كتاب اللغة والسلطة والمجتمع في المغرب العربي

اللغة والسلطة في المغرب العربي: 03 – اللغـة وأنظمة الحكم في المغـرب العـربي

رغم وجود معطيات مشتركة بين بلدان المغرب العربي بخصوص العلاقة الوثيقة الموجودة بين اللغة والواقع الوطني، فإنه لا يمكن فهم مسألة التعريب كليا إلا ضمن الإطار الوطني الخاص بكل بلد على حدة.

ي الظاهر، تبدو الأوضاع متشابهة في دول المغرب العربي الثلاث. فقد عرفت كلها في الحقبة السابقة للاستعمار وضعية لغوية تقوم على التمييز بين لغة للثقافة ومجال المكتوب، هي العربية، ولغات شفهية عربيـة وبربرية. وقد أدخل الاستعمار في البلدان الثلاثة لغة جديدة أحرزت على وضع متميز حافظت عليه حتى بعد الاستقلال. وفي الدول الثلاث يطرح مشكل جعل اللغة العربية لغة وطنية. ولهذه الاعتبارات يمكن الحديث عن التعريب باعتباره إشكالية في المغرب العربي.

لكننا ما أن نجتاز هذه المرحلة ونريد المضي أبعد حتى نصل إلى معطى جديد يتمثل في ارتباط هذا المشكل بالحادث الوطني التونسي، والجزائري، والمغربي. فالتعريب يحيلنا على الأساس الذي تقوم عليه الخصوصية اللغوية والثقافية في كل بلد من هذه البلدان وطريقة هيكلته للحكم. وفي المرحلة الراهنة، وهي مرحلة انتقالية في حياة هذه الأمم، نشاهد بالأحرى تشديداً على الخصوصيات الوطنية مرتبطاً بسعي كل بلد إلى تأسيس هويته الخاصة وبميل الدولة إلى بنينة نفسها على شكل قطب مستقل ووحيد.

أ – محـورا العلاقة لغـة – حكـم
تتجلى هذه العلاقة في مجالين: الأول يتعلق بالمكانة المركزية التي تحتلها الدولة في الدينامية الاجتماعية، والثاني بما تستخدمه هذه الدولة لشرعنة نفسها وتجذير مشروعيتها.

1 – التنافس من أجل التحكم في جهاز الدولة
يعتبر مجموع سكـان المغرب العربي معنيين بالتعريب بقدر ما يتيح لهـم أو يحرمهم من التحكم في جهاز الدولة أو الاستفادة من الامتيازات التي يقدمها هذا الجهاز، إذ مهما يكن النظام السياسي في بلدان المغرب العربي الثلاثة، فإن ما من وضعية اجتماعية إلا وتمر عبر وساطة الدولة بكيفية مباشرة أو غير مباشرة.
وتتضح هذه الملاحظة عندما يتعلق الأمر بتبعية مباشرة كما هو الحال في الوظائف السامية للدولة، بدءا من الوظائف الوزارية، مرورا بالمشتغلين بالسياسة، وانتهاء بسائـر المناصب الإدارية للوظيفة العمومية. وتنطبق هذه التبعية للدولة أيضا، لكن بشكل غير مباشر، علـى مجموع السكان بسبب تحكم جهاز الدولـة فـي مجموع الحياة العامة من إدارة، وشرطة، وتشريع، وتنظيـم، إلخ.
لاتطرح حالة البلدان ذات الأنظمة البيروقراطية القوية أي مشكل. أما في الدول التي تنهج في الظاهر ليبرالية اقتصادية، فإن ما يسمى بالقطاع الخاص يتبع تبعية مطلقة للدولة لكونه مدينا لها في بقائـه. ففي تونس، مثلا، كان وصول شخص اسمه ابن صالح إلى الحكم كافيا لجعل صغار الفلاحين وصغار التجار مهددين بالذوبان في التعاونيات الإجبارية. كما أن إصدار قانون جديد حول السكنى يمكن أن يهدد قطاع المقاولات العقارية بكامله. واحتكار حقوق الجمارك والضريبة على القيمة المضافة يمكن أن يضع حدا لنشاط المستوردين أو المقاولين المحليين. علاوة على ذلك، فما من نشاط سوسيـو- اقتصادي إلا ويتبع للدولة ليس في وجوده فقط، بل وكذلك في نشــاطه لأن تسليم الرخص يقيم، بدرجة متفاوتة من بلـد لآخـر، تبعيـة قصوى للإدارة. ثم إن ولوج الأسواق الهامة – محلية كانت أو وطنية أو دولية – لايمر إلا عبر الدولة التي تعتبر، زيادة على قـوتها كسلطة، الشـريـك الأول في أغلب الأحيان.
ولنتمكن من دراسة كيفة ارتباط هذه الدينامية الاجتماعية المتمحورة حول الدولة بمسألة اللغات ارتأينا ضرورة حصـر مختلف الفئات الاجتماعية ببلدان المغرب العربي الثلاثة. إننا نحدد هذه الفئات بمـدى قـربها أو بعدها عن جهاز الدولة، وبذلك فإننا نميز فيها بين أربع مجموعـات:

1 – فئة المتحكمين في جهاز الدولة (أو الفئة الحاكمـة).
2 – فئة المشاركين في التحكم في جهاز الدولة (أو شركاء الدولـة).
3 – فئة المستفيدين، بشكل مباشر أو غير مباشر، من التحكم في جهـاز الدولـة.
4 – فئة المحرومين من امتيازات الدولة (أو المهمشين).

المتحكمـون في الدولـة
ويتعلق الأمر هنا أساسا بالبورجوازية الكبرى التقنوقراطية التي تمتلك السلطة السياسية والاقتصادية حسب كفاءاتها الشخصية ومواقعها المهيمنة في الحكم. وإلى هذه الفئة يتعين أن نضيف فئـة البورجوازية الكبرى الخاصة (Privée) التي تنحدر من البورجوازية السابقة وترتبط معها بصلات متعددة. وهي تتكون من كبار المقاولين في مجال الصناعة والتجارة، وكبار ملاكي الأراضي أو العقارات، ومن نخبة المهـن الحـرة.

شـركـاء الدولــة
وهي الطبقة الاجتماعية التابعـة مباشـرة للدولة مع أنها شريكتها في الحكم. وتتكون أساسا من الموظفين ومستخدمي الدولة، أي من هذه الفئة التي تتسع بشكـل ملحوظ في البلدان الاشتـراكيـة. وبما أن الدولة هي المشغـل الرئيسي في المغرب العربي، فإن هذه الفئة تعتبر شريحة هامـة، وتتزايد أهميتها بفعـل عملية التحديث واتسـاع سائـر مظاهـر البنية التحتية (تعليم، ومصالح عمومية، وجيـش، إلخ.). وهو تـزايـد يتناسب مع تحكم الدولة المباشر في حياة المواطنين العمومية والخصوصية. وغالبا ما يطلق على هذه الطبقة اسم «الطبقة المتوسطة» أو «البورجوازية الصغيرة» بالتقابل مع سابقتها. ونظرا لأن هـذه الفئة شريكـة للحكم، حيث تمتلك قسطا مـن سلطة الدولـة، فهي تدعـم «نظام» هـذه الأخيـرة وتشاطـرها مُثلهـا الوطنيـة.

المستفيـدون من الدولـــة
هذه الفئة ليسـت شريكة للدولة ولا تتبع مباشـرة إليها، ولكنها تستفيد من النظام الذي تقره (الدولة). وهي تشمل، بصفة عامة، مزاولي المهن الحرة بمختلف أنواعهـا: فلاحيـن، وتجارا، ومستأجـري القطاع الصناعـي، إلخ.، أي ما اصطلح على تسميته عموما بالقطاع الخاص. وتشمل هذه الفئة في المغـرب العـربي جميـع الذيـن يتـوفـرون على شغـل؛ الذيـن ما أن يحصلوا على عمـلٍ حتى يصيروا مستفيديـن من الدولة ويغدون بوضعهم الجديد مقابلين لفئـة العاطليـن.
كما أن هذه الطبقة ليست تابعة للدولة، لكنها تستفيد منها مباشرة بقدر ما تحتاج إلى إتباب النظام الاجتماعي والأمن العام كالحفاظ على البنيات التحتية السائدة لكي تتمكن من مواصلة أنشطتها التي تندمج من خلالها في النشاط العام للاقتصاد الوطني. وإلى هذا الاندماج الاقتصادي عموما ينضاف اندماج إيديولوجي، لكنه أقل هشاشة بالمقارنة مع بعض مواقف الرفض التي تعبر عنها هذه الفئة كأن تنخرط في حركات أصولية مثلا.

