رواية جيرترود باعتبارها طقوس عبور وجنائز

1٬088 views مشاهدة
minou
أدب وعلوم اجتماعيةمقالات
رواية جيرترود باعتبارها طقوس عبور وجنائز

تشكل رواية جيرترود للشاعر الروائي حسن نجمي العمل المميز للدخول الثقافي المغربي الحالي بالنظر للتلقي الجيد الذي حظيت به سواء عبر كثرة اللقاءات التي نظمت حولها أو القراءات التي نشرت حولها، والتي تناولت هذا العمل من أربع زوايا:
– تاريخية؛
– سيرة تخييلية؛
– تحلييلنفسية؛
– موضوعة الآخر (أو العلاقة شرق –غرب)؛
إلى هذه التأويلات تسعى الورقة الحالية إضافة وجهة أخرى للقراءة تتمثل في اعتبار رواية جيرترود ليست مادة للمعرفة الاجتماعية فحسب، بل وكذلك متنا يَمنحُ تلقائيا [للقارئ] ما لا يتم التوصل إليه في حقول معرفية مثل علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتحليل التفسير إلا بمجهود وأدوات خاصين.
لا يتسع المقام الحالي لتفسير هذا اللقاء جوابا عن سؤال احتمال تقويل العمل الأدبي ما لا يقوله وسؤال ما إذا الأدب يستبق الاكتشافات العملية أم أنه يتغذى منها.
في المقابل أود قراءة العمل الحالي باعتباره – وفي آن واحد – طقوسَ إعداد وانتقال وجنائز، وذلك في خط سير بدأته مع روايات أخرى مثل «جنوب الروح» و«القوس والفراشة» للمغربي محمد الأشعري، و«لم أعد أبكي» للسعودية زينب حفني.

1 – جرترود باعتباها طقسا إعداديا:
يعرف الطقس في الأنثروبولوجيا بكونه سلسلة من السلوكات النمطية التي يتم إنجازها في مكان وزمن معينين بمناسبات خاصة لإرضاء قوى قد تكون طبيعية أو فوق طبيعية. هذه الطقوس تطبع عموما انتقال فرد أو حتى جماعة بكاملها من حالة إلى أخرى، وتنقسم إلى أنواع عديدة، أشهرها ما التقطته في الرواية الحالية، وهو: الطقوس الانتقالية rites de passages والإعدادية rites initiatiques والجنائزية rites funéraires.
كان بطل الرواية محمد الطنجاوي شخصا عاديا، بل ومحظوظا في مجتمعه قياسا إلى الكثيرين: فهو يزاول عملا قارا ليس بإمكان أي كان الحصول عليه. فجأة، حلت به أمريكية اسمها جيترود بنصيحة من صديق لها فرنسي، فقضت في المدينة عشرة أيام لا غير، خدم فيها محمد ضيفته وصديقتها باعتباره مُساعدا وترجمانا، لكنه خاض في الآن نفسه مع جيرترود مغامرة انتهت بأخذه عُذريتها، واصل مراسلتها بعد عودتها إلى أنْ قرَّرَ ذات يوم أن يتخلى عن عمله ويلحَقَ بها في باريس.
لا أحد في استطاعته إطلاقا تفسير أخذ مثل هذا القرار: لا محمد نفسه ولا حسن الرواي ولا صديقته ليديا ولا حتى جيرترود نفسها، ما يضعنا أمام حالة تشبه تعرض المرء لمسّ من الجنِّ، وتعيد للأذهان ذلك النوع من الرحلات التي كان ينجزها أبطال الأزمنة الأسطورية، أحيانا بالصعود إلى السماء نفسها، للرجوع محملين بمعارف وقوى وقدرات تؤهلهم لممارسة سلطة دنيوية أو سحرية و/أو دينية. وبالفعل، فالرواية تشبه عودة محمد من باريس بخروج آدم من الجنة.
سافر محمد محملا بهدايا نفيسة، ولازم جرترود، كما يلازم المريد شيخه، بغاية الاندماج في المجتمع الجديد المتألف من مجموعتين: النخبة الفنية والأدبية بباريس العشرينيات، ومجتمع الغجر الهامشي. هناك عاش في كنف امرأة ليست كسائر النساء وفي فضاء ليس كسائر الفضاءات:
– فهي بدينة جدا، ما يعيد إلينا صورة إلهات الخصب في المنحوتات الحجرية السحيقة وربات أساطير الشرق القديم. يرد هذا التفسير لا شعوريا ربما على لسان البطل عبر وصفه جسد البطلة بأنه «جسد سحيق»؛
– هي امرأة مسترجلة: جعلت جسدها قسمة بين محمد وبين صديقتها / زوجتها أليس، كما أنها تيسر سائر أنواع العلاقات الممكنة بين الجنسين: تعقد صلة بين رجال ورجال ونساء ونساء ونساء ورجال ورجال ونساء كي تنتهي في الفراش؛
– تحيط نفسها بنجوم من عوالم الرسم والكتابة، ما يُضفي على الفضاء صبغة قدسية؛ فمعروف أنَّ الرسم والأدب والموسيقى كلها فنون منحدرة من أصول دينية؛
– المجتمع الجديد يتواتر فيه الطلاق والتباس الحدود بين الجنسين، وتعدد الأصول العرقية والجغرافية لأعضائه. ناهيك عن كون إحدى شخصيات العمل (وهي أناييس) تحب والدها حبا محظورا وألفت كتابا تحت عنوان «بيت المحارم».
على امتداد سنوات إقامة محمد في بيت جيرترود خدمها مثلما يخدم المريد شيخه، فيما كانت هي تستغله يدويا وجسديا، لكن تهيؤه كذلك احتمالا ليصير فنانا عبر الكتابة وتربية ذوقه الفني، بل ربما أيضا لكي يصير مثليا جنسيا. لكن أي اندماج لم يحصل: فقد كانت غاية البطل أن يتزوَج جيرترود، ثمَّ إنَّه لم يصمد أمام أحد الامتحانات العسيرة التي تقتضيها بعض الطقوس التهييئية، وهي تعرض المتبدئ إلى إهانة شديدة، فقرر قطع هذا التكوين والرجوع إلى موطنه الأصلي بخفي حنين.

