ترجمات

جان كليمون: خطر الرقمية على الأدب / ترجمة: م. أسليـم

1. مقدمة
يرتبط الأدب بالعالم الرقمي بعلاقات معقدة، ورهانات هذا التقاطع هي تتجاوز بكثير مجرد استبدال حامل بآخر. وقد يكون اختزالُ هذه المسألة في قضايا البحث عن قراءة مريحة، وحقوق الطبع والنشر أو في بواعث اقتصادية، تجاهلا لطبيعة الأدب الخاصة وعلاقته بالحوامل المادية لتسجيله وتداوله. ولكن يبدو أن جميع العاملين في مجال الأدب (الكتاب والناشرون والموزعون والنقاد، والقراء، ومختلف المؤسسات الأدبية) لم يُدركوا بعد القضايا الإبستيمولوجية التي تُطرح على الأدب عندما يُغادر الكتاب الذي ظل الحامل الوحيد لهذا الأدب منذ وقت طويل(1).
صحيح أننا لازلنا في بداية هذا التحول وأن ما يُسمى بالأدب الرقمي لا يكون في أغلب الأحيان سوى أدب مُرقمن، أي مجرَّد إعادة تدوير لنصوص منشورات كلاسيكية في وسيط جديد. ومما له دلالة في هذا الصدد كون أول جائزة أدبية إلكترونية مُنحت في معرض فرانكفورت للكتاب في عام 2000 كانت تتويجا تتويجا لكتبٍ نُشرت لأول مرة ورقيا قبل تصدر على حامل إلكتروني(2). ولكن ما وراء هذه البرودة – المتفهَّمة جدا – من جانب الناشرين الحريصين على الحفاظ على حصتهم في السوق، تختفي بعض القضايا الأساسية التي تعود إلى طبيعة النص علاقته بالوسائط. فقد اقترن الأدب بالكتاب منذ فترة طويلة لدرجة صرنا معها نميل إلى القلق من مستقبل الكتاب أكثر مما نتساءل عن طبيعة العلاقة التي تمَّ إنشاؤها منذ خمسة قرون بين النص وحامله المطبوع. بتحرر الأدب من هذه الصلة، فهو يُخاطر بالتشكيك في هويته، ويجازف بالفقدان أو التلاشي في هذا التحول الوسائطي الواسع الجاري الآن.
يتعين على السؤال الأول أن يدور حول النص من حيث تحويله إلى كائن أو شيء مجرَّد، وما يترتب عن ذلك من أخذه لطبيعة جديدة لافتراضية. هل يمكن أن يكون هناك أدب مكتوب بدون حامل مادي ثابت وبدون كتاب ولا صفحات ورقية؟ وثقافتنا المطبعية التي تحدد وتشكل ظروف تلقيها، هل ستصير بدون موضوع؟ علاوة على ذلك، فرقمنة النص تجعله أيضا قابلا للمعالجة المعلوماتية، بل وحتى لأن يتولَّدَ باستخدام برنامج معلومياتي. هل يُخاطر الأدب هنا بأن يتحول إلى مجرَّد منتوج صناعي؟ وبرضوخ الأدب لآثار المتعدِّد والتكراري، هل يُخاطر بأن يتقلص بحيث يصير نصا قابلا للتوليد اللانهائي؟ وتدفق من الكلمات لا ينقطعُ ولا مؤلف له؟ ومع ذلك، يجد شعراءٌ اليومَ في شاشة الحواسيب مساحة جديدة لكتابة أعمالهم، ويسعون إلى استعمال الفرص الجديدة التي تقدمها هذه الشاشة، وخاصة في مجالي النصوص المتحركة والأعمال التي تستخدم الوسائط المتعدة. ولكن من خلال الجمع بين النص والصورة والصوت تتم المجازفة بظهور أشكال جديدة يُترَدَّدُ في إدراجها ضمن الأدب مادامت تتهجَّنُ مع أشكال فنية أخرى نشأت باستعمال الوسائط المتعددة(3). إضافة إلى ذلك، فالأدب الرقمي يمهد الطريق لظهور أعمال تفاعلية، ولدى اعتبار القارئ في عملية تكوين العمل المعروض للقراءة تظهر إشكالية جديدة تحضر بالخصوص في النص التشعبي. عندما يضع الأدب القارئ في موقع الفاعل، ألا يخاطرُ بفقدان جزء من امتيازاته لفائدة لعبة مثيرة يرتجل فيها القارئ دورَ المؤلف / اللاعب؟ هنا أيضا يجد الأدب نفسه في مواجهة نهايته.
أخيرا، فإمكانيات نشر الأدب على شبكة الإنترنت تهدد بانهيار التسلسل الهرمي للمؤسسة الأدبية وأنواع الأدب، إذ يؤدي النشر الذاتي والكتابة على الشبكة إلى ظهور طرق جديدة للتعبير والكتابة بعيدين جدا عن عالم النشر الذي بُنيَ حول الكتاب وظل ينظم أنماطه التواصلية والاستهلاكية إلى اليوم.

