ألان فيلمان: الشعر والمعلوماتية: II – المقاربات / ترجمة: م. أسليم

334 views مشاهدة
minou
ترجماتمقالات
ألان فيلمان: الشعر والمعلوماتية: II – المقاربات / ترجمة: م. أسليم

تأكدت حيوية الإبداع الأدبي باستخدام الحاسوب مجددا في بداية القرن الحادي والعشرين، في معرض الكتاب، بباريس، بظهور العدد 11 من مجلة الشعر الإلكتروني alire، يوم 21 مارس 2000 متضمنا 28 إبداعا شعريا غير منشور من قبل، وذلك في قرص مدمج. وفي الوقت نفسه، تحولت مجلة alire بالمناسبة جذريا حيث انتقلت نهائيا إلى الأدب بتحولها إلى «مجلة للشعر المتحرك والتفاعلي» بدل أن تظل فقط «مجلة متحركة لكتابات ذات مصدر إلكتروني» على نحو ما تمَّ تصميمها في الأصل عند تأسيسها في يناير 1989.

ولكن هذه الحيوية والخصوبة للإبداع الأدبي باستعمال المعلوماتية والإلكترونيات كانت قد تجلت أيضا في العقد الماضي بسبب تكاثر عمليات النشر والإنتاج والإنجاز، لدرجة أنه أمكنَ رصد وجود مجلتين للشعر الإلكتروني، هما alire وKAOS (الثانية تأسست في عام 1990، واختفت في عام 1994) وظهور ما لا يقل عن خمسة أقراص مدمجة:
– العدد 10 من مجلة alire، مجموعا في عام 1997 مع الأعداد 13-14-15-16 من مجلة Doc(k)s،
– وعدهها 11 في عام 2000،
– ثم «أشعار وبضع رسائل» لباتريك هنري بورغود الصادرة عام 1997؛
– «أشعار متحركة»، وأصدرتها جامعة أرطوا Artois في عام 1998،
– وفي عام 1999 صدر قرص مضغوط آخر باللغة الفلامانية على شكل مُلحق بعدد خاص من مجلة DWB : Dietsche Warande & Belfort : Electronische Litteratuur، مخصَّص للأدب الإلكتروني.
بل وخلال فترة حديثة حدث في بعض الأحيان أن أصدرت مجلات معلوماتية موجهة في الأصل إلى الجمهور الواسع، مثل مجلة العلوم والحياة الصغيرة Sciences et Vie Micro في عددها 138 الصادر في عام 1996(1)، أقراصا مدمجة في الأدب والوسائط المتعددة على شكل ملحقات بإصداراتها الورقية. في المجموع، وفي فرنسا وحدها صدر منذ عام 1989 ما يقربُ من عشر دوريات، إليها يليق إضافة ما يعادلها تقريبا من المواقع الشبيهة في شبكة الإنترنت، زيادة عن أكثر من 100 كاتب و300 و400 إبداع شعري أمكن رصدها حتى الآن. وكانت هذه الثروة أيضا، في نفس الاتجاه، مؤشرا على أهمية وجود هذه الظاهرة التي لازال من الصعب قياس مداها وآثارها المتمثلة في التطور أو التحول الجذري الناجم الآن عن توظيف الحاسوب في مقاربة الإبداع الأدبي. لذلك ماذا عن هذه العلاقات الجديدة التي تقوم بين الشعر والمعلوماتية والإبداع؟ إلى أي حد على وجه الخصوص، يتعرض مفهوما الأدب الأساسيان، وهما «النص» و«المؤلف»، لتغيير جذري؟

