأدب الرّقمي” عند الغربيين؛ هل يمكن اعتبار التجربة الغربية رافدا من روافد الأدب الرقمي العربي؟ وبماذا استفدتم من خلال هذه الترجمة؟

في غياب بوح المبدعين الرقميين العرب بمصادر إبداعهم، من الصعب القول بوجود صلة بين تجربتهم ونظيرتها الغربية. فأدباءنا الرقميون العرب يقتصرون على إنتاج نصوص متحركة ومتعددة الوسائط ومحكيات تشعبية تخييلية، في حين تتجاوز التجارب الغربية ذلك إلى التوليف وتوليد النصوص بالبرمجة وتحقيق درجة عالية من التفاعل تبلغ أحيانا حد تمكين القارئ من التدخل في النص المعروض للقراءة على نحو يُفضي إلى إعادة توزيع علاماته في الشاشة استجابة لتلك التدخلات، مما يجعل النص، في هذه الحالة، احتمالا أكثر منه عملا مكتملا، كما يفضي التدخل الآنف إلى اندراج كتابات القارئ في العمل نفسه، بدون رقابة من المؤلف. ففي نص «كتاب الموتى» كزافيي مالبريل Xavier Malbreil، على سبيل المثال، يُطالَبُ المتلقي بالإجابة عن مجموعة من الأسئلة لكي يتمكن من بدء القراءة أو مواصلتها. وبعد إجابته عنها، وتقدمه في تلقي النص يجد بعض أجوبته قد أصبحت جزءا لا يتجزأ مما تعرضه الشاشة أمامه للقراءة، بمعنى أن أجوبته تصير مقاطع من النص الناتج عن تفاعله مع العمل، وهي مقاطع لن تظهر لقارئ آخر للنص نفسه، سواء أكانت قراءة هذا الأخير متزامنة مع قراءة القارئ الأول أو لاحقة لها. وبعد إنهاء القراءة، يمكن لكل متلق أن ينتقل إلى صفحة «قاعة القراءة» بالموقع، ليطلع على أجوبة باقي القراء عن الأسئلة التي صادفها هو أثناء قراءته. لا نجد مثل هذه التجارب في الكتابات العربية. بل والنصوص نفسها التي تقترح على القارئ اقتراح نهاية، أو ما شابه ذلك، كبعض نصوص محمد سناجلة، لا تُدرَجُ فيها استجابات القراء رغم مرور وقت طويل يعد بالأعوام، وبذلك يبقى نشر هذه التفاعلات في حكم المؤجل حتى إشعار آخر.

لقد كانت الترجمة مفيدة بالفعل في معرفة خلفيات الأدب الرقمي ومقارنة ما يُكتب عنه هناك بما يُنجزُ ويُكتبُ فيه هنا، فاتضح، على سبيل المثال، أنّ – عدا استثناءات قليلة جدا – معظم ما يكتبُ عن الأدب الرقمي بلغة الضاد يغرد خارج سرب قضايا هذا الأدب وخلفياته كما تعرضها الدراسات الغربية. وربما كان من أسباب ذلك كون جل من يكتبون عن الأدب الرقمي في السياق العربي يأتون من شعبة الأدب واللغة العربيين كما لو كان هذا التخصص وحده يؤهل صاحبه لمقاربة الأدب الجديد تنظيرا وتحليلا، أو كان الأدب الرقمي بمثابة تيار أو مدرسة أدبية جديدة قابلة لـ – أو تقتضي – الإدراج في الزاد الأدبي والنقدي الورقي، في حين يختلف الأمر تماما في السياق الغربي. فعلى سبيل المثال، وفي حدود علمي، لا يوجد منظر أو ناقد واحد هناك يشتغل في الأدب الرقمي يكتبُ أو ينشر، بالموازاة مع ذلك، أعمالا إبداعية ورقية ودراسات في الأدب الورقي، أو يشارك في ندوات وملتقيات فيه، وما إلى ذلك. فمجال اهتمام دارسي الأدب الرقمي ومدرسيه ومبدعيه هناك يقتصر عليه ولا شيء غيره. وإذا حضرت في كتاباتهم إشارات إلى «الأدب التقليدي» أو «الأدب الورقي»، فلإظهار بذور الأول وإرهاصاته في الثاني. بالإضافة إلى ذلك، فالأطروحات التي تتناول الأدب والنقد الرقميين عندهم، لا تُسَجَّلُ وتنَاقش عموما في شعب الآداب واللغات، بل في شعبتي الإعلام والاتصال والوسائط التشعبية ومدارس الفنون. أكثر من ذلك، فعدد كبير من مبدعي الأدب الرقمي ومنظريه هناك يأتون من شعب علمية، ويتقنون البرمجة المعلوماتية، كما يأتي بعضهم من الفنون التشكيلية، في حين لا يعرف الكثير من العرب الذين يكتبون في هذا الأدب، وربَّما يدرِّسُونه ويشرفون على بحوث ورسائل جامعية فيه، شيئا عن البرمجة ولا عن تقنيات كتابة النصوص الأدبية الرقمية…

 في مقال مهم تحت عنوان “الفلاشيات الإسلامية وبعض قضايا النقد الرقمي” شرحتم كيف أن النقد الرقمي العربي يجب أن يدخلها في دائرة اهتمامه لأنها توفر مواضيع تشتغل عليها الكتابة الرقمية من قبيل “قضية موت المؤلف”، و”قضية التسمية”، وغيرها من القضايا. هل يمكن أن نتحدث عن أدب رقمي عربي؟ وهل ما قُدّم من أعمال إبداعية في وطننا العربي يعكس وعيا ورغبة في الانخراط بهذا المعطى الحداثي؟

تزخر المواقع الإسلامية بالعديد من الأعمال التي تعرضُ للتصفح والتحميل تحت اسم «الفلاشات الإسلامية»، ضمنها قصص قرآنية، وما إلى ذلك، وهي قصائد، بخلاف الأعمال الأدبية الرقمية العربية، تغيب فيها توقيعات مصميمها، فلا تُعرف هوية مؤلفيها. من هذه الزاوية، يمكن اعتبارها تجسِّدُ، بمعنى ما، أطروحة «موت المؤلف» التي رأى أحد كبار منظري النص التشعبي التخييلي في الغرب، وهو جورج لاندو Georges Landow، أن لهذا النص صلة بالمفهوم السابق الذي قال به بارث وفوكو في نهاية ستينيات القرن الماضي. لكن مقابل عدم الاكتراث بإثبات اسم «المؤلف»، تحرص هذه الفلاشات على عدم إدراج الموسيقى، وعدم تلاشي الكلمات واجتناب تشتت مكونات النص اللغوية أثناء تحركها، ربما امتثالا للمحظور الديني وغياب الهاجس الإبداعي الأدبي (فهي نصوص دينية في المقام الأول). وقد تناولت الدكتورة إيمان يونس في أطروحتها «تأثير شبكة الأنترنت على إبداع وتلقي الأدب العربي الحديث» التي صدرت في كتاب ورقي عينة من هذه الأعمال بالدراسة والتحليل.