2. مخاطر الشأن الافتراضي
يرتبط الأدب في ثقافتنا الغربية الحديثة ارتباطا جوهريا بالمكتبة والكتب بحيث ظل منذ فترة طويلة في منأى عن التطورات الحاصلة في حقل المعلوماتية. بل لقد أبدى المبدعون والنقاد منذ وقت مبكر جدا مقاومات شديدة لاستخدام الحاسوب أداة للقراءة والكتابة. ومن المفارقات أنَّ معلوماتيين أو علماء من آفاق متنوعة هم أول من اهتم بالإمكانيات الجديدة التي أتاحتها المعلوماتية لدراسة الأعمال الأدبية. هكذا في عام 1963، وفي أعقاب أعمال جان كلود غاردان حول التحليل المفاهيمي للقرآن على بطاقات مثقبة، شرع الباحثون في الاستفادة من الموارد الرقمية في دراسة النصوص. ولكن كان من الضروري مع ذلك التغلب على الكثير من التردد وسوء التفاهم(4).
لفهم التحديات التي تطرحها رقمنة النصوص الأدبية بشكل جيد، يجب أوَّلا الرجوع إلى التقنيات المستخدمة في هذه الرقمنة. تتيح أجهزة الحواسيب ترميز الصورة والصوت والنص ومعالجتها ببرامج معلوماتية. ويحتل النص في هذه العملية مكانا فريدا، إذ خلافا للصورة والصوت، ما يتم ترميزه في النص هو ماديته التماثلية، ومن ثمة يمكن لتشفير النص أن يتم بطريقتين مختلفتين جذريا، هما صيغة الصورة وصيغة النص.
تتم الرقمنة بصيغة الصورة عبر مسح النص ضوئيا. ولهذه الطريقة ميزة الحفاظ على خصائص التصميم الأصلي للصفحة كما أنها أقل كلفة. ولهذا السبب اختارتها المكتبات لرقمنة مخزوناتها. وميزات هذه الصيغة مقارنة مع بطاقات الميكروفيلم كثيرة، ولذلك تمّ التخلي عن هذه لفائدة الأولى، حيث لم يكن من السهل جدا معالجة بطاقات الميكروفيلم ونقلها واستنساخها. ولو اقتصر الأمر في الرقمنة على مجرد توفير نسخ للباحثين والقراء لما كان للعملية سوى فائدة عملية، وبالتالي لما وُجد أي وازع للقلق. على الأكثر، ما يمكن الخوف منه هو قراءة أقل راحة من تلك التي توفرها الورقة. ولكن النصوص المرقمنة بهذه الصيغة تكون جامدة ولا يمكن للحاسوب أن يجري عليها أية عملية: لا يمكن البحث فيها عن كلمة أو جمل، ولا إدراجها في معالج للنصوص من أجل نسخها أو تعديلها(5)، مع أن هذه العمليات هي التي استقطبت اهتمام الباحثين منذ وقت مبكر وأثارت الكثير من الجدل. في الواقع، من هنا انطلق كل شيء، إذ ظلت رقمنة النصوص بصيغة النص لفترة طويلة هي الطريقة الوحيدة الممكنة للرقمنة.
كانت الحواسيب قبل أن تتوفر على واجهات رسومية تستطيع إعادة إنتاج النص بترميز حروف نظام كتابته وليس بتصميمه المادي على الصفحة. ولأجل ذلك، تمَّ ربط كل حرف من الحروف الهجائية بقيمة رقمية.
يؤدي ها الترميز للنص إلى تجريده من حامله (الصفحة) ومن شكله الطباعي (رسم الحروف) مما يُفضي إلى تقليصه إلى بُعده اللغوي المحض والمجرَّد من إخراجه البصري. وهذا الشكل من الرَّقمنة يجعله قابلا للمعالجة بالحاسُوب ويفتح الباب أمام طرق جديدة للقراءة والكتابة. في الواقع، لا ترى الآلة في النص أكثر من مجرد متوالية من العلامات المجردة التي يمكن تخزينها ونقلها وإحصاؤها ومقارنتها وتقسيمها