I – مقاربات النص
في هذه الإبداعات الجمالية ذات الطبيعة الجديدة، يتغير تصور «النص» وإدراكه فعلا وبالتأكيد. فمثلا، إذا تصفحنا عددا من مجلة alire وجدنا أنَّ ما «يُعرض» أوَّلا على شاشة حاسوب و«يُرى» بعد ذلك، ثم يُقرأ» و«يُفسَّرُ» باعتباره «نصا شعريا»، يظلُّ مُرتبا في كلمات وأحرف أو ملفوظات يشكل تظافرها «نسيج» المعاني الذي منه تمُوجُ عواطفٌ وأفكار. لكن ما على المرء سوى استشارة العدد 11 من مجلة alire، والأعداد 13-14-15-16 من مجلة Doc(k)s المطبوعة المرفقة بها ليقيس إلى أي حد يُمكن لتصورات ومقاربات ما يسمى إلى الآن بـ «نص» قصيدة ما (في غياب مصطلح أفضل) أن يختلفا من تصور لا زال «ثابتا» إلى أنماط من الفهم أكثر «دينامية»، متحركة أو مولَّدة بالحاسوب.
النهج الأول، لازال ثابا للغاية، ولو أنه امتداد لتصورات جماعة الأوليبو للأدب التحويلي فإنه يُلهم العملية الإبداعية لدى غيوم لوازيلون الذي نشر في الأعداد 13-14-15-16 من مجلة Dok(c)s دراسة حول «النص والحاسوب» (جمالية برمجة)» وشارك مع جاك دونغي في تأليف العديد من الإبداعات المعلوماتية التي نشرتها مجلة alire. وبتحليل غيوم لوازيون لطريقة عملهما معا كشف أن في هذا السياق هناك في واقع الأمر تسلسل في عمل المؤلفين. في مرحلة أولى، هناك إنتاج نصي (جاك دونغي)، تليها كتابة برنامج لمعالجة النص / تحويله، إلى جانب طريقة للعرض في الشاشة أو الطابعة (غيوم لوازيون)، وأخيرا ربما هناك عودة إلى المؤلف الأول الذي يقوم بعملية اختيار وإعادة تأطير ليدخُل [النص] في شكل كتاب ( ص 148 ).
ربما لا يمكن أن يكون الأمر أكثر وضوحا. تبقى الصفحة مُصمَّمة على غرار نموذج الصفحة المطبوعة. بعد إجراء بعض التحويلات أو المعالجات، ستكون النتيجة المحصَّل عليها أيضا عبارة عن نص «آخر»، ربما مختلف كثيرا عن حالته الأصلية ولكنه لا يزال «ثابتا» جدا في بنياته وفي عرضه النهائي. وتتضح هذه المحاولة في «قصيدة إنجاز poème de performance»، بعنوان «Tag-Surfusion» لجاك دونغي وغيوم لوازيون المنشورة في العدد 8 من مجلة alire الصادر عام 1994.
مع الشعر المتحرك، فرضت نفسَها مقاربة أخرى للنصوص، هي أكثر «دينامية». كان ذلك في عام 1980 بمجرد ما تمَّ تزويد الحاسوب الشخصي بشاشة للعرض المرئي، فبدأ ما كان «يرى» و«يُقرأ» على الشاشة يأخذ حياة، وحركة، و«روحا» لم تخطر على البال من قبل رغم أن ما يسمى بـ «الشعر الفضائي»، و«الشعر الملموس»، أو حتى «الشعر الطباعي typo-poésie» قد استشعروا ذلك من قبل.
حول هذه النقطة، قد تكون التأملات الثاقبة هي تلك التي اقترحها فيليب بوطز بين عامي 1989 و1997 حول تجربته الإبداعية الشخصية بالخصوص، في أهم افتتاحيات الكتيبات المصاحبة لمجلة alire، ويفسر فيها بإسهاب كيف أنَّ «النصوص» التي كان يأمل في إبداعها على امتداد محاولاته قد «صمَّمها لكي تُشاهَد». «تلك النصوص [كانت] إذن في الوقت نفسه صورا […] تارة لفظية وتارة بصرية» ( ص 102 )، كان يقلبُ إدراكها اللعبُ المدرَجُ في هذا المقطع أو ذاك من حيث الظهور، ووقائع العرض، والبصيص، والتلوين، والهروب، والاختفاء، وعودة التكوّن أوعودة الظهور. وتعتَبرُ قصيدتا «ترتيلة للمرأة وعلى نحو عشوائي» الصادرة في أبريل 1994 في العدد 7 من مجلة alire و«قصاصات مُعدَمَة»، المنشورة في يونيو 1995 في العدد 9 من المجلة نفسها مثالين دالين بما فيه الكفاية، يُؤديان إلى «تنوع كبير من الجوانب والأصداء التي تهرب وتضعف، وتمَّحي، ويُعوِّض بعضها بعضا، وتتكاثر في معزوفة شبه موسيقية» (بوطز، ص. 103)، وبذلك تنشأ شروط وخاصيات أخرى للمدة والزمنية غير مسبوقة.
