م. أسليـم: الإيصال الثقافي في رواية «شجـرة الدردار» لعباس خليفي

1٬004 views مشاهدة
minou
أدب وعلوم اجتماعيةمقالات
م. أسليـم: الإيصال الثقافي في رواية «شجـرة الدردار» لعباس خليفي

لن تتطرق هذه المداخلة إلى الجوانب الجمالية في الرواية الحالية ولا إلى المكانة الدقيقة التي يتعين منحها إياها ضمن الإنتاج الروائي المغربي. فتلك مهمة نقاد الأدب واختصاصيي الرواية المغربية تحديدا. وبالمقابل سنتناول التمثلات، وأشكال الإيصال الثقافي.التي تنقلها الرواية باعتبارها عملا إبداعيا يتناول المجتمع المغربي في لحظتين: لحظة التقليد، ولحظة ولوج الحداثة.
لدى التطرق إلى مسألة الإيصال ضمن إطار مرجعي أنثروبولوجي يصير انخراط هذا النقل في قانون منع غشيان المحارم أمرا أساسيا جدا. فهذا القانون بمحتواه المزدوج الذي يفرض على كل كائن أن يعترف بمحدوديته المزدوجة في التمييز بين الأجيال والفصل بين الجنسين يمكن أن يفضي إلى تأسيس فضائين شبه متعارضين:
– فضاء يمكن أن يحظى فيه المغاير بالاعتراف، ويمكن فيه للمختلف أن يجد موقعا له داخل الثقافة المعنية ويشكل سلَفاً يُتَّبَع.
– سياقات التي تعرقل ترسيخ هذا القانون الأساسي، والتمثلات التي تمنع الفرد من أن يشعر بأنه محدود بالجيل السابق له والجيل اللاحق له، بأنه محدود بوجود جنس آخر، تلك السياقات تحث على تنظيمات لا يمكن للنقل فيها أن يُتَصَوَّرَ إلى على نمط التكرار، أي إقصاء المغاير.
هذا التصور المزدوج لمفهوم الإيصال الثقافي هو ما سنحاول التطرق إليه. سنعرض في عجالة شديدة جدا الطريقة التي تمثل بها فرويد علاقة الأبوة وعاشها، ثم ننتقل إلى علاقة الأبوة كما هي معروضة في «شجرة الدردار» التي تستمد تميزها ضمن هذا المنظور من كون صاحبها يعرض على خشبتها العنصرين الأساسين للإيصال الثقافي، وهما الأب واللغة.

الإيصال الثقــافـي عند فرويــــد
تحتل مسألة الأبوة مكانة مركزية في حياة فرويد وكتاباته، سنكتفي هنا بالإشارة إلى بعض جوانبها. في دراسة تحمل عنوان «اضطراب ذاكرة حول الأكروبول» عالج فرويد الصعوبة التي واجهها في السفر إلى أثينا بإرجاعها إلى «قساوة ظروف الحياة التي اجتازها في شبابه» فاستنتج من ذلك وجودَ أثرَ ممنوعٍ، هو ممنوع المضي أبعد من أبيه، ثم يضيف: «كل شيء يتم كما لو كان الأساسي في النجاح يتمثل في في الذهاب أبعد من الأب، كما لو كان ممنوعا دائما تجاوز الأب». وفي هذه الجملة حيثُ يظهر التعارض الوجداني للعلاقة أب-ابن نعثر على صياغة مشكل الإيصال الثقافي في كليته. أيتعين على المرء أن يكرر الأنماط الثقافية السائدة أم عليه أن يمضي أبعد منها؟
عموما يعرض فرويد تصورين للأبوة – البنوة:
– تصور لعلاقة مسكوكة، هي تكرارٌ للمثيل. وهنا تعاش العلاقة أب-ابن على نمط العلاقة أستاذ -تلميذ، وهي علاقة تتحقق في عبارة تترد كثيرا في كتابات فرويد «الأطفال عائدون» (les enfants sont de revenants): هذا التصور الأول يهيمن على عمل فرويد، وبصفة خاصة في كتابه «تفسير الأحلام»
– أما التصور الثاني للعلاقة أب-ابن فهو أكثر تفتحا على الحياة، والتغيير، وينبذ إقصاء ما هو أنثوي. وفرويد يكبت هذا التصور الثاني بهذا القدر أو ذاك، لكنه سيبرز إلى السطح من جديد في السنوات الأخيرة من حياته..
وهذان التصوران للأبوة عند فرويد يمكن العثور عليهما ضمن كتابات فرويد في عدة في نقط يمكن أن نذكر منها:
1 – الأطفال باعتبارهم عائديـن
2 – قانـون الجـد
3 – العلاقة أب-ابن متصـورة على نموذج العـلاقـة أب-تلميذ
4 – الانتقال من المحسوس إلـى المعقـول
5 – إقصاء الأنثوي والحـي.