يُمكن الحديث عن أدب رقمي عربي لمجرد كون ظهور إبداعات في هذا اللون الفني الجديد بلغة الضاد أدى إلى أنَّ أدبنا أصبحَ أدبين: «ورقي» (أو «تقليدي»، كما يسميه الفرنسيون) ورقمي (أو معلوماتي، أو ديجتالي، أو سيبراني، وما إلى ذلك من الأسماء التي تُطلق عليه في الغرب). ورغم قلة الأسماء العربية التي ارتادت الأدب الجديد وندرة ما أنتجته، إذ لا يتجاوز عدد نصوصه اليوم أربعين نصا، فقد نجح هذا الأدب في لفت الانتباه إليه، واستقطاب باحثين ومهتمين يتزايد عددهم يوما بعد يوم، وولوج عدد من الجامعات العربية، حيثُ أصبح يُدرَّسُ للطلبة، وتنظَّمُ له محترفات، وتحضَّرُ فيه أطروحات، وتنظمُ حوله أيام دراسية وندوات، في حين بقي مبدعوه يعدون على رؤوس الأصابع، ومنجزه النصي هزيلٌ جدا، مما يطرحُ سؤال: هل يعود ذلك إلى غياب رغبة في ارتياد هذا الأدب أم إلى عجز في الكتابة فيه؟ شخصيا أميل إلى التفسير الثاني اعتبارا للكم الهائل من النصوص الأدبية التقليدية التي تُنشر حاليا في شبكة الأنترنت من لدن عدد كبير من الأفراد الذين لم يسبق لهم أن ارتادوا تجربة النشر الورقي، مستغلين في ذلك سهولة النشر الرقمي الذي يسمح بتجاوز حلقات النشر التقليدي وقيوده ومصافيه وطقوس الانضمام إلى مجتمع الأدباء. فوراء هذا النشر رغبة في الوصول إلى القارئ بالتأكيد، لكن وراءه أيضا سعي إلى نيل الاعتراف والإحراز على الشهرة. وبما أنَّ الأسماء التي ولجت الكتابة الأدبية الرقمية، على قلتها، قد أحرزت شهرة واسعة، فلاشك أن أفراد حشد «الكتاب» المذكورين يتمنون إحراز شهرة مماثلة، لاسيما أنها تتأتى من أقصر سبيل، أي بمجرد كتابة نص أو بضعة نصوص أدبية رقمية، ولكن هذه الرغبة تصطدم بواقع صعوبة الكتابة في هذا اللون الإبداعي الجديد الذي يتطلب تعلم برامج معلوماتية، كالفلاش أو السويتش وما شبههما، ولغة توصيف النص التشعبي (html)، وبرامج تحرير الصورة والصوت والفيديو، ناهيكَ عن البرمجة الغائبة في نصوص الأسماء نفسها التي كرست نفسها في هذا الأدب. أظنُّ أنَّ هذا هو العائق الرئيسي الذي يحول دون ولوج عدد كبير من الأسماء المكرَّسَة و«المبتدئة» هذا الحقل الأدبي الجديد.

أما عمَّ إذا كان الأدباء الرقميون العرب يُنتجون نصوصهم عن وعي بهذا الأدب أو لا، فلا شك أنَّ الأمر كذلك، أي عن وعي، وهم في هذه النقطة يشتركون مع المبدعين الغربيين، إذ مثل هؤلاء يزاوج كتابنا الرقميون بين الإبداع في هذا الأدب والكتابة عنه والتنظير له، كما في حالة محمد سناجلة الذي ألف كتاب «نظرية الواقعية الافتراضية» ولبيبة الخمار التي حضرت أطروحة جامعية فيه، ثم نشرتها ورقيا، سنة 2014، بعنوان «شعرية السرد التفاعلي. آليات السرد وسحر القراءة»، وأصدرت كتابا آخر، تحت عنوان «النص المترابط. فن الكتابة الرقمية وآفاق التلقي»، في عام 2018. ولكن منجز هذا الأدب، كما سبقت الإشارة أكثر من مرة، يتوقف عند إبداع نصوص متحركة تتضمن صورا وموسيقى، وكتابة نصوص تخييلية تشعبية يحضر فيها هي الأخرى الصوت والصورة أحيانا، دون تجاوز ذلك إلى التفاعل والبرمجة. ولكن هذه النصوص نفسها ليست على درجة عالية من التطور، بحيثُ لا تشكل متاهة مماثلة، على سبيل المثال، لما يوجد في أول نص تشعبي غربي وحده، وهو قصة بعد الظهيرة لمايكل جويس التي تتألف من 538 صفحة-شاشة تربط بينها 950 وصلة… ينحصر منجز الأدب الرقمي العربي على ما سبق دون تخطيه إلى كتابة نصوص توليفية، أو نصوص تشعبية تنتج روابطها آليا نتيجة البرمجة، أو تصميم برامج لتوليد نصوص أدبية بالحاسوب، أو كتابة نصوص جماعية لا تحمل توقيع أصحابها، على غرار ما نجد في رواية الويكي، ورواية الألف يد وما شبههما في الأدب الرقمي الغربي. علما بأنَّ تجربة التوليف كانت أوَّل محطة في الأدب الرقمي الغربي مع جماعة الأوليبو OULIPO في مستهل ستينيات القرن الماضي، وأشهر ثمراتها قصيدة الشاعر ريمون كينو Raymond Queneau «مائة ألف مليار قصيدة شعر» الناتجة عن توليف مكونات عشر سونيتات لا غير. وتدريجيا تشكل وعيٌّ بأنَّ توظيف الحاسوب في الكتابة الأدبية يفتح أمامها إمكانيات أوسع وآفاقا أرحب، فتم الانتقال إلى البرمجة على يد جماعة جديدة هي فريق ألامو Alamo (أو الأدب المدعوم بالرياضيات والحاسوب)، وصار الأدب الرقمي منذئذ لا يغادر الحاسوب كتابة وقراءة، بعد أن كان في المحطة السابقة يُسخر لإنتاج نصوص توليفية غايتها هي النشر الورقي، بما في ذلك قصيدة ريمون كينو السابقة، إذ صدرت في البداية في كتاب ورقي فريد، قطعتْ صفحاته بحيثُ يتأتى للقارئ التوليف يدويا، ولم تتم برمجتها إلا في عام 1975، فتأتى نشرها في قرص مدمج في البداية، ثم بعد ذلك في شبكة الأنترنت. كما أنّ ظهور أول نص تشعبي ارتبط في جانبه التقني بتصميم برنامج الهايبركارد HyperCard الذي لولاه لما تأتت كتابة هذا النص في منتصف ثمانينيات القرن الماضي على الأقل…