في هذا المنظور، لا شك أنَّ الشعر «المولد» بالحاسوب يرتكز على تصور «للنص» مختلف تماما، نجد عرضا عنه في مقال قصير لجان بيير بالب صدر في عام 1995 تحت عنوان: «من أجل أدب معلوماتي: بيان…». تشير القصيدة «المولَّدة» بالحاسوب إلى نوع من القصائد التي لا توجد مسبقا ولكن يتم تصنيعها (أو «توليدها» وهذا هو المصطلح التقني الذي يستعمله المعلوماتيون) ببرنامج «مُوَلِّد» أو «مركِّب synthétiseur» للنص، أو بتعبير آخر تولَّدُ ببرنامج للمعالجة المعلوماتية مُصمَّم لهذا الغرض. الفكرة قديمة، إذ ذكر فرانسوا لوليونيه مبدأها منذ صياغة أول بيان لجماعة الأوليبو سنة 1961، بصدد «الآلات الكاتبة machines écrivantes» (بالب، 1995، ص. 25). وقد اقترحت مجلة KAOS، بالتعاون مع مجلة العمل الشعري Action poétique(2)، في عام 1992، أمثلة عنه في قرص مرن، تمَّ مواصلة معظمها بين عامي 1994 و1996، تمَّ نشرها في مجموعة أدبية قصيرة تحت عنوان «توليد»، صدرت عن دار النشر ليلياس على أقراص مرنة تشغل في جهاز الماكينتوش. ومن تلك الأعمال نذكر بالخصوص قصيدة Jasper لجان جاك مارياج وجاك سميث، وقصيدتا جان بيير بالب «سيرة ذاتية، جواب جان بيير بالب على كلود أديلان» و«أسئلة الحب والشعر لهنري دلوي». وقد نشرت مجلة alire أشعارا مولدة بالحاسوب أيضا بالبرتغالية في عدديها 9 و10، والإسبانية والهنغارية في عددها العاشر أيضا. ويوضح جان بيير بالب هذه الإنجازات قائلا: «المؤلف هنا مختفٍ، بطبيعة الحال، لا يصمم النصوص، إذ ما يصممه في أفضل الأحوال هو إمكانات نصوص وشيئا من قبيل رسم تخطيطي لأدب لم يوجد بعدُ، أي إخراجات ظاهرية معقولة لنصوص افتراضية…»(3) لا نهائية العدد، ومتجددة إلى ما لا نهاية. ثم يضيف جان بيير بالب: «لا يستبدل النص هنا سوى نفسه أو، بالأحرى، يتحرك باستمرار، أي يتغير في كل لحظة إلى نص آخر يَكُونُ إياهُ في الوقت نفسه…» (بالب، 1992). ولا يهم أن يكون النص الناتج عن التوليد بيتين أو رباعية أو سونيتة أو حكمة أو قولا مأثورا أو قصيدة قصيرة أو مقطعا من سيرة ذاتية أو جنين سرد كرنفالي. «الشعر» هنا هو تصور مبادئ إبداع نص شعري آتٍ سيقوم كل قارئ بمحض إرادته بتوليد متغيراته اللانهائية بالخصوص.
علاوة عن ذلك، لا شيء يمنعُ من محاولة إدماج الطريقتين السابقتين معا، وهما توليد قصيدة شعرية مفردة انطلاقا من تدخلات متعاقبة للقارئ ثم تحريك القصيدة نفسها. وقد غامر فيليب بوطز في هذا النهج عام 1997، في العدد 10 من مجلة alire، حيث ابتكر نوعا جديدا، صممه على المبدإ نفسه مع دفعه إلى أقصى الحدود، أسماه «قصيدة للقراءة الواحدة»، وهي عبارة عن قصيدة يتم توليدها مرة واحدة ولكنها تتعرض للتدمير مباشرة بعد عرضها على الشاشة، ومن ثمة لن يستطيع أي قارئ أن يعثر عليها مجددا ولو بطريقة عشوائية. وبذلك نُدرك أن اكتشاف هذه الإمكانات الاحتمالية للنص الشعري الإلكتروني لا تخلو من آثار على الدور الذي كان يُخصَّصُ للكتَّاب والشعراء في السابق.