2 – الإيصـال الثقافي في شجـرة الـدردار
انطلاقا من هذا النموذج المزدوج سنحاول معالجة مسألة الثقافي في الرواية وبالخصوص العلاقة أب – ابن. ما شكل الإيصال المهيمن في هذا العمل؟
في الرواية الحالية يهيمن على الحكي الزوج أب – ابن. هذا الزوج يبدو مستقرا داخل ثباتٍ يبدو متحديا للزمن والتغيير. ذلك أن صورة الأب عبد السلام الغارقة في التقليد، وإن بدى أنها تبددت مع غياب هذه الشخصية في الفصل الثاني من الرواية، فإن هذا التلاشي لا يعدو مجرد غياب ظاهري، ذلك أن الإبن مزيان الذي يواصل مهمة الحكي في هذا القسم يشكل في الواقع بديلا للغائب، ويضطلع بمهمة إيصال التقليد من خلال نقاشاته مع ابنة عمه ماغي بالخصوص.
ينقسم العمل الحالي إلى قسمين شبه متكافئين، تقع أحداث كل منهما في مرحلة من تاريخ المغرب المعاصر: الأول يتمحور فيه الحكي حول شخصية الأب عبد السلام. وتدور وقائعه إبان الاحتلال، وبالضبط سنة 1947 التي سادت فيها المجاعة. ففي هذا السياق اضطرت أسرة عبد السلام إلى مغادرة موطنها، إحدى قرى الريف، لتتيه دون اتجاه محدد ويتعرض أفرادها للشتات (البغل يباع، علوش يفر، مزيان يتخلى عنه، محمد «يموت» ويترك، ميمونة تموت).
أما القسم الثاني فيتمحور فيه الحكي حول شخصية مزيان باعتباره ابنا عائدا، فتقع أحداثه في فترة الاستقلال (يحتمل أنها السبعينيات). هذا القسم يمكن اعتباره بحثا عن الأصل إذ تتمحور أحداثه حول اجتماع ما تبقى من أفراد الأسرة (محمد ومزيان، لكن أيضا العم بوشعيب). وبالفعل يلتم شمل أعضاء العائلة في شكلها الموسع، باستثناء الأب عبد السلام الذي تنتهي الرواية دون أن يُعرَفَ مصيره النهائي، وإن كان كل شيء، حسب منطق الحكي، يحمل على الاعتقاد بأنه سينتهي هو الآخر إلى بأهله.
في الرواية الحالية يبدو أن نمط الإيصال المهيمن هو نموذج الإيصال داخل المثيل (La transmission dans l’identique)، الذي سبقت الإشارة إليه عند فرويد. فالتحولات والتجديدات التي يعرفها مجتمع الرواية لا تصمد أمام سلطة التكرار والتشابه، هذا التشابه الذي ينطبق على أجساد شخوص الرواية وكائناتها كما ينطبق على نسق القيم التي تسود بينهم أو يفترض أن تسود بينهم: فالحيوانات في أسرة عبد السلام تتمتع بوضع اعتباري مماثل لوضع أفراد العائلة: (البغل وعلوش)، ومزيان عندما سيلتقي بأخيه محمد بعد فراق دام سنوات طوال سيخيل إليه من فرط التشبابه بينها أنه يينظر صورته في المرآة. وفوق هذا كله، فأفراد القرية التي ينتمي إليها ابطال الرواية كلهم ذوو سمة مميزة هي تشابه شكل الأسنان وألوانها.
إن صورة الأب في المجتمع المغاربي التقليدي المألوفة في الأدبيات الإثنوغرافية والسوسيولوجية التي عالجت هذا الموضوع حاضرة بقوة: قرار الرحيل، أتى منه، ولاحق لأحد أن يناقش رأيه فبالأحرى أن يعترض عليه: وكما يقول عبد السلام نفسه: «أنا امرؤ إذا قررتُ شيئا لا يمكنني الحياد عنه» (ص. 19)
والرواية تظهر المصير المصنوع للأبناء. يتعامل معهم الأب عبد السلام كما لو كانوا أشياء: ينهال عليهم بالتهديد، وينبذهم، ويتخلى عنهم، كما لايمنحهم حقا في الكلام، حتى وإن نتعلق الأمر بإبداء آلام الجوع:
«- ألا تكفا عن ترديد هذه الأغنية اللعينة؟ اسكتا.. اسكتا، وإلا.. لقد سمعتكما بأذني هاتين، بجسمي كله.. قولا أي شيء إلا أغروم. اطلبا الموت.. ]…[ تفو، تفو… تحملا واصبرا..» (ص. 13)
ورد فعل الأبناء تجاه هذا الوضع ليست هي الثورة ولا الاحتجاج. فمزيان سيفعل المستحيل من أجل العودة إلى أسرته الحقيقية. ومحمد، الذي تُخُلِّيَ عنه وهو يحتضر، ثم تربى وحيدا وكبر دون أن يعرف أهله، سيفعل هو الآخر المستحيل من أجل استعادة أصله. يقول:
«-إذا كان الناس يزورونه ]مولاي عبد السلام[ سبع مرات كي تقضى أغراضهم فأنا زرته حوالي عشرين مرة. لم أكن أطلب منه سوى شيء واحد، هو أن يرشدني إلى أهلي وقبيلتي[» (ص. 143).