وعلى كل حال، ففي غياب بوح المبدعين الرقميين العرب بتفاصيل إنتاجهم لنصوصهم، وتقديم توضيحات حول سبب الاقتصار على النصوص المتحركة والنصوص التشعبية والوسائط التشعبية (أو المرفلة، حسب ترجمة البعض) Hypermédias، لا يُعرفُ ما إذا كان هذا الإحجام ناتجا عن إصرار ووعي أو عن أمور أخرى، كأن تكون نرجسية المؤلف، وممنوعُ مركزية شخصيه، وقدسية الكتاب في الثقافة العربية، وحداثة عهد المطبعة فيها، هو ما يحول دون ولوج مثل التجارب الآنفة التي تنطوي على خلفية نهاية قدسية الكتاب، واعتبار عبقرية الكاتب مجرد إيديولوجيا، والأدب شكلا صرفا بدل أن ينطوي على حمولات نفسية وتاريخية واجتماعية.

تعتبَرون من العرب الأوائل الذين انخرطوا في العالم الرقمي وكان لانتمائكم لموقع التواصل الاجتماعي “الفايسبوك” أثر علمي مثمر؛ ويمكن اعتبار إدراجاتكم مرجعية للمشتغلين والمهتمين بالنص الرّقمي، هل يمكن أن نتطلع إلى أدب الفايسبوك؟ وهل فكرتم في جمع هذه المادة العلمية وطبعها في كتاب ونشرها؟ وهل تفضلون النسخة الورقية أم الرقمية؟

يمكن التطلع بالفعل إلى أدب للفايسبوك وآخر لتويتر، بحكم اختلاف التفاعل في هذين المنبرين عن نظيره في منابر أخرى كالمنتديات والمدونات، مما يحفز الكاتب على كتابة عمله في وقت قياسي، مع ما يقتضيه ذلك من تناول لمواضيع خفيفة، وعدم الإطناب والاسترسال، وما إلى ذلك، ويفضي كتابة نص مختلف كليا عن النص الذي يُكتبُ من ألفه إلى يائه بالقلم والورق، في خلوة تامة، وبعيدا عن شبكة الأنترنت، من جهة، ومن جهة أخرى بسبب قيود النشر في هذه الشبكات أحيانا، وسأعود إلى هذه النقطة بعد قليل.

فقد نشر عبد الواحد استيتو «على بعد مليمتر واحد من الأرض»، وقدمها للقراء باعتبارها أول رواية كتبت من ألفها إلى يائها في الفايسبوك. فقط يجب الإشارة إلى أنَّ هذا النوع من الكتابة يُمارسُ منذ مدة طويلة في المنتديات. فهناك الكثير من الروايات المكتوبة بلهجات محلية، منشورة في منتديات، ونجحت في جلب عدد كبير من القراء. وبخصوص الروايات المكتوبة باللغة العربية، يحضرني مثال رواية «بنات الرياض»، ورواية «امرأة من سلالة الشياطين» التي كتبت هي الأخرى من ألفها إلى يائها في منتديي فضاءات وميدوزا (المغلقين حاليا)، في وقت قياسي، وتخللها نشر معزوفات موسيقية ولقطة فيديو، وكان لتعقيبات القراء وانتظاراتهم، بالخصوص دورٌ حاسم في كتابتها في زمن قياسي، لكن دون أن يوجهوا أحداثها أو يلهموا كاتبها أو يستشيرهم في مجريات أحداثها. بهذا المعنى تندرج رواية استيتو في خط وضع لبنته كتابٌ آخرون من قبل. وربما كان لسهولة النشر في موقع الفايسبوك، ولاختلاف تصميمه عن تصميم المنتديات والمدونات، ونجاحه في استقطاب عدد ضخم من الأعضاء، بما فيهم مستخدمو هذه المنتديات والمدونات، حيث يمكن القول بوجود هجرة ضخمة منهما إليه، ربما كان لذلك دورٌ في تراجع شهرتهما وتردي الإقبال عليهما في الفضاء الافتراضي العربي حاليا.

وما يصدق على رواية «على بعد ملمتر واحد من الأرض» ينطبق أيضا، إلى حد ما، على رواية استيتو الأخيرة «طينجو» التي أطلقها في العام الحالي (2019)، إذ رغم إصرار المؤلف على تقديمها للقراء باعتبارها «أول رواية تفاعلية تطلق على شكل تطبيق للهاتف الذكي في العالم» (وهذا غير صحيح بالمرَّة!)، فهي لا تختلف جوهريا عن «على بعد مليمتر واحد من الأرض»، سواء من حيث البناء الخطي التقليدي للنص أو بيئة الكتابة ونوعية تفاعل القراء الذي لا يتجاوز دور الاستجابة لطلب استشارة من لدن المؤلف الذي يملك وحده «حق» تحرير النص، أو «موهبة»، أو «نبوغ» الكتابة.