إلى سلسلات وبرمجتها، وما إلى ذلك. وإمكانيات التحكم في النصوص والتلاعب بها هنا من الكثرة بحيث لم يتردد مؤرخون للكتاب، مثل روجيه شارتييه(6)، في نعت العصر الذي انفتح في مجال الكتابة بأنه ثورة، إذ ليست فقط عاداتنا في القراءة هي التي تشهد تعديلا، بل مفهوم القراءة نفسه يغتني بعدد وافر من المعاني التي لم يكن من الممكن تصورها من قبل. ولوصف هذا التحول الإبستيمولوجي، يقترح البعضُ تسمية جديدة هي «القراءة الفائقة» مشيرا بذلك إلى أنَّ مفهوم القراءة أصبح الآن غير كاف لتغطية ممارسات تختلف أحيانا اختلافا كبيرا عما اعتدنا عليه إلى وقتنا هذا.
ومع ذلك، مع الآفاق التي يفتحها النص المرقمن بصيغة النص لا يجب أن ننسى أنَّ هذا التحول هو أيضا فقدانٌ للمعلومات. يعلمنا تاريخ التدوين أنه لا يمكن اعتبار الكتابة مجرَّد نسخ للغة الشفهية. فقد سعى الوراقون والمطبعيون، على مر القرون، إلى تخليص الكتابة من القيود التي تفرضها الخطية لإنشاء قراءة موجَّهة أكثر فأكثر إلى التقاط لإشارات البصرية. وتسمى هذه القراءة أحيانا بالجدولية لأنها تعتبر الصفحة بمثابة سطح من العلامات يشكل شبكة دلالية وسيميائية في آن واحد. ولكن هذا الإدراج للنص في فضاء يُسهم في تشكيل المعنى يختفي في الترميز بصيغة النص. ولتعويض هذه الخسارة دون اللجوء إلى رقمنة النص بصيغة الصورة، تمَّ التفكير في حل يستجيب جزئيا للمشكلة، وهو وضع علامات في النص تسمى «حقائب»، وتعيد إدراج المعلومات المفقودة على شكل خطاب واصف. وبذلك، يستطيع الحاسوب أن يستعيد، ولو جزئيا على الأقل، تصميمَ الصفحة الأصلي. بفضل الحقائب، يمكن إرفاق كل عنصر من عناصر النص (عنوان، عنوان فرعي، إحالة، ملاحظة أو حتى مجرَّد كلمة واحدة) بمعلومات تتناول تارة وضعه في الاقتصاد العام للنص الأصلي، وتارة شكل ترتيب الفقرات والحروف الذي يجب أن يأخذه لدى عرضه على الشاشة أو عندَ طباعته (محاذاة الفقرات، نوع الخطوط وحجمها وسِماتها من سُمك وميلانٍ، الخ.)، وتارة ثالثة تتناولُ طبيعة النص الدلالية. منذ عام 1986 ونظام تعريف لغات التوسيم SGML يُحدِّدُ طريقة وضع قواعد التوسيم التي من أشهرها لغة توصيف النص التشعبي HTML، ولغة التوسيم الموسَّعة XML ، ومبادرة ترميز النصTEI ، ثم وفي الآونة الأخيرة فاتح الكتاب الإلكتروني Open e-Book، وهو معيار لعرض النص على الكتب الإلكترونية.
ولكن هذه المحاولة لإعادة بناء خصائص الكتاب الورقي الإلكترونية على الحامل الإلكتروني الذي يُعتبر الكتاب الإلكتروني e-Boock ممثِّله الأحدث قد تكون مجرد مؤشر تردد في هذه اللحظة بالذات من التاريخ بين الانفتاح على أشكال جديدة من القراءة والكتابة والانطواء داخل كائنات رقمية تبعث على الاطمئنان من خلال إعادة إنتاجها لخاصيات الكتاب الورقي أقرب ما يُمكن.
بالرجوع إلى تاريخ الكتابة الطويل يتضح أنَّ ما من حامل جديد يظهر إلا ويؤدي إلى تغيير أنماط القراءة طرق استخدامها، بيد أنَّ التحول الذي يُحدثه الحامل الرقمي هو أكثر راديكالية.