والمرأة في الرواية تظهر خاضعة ذليلة، لا حق لها في الكلام. أكثر من ذلك تتعرض للعقاب البدني، وتتلقى من الزوج/الرجل ما يعتبره البعض أصلا في أحد الذهانات، نعني به الأوامر المتناقضة (Double contrainte)، أي أن يؤمَرَ المرءُ بفعل شيء ما ويهدد بتلقي عقابٍ إن لم يستجب للأمر، لكن ما أن يفعل ما أمِرَ به حتى يُعَاقَبَ على فعله: فلما دعت ميمونة الأب للتخلي عن الطفلين مزيان ومحمد رأفة بهم كاد أن يقلتها ضربا:
«- سأقتلك، سأقتلك. خذي. ذوقي. سأدفنك هنا قبل أن أرحل..» (ص. 1)
«- بنت القحبة، لو كنت أنت أمهما الحقيقية لما فكرت في تركهما والتخلي عنهما، ولكن متى حنت زوجة الأب ةعطفت على ربائبها؟! ]…[ أنا أترك أبنائي هنا؟!… أتخلى عنهم؟!… بعدا لك أيتها الكلبة. لا حاشى أن تكوني كلبة…» (ص. 22)
وصبيحة الغذ عاد يدعوها إلى التخلي عن الطفلين:
«ما كانت لتصدق كلامه لولا أنها تبينت نبرة الشر في صوته وحركاته. سألته تختبر:
– إنك تمزح أعبد السلام، أليس كذلك؟!
تذكرت ميمونة كلامها: «أقول: ماذا لو ظاوعتني، فنترك الأطفال هنا ونرحل نحن.. نتخلى عنهما.. ربما جاء أحدهم، فأخذهما وتكفل بـ…
خيل إليها أنها تتلقى الضربات على رأسها وظهرها…» (ص. 31)
ويبلغ رفض الآخر، المؤنث، قمته لدى عبد السلام في اللقطة السادية التي يترك فيها زوجته ميمونة تموت دون أن يهب لنجدتها:
«لم تفطن ميمونة إلا والتربة قد انجرفت بها وأسقطتها. تعالى صياحها..
توقف عبد السلام، استدار إلى الخلف، رأى ميمونة متمسكة ببعض الجذوع وتحتها هوة شديدة الاانحذار ذات صخور ناتئة. اتكأ على عصاه وركز فيها بصره وهي تخبط برجليها المتديلتين ]…[ تعبت ميمونة، فأغمضت عينيها وأرخت يديها، بدأت تتدحرج. تتقاذفها الصخور وهو يتابعها بعينه إلى أن استقرت عند نهاية المنجرف. رفع عصاه، وضعها وراء عنقه، ثم أمسك بطرفيها بكلتي يديه، ثم خطا، وواصل سيره وهو يردد أغنية ريفية بأعلى صوته إلى أن اختفى بين الجبال». (ص. 105)
نموذج آخر للمرأة يظهر مع أم عبد السلام التي تتصرف كأنها رجلٌ سواء لدى اعتقال ابنها فور قتله لأحد المستعمرين أو لدى سجنه بمليلية. مما يعكس أن المرأة الحقيقية في السياق الثقافي موضوع الرواية لا يمكن أن تكون إلا رجلا. ومن هذه الزاوية يمكن إجراء مقارنات مثمرة بين العمل الحالي وأعمال روائية أخرى كـرواية بندر شاه للطيب صالح التي تتقمص فيه شخصية فاطمة الدور نفسه، ورواية التسليم لعبد الإله الحمدوشي التي يغيب فيها الأب لصالح الأم…
تعرض الرواية أخيرا نموذج آخر لامرأة التحول ممثلة في ماجي ابنة العم بوشعيب التي تبدو رافضة لهذه الديمومة، رافضة للحياة التقليدية:
فتاة شقراء، فاتنة الجمال، جهيرة، ليست غليظة ولا نحيفة، تلبس قميصا أصفر وسروالا من الدجينس» (ص. 136)
« تتحدث بعدة لغات: الفلامانية، والفرنسية، والإنجليزية… تتفاهم مع الألمان والهولانديين، والدانماركيين… زارت كل البلدان الأوروبية تقريبا، اليونان، النرويج، إيطاليا، سويسرا، دون الحديث عن فرنسا وإسبانيا» (ص. 152)
«إنها (أمها) ترغمني، تريدني أن أضع كحلا على عيني، وأن أخلع سروال الجينز وألبس تنورة.. إنها تعرف أنني أتوفر على كحلي وسواكي في حقيبتي.. فيما يخص لباسي، فأنا حرة.