المهمشـــــون
وهؤلاء ليسـوا مندمجيـن اقتصاديا في الحياة الوطنية. وتتكون فئتهم أساسا من الذين لا يتوفرون على شغل، من عاطلين، وشباب لم يشتغلوا أبدا، ونساء لا يشير إليهن الإحصاء ولو باعتبارهن مؤهلات للشغل. ويجب أن ندرج ضمن هذه الشريحة، وإن بدرجة أقل، أولئك الذين تذكرهم الإحصائيات باعتبارهم «يزاولون عملا ما»، وهم العمال الموسميون وسائر الذين لا يملكون أية ضمانة اقتصادية ويقتاتون من المياومة وتلقي مساعدات متنوعة عمومية وخصوصية. ونجد بينهم حضريين وقرويين تنطبق عليهم جميعا وضعية التهميش هـذه. وعلى كاهل هؤلاء تنزل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية بكـل ثقلهـا، حيث لايتلقـون إلا استقبـالا سيئا في المستشفيات والإدارات. وهـم دائمـا بمثابـة أشبـاح لأنهـم ليسـوا في وضعية «قانونية». وتعتبر حالتهم المزرية بمثابة شهادة أو اعتراف اجتماعي بكونهم محرومين من كل دعم في سياق محكوم بالزبونية وبكونهم مجردين كليا من كل قدرة وحماية، ولهذا السبب فهم معرضون للوقوع تحت طائلة أقل عون من أعوان السلطة.
ولكي نأخذ فكرة عن أهمية هذه الفئة، يكفي أن نستحضر هزالة الدخل الوطني الفردي ونشير إلى كون جميع الإحصائيات ما أن تجرد من طابعها المصطنع حتى تكشف عن أن حوالي رجل واحد من إثنين في سن العمل لا يتوفر على شغل قار. يضاف إلى ذلك مجموع عدد النساء غير المشتغلات اللواتي يدرجـن عادة في هذا الباب. وبذلك يمكن تقديـر عدد أفـراد هـذه الشريحة بحوالي 40% من مجموع السكان. وربما صار العدد أكبر من ذلك إذا أدخلنا في الحسبان النمـو الديمغرافي الذي يفـرز في كـل سنة آلاف المرشحين الجدد للشغـل.
من الهـام ملاحظـة أن هـذه الطبقـة الاجتماعية ليست مقطوعة الصلة بالغرب. بـل هي على العكس تتلقى تأثير نماذجه بنفس الدرجة التي يتلقاها به باقـي مجموع السكان، سواء تعلق الأمر بالاتصـالات المباشرة عن طـريق السياحة والتعاون والهجرة أو عن طريق الإعلام ، كالأشرطـة السينمائية والتلفزة والمذياع. وهي على معرفة دقيقـة ليس بمستوى الاستهلاك عند الفرد الأجنبي فحسب، وهو أمر لا تكترث له كثيرا، بل وكذلك بمستوى الاستهلاك عند البورجوازية المحليـة. ومعنى ذلك أن المقارنة بين نمط عيش هذه البورجوازية ونمـط حياتها (هي) تجعلها تحس بالحرمان الشديد إن لم تثر فيها تذمـرا كبيـرا. وبما أن الدولة الوطنية عاجزة عن رفع مستوى عيش هذه الفئة وإدماجها اقتصاديا فهي تحاول تقوية الأهمية العددية والسياسيـة للفئات السابقـة، الثانيـة والثالثـة بالخصوص، وإدماج الشريحة الحالية إيديولوجيا من خلال الدعاية والإشـادة بمنجزات الحكم، واستعـراء الزعيـم[1]، والتحذيـر مـن مخاطـر العـدو الخارجـي. وترى سائر الدول المغاربية أن التأطير الإيديولوجي للفئات المحرومة ضرورة أوليـة لأن هذه الشريحة بمثابة بركان قابل للانفجار في أية لحظة. وقد كشفـت بعض المناسبات عن مدى العنف الذي يمكن أن تستخدمه هذه الفئة. بهذا الصدد، يمكن التذكير، على سبيل المثال، بالأحداث التي شهدتها الدار البيضاء عام 1966 وسقط فيها قتلى، والأحداث التي عرفتها تونـس في يناير 1978، والأحداث التي رافقت تشييع جنازة الرئيس هواري بومديان في دجنبر 1978. وفي حالة الخطر القصوى قد لا تفلح الدولة في التحكم في هذه القوة الغاضبة إلا بشـن حـرب على بلد مجاور.
تلك هي الفئات الأربع التي سنعتمدها لقياس أهمية مشكل اللغـة في علاقته بالدينامية الاجتماعية المتمركـزة حـول الدولـة.

2 – شـرعنـة الحكــــم
يقع المحور الثاني الذي يهم العلاقات القائمة بين اللغة الحكم في مستوى طبيعة اللغة والكيفية التي تستخدمها بها الدولة لشرعنة نفسها. واللغة ترتبط بالسلطة لأنها قانون. فهل اللغة العربية، باعتبارها قانونا للإسلام منذ نشأته، قادرة على أن تصير حاملة لقانون الدولة مع استيعابها للقانون الاستعماري الذي تحمله اللغة الفرنسية وقانون الـ«أم» الذي تحمله اللهجات؟

خطيئــة الأصــل
تتسم كل دولة مغربية بنوع من الخطيئة الأصليـة لكونها تعد وريثة نظام استعماري أجنبي غير إسلامي وخليفة له. وهذا الإرث لا يمس البنية الرمزية للحكم أو مكان السلطة فحسب، بل وكذلك كافة مظاهر هذا الحكم وممارساته. فالحكومة، والإدارة، والتوجهات الاقتصادية، وتصـور المجتمع، والأمـة كلهـا أشيـاء أحدثتهـا فرنسا واتبعتها الدول المغاربية عموما في خطوطها العريضـة. ومن الدال بهذا الصدد قانون 31 دجنبر 1962 الجزائـري الذي تبنى التشريع الاستعماري «ما عدا في أحكامه التي تتعارض مع السيادة الوطنية». وقد تم اتخاذ إجراءات مماثلة في المغرب وتونـس.
ونستعمل هنا مصطلح «الخطيئة الأصلية» بمعناه اللاهوتي الكاثوليكي الذي يقصد به خطيئة يتحمل المرء مسؤوليتها رغم أنه لم يرتكبها. إنها لطخة يجب التطهر منها، أو دين على المرء أن يكفر عنه. وكذلك الأمر بالنسبة للأصل الاستعماري للدولة المستقلة. فكونها «حذت حـذو» الدولـة الاستعمارية أمر يلغم شرعيتها، ويشكـل خطيئتها الأصليـة.
باعتبار الدولة المستقلة وريثة حكم أجنبي، فهي ليست متيقنة من نوع الاعتراف الذي ستحظى به: هل سيتم الاعتراف بها باعتبارها دولة مستقلة أم باعتبارها استمرارا للآخـر، للمستعمر؟ ونظرا للتعلق بالنموذج الغربي والجاذبية التي يمارسها هذا النموذج، فإن الدولة المغاربية ليست متأكدة مما إذا كان «الطفل» قد ظل مرتبطا سرا بـالـ«أب» القديـم صاحب القانون أم انفصل عنه. لقد أشرنا مرارا في هذا الكتاب إلى مواربات هذه الجاذبية التي تمارسها الوقائع والأساطير الغربية، والتي تتجسد في سلوكات ثقافية عديدة كالتعاظم الذي يدفع إلى التكلم باللغة الفرنسيـة لنيل حظوة اجتماعيـة.
إذا كانت الدولة هي المستفيد من الإرث الاستعماري فقد كانت في البداية مستفيدا خجـلا. فهي في الواقع لا تستطيع نبذ ذلك الإرث لأن من شأن عمل كهذا أن يفقدها كل مصداقيتها. لكنها بتبنيها هذا الإرث الغربي وجدت نفسها أمام صعوبتين: صعوبة الاعتراف بها باعتبارها آخرا، وصعـوبة تجنب عملية تماهيها معه. وحضور اللغة الفرنسية يشهد على ذلك. فهي، فيما وراء البعد البديهي للتواصل، إنما تخفي هذا التعلق بالقانون الاستعماري في عمقه المرتبط بالهويـة. إنها محملة بقانـون الآخــر.