3. من الكتاب إلى المتـن
أول نتيجة للترميز المعلوماتي للنصوص هي تجريد الكتاب، أي تحويله إلى كائن غير مادي، ليس فقط بوصفه حاملا لتنظيم النص، ولكن باعتباره كائنا مغلقا على نفسه. لم يعد الكتابُ ««حجما»، ولم يعد يشكل وحدة القراءة للمكتبة. وحيثُ لم تعد النصوص المرقمنة مقيدة بإكراهات الورق، وفي المقابل صار الإمكان حفظها في حوامل عالية القدرة على التخزين، في شبكة الأنترنت أو في اقراص مُدمجة. وهذا التغيير في الحجم يغير العلاقة بين القارئ والنص. إذا كانت قراءة كتاب «مذكرات ما وراء القبر» على الشاشة ممارسة شاقة (من هذا الجانب يبقى الكتاب مريحا بدرجة لا مثيل لها)، فإمكانية الوصول الفوري إلى الأعمال الكاملة لشاتوبريان يفتح آفاقا جديدة للقراءة. يعوِّضُ المتنُ الكتابَ. وحيثُ المتنُ يتألف من النصوص التي كتبها مؤلف واحد أو من نصوص مجموعة أوسع نفسه (أنطولوجية نوع أدبي ما، أو مجموعة من الكتب المنشورة في فترة معينة، الخ.)، فإنَّه صار وحدة القراءة الجديدة على الحامل الإلكتروني.
وما يتوقعه المستخدم من فحص قاعدة بيانات نصية مبنية على أساس متن، هو معلومات لا تتيحها القراءة العادية للكتاب، وإن أتاحتها فبعد جُهدا شاق جدا لا تكافؤه النتائج المحصَّل عليها، في حين ينفذ الحاسوب هذه المهام التي يسميها الأنجلوساكسيون عن حق بـ «الأعمال الرهبانية»، بدقة وسرعة لا نظير لهما. فسواء تعلق الأمر بتحديد معجم فيكتور هوغو لمقابلته مع ألفاظ معاصريه أو بحصر ظهور شخصية ما في مختلف روايات الكوميديا الإنسانية، أو بدراسة جانب من عمل كوليت أو بوضع قائمة كلمات حقبة أدبية معينة حسب سُلَّم تردد تنازلي، يفتح الحاسوبُ الطريق أمام «قراءات» جديدة تغير علاقتنا بالنصوص بشكل كبير.
يختلف استخدام الحاسوب «آلة للقراءة» تبعا لأهداف القراءة ووسائل دعمها. فقاعدة البيانات المبنية بشكل هرمي، مثل قاعدة Frantext، تقدم مجموعة كبيرة من أدوات القراءة والبحث القابلة للتطبيق على متن يتألف من أكثر من 3000 كتاب من القرن الرابع عشر إلى أيامنا هذه. والأقراص المدمجة التجارية، كتلك التي تصدرها دار النشر أكاديما أو غاليمار، تستجيب من جهتها لفضول الطلاب للفضول الطلاب والجمهور الواسع، إذ تتيحُ أدوات القراءة التي تقترحها إجراء عمليات بحث ليست متقدمة جدا، ولكنها تعوض عن هذا الجانب بتوفير بيئة وثائقية نصية وإيقونغرافية تشجع على توليد أشكال جديدة من القراءة.
كما لم يعد النص مُسجَّلا في فضاء مقيَّد يعزله عن باقي المكتبة، إذ يرتبط بفضل الوصلات التشعبية بنصه الكامن المتألف من جميع النصوص التي استوحاها المؤلف بطريقة علنية أو سرية، شعورية أو لا شعورية. وهذه العلاقة التي كانت جوليا كريستيفا(8) أول من نظَّر لها، تجد في النص التشعبي أداة إجرائية تسهل على القراء الوصول إليها(9).