ازداد وجه الأم احمرارا، فخفضت رأسها إلى الأرض.
– بدل أن تساعدي أمك في المطبخ، فتتعلمي منها فن الطبخ… تحدثين فوضى؟
– لا حاجة لي لتعلم طبخكم، سآكل في المطاعـم.
– هيهات! وأين المطاعم هنا؟
– أعد لي جواز سفري.. أحذرك.. أنا لست من الفتاة أو النساء اللائي يعشن حياتهم تحت سلطة الرجل؛ الأب، والزوج، والأخ، ولست أدري… أعد لي جواز سفري.. أنا لم أولد لأكون سلعة كنسائكم وأمهاتكم اللواتي لا شغل لهن إلا الإنجاب…» (ص. 153)
لكن رد فعل الوسطين العائلي والاجتماعي هو نعتها ب«الحمقاء» والملعوقة»، وأبوها يعتبر وضعها هذا بمثابة الخسارة أو الفقدان الذي لا يعوض.
«أنت ستظلين قاصرة حتى ولو وكنت في سن التسعين» (ص. 154)
وسيحرق أبوها كتبها وآلة الكمان (ص. 165).
ويستخلص مما سبق أن الغيرية، هذا العنصر الضروري للحياة، يكون دائما، وفي سائر السياقات الثافية، مهددا في مجيئه. لكنه في العمل الحالي مقموع بعنف. «ستبقين قاصرة حتى ولو بلغتِ سن التسعين» (قال أحد شخوص الرواية لماجي لما شجبت دونية المرأة في البيئة المحكى عنها).
يمثل الأب بوشعيب صورة لأب مخالفة لتلك التي يقدمها أخوه عبد السلام، من حيث كونه سافر إلى بلجيكا واحتك بقيم جديدة، فألقى بابنته في مدار المدرسة العصرية مخالفا في ذلك الوسط التقليدي، غير أنه لم يمض إلى أبعد حد في هذا التحول، ذلك أنه سرعان ما سيعتبر تقمص ابته للعادات والتقاليد العصرية فقدانا لهذه البنت ذاتها (أموال الدنيا قاطبة لن تعزيه عما فقده)
إن السياق الذي تقدمه الرواية سياق تقليدي مترسخٌ فيه النسب الخطي الأبوي، استيهامه هو تحقيق نقل ثقافي دون المرور من النساء، هو تشييد ديمومة أو استمرارية بإقصاء المؤنث، الآخر.
كما أن قانون منع غشيان المحارم مترسخٌ ومعبر عنه في الرواية:
«من تكون هذه؟ إياكم أن تقولوا إنها أختي أو بنت أخي، لا تقولوا إنها عمتي أو خالتي» (ص. 136)
لكن الرواية تعرض عن هذا القانون صورة مقلوبة دالة، في العلاقة أم-ابن، هذه العلاقة التي تحببها الثقافة التقليدية وتشيد بها كما تفضلها. و النص يجلو هذا القانون على نفس الصعيد كما لو كان مسَجَّلاً على النقيض من القانون، أي يعرضه باعتباره سلسلة إيصال ثقافي مَحَارمِي، ترتبط الأم بابنها (دون أن يرتبط الأب بابنته على نحو ما نجده في أعمال كتاب مغاربيين مثل آسيا جبار في روايتها فانتازيا) كما لو كان الكاتب يعيد داخل عمله خلق السياق الفردوسي الذي كانت الغيرية فيه مقصاة تماما.
والخلاصة أن الرواية تعرض نموجين للإيصال: التكرار وما وراءه. تظهر في الآن نفسه صعوبة التموقع إزاءهما. وإذا كانت هذه الصعوبة تعاشُ يوميا على الصعيد المجتمعي والثقافي، فإن الروائي، على ما تمنحه له الكتابة من إمكانيات للتحرر الحالم، لم يتبع ماجي. وبذا يكون هذا العمل تصويرا للوضعية الصعبة التي يوجد فيها كل إنسان نفسه: وضعية أن يستوعب تركيب هذين النموذجين: قبول التكرار، لكن من أجل تجاوزه والمضي إلى ما ورائه. وسيكون من المفيد جدا مواصلة هذه السطور بإجراء مقارنات بين العمل الحالي وثلاث روايات تتقاطع كلها في الموضوع نفسه، وهي: التسليم لهشام الحمدوشي، وبين الجدران لأحمد الطاهري الإدريسي، وجنوب الروح لمحمد الأشعري، من أجل الخروج بخلاصات أرصن حول وضع الأب في الرواية المغربية المعاصرة.