الأسطــورة المؤسِّسَـة
كيف يمكن محو هذه الخطيئة الأصلية؟ إذا عدنا إلى التاريخ لننظر كيف واجهت مختلف الأنظمة هذا المشكل وكيف عمدت أحيانا حتى إلى حجب أصولها المشبوهة، لا حظنا أن هذا التطهير للأصل يتحقق عموما بإعادة قراءة للتاريخ. وهذا بالضبط هو دور الأسطـورة المؤسسـة أو حكاية الأصول التي يراد الانحدار منها والتي تتلاءم وحدها مع الهوية المعلن عنها. وهذه الأسطورة تكون أحيانا بطلا مؤسسا، لكنه ينبغي أن يكون ميتا لأنه سينزل منزلة الجـد. وهذا الانشغال بالأصول معطى تاريخي عام لا ينفرد به المغرب العربي وحده. فعن فرنسا المعاصرة، يقول فرانسوا فوري (1978):
«ابتداء من سنة 1789 تم توظيف هاجـس الأصول – الذي نُسِج مجموع التاريخ الوطني حوله – في القطيعة الثورية تحديدا. وبما أن الاحتياجات الكبرى كانت قد شكلت أسطورة المجتمع الأشرافي، أي حكاية الأصول الكبرى، فإن سنة 1789 تعتبر تاريخ الولادة والسنة الصفر للعالم الجديد القائـم على المسـاواة…»
ثم يضيف في فقرة أخرى:
«كان تاريخ الثورة الفرنسية – ولا زال – حكاية للأصول، ومن ثمة فقد كان خطابا للهويـة» (نفسـه: 14، 19)».
وحكاية الأصول هذه، كلمة يجب أن تتجذر في الثقافة. يمكنها أن تكون حتى إعادة بناء كامل للماضي ما لم تكـن «نسيانا» للأصل الحقيقي. وبحسب بيير بورديو (1975)، فإنها تفرض نفسها حتى باعتبارها ضرورة عندما يتعلق الأمر بحجب أصل مشين، كأن يتم تحويل عمليات القمع التي قادت إلى الحكم، مثلا، إلى كفاحات بطولية والغزو الاستعماري إلى كفاح في سبيل التقدم. ولهذا السبب تفترض أسطورة الأصل شرطين اثنين: الأول وجود أصل محمود أو مؤكد عليه بما هو كذلك. وعلى كل حال فهو أصل يضفي نوعا من القيمة. والثاني نوع من البعد الزمني بالقياس إلى ذلك الأصل بكيفية تتيح للطبيعة المادية للوقائع التاريخية أن تتلاشى في ضباب الأسطورة. وقد يكون هذا البعد قصيرا كما في حالة الأسطورة النابوليونية التي نشأت تقريبا في وقت واحد مع التاريخ. ويمكن القول إن أسطورة الأصـل قد بدأت في «الاشتغال» في بلدان المغرب العربي الثلاثة. ففي المغرب أحيطت شخصية محمد الخامس بهالة من المجد، وفي الجزائر شرعت وسائل الإعلام في توظيف «الأعمال البطولية» والشعارات الخلابة الممجدة لكفاح الشعب…
عندما يتعلق الأمر بحضارات ذات ذاكرة كتابية، فإن الأسطورة نادرا ما تُخْلق «من عدم» لأن التاريخ السابق يكون حاضرا ويجب أن يتموقع بالقياس إليها ولو ليحط منها إذا اقتضى الأمر. وغالبا ما تكون تلك الكتابة نفسها حاملة لمشروعية جذرية يتعين توظيفها. وتلك هي حالة أوروبا إلى وقت حديث، وربما إلى يومنا هذا، إذا ما أخذنا بتأملات مفكرين مثل بيير لوجاندر (1974)[2]. ومن المؤكد أن الحالة نفسها تنطبق على المغرب العربي الراهن. ذلك أن مصدر المشروعية الوحيد المعترف به هو الإسلام، وهذا لسببين: الأول كون الهوية إلى أيامنا هذه تحدد بالقياس إليه: فأن يكون المرء مسلما أمر أساسي. وهذه السمة حاسمة حتى بالنسبة لمن قد يكونوا أكثر تهميشا من الناحية الثقافية، ونعني بهم البربر. والثاني كون الإسلام في علاقات الحضارات فيما بينها إنما يمثل الآخــر. فهو يعد البنية الثقافية الوحيدة القابلة لموازنة ثقل الغرب المسيحي، والقطب الوحيد القابل لأن يكون دعامة للاختلاف ويمثل نقيضا موازنا للغرب.
تتمثل مشكلة الدولة في أن تحول لصالحها قناة هذه المشروعية القابلة وحدها لمحو خطيئتها الأصلية، وذلك بربط سلطتها بجذور داخليـة. وقـد لا يتأتـى ذلك كليا إلا إذا أعلنت هذه الدولة أنها إسلامية وتنصَّلتْ من الإرث الاستعماري اللغوي والثقافي والدولاتي. إلا أننا لا نعتقد بإمكان اتخاذ موقف كهذا لأنه، فضلا عن استحالته عمليا، سيمس بمصداقية الدولة تجاه «رعايا»ها.
لذلك فالدولة، بسعيهـا إلى شرعنة نفسها بواسطة الإسلام، لا ترمي إلى قلب الحداثة إلى أصالة، وإنما تريد إجراء عملية نقـل بمعنى أنها تسعى إلى جعل هذه الشرعنة غطاء للمحتوى الحداثي لسلطتها. والتعريب في هذا المستوى هو مشروع يهدف إلى استخدام الإسلام للاعتراف بما هـو غير إسلامي، وبالتالي إلى جعل اللغة العربية تقول ما ليس بعـربي.
إذا كانت شرعنة كهذه تفترض التعريب، فهي لا تقتضي تعريبا كليا. يمكنها عند الاقتضاء أن تغتني بازدواجية لغوية حقيقية من شأنها أن تخرج العربية من وضع الدونية الذي توجد فيه حاليا. لكنها تقتضي ، على كل حال، عملا من الدولة لصالح تعريب يسجل قانون الدولة في لغة وطنيـة.
من هذه الزاوية يأخذ مشكل التعريب أشكالا تختلف باختلاف السياقات الوطنية، وتتنوع تبعا لعلاقة كل دولة بالمشروعية ومكان ترميزها للحكـم.

ب – الخصـوصيـات الوطنيـة
1 – تــونس
التعريب والتحكـم في جهاز الدولـة
انطلاقا من الموقع المركزي للدولة ودورها المحوري في الدينامية الاجتماعية يمكن تحليل الفئات الاجتماعية الأربع المحددة أعلاه واستخلاص موقفها من التعريب انطلاقا من مدى قربها من جهاز الدولة أو بعدها عنه.

أ – الفئـة الحـاكمـة
تتكون هذه الطبقة في تونس أساسا من البورجوازية الحضرية التي انحدرت في جزء منها من مدينة موناستير مسقط رأس الحبيب بورقيبة ثم ذابت في بورجوازية مدينة تونس. ومما يحمل دلالة رمزية بهذا الصدد الزواج الثاني لبورقيبة بوسيلة بن عمار المنحدرة من إحدى العائلات البورجوازية الكبرى بمدينة تـونس. ثم إن ما «أهـل» هذه الفئة البورجوازية لقيادة البلاد هو الدور الرائد الذي لعبته في الكفاح من أجل الاستقلال وليس مجرد كفاءاتها وثرواتها.
في هذا البلد الذي تهيمن فيه الثقافة الحضرية – نظرا لامتداد ثقل تونس العاصمة في كافة أنحاء البلاد – لم تبـق عمليا أي أقليـة بربريـة. الأمر الذي يجعل هذا البلد في مأمن من خطر التجـزئة العـرقية الذي تتخوف منه البلدان الأخرى، ويفسح المجال للحكم كي ينهج سياسة لغوية تقوم على إدماج العربية الكلاسيكية في اللغة الدارجة. وتعد أبحاث محمد معموري (1972، 1973) دالـة بهـذا الصدد.
وتعتبر هذه البورجوازية متجانسة ثقافيا لأن مرجعها الأساسي هو ثانوية الصادقي، وهي مؤسسة مزدوجة اللغة تخرج منها مجموع القادة التونسيين تقريبا. كما أنها بورجوازية متجانسة اجتماعيا، إذ رغم كونها تتألف من عشائر وتميل حتى إلى الانقسام إلى أحزاب مختلفة من خلال إنتاجها لخطابات متباينة، فإن أفرادها يظلون «من طينة واحدة» ويوالون نظاما وطنيا واحدا. وبذلك نجدها أبدت موقفا موحدا تجاه الانتفاضة التي عرفتها مدينة قفصـة في يناير 1980، يتمثل في إدانة تلك الأحداث واعتبارها «فوضى».
ويعود تحقيق هذا التجانس في الأصل إلى إقصاء منافس بورقيبة في السلطة صالح بن يوسف الذي كان يمثل النزعة القومية والناصرية التي تتناقض كليا مع رؤى الطبقة الحاكمة. وفيما بعد، تم إقصاء عنصر آخر هو أحمد بن صالح الذي كان يجسد في آن واحد التقنوقراطية والاشتراكية. فما أن حرم من دعم الرئيس حتى تعرض للنبذ الكلي واعتبر جسدا غريبـا.
كما أن هذه البورجوازية متشبعة كليا بالقيم الغربية، ولا يحرجها ذلك بتاتا لا سيما وأن الإرث الصادقي يحميها من أن تنعت بكونها «أجنبيـة». وقد مضى بورقيبة نفسه بعيدا في هذا الاتجاه خلال السنوات الأولى من حكمه حيث تعامل بحرية مع الإسلام، فتصرف في مدونة الأحوال الشخصية، وأباح إفطار رمضـان، ومنع تعدد الزوجات والطلاق. وقد أتاحت له تلك الإجراءات أن يختبـر رد فعل السكان إزاءها ليتراجع عنها بعد ذلك، ويتخذ مواقف أكثر اعتدالا في هذا المجال، ويحول اتجاه جرأته صوب العالم العـربي بنهج سياسة خارجية جد متحررة أبانت حاليا عن نجاحها الكبير باحتضان مدينة تونس لمقر منظمة الوحدة العربية وتتويج السياسة المتفتحة جدا على الغرب بـ«اعتراف» بالعالم العربـي.
ومما يميز هذه البورجوازية أيضا كونها بورجوازية أبوية لأنها، في آن واحد، تتمسك بالطابع الليبرالي وتتصف بالنخبوية تجاه «الشعب». وفي سياق الأبوية الرسمية هذا، عيشت أحداث 26 يناير1978 التي خلفت سقوط قتلى باعتبارها فشـلا. وقد ترتب عن ذلك تنحية الهادي نويرة. فالأبوية تحتاج إلى وجه ليبـرالي.
أخيرا، تتصف هذه البورجوازية بحس وطني كبير تضعه في المقام الأول وقبل كل اعتبار خارجي. وبهدف تحقيق هذه التونسـة التي طالما تغنى بها الوزير الأول محمد امزالي، فهي تطالب بتأصيل ثقافي وتاريخي يتجاوز المرجع الإسـلامي.
في هذا السياق، ماذا يمثل التعريب بالنسبة لهذه الطبقـة؟ قد يكون ضرورة، لكنه لا يشكـل أي تهديد بما أن استخدامه سياسيا في الوقت الراهن لا يلحق مساسا باللغة الفرنسية التي لا زالت مدعوة للحفاظ لوقت معين على مكانتها المتميزة في الدوائـر العليـا. إلا أن هذه الفئة تهتم بالتعريب باعتباره عاملا يساهم في تأطير الجماهير إيديولوجيا. وهنا أيضا توضح «ترسيمة معموري»، حول تداخل اللغات، بشكل جيد ما هو مُنتَظَرٌ من هذه الإيديولوجيات: لغة تونسية تجسد ثقافة تونسية موحدة. والتعريب سيساهم في هذا المشروع لأنه يتيح استيعاب الحداثة، لكن بعد أن يقوم بتصفيتها. كما أن إدماج البعد الإسلامي في هذا المشروع سيضمن تشكيل ثقل إيديولوجي كفيل بامتصاص ردود فعل السكان تجاه النتائج السلبية لعملية تحديث المجتمع.