لكن بالموازاة مع ما على عبد الواحد استيتو، يبقى لهذا الكاتب، بصنيعه في روايتيه (الفايسبوكية، والأخيرة التي كتبها ونشرها في تطبيق للهاتف الذكي)، فضيلة النجاح في استدراج عدد كبير من الأفراد للقراءة، وبذلك فهو يقدم أحد الأجوبة الممكنة عن سؤال: أي سبيل لاستدراج الناس إلى القراءة في الحامل الرقمي ما دام استدراجهم للكتاب الورقي أصبح صعبا جدا، بل ربما مستحيلا، لأسباب يطول شرحها، وتتعلق بالأزمة التي تعرفها القراءة عالميا اليوم. ويذكر تفاعل قرائه مع روايتيه «زهراليجا»، و«طينجو»، من بعض الوجوه، بتفاعل قراء القرن التاسع عشر في الغرب مع أعمال أدبية مثل روايتي بالميرا Palméra لصامويل ريتشاردسون، وإيلويز Eloise لجان جاك روسو…

لكن يجب الإشارة إلى أنَّ ثاني موقع للتواصل الاجتماعي، وهو توتير، رغم اختلافه الكبير عن المنتديات والفايسبوك، بسبب تقييده للنشر، بحيث لا يسمح بكتابة أكثر من 140 كلمة في التغريدة الواحدة، فهناك من نجح في كتابة عمل روائي فيه. يتعلق الأمر بالأمريكي Matt Stewart الذي كتب روايته «الثورة الفرنسيةThe French Revolution »، وهي أول رواية تكتب وتنشر كاملة في هذا الموقع. كانت البداية بأن أعلن في سنة 2009 عزمه على تدشين هذا النوع من الكتابة، في تغريدة له على حسابه الشخصي، كتب فيها: «سَأتَوْتِرُ روايتي كاملة حول الثورة الفرنسية، وأبدأها يوم 14 يونيو، وحسب علمي، سوف أكون بذلك أوَّل شخص يكتب رواية كاملة في تويتر»، فنشر التغريدة الأولى في التاريخ الآنف بالفعل، ثم توالت تغريداته على امتداد أربعة أشهر، بـ 140 حرف في كل تغريدة، فكانت النتيجة نصا روائيا يتألف من 95000 كلمة، عرضها المؤلف على إحدى دور النشر، فأصدرتها ورقيا، فابتهجت قناة السي إن إن CNN لرغبة المؤلف في «تثوير الأدب»، بعمله هذا، إشارة من القناة إلى تأثير قيد النشر في موقع تويتر (140 حرف للتغريدة الواحدة) على مجمل مكونات الخطاب الروائي. ومثل هذه التجربة لم يخضها أي كاتب عربي بعدُ. في المقابل، نجد في الموقع الآنف سيلا من الومضات النثرية والشعرية المشرقية العربية، خصته نوال بنت ناصر السويلم ببحث صدر سنة 2017، عن النادي الأدبي بالرياض، تحت عنوان «الأشكال الأدبية الوجيزة في فضاء تويتر».

وبالجملة، نتمنى أن يواصل كتابٌ عربٌ آخرونَ تجربة كتابة الرواية التي خاضها روائيون من قبل في منتديات ومدوَّنات، أن يواصلوها ليس في موقع الفايسبوك فقط، بل وكذلك في موقع تويتر إلى أن يتحقق تراكمٌ، فنتبين بوضوح أثر هذه الساحات للنشر على الكتابة الأدبية، بدل ملازمة الوضعية الحالية التي تتسم بالكتابة بذهنية الورق، إذ، وعلى سبيل المثال، لا يتعامل معظم كتاب موقع الفايسبوك مع هذا المنبر أكثر من كونه وسيطا لنشر كتاباتهم تمهيدا لإصدارها أو إعادة نشرها ورقيا لا غير. بل منهم من اتخذ من صفحته في الفايس فضاء لرقن كتاباته الصادرة في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، في ملاحق ثقافية لصحف ورقية، فيقوم بجمع نصوصه وتدوينها (بالمعنى الحرفي لعبارة «الجمع والتدوين» التي يُشارُ بها إلى حركة كتابة التراث الأدبي واللغوي والديني ابتداء من منتصف القرن الأول للهجرة).

أما بخصوص تدويناتي المنشورة في الفايسبوك، فهي ليست شذرات أدبية. إنها تأملات في قضايا عديدة، كالرقمية، والعلم، والتقنية، والدين، والأسطورة، والسحر، والشعر، وما بعد الإنسانية، وما إلى ذلك، من الأفكار المستوحاة من قراءات في هذه المواضيع، أو مشاهدة محاضرات وأشرطة حولها. وقد تمَّ الحرص في صياغة تلك المقاطع على أن تكون قصيرة ومكثفة جدا، بحيثُ يُعرَضُ نصُّ كل تدوينة للقارئ كاملا في شاشة الحاسوب، فلا يحتاج إلى النقر على عبارة «اقرأ التتمة» التي تظهر في ختام السطور الأولى للإدراجات الطويلة لإظهار بقية النص. والغاية من تكثيف هذه الأفكار التي يُمكن بسط كل واحدة منها في مقالة تتألف من بضع صفحات، هي: مراعاة فضاء النشر الذي يعج بالإدراجات المنشورة على مدار الثواني، من جهة، وعدم تنفير القراء من قراءتها، من جهة ثانية، ثم ضمان أن يطلع عليها أكبر عدد ممكن من أعضاء قائمة أصدقائي المهتمين بمثل هذه المواضيع، من ناحية أخيرة. فالفايس مجالٌ للإدراجات القصيرة وليس للنصوص الإبداعية والدراسات النقدية المطولتين والبحوث الدسمة. فلهذا النوع من الكتابات أمكنة نشره. كانت الانطلاقة هكذا. وبتوالي الأسابيع والشهور والأعوام تجمعتْ مادة لا يُستهانُ بها صالحة بالفعل للنشر، كما هي، أي على شكل شذرات. وكل ما يجب القيام به لإخراجها في كتاب ورقي هو ترتيبها وتبويبها، حسب المواضيع، ثم إيجاد ناشر لها. علما بأنَّ نشرها رقميا بشكل كتاب بصيغة رقمية سهلٌ، بل قد يكون أفضل لأنَّه يتيحُ نشر الصور مع الإدراجات، بحيثُ يشغل كل إدراج صفحة واحدة يتصدرها العنوان، تليه الصورة، وتحتها تندرج الشذرة. سوف تكون النتيجة مجلدا ضخما بالتأكيد لا سبيل لنشره ورقيا للكلفة الباهظة التي سيتطلبها، مع أنَّ عددا كبيرا من الصور يلتحم بالنص بحيثُ يصبحُ النص بمثابة شرح للصورة والصورة بمثابة شاهد على فكرة الشذرة. بيد أني لا أملك وقتا للقيام بمثل هذا العمل، لاسيما أنَّ إرفاقي لصور بالنصوص قد توقف منذ مدة طويلة تفاديا لإثقال الصفحة. ففي غياب محرك للبحث فيها يصبح الوصول إلى الإدراجات القديمة مضنيا. بل بتكاثر التدوينات، حذفتُ الصور المرفقة بالعديد من الشذرات المنشورة قديما. وقد أقوم بالتبويب الآنف تمهيدا لنشر تلك التدوينات ورقيا.