الإيصـال الثقافي في روايـة شجـرة الدردار
لن تتطرق هذه المداخلة إلى الجوانب الجمالية في الرواية الحالية ولا إلى المكانة الدقيقة التي يتعين منحها إياها ضمن الإنتاج الروائي المغربي. فتلك مهمة نقاد الأدب واختصاصيي الرواية المغربية تحديدا. وبالمقابل سنتناول التمثلات، وأشكال الإيصال الثقافي.التي تنقلها الرواية باعتبارها عملا إبداعيا يتناول المجتمع المغربي في لحظتين: لحظة التقليد، ولحظة ولوج الحداثة.
لدى التطرق إلى مسألة الإيصال ضمن إطار مرجعي أنثروبولوجي يصير انخراط هذا النقل في قانون منع غشيان المحارم أمرا أساسيا جدا. فهذا القانون بمحتواه المزدوج الذي يفرض على كل كائن أن يعترف بمحدوديته المزدوجة في التمييز بين الأجيال والفصل بين الجنسين يمكن أن يفضي إلى تأسيس فضائين شبه متعارضين:
– فضاء يمكن أن يحظى فيه المغاير بالاعتراف، ويمكن فيه للمختلف أن يجد موقعا له داخل الثقافة المعنية ويشكل سلَفاً يُتَّبَع.
– سياقات التي تعرقل ترسيخ هذا القانون الأساسي، والتمثلات التي تمنع الفرد من أن يشعر بأنه محدود بالجيل السابق له والجيل اللاحق له، بأنه محدود بوجود جنس آخر، تلك السياقات تحث على تنظيمات لا يمكن للنقل فيها أن يُتَصَوَّرَ إلى على نمط التكرار، أي إقصاء المغاير.
هذا التصور المزدوج لمفهوم الإيصال الثقافي هو ما سنحاول التطرق إليه. سنعرض في عجالة شديدة جدا الطريقة التي تمثل بها فرويد علاقة الأبوة وعاشها، ثم ننتقل إلى علاقة الأبوة كما هي معروضة في «شجرة الدردار» التي تستمد تميزها ضمن هذا المنظور من كون صاحبها يعرض على خشبتها العنصرين الأساسين للإيصال الثقافي، وهما الأب واللغة.

الإيصال الثقـافـي عند فرويــد
تحتل مسألة الأبوة مكانة مركزية في حياة فرويد وكتاباته، سنكتفي هنا بالإشارة إلى بعض جوانبها. في دراسة تحمل عنوان «اضطراب ذاكرة حول الأكروبول» عالج فرويد الصعوبة التي واجهها في السفر إلى أثينا بإرجاعها إلى «قساوة ظروف الحياة التي اجتازها في شبابه» فاستنتج من ذلك وجودَ أثرَ ممنوعٍ، هو ممنوع المضي أبعد من أبيه، ثم يضيف: «كل شيء يتم كما لو كان الأساسي في النجاح يتمثل في في الذهاب أبعد من الأب، كما لو كان ممنوعا دائما تجاوز الأب». وفي هذه الجملة حيثُ يظهر التعارض الوجداني للعلاقة أب-ابن نعثر على صياغة مشكل الإيصال الثقافي في كليته. أيتعين على المرء أن يكرر الأنماط الثقافية السائدة أم عليه أن يمضي أبعد منها؟
عموما يعرض فرويد تصورين للأبوة – البنوة:
– تصور لعلاقة مسكوكة، هي تكرارٌ للمثيل. وهنا تعاش العلاقة أب-ابن على نمط العلاقة أستاذ -تلميذ، وهي علاقة تتحقق في عبارة تترد كثيرا في كتابات فرويد «الأطفال عائدون» (les enfants sont de revenants): هذا التصور الأول يهيمن على عمل فرويد، وبصفة خاصة في كتابه «تفسير الأحلام»
– أما التصور الثاني للعلاقة أب-ابن فهو أكثر تفتحا على الحياة، والتغيير، وينبذ إقصاء ما هو أنثوي. وفرويد يكبت هذا التصور الثاني بهذا القدر أو ذاك، لكنه سيبرز إلى السطح من جديد في السنوات الأخيرة من حياته..
وهذان التصوران للأبوة عند فرويد يمكن العثور عليهما ضمن كتابات فرويد في عدة في نقط يمكن أن نذكر منها:
1 – الأطفال باعتبارهم عائديـن
2 – قانـون الجـد
3 – العلاقة أب-ابن متصـورة على نموذج العـلاقـة أب-تلميذ
4 – الانتقال من المحسوس إلـى المعقـول
5 – إقصاء الأنثوي والحـي.