4. هل دقت ساعة نهاية المكتبة؟
تؤدي رقمنة النصوص أيضا إلى «إزاحة» هذه النصوص من «ترابتها الخاصة»، وهي حركة بدأت بالفعل مع أولى الحوامل المغناطيسية، وتسارعت مع انتشار شبكة الإنترنت. لقد أصبحت النصوص الآن لا توجد فقط في الكتب والمكتبات، ولا في الأقراص الثابتة أو المدمجة فحسب، بل تتنقل في الشبكان، ومن ثمة فهي صارت «رحَّالة». وبخلاف الكتب التي لا زالت تخضع لاعتبارات مادية لا مفر منها للنشر والتوزيع، تتحرر النصوص الرقمية من قيود المسافات وأجهزة سلسلة التحرير الوازنة. هكذا فرواية من 800 صفحة تٌستنسخ في بضع ثوان وتُرسل إلى الجانب الآخر من العالم في حوالي دقائق. ولقراءة نص ما، لم يعد من الضروري المرور عبر وسطاء الكتاب الاعتياديين. وعلى شبكة الإنترنت، يوزع كتابٌ، مثل ستيفن كينغ(10)، أعمالهم بأنفسهم، وتدعو جمعيات، مثل جتنبرغ(11) في الولايات المتحدة الأمريكية أو ABU (الجمعية محبي الكتب العالميين)(12)، رواد الشبكة للمساهمة من أجل تكوين «أبناك» نصية مفتوحة المصدر. كما توفِّرُ مواقع مرجعية، مثل موقع أثينا(13)، كتالوجات تفاعلية للنصوص المتاحة عبر العالم. وتسوِّقُ مكتباتٌ الكتبَ على الأنترنت، ويُرسل ناشرون(14) مؤلفات رقمية لعملائهم.
ولكن الكتابَ بخروجه من المكتبة يفقد بعضا من هويته. فمكانتُه في إنتاج المعارف وقيمته التراثية تقدَّرُ في الواقع داخل علاقته بغيره من الكتب في المكتبة. وهذه العلاقة ليست من مسؤولية القارئ وحده، إذ المكتبات هي التي تبنيها وتنظمها. وقد أظهر مؤرخ الكتاب روجيه شارتييه جيدا إلى أي حدٍّ شكَّلت أعمال مراجعة النصوص، وتصنيفها، واقتباسها على مر القرون «نظاما للكتب» مُهَيكِلا للمعارف. تلحق الرقمية تغييرا جذريا بجميع مراحل صناعة الكتاب واقتصاده القديم، ومن ثمة يجب إعادة التفكير كليا في العلاقات بين القارئ والمؤلف، والناشر، والكتبي.
وفي مواجهة تشتت مصادر القراءة وتباينها، يجد القارئ أحيانا صعوبة كبيرة في البحث عن المعلومات بسبب عدم وجود معايير طوبولوجية ونوعية. في الواقع، إذا كان استخدام محركات البحث يتيح العثور على النصوص انطلاقا من كلمات أو جمل مفاتيح، فهو يُنتج الكثير من «الضجيج» ولا يُعطي أي مؤشر على قيمتها. و«البوابات» المرجعية هي الوحيدة التي تقدم رؤية منظمة وهرمية لجزء من كتلة النصوص المتوفرة، وبلعب هذا النوع من البوابات دور مكتبة افتراضية فهو يسهم في إعادة شيء من النظام في عالم غير منظم.
ومع ذلك فالتجديد الحقيقي لا يكمن في محاولات إعادة بناء المكتبة التقليدية القائمة على تنظيم للمعارف هرمي ومُسبق، بل في تشكيل بنية في الشبكة تتيح إعادة ترتيب مجموع الوثائق حسب تنوع واسع من المسارات تستجيب لمنطق يعتبر بشكل أفضل لاهتمامات القراء. تتكون هذه البنية الشبكية التي نظر لها فانيفار بوش منذ عام 1945، ثم تيد نيلسون في عام 1965، تحت اسم النص التشعبي، تتكوَّنُ من «عُقد» (نصوص) وروابط تربط بينها يستطيع القارئ أن ينشطها – أو لا ينشطها – أثناء قراءته. بذلك، وعلى غرار الموسوعة الكلاسيكية التي يستلهمها النص التشعبي، فهو يتحرر من خطية صفحات الكتاب ومن قيود حجمه، ويعرض نفسه للقراءة بوحدات «ضمنية» تترابط فيما بينها بعلاقات قابلة للتنوع(15).
ومن نتائج هذا الجهاز تجزيء النصوص والقراءة، إذ بتحرر القارئ من الخضوع للترتيب التسلسلي للصفحات ومن خطية خطاب المؤلف يغدو في استطاعته أن ينتقل في أية لحظة من رابط إلى نصوص أخرى حسب اهتماماته ليطلع على معلومات تكميلية أو ليأخذ مسلكا يمكن أن يقوده أحيانا بعيدا جدا عن النص الأصلي. ولكون النص التشعبي يُعطي للقارئ كامل الحرية في قراءته، فهو يفكك نظام النص ويُجرِّدُ مؤلفه من جزء من سلطته التأليفية. ففي شبكة الأنترنت، على الخصوص، لا تستطيع أية آلية مُرضية أن تحدد اتجاها مسبقا وجهة قارئ قد ينتقل من مؤلف إلى آخر في غمرة القراءة وبدون أن يمر من نقطة انتقال. وحتى في الحالات، النادرة الأخرى، التي يُنظم فيها المؤلف خطابه على شكل نص تشعبي، يستحيل عليه أن يتوقع سائر السياقات التي سيتم فيها قراءة مقاطع نصه.
يمكن لهذا النمط الجديد من القراءة أن يناسب النصوص الخبرية، ولكن يبدو من الصعب أن يُناسب كتابات الفكر الذي يتطلب الاستمرارية والتأنِّي. ولأنه يشبه الزابينغ التلفزي، فهو يجعل البعض يخشى مخاطر «قراءة سطحية». في الواقع، نحن في بداية عهد جديد ويجب ابتكار أشكال خطابية جديدة لكي يجد النص التشعبي شرعيته في الفضاء الذي انفتح أمام الكتابة.