في مقالكم “من الدفتر إلى الشاشة” شرحتم فكرة تشظية النصوص أو القراءة الشذرية، أرى من المهم أن نقف عند بعض النقاط: فهل يتحكم الوسيط الرقمي في النص المقدم من خلاله؟ وهل تختلف آليات القراءة؟ وهل يمكن أن نتحدث عن نوع أو درجة أخرى من التلقي؟

إن كان المقصود بالتحكم هو التأثير، فالجواب سيكون بالإيجاب. أما إذا كان المراد هو أن الوسيط الرقمي يفرض قيودا على النص، فالجواب سيكون بالنفي.

يختلف عرض النص على شاشة الحاسوب اختلافا جذريا عن تقديمه في الحامل المادي، وذلك بصرف النظر عن طول هذا النص أو قصره. فرواية تتألف من بضع مئات – بل وحتى من آلاف – الصفحات الورقية، يمكن إدراجها في ملف واحد يُعرضَ في شاشة واحدة، فتقرأ من ألفها إلى يائها في شاشة-صفحة واحدة. ومثل هذا النوع من النصوص الذي يدخل ضمن ما يسمى بالأدب المُرقمن متوفر بغزارة في شبكة الأنترنت. في هذا الصدد، يرى بعض الباحثين أنَّ النص المنشور بهذا الشكل يُشبه كثيرا لفافة البردي التي كان يبلغ طولها أربعين مترا أحيانا، تلف على شكل رولو، بأقصى طرفيه عمودين خشبيين أو معدنين، ولقراءتها كان القارئ يفتح اللفافة بيد ويطويها باليد الأخرى، فلا تتأنى له قراءة إلا المساحة المفتوحة بين اليدين. هذا ما يتم تقريبا لدى القراءة على الشاشة، حسب هؤلاء الباحثين، إذ لا يشاهد القارئ إلا ما تعرضه الشاشة أمامه من نص مختفٍ طويل، لمواصلة قراءته يجب تحريك زر التمرير (معادل فتح اللفافة وطيها).

في المثال السابق دائما، يُمكن عرض الرواية نفسها بطرق أخرى، كأن تُقسَّمَ إلى صفحات، لعرض كل صفحة في شاشة، فتُدرَج أزرار أو أرقام لتسهيل التنقل بين الصفحات-الشاشات. وهذه الطريقة، بخلاف سابقتها، تسهل قراءة النص، وتجعله شبيها بالنص الورقي إلى حد ما، إذ يُمكن الإحالة على كل صفحة بإدراج عنوان رابطها في المتصفح. كما يُمكن توسيع النص نفسه بإدراج روابط فيه تفضي إلى شواهد توضيحية (صور، أشرطة فيديو، ملفات صوتية، وثائق، وما إلى ذلك). بالمثالين السابقين، يتضحُ أنَّ الوسيط الرقمي لا يتحكم في نشر النص بمعنى أنه يفرض طريقة دون غيرها في عرض نفسه على القارئ.

غير أنَّ النص نفسه بمجرد ما يُرقمنُ يتأثرُ بحامله الجديد، فيكتسب سمات تجعله مختلفا كليا عن النص الورقي. أوَّلُ مظاهر هذا التأثر أنه ينفصل عن حامله، فيصبحُ كائنا مجرَّدا، بحيثُ يصير بالإمكان الحديث عن المضمون بمعزل عن وعائه، فيختلف عرض النص نفسه من جهاز رقمي لآخر، فلا يظهر ولا يُقرأ بطريقة واحدة في الهاتف الذكي واللوح الرقمي والقارئة المتخصصة، وما إلى ذلك، إذ ينسابُ وفق طول الشاشة وعرضها، فلا يكون عدد كلمات السطر الواحد من النص نفسه في شاشة هاتف ذكي هو العدد نفسه في شاشة لوح رقمي أو حاسوب مكتبي، أو جهاز تلفاز من 55 بوصة، وما إلى ذلك، وبالتالي فعدد فقرات الصفحة الواحدة يتغير من حامل إلى آخر، مما ينسفُ نظام الإحالة المُعتمَد في الكتاب الورقي، ويُلغيه، كما في حالة الملفات التي تأخذ صيغة e-pub، على سبيل المثال…

ومن نتائج هذا الفصل أنه أصبح بالإمكان تخزينُ كميات هائلة من النصوص في حيز صغير جدا، واستنساخ الوثيقة الواحدة إلى ما لا نهاية، بصورة تُطابق فيها النسخة الأصلَ بحيث يتعذر التمييز بينهما، وأصبح أيضا نقل النصوص سهلا للغاية ليس من جهاز رقمي إلى آخر فحسب، بل وكذلك من أي نقطة في الكرة الأرضية إلى أية نقطة أخرى متصلة بالشبكة بصرف النظر عن المسافة الفاصلة بينهما، وبسرعة قياسية، مما جعل بعض الباحثين يقول بدخول النص دورة الترحال، بمعنى أنه أصبح كائنا لا يكف عن التنقل. كذلك، صار بإمكان قراء عديدين أن يقرؤوا النص نفسه، ويجروا تعديلات عليه، في وقت متزامن، بصرف النظر عن المسافة الفاصلة بينهم، ما أعاده إلى «ضجيج المخطوط»، وصار (النص نفسه) قابلا للخضوع لعمليات حسابية معلوماتية، مثل إحصاء تواتر كلمة أو سلسلة مفردات بسرعة قياسية، وتحريك كلماته على الشاشة، وتخزين كميات ضخمة من النصوص في قواعد بيانات، بحيثُ إذا تمَّ البحث عن مفردة أو جملة ما عرضت نتيجة البحث سائر أمكنة ورود تلك الكلمة أو الجملة، بصرف النظر عن الحدود الفاصلة بين هذا النص وذاك. بالإضافة إلى ذلك، يصيرُ النص قابلا للتهجين بإدراج عناصر خارج لغوية فيه، كالصور الثابتة والمتحركة، والصوت، والفيديو، وما إلى ذلك من العمليات. بالخاصيات السابقة، يكتسب النص بصيغته الرقمية هوية جديدة مختلفة تماما عن هويته (الورقية) القديمة.

ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على القراءة، حيث تصبحُ كلية الحضور، بمعنى أنها تمارسُ في سائر الأمكنة والأزمنة، وتُمارَسُ في أكثر من حامل (حاسوب، لوح رقمي، هاتف ذكي، قارئات متخصصة، كتاب إلكتروني)، فتختلف عروض النص، وأدوات القراءة وبيئتها، من حامل لآخر، مما يؤدي إلى تسارع وتيرة ما يُسمى بـ «القراءة الموَّسعة» التي كانت إحدى نتائج اختراع المطبعة، وعودة القراءتين الجهورية والجماعية اللتين كانتا سائدتين في حقبة المشافهة، وانتشار القراءتين التشعبية والشذرية بدل الخطية (أو السطرية)، وتصيرُ القراءة تفاعلية، ويصبحُ بإمكان مشاركة الحاسوب فيها، عبر ما يسمى بـ « القراءة المدعومة بالحاسوب» متمثلة في مستويين: أحدهما بسيط، يقتصر على إعفاء القارئ من بذل مجهودات مثل البحث في القواميس، وترجمة بعض المفردات أو الفقرات، والبحث في الصفحة عن مفردة ما، وما إلى ذلك، ومستوى آخر متقدم، يأخذ أشكال البحث المعجمي Lexicométrie، ومحطات القراءة المدعومة بالحاسوب، والتأويل المدعوم بالحاسوب، مما جعل مفهوم القراءة المنحدر من عصر المخطوط والدفتر أصغر من أن يستوعب أشكالها الجديدة. وبذلك أصحبت القراءة قراءتين: قراءتين: «رقمية» أو «ديجتالية»، و«ورقية» أو «تقليدية»، وأصبح يميَّزُ في القراءة الرقمية نفسها بين قراءات: «متعددة الوسائط»، و«متعددة الحواس»، و«تفاعلية»، و«تشعبية»، وما إلى ذلك، مما يطرح السؤال: هل الأمر يتعلق بقارئ أم بمستخدم؟ في هذا الصدد، ظهرت مجموعة من الاصطلاحات، مثل «القارئ الفاعل» أو «القارئ النشط letc-acteur»، و«القارئ المتفرج أو المشاهد lector / espectator»، و«القارئ الجديد»، و«القارئ 2.0». بل هناك من يقترح استبدالَ اسم القارئ باصطلاح «الكاتئ «l’aucteur (من كاتب auteur وقارئ lecteur)، والإشارةَ إلى الكتابة باعتبارها قراءة بمصطلح «الكِتاءة «l’écrilecture (من كتابة écriture وقراءة lecture)، وهناك من يطلق على قارئ الكتابات الرقمية التفاعلية اسم «القاتب lect-acteur» (من قارئ lecteur وفاعل acteur وكاتب auteur)، ويسمي هذا النوع من التلقي الذي تمتزج فيه القراءة والكتابة بـ «القتابة lect-acture» (من «قراءة» و«فِعْل» و«كتابة»). مما سبق، يتضح بأنَّ الرقمية تؤزم مفهوم القراءة نفسه، وتطرح أمامها تحديات غير مسبوقة.

 ما تقييمكم لتجربة المبدع المغربي “منعم الأزرق” في الإبداع الرّقمي، وقد سبق وأن اعترفتم بأنه يكاد يكون الوحيد الذي يواصل في هذا الميدان؟ وهل قدّم “منعم الأزرق” أدبا رقميا؟ وما تقييمكم للأدب الرقمي العربي بصورة عامّة؟

نعم، باستثناء منعم الأزرق ومحمد سناجلة، لا أحد ممن خاضوا تجربة الإبداع الأدبي الرقمي في العالم العربي واصل الإنتاج في هذا المجال وهو ما يقتضي مساءلة معنى كتابات يتيمة، مثل (قصة ربع مخيفة) للراحل أحمد خالد توفيق.

تعتبر تجربة الشاعر المغربي منعم الأزرق في كتابة الشعر الرقمي إحدى أكثر التجارب العربية تميزا ونضجا، في حدود استخدام برنامج كتابتها، لكنها لم تنل لحد الآن ما تستحقه من الاهتمام والدراسة نتيجة انصراف معظم نقاد الأدب الرقمي العرب إلى السرد دون الشعر. يكمن وجه التميز عند منعم في إنتاج أعمال تجمع بين تعدد الوسائط، والتحريك الاحترافي، والمشهد البصري الذي يؤدي إلى توليد ما يشبه لوحات تشكيلة متتالية، منسجمة الألوان، مختلفة التفاصيل، كأن القارئ يقف في معرض فنان يقدم سلسلة من أعماله، بحيث تمثل كل قصيدة سلسلة – عرضا مختلفا عن باقي القصائد – المعارض، ما يجعل هذه التجربة تقف على تخوم الفن التشيكلي… مع التنويه إلى أن تحويل هذه القصائد من صيغة الفلاش إلى صيغة الفيديو يقفدها بعض ميزاتها الأصلية. لكن لا يُعرف ما إذا كان منعم يكتب قصائده (أي ينتج مكونها الكتابي الخطي) بعد تصميم الحركات واختيار الموسيقى والصور المرافقة أم العكس. هذا من جهة.

من أخرى، ماعدا بضع قصائده التي يحضر فيها مستوى بسيط من البرمجة، متمثلا في إدراج سكريبت أو أكثر داخل أكواد صفحة الـ html (لغة توصيف النص التشعبي)، لا تتيح كل أشعاره الرقمية للقارئ أي إمكانية للتدخل في عرض النص، وبذلك يجد هذا القارئ نفسه في موقف سلبي يُجبره على الاكتفاء بمشاهدة ما تعرضه الشاشة أمامه كما لو كان يشاهد عرضا تلفزيونيا. وهذا يجعل قصائد منعم الأزرق في جملتها أشعار فيديو أكثر منها أشعارا رقمية بحصر المعنى، بمعنى أنه يمكن تحويل هذه القصائد المصممة في الأصل ببرنامج الفلاش إلى إحدى صيغ الفيديو وعرضها بواسطة أي جهاز قارئ للأشرطة السمعية البصرية بدون أية مشكلة، وهو ما يقوم به منعم الأزرق، من خلال نشر أعماله في قناته باليوتيوب، الشيء الذي ينتفي في القصائد الرقمية الغربية، بل يُجمع نقادهم على تعريف الأدب الرقمي بأنه نصوص أدبية لا تغادر الحاسوب كتابة وقراءة.