2 – الإيصـال الثقافي في شجـرة الـدردار
انطلاقا من هذا النموذج المزدوج سنحاول معالجة مسألة الثقافي في الرواية وبالخصوص العلاقة أب – ابن. ما شكل الإيصال المهيمن في هذا العمل؟
في الرواية الحالية يهيمن على الحكي الزوج أب – ابن. هذا الزوج يبدو مستقرا داخل ثباتٍ يبدو متحديا للزمن والتغيير. ذلك أن صورة الأب عبد السلام الغارقة في التقليد، وإن بدى أنها تبددت مع غياب هذه الشخصية في الفصل الثاني من الرواية، فإن هذا التلاشي لا يعدو مجرد غياب ظاهري، ذلك أن الإبن مزيان الذي يواصل مهمة الحكي في هذا القسم يشكل في الواقع بديلا للغائب، ويضطلع بمهمة إيصال التقليد من خلال نقاشاته مع ابنة عمه ماغي بالخصوص.
ينقسم العمل الحالي إلى قسمين شبه متكافئين، تقع أحداث كل منهما في مرحلة من تاريخ المغرب المعاصر: الأول يتمحور فيه الحكي حول شخصية الأب عبد السلام. وتدور وقائعه إبان الاحتلال، وبالضبط سنة 1947 التي سادت فيها المجاعة. ففي هذا السياق اضطرت أسرة عبد السلام إلى مغادرة موطنها، إحدى قرى الريف، لتتيه دون اتجاه محدد ويتعرض أفرادها للشتات (البغل يباع، علوش يفر، مزيان يتخلى عنه، محمد «يموت» ويترك، ميمونة تموت).
أما القسم الثاني فيتمحور فيه الحكي حول شخصية مزيان باعتباره ابنا عائدا، فتقع أحداثه في فترة الاستقلال (يحتمل أنها السبعينيات). هذا القسم يمكن اعتباره بحثا عن الأصل إذ تتمحور أحداثه حول اجتماع ما تبقى من أفراد الأسرة (محمد ومزيان، لكن أيضا العم بوشعيب). وبالفعل يلتم شمل أعضاء العائلة في شكلها الموسع، باستثناء الأب عبد السلام الذي تنتهي الرواية دون أن يُعرَفَ مصيره النهائي، وإن كان كل شيء، حسب منطق الحكي، يحمل على الاعتقاد بأنه سينتهي هو الآخر إلى بأهله.
في الرواية الحالية يبدو أن نمط الإيصال المهيمن هو نموذج الإيصال داخل المثيل (La transmission dans l’identique)، الذي سبقت الإشارة إليه عند فرويد. فالتحولات والتجديدات التي يعرفها مجتمع الرواية لا تصمد أمام سلطة التكرار والتشابه، هذا التشابه الذي ينطبق على أجساد شخوص الرواية وكائناتها كما ينطبق على نسق القيم التي تسود بينهم أو يفترض أن تسود بينهم: فالحيوانات في أسرة عبد السلام تتمتع بوضع اعتباري مماثل لوضع أفراد العائلة: (البغل وعلوش)، ومزيان عندما سيلتقي بأخيه محمد بعد فراق دام سنوات طوال سيخيل إليه من فرط التشبابه بينها أنه يينظر صورته في المرآة. وفوق هذا كله، فأفراد القرية التي ينتمي إليها ابطال الرواية كلهم ذوو سمة مميزة هي تشابه شكل الأسنان وألوانها.
إن صورة الأب في المجتمع المغاربي التقليدي المألوفة في الأدبيات الإثنوغرافية والسوسيولوجية التي عالجت هذا الموضوع حاضرة بقوة: قرار الرحيل، أتى منه، ولاحق لأحد أن يناقش رأيه فبالأحرى أن يعترض عليه: وكما يقول عبد السلام نفسه: «أنا امرؤ إذا قررتُ شيئا لا يمكنني الحياد عنه» (ص. 19)
والرواية تظهر المصير المصنوع للأبناء. يتعامل معهم الأب عبد السلام كما لو كانوا أشياء: ينهال عليهم بالتهديد، وينبذهم، ويتخلى عنهم، كما لايمنحهم حقا في الكلام، حتى وإن نتعلق الأمر بإبداء آلام الجوع:
«- ألا تكفا عن ترديد هذه الأغنية اللعينة؟ اسكتا.. اسكتا، وإلا.. لقد سمعتكما بأذني هاتين، بجسمي كله.. قولا أي شيء إلا أغروم. اطلبا الموت.. ]…[ تفو، تفو… تحملا واصبرا..» (ص. 13)
ورد فعل الأبناء تجاه هذا الوضع ليست هي الثورة ولا الاحتجاج. فمزيان سيفعل المستحيل من أجل العودة إلى أسرته الحقيقية. ومحمد، الذي تُخُلِّيَ عنه وهو يحتضر، ثم تربى وحيدا وكبر دون أن يعرف أهله، سيفعل هو الآخر المستحيل من أجل استعادة أصله. يقول:
«-إذا كان الناس يزورونه ]مولاي عبد السلام[ سبع مرات كي تقضى أغراضهم فأنا زرته حوالي عشرين مرة. لم أكن أطلب منه سوى شيء واحد، هو أن يرشدني إلى أهلي وقبيلتي[» (ص. 143).