5. هل الكتاب الإلكتروني مجرد عنصر انتقال؟
بالحكم على الكتاب الإلكتروني الذي نزل حديثا إلى السوق (والذي يسميه الأنجلوساكسيون e-boock) من خلال عدد الفاعلين الملتزمين بتطويره وترويجه يبدو أن مستقبلا واعدا ينتظره. فالمصممون والمصنعون والناشرون والفاعلون في شبكة الأنترنت كلهم يبحثون عن الوصفة السحرية التي ستتيح التوفيق بين العادات الثقافية للنشر التقليدي وإمكانات الكتاب الإلكتروني.
يشكل ظهور الكتاب الإلكتروني تحدّيا مزدوجا. فهو يجذب المعتادين على الكتاب من خلال حفاظه على بعض خصائص الكتاب التقليدي الأساسية، إذ يوفر بديلا عن القراءة غير المريحة على الشاشة التي تتطلب من القارئ أن يظل جالسا في وضع سيئ أمام حاسوبه المكتبي. ويتمثل هذا البديل في فوائد التنقل، إذ يُحمل الكتاب الإلكتروني في اليد، ويمكن نقله إلى أي مكان، ثم إنه يتيح قراءة جيدة. هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، يتيح «انغلاقه» للفاعلين الاقتصاديين في سلسلة الكتاب أن يعثروا على دورهم ويحافظوا على مداخيلهم. معه يبتعد شبح النص المتنقل بحرية وخارج نطاق كل سيطرة. والواقع أنَّ نماذجه المختلفة المتوفرة(16) تتوقعُ أجهزة ترميز تجعل النص لصيقا بالجهاز بحيث لا يمكن قراءة الكتاب الذي نزَّله القارئ، بعد اقتنائه، إلا على جهاز واحد كما لا يمكن استنساخه أو توزيعه. وبذلك يتم وضع حد لتشتت النصوص، والرجوع إلى الوضع السابق الذي كان فيه المؤلفون والناشرون يحصلون على مكافآتهم بالبيع للقارئ. من هذه وجهة للنظر، قد يشكل الانتقال إلى الحامل الإلكتروني نكوصا للممارسات القرائية لأنَّ ربط النسخة الواحدة من الكتاب بجهاز واحد للقراءة سوف يعيق رواج الكتب على شكل استعارة بين الأفراد أو من المكتبات.
بالموازاة مع ما يحدثه الكتاب الإلكتروني من تغيير في تجارة الكتب فهو قد يكون أصلا في علاقة جديدة بالنص، إذ رغمَ أنَّه ليس بقوة الحاسب المكتبي فهو يقدم بعض وظائف قواعد البيانات النصية. من ذلك أنه مجهَّز بلقم صغير وواجهة تفاعلية، مما يتيح للقارئ أن يمارسَ بدون صعوبة هذا النوع من القراءة الذي يُنعتُ بالقراءة «العالمة» التي ظلت حتى الآن حكرا على المتخصصين، كما أنَّ وظائفَ البحث عن تواتر سلسلة مفردات وتنشيطَ الروابط التشعبية مبسَّطان فيه، في حين تعزِّزُ إمكانيات التقميش الديناميكي (التسطير، وضع علامات، وتدوين ملاحظات في هوامش النص، الخ.) القراءة النشطة التي تجعل القارئ على استعداد للانتقال في أية لحظة إلى الكتابة..