ب – شـركـــاء الدولــة
يتعلق الأمر هنا بفئة اجتماعية تتكون أساسا من الموظفين. وقد رأينا أنها فئة مفرنسة في أغلبيتها، كما أنها متشبعة بالحداثة والوطنية في آن.
ويجب التذكير بأن هذه الشريحة تتقن اللغة العربية نسبيا، وبذلك فهي لا تشعر بأي تخوف من عملية التعـريب خاصة وأن الحكم لم يوح أبدا بعزمه على إجراء تعريب شامل. كما أن الإجراءات المتخذة في التعليم العالي، مثلا، تتميز بليونتها القصوى. وبذلك يصعب على أي طبقة اجتماعية أخرى أن تريد «مواصلة المهمة» باستعمال حجة التعريب. قد يتعلق الأمر في هذه الحالة بـ«معربين خالصين» أحاديي اللغة. غير أن عدد هؤلاء قليل جدا لأن مرجعهم هو جامعة الزيتونة القديمة، كما أنهم أقل تميزا مادام الموظفون يعرفون اللغة العربية. أخيرا، لا يمكن اتخاذ التعريب مطية لأن المرجع الوحيد المعترف به هو «البورقيبية». ثم إن هذه الفئة التي تعد منافسا محتملا ليس لها قواعد اجتماعية. نعم، كان بإمكانها الاعتماد على قدماء المقاومين، لكن هؤلاء تم القضاء عليهم رفقة حركة صالح بن يوسف إثر معارضتهم للدستور الجديد. كما كان بإمكانها أن تعتمد على الذين شاركوا في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، لكن هؤلاء تعرضوا هم الآخرون للتصفية على إثـر تنحية صالح بن يوسف.
أخيرا، لا تبدو هذه الفئة متحمسة للتعريب إذا كان سيؤدي إلى المساس بقيمها العصرية والحداثية. وقد عبرت جيدا عن هذا الموقف خلال الصراع الذي دار حول تعريب الفلسفة، ثم احتد حول تعريب الطب. ويتمثل هذا الموقف في ضرورة إجراء تعريب بطيء وتدريجي مع الحرص الشديد على جودة التعليم.

ج – المستفيدون من الدولــة
تحتاج هذه الفئة إلى الأمن الاجتماعي لمزاولة أنشطتها. ولذلك فهي تعادي كل ما من شأنه أن يحد من نشاطها أو يعرضه للاضطراب. وقد أبدت تخوفات كبرى تجاه التهديدات التي حدت من حريتها في عهد أحمد بن صالح. وغالبا ما تجد هذه النزعة المحافظة اجتماعيا صياغتها الثقافية في التعلق بالإسلام وبتعريب يضمن تطبيق تعاليمه. كما أن هذه الطبقة هي الشريحة الأكثر تضررا من العدوان الخارجي بشكليه الاقتصادي والثقافي. هكذا، فنشاط الشركات المتعددة الجنسيات يغلـق في وجهها الأسواق ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وصرف المياه نحو المركبات السياحية يتم على حساب حاجيات السكان المحليين… كما أن تدفق السواح الأجانب في السنوات الأخيرة بـ«مظاهرهم المثيرة وسلوكاتهم المخالفة للأخلاق المحلية» خلف لدى أفراد هذه الشريحة بالأساس شعورا بالحرمان والاقتلاع الثقافي جعلهم يتمنون وضع حد لهذه العملية «التغريبية». وقد ذهب بهم ذلك التمني أحيانا إلى حد التعاطف مع تيار الإخوان المسلمين (الخوانجية) الأصولي الذي يطالب بنبذ الثقافة الغربية. وبذلك، يمكن لهذه الفئة أن تطالب بتعريب جذري.

د – المهمشــون
لقد أشرنا أعلاه إلى تركيبة هذه الفئة. وهي تعبر عن تهميشها في تونس بشكلين أساسيين: الأول رفض النظام الإسلامي، ويتجسد في ما يسمى بـ«الهيبيين». والثاني رفـض النظـام الغـربي، ويجسده الإخوان المسلمون الذين عرفت حركتهم تطورا منذ 1976، وبالخصوص سنة 1978. وإذا كان أصحاب التعبير الأول يرفضون التعريب لقيمته الرمزية المتمثلة في «التأطير الأخلاقي»، فإن أصحاب الثاني، من خلال مطالبتهم بتعريب جذري، يعبرون عن رفضهم للنظام الغربي الذي ترتكز عليه سلطة الدولة والذي يؤدي إلى إقصائهم اقتصاديا من النظام.

التعــريب والشـرعنـة
أ – مسألــة الأصــول
إن مسألة الوعي بـ«الخطيئة الأصلية» التي أثـرناها أعلاه لا تطرح بحدة في السياق التونسي لأن البورجوازية رغم استلامها الحكم فعلا من الدولة الاستعمارية التي قدمت لها حتى الدعم العسكري لتنحية الحركة اليوسفية سنة 1956 – 1957. أقول رغم ذلك، فإنها كانت قد تزعمت حركة المقاومة ضد الاستعمار والمطالبة بالاستقلال منذ تأسيس حزب الدستور عام 1920. وقد كان كفاحها من أجل الاستقلال يرتكز في الواقع على العمل السياسي أكثر مما كان يرتكز على سلاح الفيالق. وبذلك اكتسبت نوعا من المشروعية. غير أنها استفادت أساسـا من أسطورة بورقيبـة.

ب – أسطـورة بورقيبــة
لقد نشأت أسطورة بورقيبة انطلاقا من تجسيد المقاومة، ثم الدولة، في رجـل صار يلقب بـ«المجاهد الأكبر». وهي أسطورة تغـذى بدون انقطاع، وترمز إليها جيدا تلك العودة المظفرة لبورقيبة يوم فاتح يونيـو 1955، بعد توقيـع اتفاقيـة الاستقلال، حيـث حملتـه الجماهيـر علـى الأكتـاف ثـم وضعته على متن حصان أحد رفاقه في كفاح الفيالق (كما يذكر بذلك تمثاله المنصوب في تونس العاصمة). وقد مكنته تنحية منافسه صالح بن يوسف من الانفراد بالساحة، وأتاحت له التماهي مع مذهبه وإرساء حكمه على أساس النفعية السياسية.
وقد حلل حبيب قـراولي (1979) جيدا في دراسته حول الدولة التونسية النشـأة الواعية لأسطورة بورقيبة التي أنشأها بورقيبة نفسه مستغـلا في ذلك سلطـة تنبع من شخصيتـه أكثـر ممـا تنبع من موقعـه على رأس الحزب الذي يتـزعمـه:
«… فهو الزعيم الذي صار في الكفاح “مجاهدا أكبر”، وفي الاستقلال رئيسـا. وهو الدولة التي شيدها، والأمة التي “أبدعها”. وأخيرا، هو الشعب الذي لم يكن قبله سوى “حفنة أفراد”. يُمَحْورُ التاريخ حول شخصه و حول “ما حباه به الله”. فهـو اختاره القـدر أن يكـون “زعيما ورئيسا”. لا يشك لحظة واحدة في كونه قد دعي لأداء رسالة. وهو يخلق أسطورته ويصوغها متحدثا عن نفسه باستعمال ضمير المفرد الغائب: “هـو – والكلام لـه – الذي بنى البلاد من لاشيء. له تدين البلاد بشهرتها بين الأمم (…) منجزاته كبرى، وخدماته جليلة، ونجاحاته باهرة… هو قائد عجيب يهرع الناس إليه من القارات قاطبة لاستشارته .. وقد ولد بمعجزة نادرا ما تجود بها الطبيعة …”.»[3].
ثم يغرق في النرجسية والإعجاب بشخصه، فيقول: «إن العبقريات في حجم بورقيبة لا توجد في الشوارع»[4]. وفكرة موته في يوم من الأيام تثير فيه قلقا عميقا. ففي سنة 1969 أسر لتييري مولنيي (Thiery Maulnier): «منذ عامين انتابتني أزمة قلبية، فظن الناس أني كنت سأموت، فخرجوا إلى الشوارع يبكون خوفا من الضياع. أما أنا فلم أكن أفكر سوى في شيء واحد: إلى ماذا سيؤولون من بعدي؟… يجب أن أمتثل للشفاء… فإن متُّ قضى كـل شيء»[5]، لأنه [بورقيبة] نصب نفسه «مسؤولا عن مصير هذه الأمة» في حياته وموته» (جان لاكوتيـر، 1969: 150). وقد زرع هو نفسه هذه الأسطورة من خلال تشجيعه للمدائح المغالية في تمجيد شخصه ومنجزاته. وقـد منـعَ مصنـفا تاريخـيا حـاول صاحبـه أن يحلـل فيه شخصية خيـر الديـن رائد الحركة الوطنية لأنه ألقى في الظل بـ«مؤسس الدولة التونسية» وقزَّمَه أمام الأول (قراولي، 1979: 50-51).
وقد نجح بورقيبة في تجسيد نوع من المشروعية في أعين الجماهيـر: فهو «أب» الأمة، وهو بطل مؤسس أكثر منه خليفة للباي الذي فقد كل معنى. وأسطورته تحقق القطيعة الرمزية مع النظام الاستعماري. وتضاعف هذا الموقع المتميز – الذي يعبر عنه بإشارات ومواقف خاصة – تلك الحظوة التي اكتسبها في الخارج. فهو يظل فوق الجميع، وكل أخطاء سياسته تُنْسَبُ إلى «أكباش فداء» يُنبَذون بفظاظة، كما في حالة أحمد بن صالح الذي عُزل من منصبه بسبب فرضه للتعاونيات الإجبارية، والمصمودي الذي أقيل لمحاولته إقامة وحدة مع ليبيا، والهادي نويرة الذي نحِّي من منصبه إثر أحداث 26 يناير 1978. وهذا ما يشير إليه حبيب قراولـي:
«يسارع إلى إحاطة نفسه برجال يدعمهم بثقته الخاصة، وبذلك يرهن مستقبلهم بمستقبله، فيصيرون بشكل ما دمى ورهائن بين يديه. ويكفي أن يرتكبوا أقل خطإ، فيسحب منهم ثقته، فينقض عليهم جهاز سلطة بكامله كان قد ظـل مسالما معهم إلى ذلك الحيـن.» (المرجـع السـابق: 48-49).
وبذلك، نستنتج بسهولة أنه ليس في تونس تركيز على التعريب. فالأساسي فيها هو الحداثة. والنزعة التونسية لها أولوية على كل شيء. وهي تتيح تعدد الأقطاب الثقافية، ولا تعرف إلا مركزا واحدا هو أسطورة بورقيبة التي قامت عليها الوحدة الوطنية. واللغة العربية في ذلك كله لا تعدو مجرد عنصر مساعـد أقصى ما ينتظر منه هو أن يدعم النزعة التونسية. ويمكن للغة العربية أن تقوم بذلك من خلال تحولها إلى لغة تونسية. ولهذا السبب تعد تونس هي البلد الذي تملك فيه سياسة التعريب حظوظا أكثر في الإفضاء إلى لغة تونسية وطنية تحقق الاندماج بين العربية المكتوبة والعربية الشفهية.