II – مقاربات المؤلف
من المؤكد أنَّ دور المؤلف يتحول بمجرَّد ما يستخدم جهاز الحاسوب. منذ عام 1997 كشف بول فورنيل عن ظهور «سلاسل من العلاقات» (ص 273) المركَّبَة القائمة بين المؤلفين وأجهزة الكمبيوتر والقراء والأعمال الأدبية حول الإبداعات الأدبية الأولى التي أنجزها جاك روبو ومارسيل بنعبُّو وبول برافور وجاك لوسّون. ومنذ ذلك الحين، لم تُنجَز أي دراسة منهجية في الموضوع. وقد أظهر معظم الكتاب حتى الآن احتشاما كبيرا، إذ نادرة هي اعترافاتهم وكشوفاتهم حتى وإنْ أخذت في بعض الأحيان أشكال بوح أو إدلاء بأسرار.
من المؤكد أنَّ المؤلف الأصلي، أي الكاتب أو الشاعر، يحتفظ بأبوته الكاملة لفكرة إبداعاته الأولى أيَّا كانت، لكننا لا نعرف أي شيء تقريبا عن سيرورة الإلهام وإبداع الإنجازات التي نشرتها مجلة alire على سبيل المثال. فطريقة اشتغال الحاسوب تميل إلى حذف أو بالأحرى إلى محو مفهومي «’’المسودة’’ و’’التشطيب’’، ومن ثمة فهي تمحو جزئيا «ندم» الكتابة و«المخطوط» (بالب، 1984، ص. 6). فما يُعرض على قرص مرن أو قرص مُدمَج هو برنامج غير مُكتمل سريع الزوال وغير مستقر. ويمكن في أحسن الأحوال أن نقف على حالات متعاقبة، مثلا مراجعات بيدرو باربوصا لبرنامج Sintext بين عامي 1974 و1996، أو تعديلات فيليب بوطز لبرنامج كلمات Mots ما بين 1994 و 2000. يظل الكتاب في هذه العملية سيد مراحل التحليل القبلي لما يفكر في تقديمه لقرائه في المستقبل. بعد ذلك، سيعرض المبادئ العامة لمشروعه على مُبرمج معلومياتي ما لم يقم هو نفسه بتصميم البرنامج إذا كان يتقن البرمجة. وبذلك يميل دورُ الكاتب إلى التحوّل نحو منبع السيرورات الإبداعية والتعمّق فيها. نشعر بأنَ الممارسات كانت مختلفة جدا، لكننا مع ذلك لا نعرف عنها الكثير .
غريبٌ هو أيضا نصيب الإبداع الذي يُنيطه المؤلف إلى البرامج المعلوماتية التي تتدخل في تنفيذ تطبيق ما على قرص مُدمَج. اختيارُ معيار معلومياتي هو الشرط الأول هنا، والأعداد 10 و11 من مجلة alire والقرص المدمج الصادر باللغة الفلامانية تحت عنوان DWB. Dietshe Warande & Belfort. Electronische Literatuur هما منتوجان هجينان يشتغلان في جهازي الحاسوب المكتبي والماكنتوش مع أنَّ هذين غير متوافقين تماما(4)، والمقارنة بين ما تم إنجازه في هذا الجهاز المعياري أو ذاك تكشف عن اختلافات كبيرة.
والتطور التكنولوجي بدوره يتدخل، إذ ارتبط اكتشاف الصورة والشعر البصري والشعر المتحرك بظهور شاشات العرض ابتداء من عام 1980، وكان اللون والصوت مرحلة أخرى بين 1986 و1990، فيما غيَّر نشرُ النصوص التشعبية ممارسات الكتابة ابتداء من 1990. وقد ميز تيبور باب منذ عام 1994، في مقال له بعنوان «للمشاهدة والاستماع والقراءة»، بين مختلف «الأشكال الأدبية الجديدة» (ص. 54-55)، وهي «الشعر التوليفي»، و«القصائد أو النصوص البصرية»، و«النصوص المولَّدة»، و«القصائد البصرية الدينامية»، و«القصائد التي يتدخل فيها القارئ»، استنادا إلى مطابقتها لأشكال التقدم التكنولوجي والجمالي الكبيرة الحاصلة آنذاك. ومنذ ذلك الوقت وهذه النزعة تشهد تطورا وإغناء.