والمرأة في الرواية تظهر خاضعة ذليلة، لا حق لها في الكلام. أكثر من ذلك تتعرض للعقاب البدني، وتتلقى من الزوج/الرجل ما يعتبره البعض أصلا في أحد الذهانات، نعني به الأوامر المتناقضة (Double contrainte)، أي أن يؤمَرَ المرءُ بفعل شيء ما ويهدد بتلقي عقابٍ إن لم يستجب للأمر، لكن ما أن يفعل ما أمِرَ به حتى يُعَاقَبَ على فعله: فلما دعت ميمونة الأب للتخلي عن الطفلين مزيان ومحمد رأفة بهم كاد أن يقلتها ضربا:
«- سأقتلك، سأقتلك. خذي. ذوقي. سأدفنك هنا قبل أن أرحل..» (ص. 1)
«- بنت القحبة، لو كنت أنت أمهما الحقيقية لما فكرت في تركهما والتخلي عنهما، ولكن متى حنت زوجة الأب ةعطفت على ربائبها؟! ]…[ أنا أترك أبنائي هنا؟!… أتخلى عنهم؟!… بعدا لك أيتها الكلبة. لا حاشى أن تكوني كلبة…» (ص. 22)
وصبيحة الغذ عاد يدعوها إلى التخلي عن الطفلين:
«ما كانت لتصدق كلامه لولا أنها تبينت نبرة الشر في صوته وحركاته. سألته تختبر:
– إنك تمزح أعبد السلام، أليس كذلك؟!
تذكرت ميمونة كلامها: «أقول: ماذا لو ظاوعتني، فنترك الأطفال هنا ونرحل نحن.. نتخلى عنهما.. ربما جاء أحدهم، فأخذهما وتكفل بـ…
خيل إليها أنها تتلقى الضربات على رأسها وظهرها…» (ص. 31)
ويبلغ رفض الآخر، المؤنث، قمته لدى عبد السلام في اللقطة السادية التي يترك فيها زوجته ميمونة تموت دون أن يهب لنجدتها:
«لم تفطن ميمونة إلا والتربة قد انجرفت بها وأسقطتها. تعالى صياحها..
توقف عبد السلام، استدار إلى الخلف، رأى ميمونة متمسكة ببعض الجذوع وتحتها هوة شديدة الاانحذار ذات صخور ناتئة. اتكأ على عصاه وركز فيها بصره وهي تخبط برجليها المتديلتين ]…[ تعبت ميمونة، فأغمضت عينيها وأرخت يديها، بدأت تتدحرج. تتقاذفها الصخور وهو يتابعها بعينه إلى أن استقرت عند نهاية المنجرف. رفع عصاه، وضعها وراء عنقه، ثم أمسك بطرفيها بكلتي يديه، ثم خطا، وواصل سيره وهو يردد أغنية ريفية بأعلى صوته إلى أن اختفى بين الجبال». (ص. 105)
نموذج آخر للمرأة يظهر مع أم عبد السلام التي تتصرف كأنها رجلٌ سواء لدى اعتقال ابنها فور قتله لأحد المستعمرين أو لدى سجنه بمليلية. مما يعكس أن المرأة الحقيقية في السياق الثقافي موضوع الرواية لا يمكن أن تكون إلا رجلا. ومن هذه الزاوية يمكن إجراء مقارنات مثمرة بين العمل الحالي وأعمال روائية أخرى كـرواية بندر شاه للطيب صالح التي تتقمص فيه شخصية فاطمة الدور نفسه، ورواية التسليم لعبد الإله الحمدوشي التي يغيب فيها الأب لصالح الأم…
تعرض الرواية أخيرا نموذج آخر لامرأة التحول ممثلة في ماجي ابنة العم بوشعيب التي تبدو رافضة لهذه الديمومة، رافضة للحياة التقليدية:
فتاة شقراء، فاتنة الجمال، جهيرة، ليست غليظة ولا نحيفة، تلبس قميصا أصفر وسروالا من الدجينس» (ص. 136)
« تتحدث بعدة لغات: الفلامانية، والفرنسية، والإنجليزية… تتفاهم مع الألمان والهولانديين، والدانماركيين… زارت كل البلدان الأوروبية تقريبا، اليونان، النرويج، إيطاليا، سويسرا، دون الحديث عن فرنسا وإسبانيا» (ص. 152)
«إنها (أمها) ترغمني، تريدني أن أضع كحلا على عيني، وأن أخلع سروال الجينز وألبس تنورة.. إنها تعرف أنني أتوفر على كحلي وسواكي في حقيبتي.. فيما يخص لباسي، فأنا حرة.
