قضية الرابط الاجتماعي في رواية «القوس والفراشة» لمحمد الأشعري

1٬106 views مشاهدة
minou
أدب وعلوم اجتماعيةمقالات
قضية الرابط الاجتماعي في رواية «القوس والفراشة» لمحمد الأشعري

لقد شكَّلَ «الرابط الاجتماعي»، باعتباره ما يحشد الأفراد ضمن جماعات تتصف كل واحدة منها بالتجانس، بوصفها وحدات مغلقة، لكن أيضا بالتمايز في صلاتها بغيرها من الجماعات، مما يتيح الحديث عن «بيئات ثقافية»، شكَّل مبحثا هاما لمعظم الدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية للقرن العشرين. وحصيلة تلك البحوث أن هذه الصلة تتأسس على طقوس العبور وعلاقات القرابة (قواعد الزواج) والأصل العرقي والجنس والدين والجغرافيا.
هذه العناصر كلها حاضرة في رواية «جنوب الروح» على نحو ما كنا بينا في دراستين سابقتين(1)، حيث وقفنا على مجتمع متماسك يتشكل من «إطار هو الفصل بين الجنسين، وبنية هي النسب الخطي الأبوي، ونمط في الممارسة هو السلطة الأبوية، وإوالية لإعادة الإنتاج هي الإيصال الثقافي»(2).
بخلاف ذلك، يبدو الرابط الاجتماعي التقليدي في «القوس والفراشة» مُنهارا ومفككا، على كافة الأصعدة: سلطة الأب، اختلاف الأجيال، العلاقة بين الجنسين، والنقل الثقافي، لفائدة رابط جديد لم يأخذ شكله النهائي بعد:
1. النسب الخطي الأبوي:
يتمثل في المجتمع التقليدي في حمل الابن اسم الأب لا الأم، واحتشاد أبناء القرابة الواحدة في مجموعات تشكل سلالة تنحدر من جد واحد مفرد.
في رواية القوس والفراشة لا يُكترث لهذا الجانب، حيث يقبل يوسف الفرسيوي وليلى تبني طفلة خارج علاقة الزواج ودون أن تخرج من صلبهما، كما يتبنى إبراهيم الخياطي طفلي صديقه الهادي (عصام ومهدي)، بعد انتحاره، وفيما يحرص الفرسيوي الجد على بقاء السلالة، لا يكترث ابنه يوسف إطلاقا لذلك؛
2. اختلاف الجنسين:
إذا كان المجتمع التقليدي لا يعترف بأي علاقة بين الجنسين خارج مؤسسة الزواج، فإن خرق هذه القاعدة هو السائد في «القوس والفراشة»، ويتواطأ في هذا الانتهاك الرجال والنساء معا، على شكل الارتباط بعلاقات حرة بين فردين من الجنسين، بل بل وحتى داخل الجنس الواحد، كما في:
– صلة فاطمة بصديقها الكوسوفي بإسبانيا؛
– ارتباط يوسف الفرسيوي بليلى، داخل أحاسيس وجدانية متعارضة؛
– ارتباط إبراهيم الخياطي بالهادي، بعلاقة مثلية جنسية، مع أن هذا الأخير كان متزوجا وأبا لطفلين؛
– زواج إبراهيم الخياطي (الشاذ جنسيا) زواجا شكليا بأرملة صديقه الهادي بعد انتحاره؛
– حكايات زواج مثليين وشواذ بمدينة القصر الكبير وسيدي علي بضواحي مكناس في موسم العيد النبوي السنوي؛
وإذا كان المجتمع التقليدي يمنح للذكر وضعا اعتباريا متفوقا على الأنثى، ويربط شرف الرجل بمدى تحكمه في السلوك الجنسي لقريباته من النساء، فإن العنصرين معا لا يحظيان بأية أهمية في العمل، حيث تغيب الهيمنة الذكورية على النساء ويتمتع الجنسان بمكانة متساوية..
ثم رغم زواج أحمد خير ببهية طليقة صديقه يوسف الفرسيوي، فإن هذا الزواج لم يضع حدا للصداقة بين الرجلين، ناهيك عن أن أقارب فاطمة وليلى الذكور يغيبون في الرواية تماما، وهو تغييب رمزي يصب في إبراز التحولات التي يعرفها مجتمع الرواية على هذا الصعيد.
3. اختلاف الأجيال:
تتصف العلاقة بين الأجيال في «القوس والفراشة» بالتباعد والاختلاف واالتواصل داخل تحول جارف وشبه متوحش، إن على مستوى العائلة موضوع الحكي أو على صعيد المجتمع ككل، مما يمنح العمل بعدا مأساويا واضحا. وهكذا فـ:
– فمحمد الفرسيوي ينسج رؤية للسلالة والمجتمع هي مزيج من الأساطير المحلية والكونية، ويسعى للتغيير، لكنه ينتهي فقيرا أعمى. هذا المصير الذي يذكر بمصير أوديب يبدو في الرواية اختيارا طوعيا، إذ يؤكد محمد أنه ؟؟؟؟؛