2 – المغــــــــرب
اللغة والموقع الاجتماعـي
يمكن تحديد موقع الفئات الاجتماعية الأربع بالقياس إلى محور الدينامية الاجتماعية كالتالي:
أ – الفئة المتحكمة في جهاز الدولة
تتميز بتجانس سوسيوثقافي يرتبط بمستوى ثرواتها وكفاءاتها التقنية والثقافية. لكنها في الوقت نفسه فئة شديدة الانقسام. وانقسامها هذا يعود إلى استمرار ممارسات سياسية تقليدية سبق أن حللها جون واتربوري (1975)، كما يرتبط بالسياسة الملكية التي تستخدم السلطة – سلطة الحظوة الملكية «التي تعلي المرء أو تنزله» – لخلق منافسات بين مختلف العشائر والفئات أو الأحزاب. وبما أن الوصول إلى جهاز الحكم يمر في نهاية المطاف عبر الحظوة الملكية، حظوة الملك أو أقاربه، بغض النظر عن الأحكام القانونية أو البرلمانية، فإن ذلك يقيم بين الملكية وهذه الفئة شبكة من علاقات التعارف والاعتراف والتواطؤ تشارك فيها جميع الشخصيات بما فيها تلك التي تنتمي إلى المعارضة.
كما أن هذه الطبقة مفرنسة في أغلبيتها. وهذا ينطبق حتى على القطاعات المؤيدة للعربية كقطاعات جامعة القرويين. فمعرفة الفرنسية، في الواقع، سمة أساسية للتميز الأرستقراطي والانتماء إلى هذه الشريحة. غير أن معرفة اللغة العربية هي الأخرى تحظى بقيمة لأنها تدخل ضمن «حسن التربية» والتجذر الثقافي وتعد بشكل ما نوعا من الضمانة الأخلاقية. والعاهل المغربي نفسه يجسد تجسيدا جيدا هذا النموذج من الازدواجية الثقافية المرتكزة على التشبع بلغتين، إذ يملك القدرة على التعبير بكلتيهما نطقا وكتابة بمنتهى السهولة والإتقـان.
كما ترتكز هذه الفئة على اللغة الفرنسية في سلطتها وإعادة إنتاجها. ومن ثم تلك الأهمية التي تعلقها على النظام الدراسي وعملية الانتقاء التي تتم فيه بواسطة اللغة الفرنسية. وعلى كل حال، فشبكة المدارس الموازية التي بقيت في المغرب كمدارس البعثة الثقافية الفرنسية والعدد الكبير من المدارس الحرة التي تتكاثر في المغرب أكثر من أي بلد آخر من بلدان المغرب العربي، كل ذلك يجعل هذه الشريحة الاجتماعية في مأمن من ذلك الانتقاء وفي منأى عن كل نزعة مغامرة في هذا الباب.
وترتبط هذه الشريحة في مصالحها أساسا بالغرب، تقليديا بفرنسا لكن واقعيا بالولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وإسبانيا. وإذا كان هذا الانحياز للغرب من شأنه أن لا يرضي الدول العربية، التقدمية بالخصوص، فإن نهج سياسة فطنة «ملتزمة» إزاء القضية الفلسطينية يحول دون جني الآثار السلبية التي قد تترتب عن ذلك الانحياز.
أخيرا، فإن هذه الفئة فئة نخبوية أساسا حيث تقيم بينها وبين «الشعب» مسافة أكبر بالمقارنة مع باقي بلدان المغرب العربي. وإذا كانت هذه المسافة متجذرة في النزعة النخبوية الحضرية التي كانت تقابل بين الخاصة والعامة، فإنها قد تقوت اليوم بفعل التميز الاجتماعي الراجع إلى المال والتقنية العصرية، وتتجلى في نوع من الاستعراء[6] الاجتماعي المتمثل في الفيللات الفخمة والسيارات الفارهة، إلخ.، وهي مظاهر تولد تذمرا لدى باقي الفئات، ومن ثم تطرح ضرورة «إبقاء الشعب» الدائم الغليان في أحيائه الشعبية أو مساكنه القروية. ولذلك، مهما يكن الخطاب السياسي لهذه الفئة، فإنها لاتضم إلا عددا ضئيلا من المعارضين الحقيقيين ما دام وجودها رهينا بوجود الملكية. ويعتبر خطاب علال الفاسي شديـد الدلالة بهذا الصدد.

التعريــب
ماذا يمثل التعريب بالنسبة لهذه الفئة؟ يرى العاهل المغربي أن المسألة واضحة: التعريب جزء مكمل للشرعنة بمقتضى الصلة القائمة بين الإسلام واللغة العربية، والطبيعة الإسلامية للمؤسسة الملكية. وتكشف عن هذا الخيار بوضوح وجود «كتاتيب قرآنية»، والنسبة الهامة التي تحتلها المواد الدينية ضمن المقررات العربية. غير أن ملك المغرب لم يخف أبدا حاجة المغرب إلى اللغة الفرنسية. فهو – رغم رفضه الانضمام إلى الفرنكوفونية – أبدى انشغالا كبيرا بجودة تعليم الفرنسية وغيرة شديدة على هذه اللغـة التي تظل، في رأيـه، ليست ملكا لفرنسا وحدها، ,إنما لمجموعة ثقافية تتجاوز فرنسا بكثيـر.
أما النخبة، فترى التعريب عنصرا محايدا شريطة أن يظل مقتصرا على المجالات التحتية لجهاز الدولة ولا يتطلع إلى التغلغل في عالم التقنية والتسيير. فللتعريب، في هذه الحالة، ميزة تهذيب الجماهير ووعظهم. أما عندما يكتسي صبغة التعميم الكلي، فإن هذه الفئة تبدي انشغالا خاصا به إذ ما أن حاول حزب الاستقلال في السنوات الأولى من الاستقلال أن يعمم التعريب حتى تمت معاكسته بحزب سياسي جديد ذي قواعد بربرية، هو حزب الحركة الشعبية.

ب – فئة شركـاء الدولـة
وتتكون أساسا من موظفي الإدارة والمصالح العمومية، وهو قطاع واسع نسبيا رغم أن النظام المغربي لم يحاول تأميم القطاع الخاص. وإذن، فالمصالح السياسية والاجتماعية لأفراد هذه الطبقة واضحة. فوضعهم كمحظوظين، كـ«موظفيـن» فـي بلد تعتبر نسبة البطالة فيه عالية يجعلهم متخوفين من كل مغامرة سياسية قد تؤدي إلى حرمانهم من وظيفتهم التي قد لا يضمنها لهم إلا نسيج واسع من العلاقات والزبونية التي يتألف منها الوسط السياسي.
وهذه الشريحة واعية بهشاشة النظام الراجعة إلى التوترات الإثنية والسياسية. ولذلك فهي شديدة التعلق بالملكية التي تظل، في رأيها، الضامن الوحيد لأمن البلاد واستقرارها.
ويجب الإشارة إلى أن هذه الفئة هي الشريحة التي شاركت خلال سنوات 1956 – 1961 في محاولة حزب الاستقلال قيادة البلاد تحت غطاء إرساء الشبكة الإدارية، إذ كان الأمر يتعلق في أغلب الأحيان بموظفين استقلاليين فاسيين ومعربين. وقد كان التعريب في تلك العملية الواسعة النطاق مدعوا إلى لعب دور محرك في مجموع الأجهزة الإيديولوجية للحزب. وقبل أن يعاكس القصر سياسيا هذا المشروع اصطدم تطبيقه في الميدان باعتراض المواطنين البربر الذين اعتبروا أصحابه بمثابة «أجانب» أو مستعمرين جدد ذوي لغة وثقافة مختلفتين. وللتذكير، فإن فرنسا كانت قد فرضت على حكامها في المنطقة البربرية أن يكونوا على معرفة باللغة المحلية. وقد انطبع التعريب في المغرب بقوة بتلك المحاولة المحبطة حيث تحول في نظر الرأي العام من مثال ثقافي إلى مناورة سياسية. وحزب الاستقلال لم يكف عن الدفاع عن التعريب والمطالبة به طوال وجوده في المعارضة. لكن قلة ما حققه لصالح هذه المسألة منذ عودته إلى الحكم سنة 1979 يحملنا على التساؤل عن مدى رسوخ قناعة هذا الحزب في هذا المجال.
ومع ذلك، يجب ملاحظة أنه على الرغم من أن هؤلاء الموظفين حضريين، فإن قسما هاما منهم ينحدر من أصل بربري. ولذلك فهم يرفضون كل تعريب يعم سائر المرافق العمومية لأنهم يستشعرون ما يمكن أن يجره من آثار سلبية على اللغة البربريـة.
ولذلك، فإن هذه الفئة ليس لها «رد فعل موحد» حول مسألة التعريب. فهي تشتغل أساسا بالفرنسية، وتملك في قسمها الواسع ثقافة فرنسية وعربية. ولذلك، فهي من هذه الزاوية لا تخشى التعريب. وفوق ذلك، «ليس هناك تهديد» بتعريب كلي للإدارة. ثم إن هذه الفئة شديدة التمسك بتميزها الاجتماعي المرتبط باستعمالها للغة الفرنسيـة.

