كتابة المحظور ومحظور الكتابة في روايات زينب حفني

887 views مشاهدة
minou
أدب وعلوم اجتماعيةمقالات
كتابة المحظور ومحظور الكتابة في روايات زينب حفني

موضوع المداخلة سؤال ما تمسه كتابات زينب حفني السردية ليس في السلطات الوصية على التعبير الأدبي فحسب، بل وكذلك في القراء الذين ينددون في مواقع بالأنترنت بخط الكتابة الذي اختارته لنفسها صاحبة «الرقص على الدفوف»، و«لم أعد أبكي»، و«ملامح» و«سيقان ملتوية». ويُعالجُ على مراحل:
– تعريف المحظور؛
– الكتابة والمحظور؛
– اشتغال المحظور في كتابات زينب حفني؛
– اشتغال المحظور عبر تلقي أعمال زينب حفني في مجموعة من المواقع الإلكترونية.

1. تعريف المحظور:
الممنوع في في التحليل النفسي والأنثروبولوجيا مؤسس للثقافة والتمدن. لا ثقافة ولا مجتمع بدون ممنوع. ولكن هذا المحظور نفسه، إلى جانب ما يفرضه من وجوب تكريس واحترام، يتصف أيضا بجاذبية انتهاك لا تقاوَم. من ثمة، فالثقافة نفسها تُقعد لأفرادها سبل انتهاك محظوراتها، عبر ما يسميه جورج دوفرو بـ «نماذج السلوكات الرديئة»: «لا تفعل كذا، ولكن إن كان لابد منه فإليك طريقة القيام بذلك».
الحظر الذي يطال أعمال الروائية زينب حفني والتلقي «الشاجب» لكتاباتها يُفيدان أننا أمام ممنوعين: أحدهما لغوي وآخر له صلة بما يسميه ميشال فوكو بـ «الوظيفة الجنائية للمؤلف».
فيما وراء الجدة المطلقة في كتابات الروائية السعودية، يمكن افتراض أنها قد ترتبط – شعوريا أو لا شعوريا – بميراث كتابي سابق. ما هو هذا الميراث؟ ما أشكال هذا التعالق؟
وبالنظر لريادة زينب حفني في خط معين للكتابة، وظهور زخم من الأسماء السعودية الأنثوية السائرة على المنوال نفسه، هل يمكن اعتبار كتابتها سنا لقانون جديد؟

2. الكتابة والمحظـور
الكتابة شأن ذكوري في معظم الثقافات. لا يمكن للمرأة أن تلجه إلا من موقع الانتهاك. هذا الخرق تعددت سبل تدبير المرأة إياه عبر التاريخ: انتحال اسم رجل، تقديم ما يُكتب باعتباره ترجمة ليس إلا، انتهاك المرأة الكاتبة أنوثتها ذاتها لتنتج كتابة لا تختلف عن كتابة الرجل في شيء. كما صادف على الدوام ردود أفعال، منها:
– أن يُزعم أن كتابة امرأة ما يقف وراءها رجل.
– أن تصادف كتابات المرأة بالتنقيص من قبل النقاد الذكور
– أن تواجه بالحظر من التداول بين قرائها الافتراضيين الأصليين.
في الإسلام، الكتابة شأن ديني بالأساس، وأسمى الكتب وأجملها القرآن. ما لم تتخذ الكتابة من الذكر حقلا لها، فهي قد تجازف بالوقوع في المحظور.
الكتابة في الإسلام شأن ذكوري أيضا. مجرد ولوج المرأة مكان الإبداع الخطي يمكن أن يُتلقى باعتباره انتهاكا لمحظور. في حالة زينب حفني سيتضاعف هذا الحظر بالنظر لانتمائها لبلد يُشكل بؤرة لمتخيل النقاء الإسلامي، فضلا عن نهجه الوهابي، بل يمكن أن تُتخذ كتابتها مرمى لسهمين: مسلمو العالم الإسلامي سيجدونها مخيبة لكونها تقدم عن المجتمع السعودي صورة مخالفة لصورتهم عنه، ومثقفو المجتمع السعودي قد يجدون فيها نوعا من نشر غسيل البيت أمام الملأ لقضاء مآرب ما.