– ويوسف الفرسيوي مزيج من العقلانية والصوفية والروحية الحديثة، لكنه يعيش في اكتئاب مُزمن جراء ثقل الماضي والحاضر ووطأة فقدان ابنه في ظروف وضعته داخل حداد لا مكتمل؛
– والحفيد ياسين يلقى حتفه بين أحضان طالبان، بخلاف كل توقع، وفي ظروف مُبهمة؛
على صعيد المجتمع، ثمة تباعد في المصائر داخل أفراد الجيل الواحد، كما في حالة شريحة يوسف الفرسيوي وأحمد خير وإبراهيم الخياطي الذين كانت تجربة الانتماء إلى اليسار والسجن قد وحدت بينهم في سبعينيات القرن الماضي، وكما في حالة فئة ياسين عصام ومهدي ابني الهادي بالتبني. ويأتي هذا الاختلاف ليضاعف التباعد بين الأوائل باعتبارهم يرمزون لجيل الكبار والأواخر بوصفهم يمثلون جيل الصغار.
إذا كان الفرسيوي الحفيد في رواية «جنوب الروح» قد مثل نموذج التحول، فإن لا ملامح لأي تحول واضح المعالم موجودة على الإطلاق في «القوس والفراشة»، وفي هذه النقطة بالضبط يلتقي العمل الحالي مع الراهن، حاضر مجتمعات الحداثة وما بعدها، الذي يجري يسود فيه حديث الموت والنهايات (موت الكتاب، موت المثقف، موت السياسية، نهاية الدولة، نهاية العمل، نهاية اليقين، نهاية التاريخ، الخ.) دون أن يجرؤ أي باحث على المجازفة بتأكيد ما ستفضي إليه التحولات الراهنة التي لا يخلو منها أي مجتمع من المجتمعات الراهنة في ظل مد العولمة والثورة الرقمية.
4. مسألة النقل الثقافي:
يعرف النقل الثقافي بكونه ما «مجمل ما يورثه السلف إلى الخلف على نحو غير واع. ويتضمن ذلك مجموع التصورات والمعتقدات والأخلاق والخيال، الخ»(3). هذا العنصر الذي كان يشكل آلية لإعادة إنتاج المجتمعات التقليدية، يُعرضُ في «القوس والفراشة» معطلا على مستوى اشتغاله كما على صعيد فراغ محتواه أو حتى انعدامه:
فالفرسيوي الجد، وإن كان يحرص على بقاء السلالة، لا يملك منظومة قيم منسجمة، في المقابل يملك رؤية مزيجا من التقليد والحداثة والتاريخ المحلي المحدود في قرية بومندرة والوطني، والجهوي، إن جاز التعبير، متمثلا في هذا الخليط المتألف من الرومان والإسلام، لا تفضي إلى شخصية واضحة المعالم، مما يجعله شخصية شبه سوريالية على نحو ما يعرض نفسه في الفصل الذي يتولى فيه مهمة السرد، وهو من أقوى فصول الرواية وأجملها على الإطلاق.
إضافة إلى ذلك، تبقى هذه الشخصية في منتهى الغموض بالنسبة لابنها يوسف على نحو ما يشكل بقيت شخصية ياسين غامضة بالنسبة للأب يوسف.
5. ملامح الرابط الاجتماعي الجديد:
تجمع أكثر من دراسة على أن الرابط الاجتماعي يعرف حاليا، في مجتمعات الحداثة وما بعدها، تحولا من أبرز سماته أنه يُبنى على اهتمامات مشتركة، ويتصف باللحظية، والتعدد، وقابلية المتاجرة، وهو ما يتاح تبينه في رواية «القوس والفراشة»:
5. 1. الاهتمامات المشتركة:
خلافا للمجتعات التقليدية، يُنسج الرابط هنا بوجود اهتمامات مشتركة (مال، ذوق، انشغال معين). شخصيات يوسف الفرسيوي وأحمد مجد وإبراهيم الخياطي وفاطمة وليلى وبهية، تشكل جماعة منسجمة بهذا القدر أو ذاك، بحكم انتمائها الاجتماعي وتكوينها الثقافي، وربما حتى السياسي. في ما وراء كل ما يبدو تناقضات ومعاناة، ثمة تماسك بين أفراد هذه الجماعة. فانقلاب أحمد مجد من مناضل سجين إلى مقاول عقاري كبير يعمل بمذهب اخترعه لنفسه وهو: «المال…..يبيض المال»، بل وزواجه بزوجة صديقه يوسف الفرسيوي لم يقوض علاقته بباقي أفراد هذه الجماعة، بخلاف شخصيات محمد الفرسيوي (الأب)، والهادي، وديوتيما وبهية التي لقيت كلها مصيرا مأساويا، يتمثل في الموت أو الانتحار أو المرض أو الإصابة بعاهة؛