ج – فئة المستفيدين من التحكم في جهاز الدولة
لتحديد أهمية هذه الطبقة يكفي التذكير بالمكانة التي تحتلها المقاولات الحرة في المغرب، إذ تغطي المهن الليبرالية أو التجارية بكافة أشكالها والمقاولات الصناعية والتجارية، ونشاط القطاع الحر المستفيد من دعم الدولة التي ترى فيه قاعدة اجتماعية صلبة. وهو قطاع لا تهدده اشتراكية ما كما هو الشأن في الجزائر، ويحتل مكانة أشد صلابة – اقتصاديا واجتماعيا – من نظيره في تونس. وإذا كان هذا القطاع يرتبط بعلاقات وثيقة مع الدولة والجهاز الإداري، فذلك ليس فقط لكي يحتمي منه، بل كذلك – وأساسا – لكي يستثمره ويستفيد من امتيازاته باعتباره شريكا اقتصاديا مفضلا.
وبذلك، فإن هذه الشريحة ترتبط ارتباطا شديدا بالليبيرالية وأساسها الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي. فهـي في مستوى توجه المبادلات الاقتصادية. يتحقق نجاحها باللغة الفرنسية حتى وإن كانت لا تتقن هذه اللغة. ويمكن لشرائحها المتواضعة أن تتخوف من آليات الانتقاء الاجتماعي الذي يتم باللغة الفرنسية ويعرض أبناءها بالتالي إلى الوقوع ضحية له. كما أن تمسكها بالنظام الأخلاقي قد يجعلها تؤيد تعريبا يضمن هذا النظام.
ومن ثمة، فإمكان العثور على نسبة هامة – ربما – من مؤيدي التعريب ضمن هذه الفئة لا يعني إمكان اتخاذها مواقف متطرفة في هذا المجال كالمطالبة بتعريب جذري. وذلك على الأقل لكون العربية، في هذه الحالة، لن تمنح سائر الامتيازات التقنية التي تقدمها اللغة الفرنسيـة.

د – المهمشــون
وتشمل هذه الفئة في المغرب الجماهير دون البروليتارية التي تعيش في المدن والقرى في وضعية حرمان واستدانة دائمين، بالإضافة إلى العدد المتزايد من الشباب العاطل وعنصر النساء الذي يشهد في هذا البلد، بالخصوص، دينامية وتطورا متزايدين.
ومن البديهي أن تنصب اهتمامات هذه الطبقة في المقام الأول على الاقتصاد لا الثقافة. وهي تمثل بوضعها المهمش عنصرا مقلقا للحكم وسائر الفئات الاجتماعية، لأن وضعها الناقم كليا يؤهلها للانضمام إلى أي تيار ينصب نفسه للدفاع عنها، أو يستغلها لقضاء مآربه الخاصة، كما في حالة الحركات الأصولية التي يمكن أن تجد في هذه الشريحة عناصر لتشكيل جماعات ضغط على النظام.
وفي الواقع، يمكن للتعريب أن يكون معنيا بهذا الجانب بالضبط. نقصد تعريبا رجعيا قد يستغل هذه الفئة للتعبير عن مطلب جذري يرفض نظاما اجتماعيا واقتصاديا يقصيها ولا يفسح لها أي أمل في المستقبل. وفوق ذلك، فالحكم بتفضيله المنهجي للفئـات الأخرى التي يمكنه الاعتماد عليها إنما يترجـم فقدانـه أمـل الوصول إلى إدماج الشريحة الحالية في أجل معقـول.

التعريـب والملكيـــة
أ – أصـل الحكــم
تكمن القوة الأساسية للملكية في كونها ليست متجذرة في الاستعمار، وذلك على خلاف الأمة (Nation) – كتصور وإنجاز عصري – التي كيفها الاستعمار. والدولة المغربية في بنيتها وجهازها وريثة لهذا الاستعمار. غير أن هذه الثنائية قد انحلت جزئيا في الأحداث التي طبعت الحصول على الاستقلال. ففيما كان حزب الاستقلال يجعل من هذا الاستقلال نصرا له ويستعد للعب دور مهيمن بمفرده قام مجموع السكان المغاربة بمماهاة الاستقلال مع العودة المظفرة للملك محمد الخامس بعد منفى حوله إلى مجاهد في سبيل التحـرر وضامن للشخصية المغربية.
وقد عمد الملك بفطنته السياسية إلى الإكثار من الأحزاب – بدل منعها، وذلك ليضعفها أكثر- وإحلال نفسه مقاما يسمو عن عالمها. وبذلك حرمها، وحرم حزب الاستقلال أساسا، مما كان من شأنه أن يشكل ورقتها الأساسية، أي من محاولة استخدام مشروعية وطنية على أساس تمثيل برلماني يقوي التباعد بين ملكية مطلقة موروثة عن الماضي وديمقراطية متماهية مع الحداثة. إلا أن الملك محمد الخامس أحبط تلك المحاولة بالوزن الثقيل لشخصيته والحظوة التي كان يتمتع بها. كما قام خليفته الحسن الثاني بالشيء نفسه من خلال إعلانه عن ملكية دستورية تدمج الحداثة في الشرعية الملكية وتتموقع بذلك ضمن فئة الملكيات الأوروبيـة.
تلك هي الطريقة التي امتصت بها بنية الحكم في المغرب ما أسميناه بـ«الخطيئة الأصلية». حقا، إن الطابع الاستعماري لا زال موجودا، والأحزاب تفضحه أحيانا. بل إنه أكثر وضوحا مما هو عليه في باقي بلدان المغرب العربي لأن أي عناء لم يتم تجشمه لإخفائه لكونه في نهاية المطاف لا يزعج نظاما متيقنا من جذوره «ما قبل الاستعمارية» وقائما على أسطورة أصله الخاصـة.

ب – ترميـز الحكــم
المكان الرمزي للحكم مسمى هنا بوضوح: إنه المؤسسة الملكية. فضمن هذه المؤسسة يفكر هذا البلد الفائق التنوع في وحدته ويموقع وحدة لانتمائه، أي يموقع هوية مغربية. وقد يشكل غياب الملكية أكثر من طارئ سياسي لأنه سيعرض بنية الحكم والوحدة الوطنية المرتبطة بها لاضطرابات عميقـة.
وبالمقابل، يتيح هذا التركيز الرمزي للحكـم تشتت العلامـات بكيفية تجعل هذا الأخير لا يبدو مُهدِّداً بالانفجار أو التفرقة. وبذلك، فالتعددية معاشة بشكل جيد وعلى جميع المستويات، لغويا وإثنيا واجتماعيا، متخللة التقابلين عـرب – بربـر، وحضـر – بـدو. وإلى هذه التعددية التابعة بشكل ما لبنية الحكم تضاف تلك التعددية التي تبناها هذا النظام ضمن استراتيجيته السياسية السائرة في خط «فرِّقْ تَسُدْ»، والمتمثلة في تعدد الأحزاب والتنظيمات النقابية، والجمعيات الثقافيـة، إلـخ.
وفيما يخص اللغة، لا نـرى أنها تمثل المكان الأساسي للفكرة الوطنية لأنها نفسها متعددة الأقطاب، بمعنى أن كل لغة تمتلك قانونها الخاص وتمثل قانونا مستقلا، قانونا جزئيا ومختلفا. واللغة الأم تعبر عن مختلف مظاهر هذه التعددية المعممـة.
وفي هذا السياق، تعد اللغة العربية هي اللغة المقدسة. كما أنها تحافظ على القيم الإسلامية التي تشكل دعامة العرش. ويمكن لهذه اللغة أن تستوعب الحداثة بشكل بطيء وجزئي. لكن بما أنه ليس هناك ضرورة سياسية مستعجلة لهذا الاستيعاب، فاللغة الفرنسية موجودة هنا لتؤدي هذه الوظيفة بكيفية مُرضية جدا. وبما أن الملكية تستفيد من هذه التعددية، فهي ليس لها أي مصلحة في أن تتحول اللغة العربية إلى لغة وطنية موحدة مادامت هي نفسها (أي الملكية) رمـزا للوحدة الوطنية.

3 – الجــزائـــر
ينطبق محور هيمنة الدولة في الدينامية الاجتماعية بصفة خاصة على الجزائر التي تنفرد عن باقي دول المغرب العربي بكونها لم تبق فيها بورجوازية هامة نظرا لحضور ساكنة أوروبية كبيرة، وفي كون هذه البورجوازية قد تم إقصاؤها من الكفاح من أجل الاستقلال، فضلا عن كون الجزائر هي البلد الوحيد الذي أفلتت فيه الزعامة بسرعة من رجال السياسة وانتقلت إلى الجيش. ولم تعمل عملية البناء الاجتماعي التي بوشرت منذ 1962 إلا على تقوية وزن الدولة في البنية الكلية، هذا الوزن الذي مضى إلى حد أن جهازي الشركات الوطنية والمقاولات الفلاحية المؤممة – التي تدعى مؤسسات مسيرة ذاتيا – قد أدمَجَا وسَيَّرا القطاعات الأساسية في الجهاز الإقتصـادي.

أ – الفئة المتحكمة في جهـاز الدولة
خلافا لما رأيناه في تونس والمغرب، فإن هذه الفـئة في الجزائر تفتقر إلى التجانس. ولكي نحدد مكوناتها الأساسية، فمن الضروري التمييز بين الأمكنة الثلاثة التي يلتقي فيها الحكم، وهي: الجيش، والتقنوقراطية، والأجهزة الإيديولوجية الإسلامية.