ازداد وجه الأم احمرارا، فخفضت رأسها إلى الأرض.
– بدل أن تساعدي أمك في المطبخ، فتتعلمي منها فن الطبخ… تحدثين فوضى؟
– لا حاجة لي لتعلم طبخكم، سآكل في المطاعـم.
– هيهات! وأين المطاعم هنا؟
– أعد لي جواز سفري.. أحذرك.. أنا لست من الفتاة أو النساء اللائي يعشن حياتهم تحت سلطة الرجل؛ الأب، والزوج، والأخ، ولست أدري… أعد لي جواز سفري.. أنا لم أولد لأكون سلعة كنسائكم وأمهاتكم اللواتي لا شغل لهن إلا الإنجاب…» (ص. 153)
لكن رد فعل الوسطين العائلي والاجتماعي هو نعتها ب«الحمقاء» والملعوقة»، وأبوها يعتبر وضعها هذا بمثابة الخسارة أو الفقدان الذي لا يعوض.
«أنت ستظلين قاصرة حتى ولو وكنت في سن التسعين» (ص. 154)
وسيحرق أبوها كتبها وآلة الكمان (ص. 165).
ويستخلص مما سبق أن الغيرية، هذا العنصر الضروري للحياة، يكون دائما، وفي سائر السياقات الثافية، مهددا في مجيئه. لكنه في العمل الحالي مقموع بعنف. «ستبقين قاصرة حتى ولو بلغتِ سن التسعين» (قال أحد شخوص الرواية لماجي لما شجبت دونية المرأة في البيئة المحكى عنها).
يمثل الأب بوشعيب صورة لأب مخالفة لتلك التي يقدمها أخوه عبد السلام، من حيث كونه سافر إلى بلجيكا واحتك بقيم جديدة، فألقى بابنته في مدار المدرسة العصرية مخالفا في ذلك الوسط التقليدي، غير أنه لم يمض إلى أبعد حد في هذا التحول، ذلك أنه سرعان ما سيعتبر تقمص ابته للعادات والتقاليد العصرية فقدانا لهذه البنت ذاتها (أموال الدنيا قاطبة لن تعزيه عما فقده)
إن السياق الذي تقدمه الرواية سياق تقليدي مترسخٌ فيه النسب الخطي الأبوي، استيهامه هو تحقيق نقل ثقافي دون المرور من النساء، هو تشييد ديمومة أو استمرارية بإقصاء المؤنث، الآخر.
كما أن قانون منع غشيان المحارم مترسخٌ ومعبر عنه في الرواية:
«من تكون هذه؟ إياكم أن تقولوا إنها أختي أو بنت أخي، لا تقولوا إنها عمتي أو خالتي» (ص. 136)
لكن الرواية تعرض عن هذا القانون صورة مقلوبة دالة، في العلاقة أم-ابن، هذه العلاقة التي تحببها الثقافة التقليدية وتشيد بها كما تفضلها. و النص يجلو هذا القانون على نفس الصعيد كما لو كان مسَجَّلاً على النقيض من القانون، أي يعرضه باعتباره سلسلة إيصال ثقافي مَحَارمِي، ترتبط الأم بابنها (دون أن يرتبط الأب بابنته على نحو ما نجده في أعمال كتاب مغاربيين مثل آسيا جبار في روايتها فانتازيا) كما لو كان الكاتب يعيد داخل عمله خلق السياق الفردوسي الذي كانت الغيرية فيه مقصاة تماما.
والخلاصة أن الرواية تعرض نموجين للإيصال: التكرار وما وراءه. تظهر في الآن نفسه صعوبة التموقع إزاءهما. وإذا كانت هذه الصعوبة تعاشُ يوميا على الصعيد المجتمعي والثقافي، فإن الروائي، على ما تمنحه له الكتابة من إمكانيات للتحرر الحالم، لم يتبع ماجي. وبذا يكون هذا العمل تصويرا للوضعية الصعبة التي يوجد فيها كل إنسان نفسه: وضعية أن يستوعب تركيب هذين النموذجين: قبول التكرار، لكن من أجل تجاوزه والمضي إلى ما ورائه. وسيكون من المفيد جدا مواصلة هذه السطور بإجراء مقارنات بين العمل الحالي وثلاث روايات تتقاطع كلها في الموضوع نفسه، وهي: التسليم لهشام الحمدوشي، وبين الجدران لأحمد الطاهري الإدريسي، وجنوب الروح لمحمد الأشعري، من أجل الخروج بخلاصات أرصن حول وضع الأب في الرواية المغربية المعاصرة.

محمد أسليـم

عرض ألقي في اللقاء الذي خصصته للرواية جمعية الموظفين بمدينة الخميسات، 1996؟؟؟

الكاتب: محمد أسليـم بتاريخ: الإثنين 03-09-2012 04:50 صباحا

الاخبار العاجلة