5. 2. اللحظيـة:
حيث توارت التواريخ الجماعية لفائدة الحكايات الفردية، داخل علاقات تُقلص الزمان إلى مكان، وصار ما يهيمن هو هذا الـ «حاضر الذي أعيشه مع أفراد آخرين في مكان محدد»(4). أبرز من يمثل هذا العنصر هو يوسف الفرسيوي نفسه، سواء باعتباره سارد حكاية فردية، تتمثل في تجربة حداد غير مكتمل ساقت كآبته هذه الشخصية إلى تأمل دائم في ماضيها وحاضرها الفرديين والاجتماعيين. وأهم من ذلك، يُمثل هذا العنصر العمل الروائي نفسه الذي يبدو، خلافا لجل القراءات التي تناولته لحد الآن، لا يغرق القارئ في جو مأساوي تراجيدي ولا يحمل رؤية تشاؤمية بقدر ما يسعى لاقتناص لحظات شعرية داخل عالم جارف بالتحولات الغامضة.

5. 3. التعدد:
يتمثل هذا المكون في أن الفرد أصبح في مجتمعات اليوم قادرا على الانسلاخ من جماعته المحلية ليتجه رأسا إلى الجماعة الكونية ويختار ضمنها مجموعة/مجموعات للانتماء(5)، مما أفضى بالبعض إلى الحديث عن «عودة القبلية» أو «القبلية الجديدة»(6)، وعن «تشذر» للهوية، وعن «تسكع» لها، بل وحتى عن تعدد للأنا وتشظيها، وهو ما يستدعي من علم كــ «التحليل النفسي» مراجعة تصنيفاته التي تدرج مثل هذه الظواهر ضمن فئة أمراض الذهان (انفصام الشخصية)(7). ضمن هذا الإطار، يمكن فهم العديد من سلوكات شخصيات الرواية، مثل فاطمة التي ترتبط بصديق كوسوفي في إسبانيا، والأجانب الذين حضروا حفل افتتاح فندق الفراشة بمراكش، بل وهذا العنصر بالذات هو أصل المأساة التي اتخذها السارد محور الحكي: إذ رغم أن لاشيء كان يوحي في المحيط العائلي للابن ياسين بأنه سيلتحق بخلية إرهابية، فقد تحقق هذا الالتحاق بفعل سفره إلى فرنسا أولا، ثم سهولة وسائل الاتصال ثانيا.