الجيــــش
يشكل الجيش في الجزائر النواة الصلبة لجهاز الدولة لأنه مصدر الشرعية الوحيدة المؤكدة والمعترف بها، ألا وهي المشاركة في الكفاح من أجل الاستقلال. ويتمركز جوهر هذه الشرعية في مؤسسي الحركة، أي أولئك الذين يطلق عليهم إسم «القـادة التـاريخييــن».
لقد أظهر محمد حـربي (1980) جيدا في دراسته حول أصول جبهة التحرير الوطنية أن الجهاز العسكـري فرض سياسته تدريجيا طيلة حرب التحرير وعبر مختلف أزمات الحكم على حساب الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في نهاية الحـرب. فقد كانت أزمة القيادة العليا سنة 1960، ثم الإطاحة بالحكومة المؤقتة سنة 1962 بالانقلاب العسكري لبنبلة وبومديان. ثم تأكد هذا التوجه بتوالي الأحداث: الانقلاب العسكري لـ 19 يونيو 1965، وأخيرا الأحداث التي واكبت خلافة هواري بومديـان.
تتوفر هذه الفئة الاجتماعية على بنية صلبة. يوجد بعض الرجال في القمة، هم رئيس الدولة وشركاؤه الذين لا يظهر أقواهم دائما على الواجهة. وهم يتحكمون في شبكة من الزبناء والعشائر تخترق التراتبية العسكرية وتتحكم في أجهزتها. والأشد حسما في هؤلاء جميعا هو جهاز الأمن العسكري الذي يتعبر شرطـة سياسية حقيقيـة منفلتة من كل رقابـة.
غير أن هذه الفئة ليست متجانسة اجتماعيا ولا سياسيا. فخلال الكفاح من أجل الاستقلال حصل تباعد بين المقاومين الذين تم ترقيتهم إلى ضباط والضباط الذين تلقوا تكوينهم في الجيش الفرنسي. وبعد الحصول على الاستقلال تم تشجيع عدد من الضباط على مغادرة صفوف الجيش مقابل هبة مالية كبرى أتاحت لهم أن يتحولوا إلى مقاولين صناعيين أو تجاريين أو عقاريين مع الاحتفاظ بسلطة على الإدارة المرتبطة بشبكة علاقاتهم، فصاروا بذلك «بورجوازيين» لا يناصرون كثيرا المذهب الاشتراكي المتبنى رسميـا. وقد بدا ذلك بوضوح إبان الثورة الزراعية. أما باقي الضباط الذين بقوا في صفوف الجيش، فقد اكتسبوا ثروات طائلة وتسلقوا السلم الاجتماعي بواسطة تحالفات زواجية ربطتهم بـ«عائلات كبرى».
وبذلك، فإن هذه الفئة تتضمن قسما قريبا من البورجوازية متلهفا على الاندماج فيها إلى جانب قسم آخر ظل في الخط الإيديولوجي الذي يؤكده الحكم، أي ظل صاحب نزعة اشتراكية وإسلامية.

الفئـة التقنوقراطية
وتتحكم في جهاز الدولة، والإدارة، والقطاع الصناعي الهام الذي تديره الدولة مباشرة. وهي تتألف أساسا من بورجوازية للدولة. غير أن هذه الأخيرة قريبة من البورجوازية الخاصة التي لا تستطيع البقاء إلا بحماية الدولة إياها. وينطبق هذا على القطاع الخاص ليس فقط في وجوده، حيث إنه مهدد دوما بالتأميم، بل وكذلك في شروط ممارسته التي تحتاج دوما إلى شراكة أو دعم أو حماية شخصيات من قطاع الدولة. وبذلك، لا يمكن جمع هذين النوعين من البورجوازية في فئة واحدة.

المتحكمـون في الأجهـزة الإيديولوجية الإسـلامية
ويتعلق الأمر هنا بفئة اجتماعية تتميز بمسارها واختياراتها الإيديولوجية النوعية. مرجعها الاجتماعي حركة العلماء التي كان مركزها في قسنطينة، ثم اتسعت خلال حرب التحرير عبر التكوين الذي تلقاه أفرادها في جامعات عربية كجامعة القاهرة، ودمشق، وبغداد بالخصوص. ويعتبر هذا التكوين العربي المحض السمة المشتركة والنقطة الرابطة بين سائر أولئك الذين ينعتون في الجزائر بـ«المعربيـن»، وهو تكوين أدبي عموما ولا يتيح لأصحابه ولوج المراكز التقنية العالية التي تقع في المجال الفرنكوفونـي.
لقد استغل أنصار هذه الفئة بعض البنيات الإدارية أساسا، وعلى رأسها وزارة الشؤون الدينية (التي تسمى أيضا وزارة الحبوس) التي أتاحت لتوفيق المدني ولاحقيه إحياء حركة العلماء من خلال عملية بناء المساجد والمعاهد الإسلامية. كما أنشأوا في وقت معين فرعا تعليميا خاصا يدعى بالتعليم الأصيل، ثم انتقل الجزء المعرب من التعليم أيضا إلى أيديهم فأتاح لبعض مناضلي الحركة أن يترقى اجتماعيا. ومن هؤلاء يمكن ذكر مثال باكي بوعالم الذي كان في الخمسينات أستاذا بمدرسة ندرومة (رفقة عبد الوهاب بنمنصور)، ثم لجأ إلى المغرب حيث مكث طوال حرب التحرير، وبعد 19 يونيو 1965 صار مفتشا مساعدا، ثم مفتشا في أكاديمية تلمسان أولا، ثم في وهران بعد ذلك. وقد صار وزيرا للشؤون الدينية في مارس 1979، ثم وزيرا للعدل في يوليوز 1980. ومن الأمور الدالة بهذا الصدد الصعود السياسي الذي حققه عبد الحميد مهري الذي ينحدر هو الآخر من الحركة الإصلاحيـة.
وقد ترسخ هذا التيار بصفة خاصة لما استطاع أن يتصدر مواقع قوية في حزب جبهة التحرير الوطنية الذي جدده صلاح يحياوي ابتداء من سنة 1977. ومن هذا الموقع استطاعت الحركة أن تنتزع من جبهة التحرير عددا من المراكز الهامة سنة 1979 في لجان الحزب والحكومة، كوزارة الداخلية (بوعالم بنحمودة)، ووزارة التربية (محمد خروبي)، ووزارة الشؤون الدينية (باكي بوعالـم).
كما قادت الأحداث المترتبة عن الضغط التعريبي، وبالخصوص سقوط قتلى في الانتفاضة البربرية سنة 1980، الرئيس الشاذلي بنجديد إلى تقليص تأثيرهم بشكل ملحوظ في رأس جهاز الدولة خاصة وأن هذا الأخير يمثل دائما عنصر تأثير هام بسبب الأصداء التي يجدها في القواعد، وبالخصوص وسط الحركة الأصولية وحركة العلماء.

مواقف الفئة المتحكمة في جهـاز الدولة من اللغة
إن التنوع السابق في الفئة الحاكمة (أو فروع التحكم في جهاز الدولة) يتجلى في مواقفها من التعريب، كما يتيح فهم ما قد يبدو غير متماسك لدى تأمله من الخارج. فالجيش لا يهتم مباشرة بمسألة التعريب رغم أن وزارة الدفاع هي واحدة من القطاعات الأكثر تعريبا. وانعدام التجانس الاجتماعي داخل هذه المؤسسة يحول دون اتخاذ موقف دقيق حول المسألة. فالمرجع الوحيد عند الجيش هو الحكم، ولذلك فهو لا يهتم بالتعريب إلا إذا ارتبط بالضرورات الفورية. أما البورجوازية التقنوقراطية فهي، على العكس، واضحة الموقف: فهي تعادي كل تعريب شامل، لكنها يمكن أن تتظاهر بالحياد ما دام أن القليل الذي ينجز من هذا التعريب ليس له عواقب على البنيات الاقتصادية الأساسية. بل إن هذا التعريب يمكن أن يشكل حتى امتيازا لها بتخفيفه من حمولة طلبات الشغل من خلال إقصائه المعربين باعتبارهم «غير صالحين» للاقتصاد العصري، الذين ما عليهم أن يلوموا إلا أنفسهم. ومع ذلك، فهذه البورجوازية تضطر، بواجبها تجاه الدولة، لصياغة خطاب يؤيد التعريـب. وهـو ما تقوم به مع تخليل موقفها هذا بملاحظات حول ضرورة الاعتدال لضمان النجاح التام للعمليـة.
أما الفئة المعربة، فهي بالطبع تؤيد التعريب عن قناعة وليس عن حسابات سياسية. وهذا الموقف يتيح لها أن تستحوذ على قسم من جهاز الدولة وتوسعه تدريجيا. فقد كانت تتحكم في وزارتي التعليم الابتدائي والثانوي منذ 1970 لما كان عبد الحميد مهري وزيرا للتعليم، وكانت تنوي التحكم في التعليم العالي لما أقصي مهري من منصبـه.