غير أنَّ هذه المسألة تحلينا إلى قضية أخرى، وهي هل من الضروري أن يمتثل الكاتب الرقمي العربي لمعايير الكتابة الرقمية، كما يحددها بعض كبار النقاد الغربيين، وهي: الخوارزمية، والتوليدية، والحسابية، والترميز (أو التشفير) الرقمي، والتفاعلية، وكلية الحضور، ثم التوافق، لكي يكتسب النص الأدبي الرقمي العربي سمات التفاعل، والتحريك، والبرمجة، وتعدد الوسائط؟ أظن أن الجواب عن هذا السؤال يقتضي انتظار وقت طويل نسبيا، يقدره بعض العارفين بالأدب الرقمي في الغرب بحوالي نصف قرن، لكي يتوفر تراكم من الأعمال الأدبية الرقمية التي توظف الحاسوب كاف لكي تتضح صورة ما ينتج عن لقاء الأدب بالرقمية، هذا اللقاء الذي جعل بعض نقادهم يطرح فرضيتين: احتمال أن يتبخر الأدب ويتلاشى في تعدد الوسائط، ومتاخمته لفنون قائمة بالفعل، كألعاب الفيديو، أو على العكس يمكنه أن يجتاز هذه التجربة الفريدة بنجاح ويواصل البقاء.

يتيح ما سبق تقييم واقع الأدب العربي الرقمي بالفعل. فالمنجز هزيل جدا، رغم مرور أكثر من عقد ونصف على صدور أول عمل في هذا الباب، وذلك بخلاف الكتابات النقدية المواكبة له، ما يجعل هذا الأدب في حكم الغائب تقريبا ويطرح سؤال مستقبله، بالنظر إلى الاختلافات الجوهرية بين شروط نشأة الأدب الرقمي العربي ونظيره الغربي الذي راكم تجربة ستة عقود من الإنتاج، واجتاز محطات عديدة، ويشهد تكاثرا وانتشارا متزايدين. فبصرف النظر عن جذور الأدب الرقمي الغربية أو خط نسابته الورقية، كما يقولون هناك، والتي أسهب نقادهم في حصرها وعرضها، ينحدر هذا الأدب أيضا من عوامل تنتفي في السياق العربي، ربما كان أهمها السيبرانية باعتبارها أحد إبدالات ما بعد الحداثة. فمعروف أن رواد هذا التيار وضعوا الحي والآلة في سلة واحدة، وسعوا منذ البداية – بين ما رموا إليه – إلى صياغة بضعة مفاهيم صالحة لمقاربة الحي والجامد، الظواهر الطبيعية والاجتماعية على السواء، وهي «الأنتروبيا»، و«المفعول الرجعي»، و«المعلومة»، كما تطلعوا إلى تعويض مجهود الإنسان العقلي بعمل الآلة، وهو ما بدأ يتحقق أمام أعيننا في ظل الثورة الرقمية التي يعتبرها بعض الباحثين نسقا تكنولوجيا ثالثا (بعد النسق سَاعِد-مُدوِّرة bielle-manivelle الذي نشأ في عصر النهضة، والنسق الميكانيكي الذي تشكل مع الثورتين الصناعيتين الأولى والثانية)، ويعتبرها (الباحثُ نفسه) «رقمنة للعقل» بعد مكننة الجسد في النسق الميكانيكي. بهذا المعنى، قد يكون الأدب الرقمي أحد تجليات تخلي الإنسان عن عمله الذهني لفائدة الآلة، على غرار ما يحدث في سائر قطاعات الحياة المعاصرة. بل من الباحثين من يؤكد أننا نعيش اليوم في عالم سيبراني، حيث تمت «سبرنة cybernétisation» كل قطاعات حياتنا بالفعل…

ويعد الأدب المولد بالحاسوب (لم يلجه أي مبدع عربي رقمي بعد) أسمى تجل لهذا التخلي الذي طال الكتابة التقليدية نفسها، إذ تداولت العديد من المنابر الإعلامية في مارس 2016 نبأ برمجة فريق من الباحثين اليابانيين لحاسوب، فكتب رواية من ألفها إلى يائها، واستطاعت أن تجتاز التصفيات الأولى لنيل إحدى كبريات الجوائز الأدبية في اليابان.

أطفالنا الذين حرص آباؤهم على تسجيل صورة الميلاد لهم بدل صرخة الميلاد، والذين نشأوا في ظل الرقمية وترعرعوا على منتجاتها فأتقنوها وتابعوها، ما سيكون موقفهم من الأدب الرقمي؟ وهل يمكن أن نتحدث عن مشروع أدب رقمي موجه للطفل العربي؟

سوف يكون إيجابيا بالتأكيد، وسيفضلونه على الأدب الورقي، بالنظر إلى أن طفل اليوم، كما تفضلتِ، قد أصبح يدخل بشكل متزايد إلى العالم من بوابة الصوت والصورة، ويحتك بالأجهزة الرقمية منذ وقت مبكر جدا من حياته. في هذا الصدد، هناك شهادات عن أطفال فتحوا أعينهم على الهاتف الذكي واللوح الرقمي، فآل بهم اللقاء الأول مع مجلة أو كتاب ورقيين إلى التعامل معهما كما لو كانا لوحين رقميين، إذ بدل تقليب صفحة الدفتر يسحبون مساحتها بأصابعهم ذات اليمين وذات اليسار، إلى أعلى وإلى أسفل منتظرين أن يفضي ذلك إلى الانتقال إلى صفحة أخرى، بمعنى أنهم لم يعلموا بعد بوجود كتاب مصنوع من الورق. هناك فيديو شهير في موقع يوتيوب بالإنجليزية يحمل عنوان: «هل المجلة أيباد معطوب؟» يوثق مثالا حيا على هذا الواقع الذي لازال قليلا في مجتمعاتنا، لكنه سوف يتزايد بالتأكيد في الأعوام المقبلة بالنظر إلى الانخفاض المتواصل لأسعار أجهزة الهاتف الذكي واللوح الرقمي، من جهة، والانتشار الكبير الذي ينتظر أن يعرفه استخدام الأجهزة الرقمية في الأقسام التعليمية، من ناحية ثانية.