6. آفاق جديدة للإبداع الأدبي
لقد كان الأدب دائما يعتمد على الحوامل ووسائل إنتاجه. وقد أدى كل من الحجر المنقوش، والرقعة، والدفتر، والكتاب المطبوع، والآلة الكاتبة، ومعالجات النصوص، على التوالي إلى ظهور طرق مختلفة للقراءة والكتابة. ومع المعلوماتية ينفتح فضاء جديد للكتابة يوفِّرُ طرقا أكثر ثراء وتنوعا من نظيرتها التي قدمتها الحوامل السابقة. ويعود هذا الثراء والتنوع أساسا إلى ثلاثة خصائص للنص الرقمي الذي نميزه عن النص المُرقمَن الذي لا يعدو مجرد إعادة إنتاج نص موجه في الأصل للقراءة على الورق.
السمة الأولى هي صيغة العرض. فبخلاف الورق الذي يُجمِّدُ النص في شكل نهائي تستطيع شاشة الحاسوب أن تحتضن تخطيطات مختلفة للصفحة وخيارات حروف قابلة للتعديل. وهذه الإمكانية وحدها تعيد للمؤلفين و/أو القراء جزءا من صلاحيات الناشرين في ما يخص الإخراج المادي للنص الذي سيقرأه القارئ لاحقا. أكثر من ذلك، تفسح هذه الإمكانية لتغيير إخراج النص المجال، وبشكل مُذهل، لعرض نصوص متحركة، ودينامكية، على نحو تصير فيه الشاشة فضاء ركحيا للقراءة.
والخاصية الثانية تتعلق بخاصية قابلية النصوص للبرمجة. فبفضل برامج معلوماتية، لم يعد النص فقط يُعرضُ، بل صار يُولَّدُ بالآلة، وصار المؤلف هو «مهندس النص» حيث لم يعد يكتبُ كتبا وإنما صار يصمم خوارزميات، بل ويصمم أحيانا حتى برامج ليفسرها الحاسوب لاحقا. وبذلك يصير المؤلف، على نحو ما، هو أول قارئ للنصوص التي تنتجها الآلة.
أما السمة الثالثة فهي التفاعل، ويُقصدُ به إمكانية تدخل القارئ في سيرورة الكتابة نفسها عبر خيارات يُجريها فتؤثر على النصوص التي ستُعرَضُ عليه للقراءة، أو تؤثر ببساطة في ترتيب ظهور تلك النصوص على الشاشة.
وقد أفضت هذه الخصائص الثلاث إلى ميلاد ثلاثة «أنواع» أدبية هي: التوليد التلقائي، والشعر المتحرك، ثم القصص الخيالية التشعبية. بالتأكيد نادرا ما يمكن العثور على كل نوع من هذه الأنواع في حالته الخالصة، ولكن التمييز بينها يتيح فهما أفضل للإشكاليات التي تُطرح فيها.