5. 4. قابلية المتاجـرة:
في هذا المستوى، «لم يعد منطق النفاذ يخضع بتاتا للمعايير التقليدية، وهي طقوس وعلاقات القرابة والأصل العرقي والدين أو الجنس، بل (صار) يخضع أساسا لمعيار حقيبة النقود»(8). يبدو هذا العنصر واضحا في الرواية، من خلال تبدل أحمد خير من موقع اليساري السجين (سابقا) على مقاول عقاري كبير، دون أن يعاني أي تهميش اجتماعي، كما يتضح العنصر نفسه، في فئة الأجانب التي لامتلاكها المال، تنجح في تحقيق مواقع ونسج شبكة من العلاقات في كبريات المدن المغربية، مثل مراكش والرباط.

خلاصة:
رغم تأكيد المؤلف على استقلالية «القوس والفراشة» عن روايته السابقة «جنوب الروح»، بمعنى أن الثانية لم تأت لإكمال الأولى، يُظهر التحليل أنَّ ثمة خيطا رفيعا يجمع بين العملين يتمثل في رصد تحولات ثلاثة أجيال من المجتمع المغربي وتشابه بعض الأسماء في الروايتين (شخصية الفرسيوي)، من جهة، ويتمثل من جهة ثانية في حضور ثابت في الكتابة الروائية عند محمد الأشعري – ولو عن غير قصد منه، كما في كبريات النصوص العالمية – يتمثل في وضعها اليد على ما لا يتم التوصل إليه إلا في حقول معرفية أخرى بتشغيل مجموعة من الأدوات والمفاهيم. في هذا الصدد، أهم ما يمكن الخروج به من مشهد تحولات المجتمع المغربي كما تعرضه الرواية الحالية أنَّ بلدنا يسير اليوم بثلاث سرعات أو إيقاعات: إيقاع التقليد، وإيقاع الحداثة، وإيقاع ما بعد الحداثة.
إضافة إلى ما سبق، يمكن أن تشكل دراسة العمل الحالي نواة لبحث آخر تحت ينكب على الثابت والمتحول في الكتابة الروائية عند محمد الأشعري، فيقارن الشخوص الحاضرة في الروايتين: الأجيال الثلاثة (الجد، الأب والإبن)، ويقف على معنى حضور شخصيات مثل الغاية في القوس والفراشة ويامنة في جنوب الروح من حيث الرمزية والوظيفة داخل التحول.

محمد أسليـم

(ألقيت في حفل توقيع رواية القوس والفراشة للأشعري في المقهى الأدبي بآسفي، يوم 20 اكتوبر 2010)
—————-
هوامــش
(1) رمزية الجنس في رواية «جنوب الروح»، والرواية والإيصال الثقافي في جنوب الروح، والنص الكامل للدراستين متاح للتصفح في موقعنا:
http://aslimnet.free.fr
(2) انظر: محمد أسليم، ذاكرة الأدب (في الشعر والرواية والمسرح)، مكناس، سندي للطباعة والنشر، 1998، فصل الرواية والإيصال الثقافي في جنوب الروح، صص. 86-128
(3) عقبة نطاحي، «إسماعيل أو انسحاب الحرف»، ضمن مجلة مواقـــف، العدد 61/62 (خاص بالتحليل النفسي والثقافة العربية-الإسلامية)، (د. ت.)،، صص. 72-91.
(4) Michel Maffesoli, Sur la Post-modernité :
http://www.miviludes.gouv.fr/IMG/pdf/Michel_Maffesoli.pdf
(5) Marc Augé, «Culture et déplacement», Conférence donnée à l’université de tous les savoirs le 16/11/2000 :
http://www.canal-u.tv/themes/sciences_humaines_sociales_de_l_education_et_de_l_information/sciences_de_la_societe/sociologie_demographie_anthropologie/sociologie/culture_et_deplacement.
(6) Michel Maffesoli, Le Temps des tribus Le Livre de Poche, 2000.
(7) Hélène RICHARD, «Psychanalyse et postmodernité : la Psychanalyse en procès ?», Revue québécoise de psychologie, vol. 18, n°1, 1997, pp. 83-102 .
يمكن تصفحه/تنزيله انطلاقا من العنوان:
http://www.rqpsy.qc.ca/ARTICLE/V18/18_1_083.pdf
(8) – Jeremy Rifkin , L’Âge de l’accès. La nouvelle culture du capitalisme, Paris : La Découverte, p.181.

الكاتب: محمد أسليـم بتاريخ: الأحد 02-09-2012 08:19 مساء

الاخبار العاجلة