أخيرا، فإنَّ درجة الكفاءة أو عدم الكفاءة التقنية هي الأخرى تتدخل. فقد اعتمد مؤلفون أمثال كلود مالارد أو جاك دونغي كليا على مبرمجين، في حين اضطلع آخرون، أمثال جان بيير بالب وفيليب بوطز وتيبور باب بهذا الجانب من العمل كليا، وبنسب متفاوتة بينهم، دون أن يقبلوا التنازل عن قدراتهم الإبداعية باعتبارهم كتابا.
ثمة سؤال آخر يتعلق بدرجة تفويض القدرة الإبداعية التي تُمنَحُ للقارئ من خلال البرنامج المعلومياتي. فهذه الأشكال الشعرية لا توجد بالفعل سوى في وقت تفاعلها، بمعنى في لحظة إبداعها أو إعادة إبداعها بعد أن يتدخل القارئء في اشتغال الحاسوب. هنا أيضا، يُعلمنا جان بيير بالب من عام 1984 أنَّ «الإشكالية بسيطة: هل يظل القارئ قارئا أم أنه يصير مؤلفا؟» ( ص. 9). تكمن الصعوبة في معرفة اللحظة التي يصير فيها هذا القارئ كاتبا. يظل التمييز صعبا، لأن فعل القراءة يميل إلى الاختلاط بفعل الكتابة. لقد اقترحَ بيدرو باربوصا منذ عام 1977 في كتابه «الأدب والسيبرنطيقا»، ثم في كتابه «الأدب الشبكي. الإبداع الأدبي والحاسوب»(1996)، مصطلحا جديدا هو «القراءة-كتابة» «écrilecture») [بالبرتغالية] و«écrileitura» [بالفرنسية]) للإشارة إلى اندماج فِعْلي القراءة والكتابة الذي صارت المعلوماتية تتيحه الآن. لكن التوازن بين العمليتين غير مستقر، فقد يميل نحو القراءة فيصير القارئ مجرد متفرج سلبي في ما يجري على شاشة الحاسوب، وقد يميل صوبَ الكتابة فيصبح القارئ قارئا فاعلا، عبر تحوله إلى قارئ نشط، بل وإلى «كاتب قارئ» من خلال قدرته على التدخل بكيفية مباشرة أو غير مباشرة في النص يمكن أن تصير هامة فيه. ومن ثمة يصير موقف المؤلف الأصلي حاسما، إذ يتوقف كل شيء على الفكرة التي يكونها عن دوره وعن اكتمال الإبداع. فهو إما سيظل متمسكا بالمفهوم التقليدي للعمل الإبداعي المنتهي، ثابت، المكتمل، والذي سيكون هو مالكه الوحيد وستكون ملكيته الفكرية غير قابلة للتصرف، على الأقل من الناحية الأخلاقية، أو سيفضل الفكرة الأكثر جدة، وهي أنَّ العمل لا يكتمل أبدا، وأنه لا يمكن أن يكون ثابتا ولا أن يُنتهى منه على الإطلاق، وأنه يمكنه [أي المؤلف] أن يتنازل عن قسط من أبوته وملكيته لعمله لفائدة شكل من الإبداع الجماعي والمركَّب. في الممارسة، لا زال النقص التقني يساعد على هيمنة التصور الأول رغم أنَّ التصور الثاني يتأكد بشكل متزايد وبصوت عال.
سؤال المؤلف هو أيضا سؤال القارئ. يلاحَظ ها منذ عام 1996 في شبكة الأنترنت حيثُ توجد مواقع أدبية تعرض على «مبحري الشبكة» أشكالا أدبية بوصفها «إلكترونية» مع أنها لا تعرف شيئا عن بيئتها المعلوماتية. قد يقرر المؤلف أيضا – وهو حر في هذا – أن يفرض على قرائه أشكالا من الشعر المتحرك أو الموَلد بالحاسوب يفضي تنفيذه إلى درجة صغيرة جدا من التفاعل أو إلى غياب تام لهذا التفاعل. وعلى العكس، انطلاقا من تلاعبات تجريبية كانت لازالت بدائية جدا حاول بعض الرواد الأوائل أن يتخيلوا ما يمكن أن يكون بالفعل أشكالا من «الكتابة-قراءة» على درجة عالية من التفاعلية. ربما تكمن هنا واحدة من طرق الحرية الإبداعية الآتية.