(يُتبَــع)

جان كليمون (أستاذ بجامعة باريس الثامنة، شعبة الوسائط التشعبية)
ترجمة محمد أسليـم

———
هوامش

(1) تقرير لجنة كوردييه حول الكتاب الإلكتروني الذي رفع إلى وزيرة الثقافة كاترين تروتمان واضحٌ في هذا الصدد، إذ يهيمن عليه خوف معظم أطراف حلقات صناعة الكتاب، ويظل من ثمة محصورا في اعتبارات اقتصادية وأخلاقية دون أن يتناول القضايا العميقة المتعلقة بطبيعة الأدب الرقمي. هذا نص التقرير:

http://www.culture.fr/culture/actualites/rapports/cordier/intro.htm

(2) Grand prix ex-æquo: David Maranis pour When Pride still mattered et E.M. Schorb pour Paradise square.

(3) يتألف ما يصطلح على تسميته اليوم بالفنون الرقمية من مجرة شاسعة متحركة بدأ التفكير فيها للتو من وجهة نظر إبستمولوجية. انظر مثلا كتاب جان بيير بالب:

– Jean-Pierre Balpe, Contextes de l’art numérique, Hermès, 2001.

(4) يكفي هنا أن نتذكر السجال الذي أثاره باحثون مثل ريفاتير وتودوروف ضد تطبيق أولى الدراسات المعجمية بالحاسوب على أعمال أدبية.

(5) توجد برامج معلوماتية للتعرف البصري على الحروف (O.C.R.) تتيح الانتقال من صيغة الصورة إلى صيغة النص.

(7) CLÉMENT (J.) – «Le e-book est-il le futur du livre?», in Les savoirs déroutés, Presses de l’enssib, 2000.

(8) KRISTEVA (J.) – Sèméiôtiké, Seuil, 1969.

(9) CLÉMENT (J.) “Hypertexte et édition critique: l’exemple des romans de Céline”, in Texte, n° 13/14 (1993), Toronto, 1994.
(10) http://www.stephenking.com/

(11) http://promo.net/pg/

(12) http://abu.cnam.fr/

(13) http://un2sg4.unige.ch/athena/

(14) كانت دار النشر 00h00 أوَّل دار سوَّقت كتبا رقمية للتنزيل عبر شبكة الأنترنت.
(15) Voir article de l’encyclopédie.

الكاتب: محمد أسليـم بتاريخ: الجمعة 23-11-2012 02:09 مساء

السابق
النص التشعبي: منظورات أدبية وفلسفية وتربوية وسياسية / ترجمة: م. أسليـم
التالي
مارينا مايستروتي: هل التفرد التكنولوجي طريق إلى ما بعد الإنسان؟ / ترجمة: م. أسليـم