3. كتابة المحظور في تجربة زينب حفني السردية:
3. 1. كتابات حفني عامة تتصف بالتكامل بين مقالاتها واستجواباتها الصحفية وأعمالها الأدبية. إنها تسخر مجموع ما تكتب لقضية واحدة: الدفاع عن المرأة والسعي لتغيير الذهنيات والثورة على التقاليد. لهذا السبب تصنف بـ «الكتابة النسوية» أو «النسائية». وهذا يُدرجها ضمن حركة عامة تتأصل في الغرب، حيث بدأت مطالب المرأة التحررية منذ القرن 10 م.
3. 2. عناوين كتاباتها السردية تبين أن الكاتبة تُحضر الموقع الذي تكتب منه والقضية التي تدافع عنها. إنه موقع لا يتغير ودفاع عن قضية واحدة. لا يتم ذلك بطريقة عفوية وإنما عن اختيار وسبق إصرار.
3. 3. العمل في مجموعه:
تزاوج حفني بين نوعين أدبين: القصة القصيرة والرواية. كل نص من نصوصها القصصية القصيرة قابل لأن يشكل موضوعا لعمل روائي منفرد. وربما هذا ما قامت به في روايتها «لم أعد أبكي» التي تعيد نسج خيط رابط بين مجموعة من حكايات مجموعتيها: «نساء عند خط الاستواء» و«هناك أشياء تغيب».
الكتابة عندها تشبه عمل الإثنوغرافي. مما قد يعزز وجاهة هذه الملاحظة كون المؤلفة توقفت عن الكتابة القصصية فيما يبدو لتتخصص في الرواية، من جهة، واتهام البعض إياها بأن أعمالها أقرب إلى البحوث الاجتماعية منها للكتابة الأدبية، من جهة ثانية.
3. 4. انتهاك المحظور في كتابات زينب حفني:
إلى جانب خرق ممنوع الإسلام متمثلا في تسخير الكتابة لمجال غير الذِّكر، تمعن الكاتبة في تقديم أجواء مُغرقة في انتهاك القواعد الاجتماعية المفترض أنها ترتكز على الإسلام. أبرز هذه المجالات: الفصل بين الجنسين، والسلطة الذكورية وإوالية إعادة الإنتاج أو ما يُصطلح عليه بـ «الإيصال الثقافي».
3. 4. 1. الفصل بين الجنسين
ثمة حرص شديد على تكريس هذا الوضع في المجتمع، ولكن إزاء هذا الحرص تمعن الكتابات السردية لحفني في تقديم مشاهد لانتهاك هذا الممنوع من لدن الجنسين معا، بل ومن كافة الشرائح الاجتماعية. هذا الاختلاط يتجاوز مجرد الاختلاط إلى الارتباط بعلاقات عاطفية، بل وحتى ممارسة الجنس خارج مؤسسة الزواج. يستوي في ذلك رجال ونساء، عزب ومتزوجون، عازبات ومطلقات وأرامل، بل وحتى متزوجات كما في رواية «ملامح». ومعنى ذلك أن مقولة «الشرف» التي – إلى جانب الرجولة – تشكل ما يؤسس سلطة الأب، تجد نفسها عند المؤلفة مضروبة في الصميم. هذا ما لن يقبله المتدينون والحداثيون على السواء سواء واقعيا أو روائيا.
الجنس في الأعمال التي بين أيدينا يأخذ طابعا مأساويا، ومن ثمة لا تندرج نصوصها في الكتابة «الخليعة» و«الإباحية»، كما يتردد خطأ، بل تأخذ منحى أخلاقيا، بل وحتى تربويا. الجو الغالب في «نساء تحت خط الاستواء» و«هناك أشياء تغيب» هو تقديم المرأة باعتبارها ضحية للرجل، هذه الرؤية تخفت في «لم أعد أبكي» لفائدة خطاب يقدم المرأة والرجل معا باعتبارهما ضحيتين للعرف والتقليد.
3. 4. 2. السلطة الذكورية:
حاضرة بقوة في المتن الذي ندرسه، وتشكل حجر عثرة أمام نماذج التحرر النسائية، ولكن بموازاتها نجد نماذج أخرى ترفض الامتثال لهذه السلطة ممثلة في الزوج أو الرجل عموما.
3. 4. 3. إوالية لإعادة الإنتاج (الإيصال الثقافي):
في كتابات حفني تتعدد أشكال الإيصال الثقافي دون أن تفضي إلى بلورة نموذج محدد، ما يعكس حركية المجتمع السعودي الآن التي وحده المستقبل سيجيب عما ستفضي إليه. لكن في ما وراء هذه البلبلة الظاهرية، يمكن التأكيد بأن النموذج السائد في جميع هذه الكتابات هو نموذج التحول، ويأخذ شكلين:
3. 4. 3. 1. التحـول على نموذج التجديد: رائداته نساء يساهمن في التحول الاجتماعي عبر:
– حرية اختيار شريك الحياة بدل إناطة هذه المهمة بالجماعة
– ممارسة الجنس قبل الزواج
– البوح بالرغبة والتعبير عنها؛
– تناول الخمر؛
– قبول الوضع الاعتباري للمرأة المطلقة، ما يرفضه المجتمع التقليدي رفضا قاطعا؛
– رفض خيانة الزوج أو استحواذه على راتب شريكة حياته، ومناهضة ذلك بقوة تبلغ درجة القتل أحيانا (كما في حالة بطلة «وباتت متورمة الجفنين»).
3. 4. 3. 2. التحول داخل التكرار: تشكله جماعة الرجال بشتى أصنافهم وفئاتهم؛ ارتباط الرجال بعلاقات خارج مؤسسة الزواج قد يكون تنازلا منهم عن حقهم في تعدد الزوجات الذي يمنحهم إياه التقليد. وبعض عناصر مؤسسة الخفي تحضر، ولكنها تكف عن أداء الوظيفة المناطة بها في التقليد. من ذلك: الشيخ الذي يزاوج بين الرقية الشرعية واغتصاب النساء، حكايات الجن وتلقي الأبناء إشارات ثقافية متناقضة، وتجريد المجنون من وظيفته الاجتماعية.