فقد تخلت بعض البلدان الغربية ليس عن اعتماد الكتاب الورقي داخل الفصول الدراسية فحسب، بل وكذلك عن إلزامية تعليم الكتابة اليدوية للطفل، ما سيفضي في غضون الأعوام القادمة إلى ظهور جيل لا يعرف الكتابة بالقلم، وربما لا يتعامل مع الورق على الإطلاق. وبما أنَّ العالم أصبح اليوم قرية صغيرة، ونظمَنا التعليمية العربية العصرية وليدة المثاقفة مع الغرب، فسوف تغزو التكنولوجيا الرقمية مؤسساتنا التعليمية بالتأكيد، لأسباب اقتصادية أو تعليمية-تعلمية محضة. أظن أن المسألة قضية وقت ليس إلا. والتشكي السائد من غياب الحافز التعلمي عند تلاميذ اليوم لا يرجع إليهم، كما يُشاع، ولا إلى البرامج التعليمية، بقدر ما يعود إلى غياب توظيف تكنولوجيات الإعلام والاتصال في المؤسسات التعليمية. فطفل اليوم قادر على القيام بأكثر من نشاط، لدى استعماله الأجهزة الإلكترونية والرقمية، فتراه يلعبُ، ويتصفح مواقع في شبكة الأنترنت، ويتفقد بريده الإلكتروني، ويدردش مع أصدقائه، ويستمع إلى الموسيقى، ويُشاهد أفلاما، ويتفقد نتائج مباريات كرة القدم، في آن واحد، ما يفيد أنه يستعمل مهارات وذكاءات متعددة، وقادر على أداء مهام عدة في وقت متزامن. لكنه عندما يصل إلى المدرسة، يُلزَمُ بالتعامل مع الورق والسبورة والطباشير حصرا، فيُعطَّلُ فيه فضول التعلّم وحافزه. يُستنتجُ من ذلك أن أصل المشكلة يكمن في المدرسة وليس في الطفل الذي ينتظر أنشطة تعليمية-تعلمية قصيرة تفاعلية، يمتزج فيها الصوت بالصورة واللعب، وهو ما يمكن أن تقدمها له النصوص الأدبية الرقمية بالتأكيد.

في حدود ما أعلم، لم يلج أي كاتب عربي ممن يؤلفون قصصا وروايات للأطفال هذا الحقل بعد، لاسيما الحكايات التفاعلية التربوية التي تأخذ شكل تطبيقات معلوماتية للهاتف الذكي كما هو موجود في بعض اللغات، رغم أنَّ الكتاب الإلكتروني قد ظهر في الأسواق العربية منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، ورغم قيام العديد من دور النشر العربية بالترويج والإعلان عن تسويق الكتب الإلكترونية، مثل النيل والفرات، وأراسوفت، ووعد أون لاين، وغيرها.

في المقابل، هناك العديد من الأقراص التربوية التعليمية التي تحضر فيها الصورة والصوت والتحريك وتمكن الطفل من التفاعل عبر كتابة الأجوبة التي تطرح عليه على الشاشة، كما توجد أشرطة قصص متعددة الوسائط، لكنها تضع التلميذ في موقع المتلقي السلبي، بالتالي يظل الأدب الرقمي المخصص للطفل العربي في قاعة الانتظار، وتبقى مسؤولية إنجازه على عاتق ثلاث جهات:

وزارات التعليم في الوطن العربي: يجب عليها أن تعجل بتعميم استعمال السبورات الذكية واللوح الرقمي في الفصول الدراسية، وتأليف كتب تعليمية رقمية تدخل ضمنها نصوص أدبية رقمية؛
شبكات القراءة المنتشرة في أيامنا هذه بالعديد من البلدان العربية: يتعين عليها أن تدرج في أنشطتها تعليم الناشئة قراءة كتب رقمية بدل الاقتصار على استهداف نشر عادة القراءة. يمكنها أن تقتدي، على سبيل المثال، بالجمعية الفرنسية من أجل القراءة، موقعها متوفر في شبكة الأنترنت lecture.org ؛
وزارات الثقافة: يجب عليها أن تجعل دعمها المادي لشبكات القراءة مشروطا بنشاط هذه الشبكات على الواجهتين الورقية والرقمية، بدل الاقتصار على الواجهة الثانية التي تتطلب مبالغ أقل بكثير مما يُصرفُ في الأولى، إذ رصدت وزارة الثقافة المغربية، على سبيل المثال، في سنة 2016مبلغ 10 ملايين درهما لتشجيع القراءة العمومية! فمعظم هذه الشبكات يسعى إلى تحقيق أحد هدفين (أو هما معا):
اتخاذ القراءة وسيلة للتنوير: وهذا، في تقديري المتواضع، متعذر المنال، لأنه يرتكز على رؤية تؤمن بإمكانية إعادة النماذج، والحال أننا نعيش اليوم في عصر تتعذر فيه هذه الإمكانية للاستنساخ: ففي عبارة «القراءة من أجل التنوير» إحالة صريحة إلى رغبة في اللحاق بأوروبا عبر اجتياز هذه الطريق نفسها التي اجتازتها القارة العجوز في القرن الثامن عشر، في حين كانت وضعية القراءة في تلك الحقبة ثمرة ثلاثة قرون من عمل المطبعة التي لم تصل إلينا إلا قبل حوالي قرن من الآن. وبعبارة أوضح، ما يُراد أن تصل إليه مجتمعاتنا العربية اليوم هو أن تصبح القراءة ممارسة لدى كافة فئات المجتمع. فحسب موباسان Maupassant، على سبيل المثال، كان «بوابو العمارات يحبون روايات المغامرة، والبورجوازيون يحبون الروايات التي تثير العواطف وتهيج المشاعر، والأدباء الحقيقيون لا يحبون سوى كتب الفنانين التي لا يفهمها الآخرون»
تأصيل عادة القراءة لدى المواطنين بحيث تصبح سلوكا يوميا يُمارس من لدن سائر فئات المجتمع. وقد يكون من المستحيل تحقيق هذا الهدف. فما ذُكر في النقطة أعلاه متحقق اليوم في مجتمعاتنا على نحو آخر: أفراد جميع شرائح مجتمعاتنا العربية اليوم تقريبا يمتلكون هواتف ذكية، ويصرفون معظم أوقاتهم في التعامل معها. هل يُعقل إثناؤهم عن ذلك لفائدة الكتب الورقية، أي حفزهم على صرف الوقت الذي يخصصونه لهواتفهم الذكية لقراءة كتب ورقية؟! أظن ذلك مستحيلا…

آنذاك، أي يوم تستبدل وزارات التربية والتعليم العربية كتبها المدرسية الورقية ببرامج رقمية وتخصص وزارات الثقافة حيزا لدعم الكتاب الرقمي بدل حصره على الورقي، قد يلحق مؤلفو القصص والروايات الموجهة للأطفال العرب الركب، فيؤلفوا بدورهم أعمالا أدبية رقمية بحصر المعنى موجهة للناشئة.