خاتمـة
يبدو أنَّ قطيعة متزايدة هي طور الحدوث بصدد العلاقات التي تتأسس بطريقة مركبة شيئا ما بين الشعر والمعلوميات والإبداع تحت تأثير التطور الكبير الذي تعرفه تكنولوجيات الإعلام. يتعرض مفهوم النص ودور المؤلف في السابق معا للتعديل. ورغم أنَّ الشهادات المعيشة حول الممارسات الشعرية لا تزال نادرة، والصروح المذهبية لا زالت في بداياتها الأولى، والتأملات النقدية لا زالت قليلة جدا، فربما يكون هذا الوعي كاف تقريبا لتبرير الأهمية التي تمَّ تعليقها عام 1959 على الوعود التي كانت تقدمها المعومليات الناشئة.
هذا، وقد تجلت قناعة أخرى مع التجارب والبحوث التي تحققت ببطء خلال الإصدارات المتعاقبة لمجلة alire، والإصدارات القصيرة جدا لمجلة KAOS، والقرصين المدمجين «قصائد وبضع رسائل» و«أشعار متحركة»، والعدد الذي خصَّصَه إريك فوس وجان بايتنس ومجلة DWB للأدب الإلكتروني باللغة الفلامانية Baetens يناير واريك فوس وDWB ، وهي أنَّ الشعر لا يعرف حدودا جغرافية ولا لغوية أو تكنولوجية. في هذا الاتجاه، يكونُ ميلاد «الشعر المتحرك والتفاعلي» الذي أعلنت عنه مجلة alire في مستهل أعوام 2000 امتدادا لجميع الحركات الطليعية التي تعاقبت منذ نهاية القرن XIX. هذه على الأقل هي قناعة فيليب كاستلان أحد مسيري مجلة Doc(k)s في المقال الذي قدَّم به العدد 10 من مجلة alire والأعداد 13-14-15-16 من مجلة Doc(k)s:
فقد لاحَظ في عام 1979 وجود تضامن غريب بين الشعر (الذي يحاول منذ قرن أن يعيد للحرف جسده المرئي بنقل حدود الفنون)، والإمكانيات التي يتيحها الحاسوب، إذ نجد في الممارسات الشعرية السابقة سائر العمليات التي يُجمِّعُها الكمبيوتر ويعرضها في قوائمه: اللصق، الجثة الشهية، الألعاب الشكلية والاستبدالية، التخطيطات والمتغيرات، وكذلك حلمُ كتابة شعر كلي، متزامن حسيا synesthésique، ومتعدد الحواس، «تطابقي»، يُبدعه الجميع، حلمُ نص جماعي يُنقل وينتشر بدون انقطاع، وإنتاج عمل شعري غير قابل للتملك، وبمعنى واحد غير موجود وغير كائن لأنه في تقدم دائم، وغير ثابت على الإطلاق […]. سريع الزوال، عصي على القبض، لا يكل ولا يملّ […]. يُكمِّلُ الحاسوبُ أعمال كينو وشويترز وبوند وجويس وبيتراريو وراوول هاوسمان، وفيما تمنح الأنترنت جسدا ماديا للفنَّ الذي لا موضوع له أو فن البريد الإلكتروني، تنكتبُ نهاية ملف الطليعيين في زُومٍ [كذا] زوجي يُرمِّزُ الصوت والصورة والكلمات بالسهولة نفسها. (ص. 6).
ما سبق هو مجرد محاولة لتلخيص أحوال المقاربات الجديدة للأدب والإبداع الشعري.