4. اشتغال المحظور في تلقي أعمال زينب حفني عبر الأنترنت:
يبدو أن أعمال حفني تثير من الجدل واللغط في المنابر الورقية أكثر مما تثيره في الأنترنت. قد يكون هذا طبيعيا بالنظر لاستناده إلى تمثل ضمني للكتابة يمتح من التقليد؛ الكتابة عن الشيء تمنح معرفة به وتعطيه وجودا موازيا ومعادلا لوجوده الواقعي.
المنتديات والمواقع التي تجرح في الكاتبة وتكفرها قليلة جدا بالمقارنة مع تلك التي تخبر بإصداراتها أو تعرض قراءات في بعض أعمالها أو تجري معها حوارات. وهذه مسألة ذات دلالة بالنظر إلى التفوق الكمي للمواقع الإسلامية عن نظيرتها الأدبية والثقافية.
الأحكام الصادرة ضد الكاتبة قاسية جدا، ترتكز بالأساس على لقاءاتها الإعلامية، ولا تميز بين الكتابة الأدبية للمؤلفة وتأملاتها الاجتماعية، وجل الشاجبين لم يقرأوا ما يدينون تماما كمعظم الذين تظاهروا ضد رواية سلمان رُشدي والرسوم المسيئة للرسول وكتابات تسليمة نسرين. ما دلالة هذا الوضع؟

خاتمة:
يتضح أن كتابات حفني بقدر ما تخرق قانون ممنوع الإسلام والقواعد والأوضاع الاجتماعية السائدة، تؤسس لثقافة جديدة، لقيم جديدة، لقانون آخر هو قانون الحداثة التي فرضت نفسها كقيمة كونية منذ المد الاستعماري إلى اليوم، وعبر سبل شتى…
يبدو أن هذه البذرة قد أثمرت من خلال القائمة الطويلة للكاتبات السعوديات المعاصرات اللائي نهجن خط الكتابة الذي دشنته حفني منذ أزيد من 20 سنة. ولكن هل يمكن الاطمئنان لهذا الوضع؟ إذا كان المستقبل وحده سيجيب عن هذا السؤال بالنظر لهيمنة التعارض الوجداني والصراع (حداثة – تقليد)، فثمة من المؤشرات ما قد يبعث على التفاؤل أقلها هذا الموقف المزدوج في تعامل سلطات منع الكتابة مع نصوص حفني ومن سار في دربها، متمثلا في حياد سلبي حيث لا تحظر هذه الكتابات، لكنها لا تباح أيضا؛ تُمنع لكنها ترخَّص أيضا..

محمد أسليـــم

(ألقيت في ندوة الأدب النسوي في شبه الجزيرة العربية، زينب حفني نموذجا، المنظمة العربية للإعلام الإلكتروني، طرابلس 4-5 نونبر 2008)

الكاتب: محمد أسليـم بتاريخ: الأحد 02-09-2012 07:20 مساء

الاخبار العاجلة