2 – جيرترود باعتبارها طقسا انتقاليا
بذلك تحوَّل الطقس التهييئي الفاشل إلى طقس انتقالي. لكن البطل لم يعد نفسَه، بل رجعَ مختلفا عن نفسه وعن الآخرين، آخر عن نفسه وآخر عن مجموعته الاجتماعية التي ستغير سلوكها إزاءه عبر استهزاء الشباب به وسخريتهم منه، ودفعه للتلفظ بإشراقات كان يُضمنها بعضُ مجالسيه في نصوصهم الأدبية، وتعدد تأويلات سوء مآله. باختصار، إذا كانت الطقوس الانتقالية تكرَّسُ عادة بحصول الفرد المنتقل على وضع اعتباري مُعترف به من لدن الجماعة، فإنَّ طقس محمد أفضى إلى إقصائه ربما لأنَّ لا أحد من أفراد مجتمعه اعترف له به أو لأنَّ الوضع الجديد غير قابل للتسمية. وبذلك اختار أن يموتَ.

3 – جيترود باعتبارها طقسا جنائزيا
تفيد أنثروبولوجيا الطقوس الجنائزية أنَّ موتَ الفرد في عدد من المجتمعات لا ينتهي بمجرد التخلص من الجثة، بدفنها أو حرقها أو حتى أكلها، الخ.، إذ يبقى الميتُ على صلة بالأحياء، فيقدم مطالب تضعهم أمام التزامات يمكن أن تهدد حياتهم واستقرارهم ما لم يوفوا بها، ما يقتضي إقامة طقوس يقبل الميتُ بعدها قطع الصلة نهائيا بالأحياء وقبول وضعه الاعتباري الجديد باعتباره شخصا ميتا، فيواصل حياته بين الموتى فيما يواصلوا حياتهم بين الأحياء.
بالمثل، يقول السارد حسن الرواي إنه كتب قصة حياة محمد الطنجاوي استجابة لعهد كان قد قطعه على نفسه في حياة البطل، لكن بموته ارتقى هذا الوعد العابر إلى واجب:
كانت رغبة محمد الطنجاوي كالتالي:
– أن تدوَّنَ قصته مع جيرترود (ما أسميناه بالطقس التأهيلي) بالشكل الذي يريده، وهو:
* أن يُنتصَرَ لهُ؛
* أن يردَّ له الاعتبار، بمحو إهانة جيرترود له عندما محته من منزلها ومن كتابها، ومن صورها؛
لتلبية رغبة الميت سيقوم حسن الراوي بأمرين:
– سعى إلى تدوين أمين لحكاية محمد الطنجاوي مع جيرترود ليس عبر اعتماد الأوراق التي تركها هذا الأخير فحسب، بل وكذلك عبر تسخير كل الوثائق المتعلقة بجيرترود والتردد على فضاءات وجود محمد بباريس، الخ.، مع محاولة فهم تجربة محمد وتفسيرها؛
– محاكاة قصة محمد مع جيرترود بقصة أخرى هي قصة حسن (الراوي) مع ليديا الموظفة في السفارة الأمريكية، عبر إقامة علاقة معها تجاوزت حدود التعاون لإعادة كتابة قصة محمد وجيترود فامتدت إلى الفراش نفسه. ولكن في هذه المرة لم يتعرض البطل البديل (حسن) للطرد، بل اختار الانسحاب طوعا من حياة البطلة البديلة (ليديا)، ورفض عرض زواجها. أكثر من ذلك ألحَّت ليديا غير ما مرة على ضرورة صيانة هيبة جيرترود وكرامتها. فهل يكون هذا نُصرة لمحمد؟
قد لا يوجد الجواب في داخل الرواية، وإنما في خارجها، في فتنة الحكي التي مارسها حسن نجمي باقتدار كبير لإدخالنا في أكثر من قصة متوازية وعوالم الفن التشكيلي والأدب والموسيقى. بتعبير آخر، ربما يكونُ اللغزُ الحقيقي لمحمد كامنا في عجزه عن ولوج الوضع الاعتباري للفنان، ويكونُ حله كامنا في كتابة رواية جميلة تؤهل صاحبها إلى أن يندمجَ في عالم الفن بوجهيه النخبوي والهامشي. وهذا ما قام به حسن نجمي بالضبط في ما أظن.

محمد أسليـم

(ألقيت في لقاء تكريمي لحسن نجمي، بهو مسرح محمد الخامس، 22 دجنبر 2011)

الكاتب: محمد أسليـم بتاريخ: الأحد 02-09-2012 08:23 مساء

الاخبار العاجلة