ألان فيلمان (كريتي – جامعة أرطواز – فرنسا)

ترجمة: محمد أسليـم

النص الأصلي:

http://www.uottawa.ca/academic/arts/astrolabe/articles/art0025.htm

هوامـش:
1 – Voir Malandain, Jean-Louis, «Aubaine pour les littéraires», Revue de l’EPI, no 88, Paris, 1997, p. 185-188.
2 – Voir Le Lionnais, François, «La Lipo (le premier manifeste)», dans Oulipo, La Littérature potentielle, p. 15-18.
3 – Voir Oulipo, La Littérature potentielle, Paris, Gallimard, 1973, p. 37.
4 – La compatibilité relative qui existe entre les deux standards ne concerne pas les logiciels de traitement.

مراجـع:
alire: Revue de littérature animée et interactive, Villeneuve d’Ascq, Mots-Voir, 2000, 1 cédérom multimédia.
Baetens, Jan et Eric Vos, DWB, Dietsche Warande & Belfort: Elektronische Literatuur, Leuven (Louvain, Belgique), DWB, 1999, no 4, p. 435-555, + 1 cédérom multimédia.
Balpe, Jean-Pierre, «L'”Ange” ou le “Diable” en boîte?», Action poétique, no 95, 1984.
Balpe, Jean-Pierre, «Informatique», Action poétique, no 129-130, et KAOS, no 3, Avon, Action poétique-Kaos, 1992, 144 p. + 1 disquette Macintosh.
Balpe, Jean-Pierre, «Pour une littérature informatique: un manifeste…», in Vuillemin, Alain et Michel Lenoble, Littérature et informatique: la littérature générée par ordinateur, Arras, Artois Presses Université, 1995, p. 19-32.
Barbosa, Pedro, A Literatura cibernetica 1: Autopsemas gerados por computador, 1977; A Literatura cibernetica 2: Um sintetizador de narrativas, 1980, Porto (Portugal), Arvore, 167 p. + sq.
Bootz, Philippe, in Gillot, Arnaud, La Notion d’«écrilecture» à travers les revues de poésie électronique «alire» et «KAOS» (1989-1995).
Burgaud, Patrick-Henri, Poèmes et quelques lettres. Poèmes multimédias pour Windows, Stiching Woord-Beeld, Zypendaalseweg 75, 6814 Ce Arnhem, Pays-Bas, 1997, 1 cédérom multimédia.
Castellin, Philippe, «Doc(k)s»: Mode d’emploi. Histoire, forme et sens des poésies expérimentales contemporaines, Paris, Université de Paris-Sorbonne (Paris IV), 1996, 226 f. (thèse de doctorat ès lettres).
Castellin, Philippe, «L’Esprit, la genèse…», Doc(k)s, Ajaccio, Akenaton, 1996.
Doc(k)s / alire + CqfD-ROM, Ajaccio-Villeneuve d’Ascq, Akenaton, Mots-Voir, 1996, 257 p. + 1 cédérom multimédia.
Fournel, Paul, «Ordinateur et écrivain: l’expérience du centre Pompidou», in Oulipo, Atlas de littérature potentielle, Paris, Gallimard, 1981.
Gillot, Arnaud, La Notion d’«écrilecture» à travers les revues de poésie électronique «alire» et «KAOS» (1989-1995), Timisoara (Roumanie), Certel-Hestia, 1999.
Le Lionnais, François, «La Lipo (le premier manifeste)», in Oulipo, La Littérature potentielle, Paris, Gallimard, 1973.
Loizillon, Guillaume, «Texte et ordinateur (Une esthétique de la programmation)», Doc(k)s, Ajaccio, Akenaton, 1997, p. 148-149.
Oulipo, La Littérature potentielle, Paris, Gallimard, 1973.
Papp, Tibor, «A regarder, à écouter, alire!», in A:/Littérature/, Roubaix-Villeneuve d’Ascq, 1994, p. 54-59.
Sciences et Vie Micro, no 138.
Université d’Artois, Poésie animée, oeuvres réunies par Alain Vuillemin, Arras, CERTEL-Université d’Artois, 1998, 1 cédérom multimédia.

2002

الكاتب: محمد أسليـم بتاريخ: الإثنين 17-09-2012 08:02 مساء

الاخبار العاجلة