ب – الفئـة المشـاركة في التحكم في جهاز الدولة
يكتسي القطاع الذي تتحكم فيع الدولة في الجزائر أهمية ملحوظة إذ يمتد من الإدارة إلى القطاع الاقتصادي المؤمم. والفئة المقصودة هنا هي الطبقة التي تدير هذا المجموع وتصوغ تصورا لتسيير الدولة. و«قلبهـا» هو الوظيفة العمومية.
كانت فرنسا قد أنشأت إبان حرب التحرير جسدا هاما نسبيا من الموظفين في الجزائر آملة أن تؤسس به قوة ثاثلة. ورغم أن هذا الأمل خاب آنئذ، فقد شكلت تلك العملية التوظيفية الأولية الإطار الحاسم الذي اندمج فيه فيما بعد آلاف الموظفين الآخرين. ولذلك، فعلى الرغم من السلطة التي تمتلكها هذه الفئة، فهي مختلة من جهتين: من جهة كونها وريثة للإدارة الاستعمارية ولا تشتغل إلا باللغة الفرنسية، ومن جهة تكوينها حيث تجهل في غالبتها العظمى اللغة العربية بسبب تكوينها الفرنسي. فهي تمثل وسطا صراعيا تتخلله شبكة من الزبونية والعلاقات، إذ أن حصول المرء على وظيف فيها لا يتوقف مباشرة على عمله أو كفاءاته بقدر ما يتوقف على ما يمكن أن يتلقاه من دعم. بالإضافة إلى ذلك، فالأجور منخفضة نسبيا ولا تساير معالم الاستهلاك الغربية لهذه الفئة، ولذلك غالبا ما يضطر أفرادها إلى البحث عن موارد إضافية من خلال مزاولة أعمال موازية يشجعهم في ذلك كونهم يحتلون مواقع هامة في الشبكة الإداريـة.
يمثل التعريب بالنسبة لهذه الشريحـة تهديدا بانتزاع وظائفها وتسليمها لموظفين معربين. وإذا كان هذا التهديد لم يكن قويا في عهد بنبلة، فإنه قد صار حقيقيا في عهد بومديان، مع قانون 1968 الذي صار قابلا للتطبيق سنة 1979. وقد تم التحايل عليه بكيفية جعلت الطلبة المعربين يمضون إلى حد شن إضراب من أجل تعريب الإدارة. وقد كان أنصار التعريب يرفعون دائما هذا التهديد. ويبدو ذلك بوضوح كاف من خلال الأقوال التي أدلى بها أ. شرييـه (Chériet) سنـة 1971.
ونفهم جيدا السبب الرئيسي لتخوف هذا الوسط من التعريب إذا عرفنا أنه وسط لا يعرف اللغة العربية. وإذا كان قد تغلب جزئيا على هذا المشكل من خلال اتباع الموظفين لدروس مسائية، هذه الدروس التي لم توصلهم إلى مستوى إجرائي في استخدام اللغة العربية رغم كونها كانت تتوج باختبارات، فإنه (أي الوسط) متخوف أكثر من احتمال فقدانه لوظائفه من جراء عملية توظيف القطاع الإداري لأجيال ما بعد الاستقلال المعربة. لكن هذا التخوف هو أيضا تخوف مهني لأن التعريب يتم النظر إليه باعتباره تقهقرا في مستوى العمل وسقوطا في انعدام الفعالية، وهو أمر تعبر عنه القولة الشائعة «التعريب تخريب» أو «إذا عُرِّبَتْ خُرِّبَتْ». فهذه الفئة مقتنعة بعدم قدرة اللغة العربية على التكيف مع المهام المطلوبة منها. يضاف إلى هذا وجود رد فعل «متعاظم» يعتبر اللغة العربية بمثابة لغة متخلفة وغير عصرية. وهذه الفئة في إحساسها متأثرة عموما بموقف الأطر العليا المفرنسة كليا والتي لا تبدي إلا ازدراء تجاه كل ما يتعلق بالتعريب.
وترى أغلبية هذه الفئة التي تعمل في القطاع المفرنس أن كل مطالبة بالتعريب في المستقبل لا يمكن أن تشكل إلا تهديدا لها ولأبنائها بفقدان العمل. وتكشف مبادرتها بوضع أبنائها في مؤسسات تعليمية مزدوجة اللغة عن كونها تعتبر أن المستقبل المهني في الجزائر سيظل إلى أمد بعيد رهينا بمعرفة اللغة الفرنسيـة.

ج – الـ «مستفيدون» مـن الدولة
يمكن الحديث عن مستفيدين من جهاز الدولة بمعنى أن القطاع الخاص الذي يهمنا هنا يتألف من فئة مندمجة اقتصاديا في الأمة. وتتمثل هذه الطبقة في التجار، وبعض الفلاحين، والمقاولين، والعمال، والملاكين، والحرفيين، إلخ. لكن هذا المصطلح هو بالأحرى تورية لأن الأمر يتعلق بفئة تزاول نشاطها في سياق مهدد بالاشتراكية والبيروقراطية (قوانين، وذعائر، وضرائب اعتباطية، وتأميم ومراقبة للمبادلات، والنقص المزمن للمواد، إلخ.).
ولذلك، لا يمكن لهذه الشريحة إلا أن تتذمر من الاشتراكية التي لا تمثل في نظرها إلا الحرمان من حرية العمل، ونقصان المواد، والبيروقراطية، والركود الاقتصادي. ولذا، فهي توظف استثماراتها الأساسية خارج الجزائر في الفنادق، والمعامل، والعقار. ومن ثم، فهي غيـر راضية تماما على توجه النظام القائم. ولم تفتها فرصة موت هواري بومديان للتعبير عن آمالها في تعديل هذا النظام. وقد تمت الاستجابـة جزئيا لمطالبها باتخاذ بعض الإجراءات كتخفيض الضرائب، وفتح الحدود… ولا يبدو أن تلك الإجراءات قد أرضتها كليا، غير أنها لم تفقد الأمل في إمكان الوصول إلى ذلك.
هل لهذا الموقف نتائج على الصعيد اللغوي؟ ليس هناك علاقة سببية مباشرة. ومع ذلك يمكن العثور على موقفين متعارضين كليا بخصوص هذه المسألة: فالأوساط الليبيرالية تعبر عن موقف عداء كلي تجاه التعريب لأنه نابع من سياسة جهاز الدولة، ويعني القطيعة مع الغرب الليبيرالي. لكن الأوساط الشديدة التأثـر بالتيارات الإسلامية، بما فيها حركة الإخوان المسلمين، تطالب مطالبة قوية بالتعريب باعتباره رفضا كليا لسياسة الدولة التي لا تعدو – في نظرها – مجرد نسخة مشوهة من النظام الاستعماري.

د – المهمشـــون
تتكون هذه الفئة في الجزائر – بالإضافة إلى العاطلين والشباب الذين لا يشتغلون أو «نفايات النظام التعليمي» ومن تسميهم الإحصائيات «يزاولون عملا ما» والنساء – من المعطلين من حملة الشهادات المعربة الذين بعدما يتلقـون تكوينـا كامـلا باللغة العربية يجدون أنفسهم بدون شغل ومجهوداتهم قد ذهبت هبـاء.
وتشكل هذه الفئة جيشا احتياطيا من المحرومين الغاضبين الذين يعيشون حياة صعبة تجعلهم يعون بأنهم في وضع يستوي فيه الربح والخسارة، وأن أي اضطراب لن يسيء ظروف عيشهم أكثر مما هي عليه. ومن صفوف هؤلاء يظهر عند أقل مناسبة أولئك «المخربون» الذين يمارسون عنفهم على كل ما يرمز إلى النظام الاجتماعي، من شرطة، وواجهات زجاجية… وهم يتظاهرون عند أقل تحرك شعبي: لقاء وطني في كرة القدم، تشييع جنازة الرئيـس، أحداث المنطقة البربرية التي سقط فيها قتـلى…
لقد أدرك النظام جيدا الخطر الذي تشكله هذه الطبقة. وهو لا يتردد في إقبار كل مظاهرة في مهدها. وفوق ذلك، فقد نظم في شتنبر 1979 حملة تطهيرية واسعة ضد «الآفات الاجتماعيـة»، وهي لم تكن في الواقع ضرورية لإعادة إتباب النظام والأمن كما كان يبدو بقدر ما كانت محاولة لحل المشاكل التي تطرحها هذه الشريحـة.
وبالنسبة لهذه الشريحة لا يمثل التعريب مسألة لغوية بقدرما يمثل مرجعا ثقافيا شموليا لسلطة الدولة. ولذلك، فهي تعبر عن موقفين متعارضيـن: الأول يرفض التعريب، ويعبر عنه أولئك الذين يرفضون كل أسلمـة باعتبارها إكراها اجتماعيا إضافيا ويعبرون عن هامشيتهم ضمن السجل الغربي من «ديسكـو» ومخدرات، بل وحتى الانحراف. والثاني يتعاطف أصحابه مع لغة الرفض التي تعبر بها التيارات الأصولية نظرا لأنها تقدم الحل لبنية للإدماج، وتحركهم من أجل أعمال ذات قيمة، وتعطي معنى لحياتهم موقظة فيهم آمالا. ويمكن توقع اتساع تأثيرها في السنوات القادمة وتقوية مطالبها بالتعريب الذي يشكل جزءا من برنامجهـا.

التعـريب وشـرعنـة الحكم
أ – خطيئة أصـل مزدوجـة
في غياب قدرة الحكم الجزائري إلى اليـوم علـى إحاطة نفسه بهالة أسطورية، فإنه يبـدو موسوما بخطيئة مزدوجة: كونه وريثا للاستعمار وكونه قد استعمل العنف في الوصول إلى الحكـم.
فالإدارة الجزائرية، بالمقارنة مع باقي دول المغرب العربي، هي الإدارة التي طبعها الطابع الفرنسي بعمق، وذلك ليس في إطارها التنظيمي فحسب، بل وكذلك في عقليتها، إذ نجد فيها كافة عيوب الإدارة الفرنسية من توجه مركزي يعقوبي وإغراق في الشكلانية… وجهاز الدولة هذا هو الإرث الذي خلفه النظام الاستعماري للدولة الجزائرية. وقد كان بالإمكان الاعتقاد أن عنف المواجهة التي قابلت بين الشريكين سيؤدي إلى قطع هذه «النسـابة» في العمق، وبالتالي إلى نقل شرعية الدولة الاستعمارية إلى الدولة المستقلة. غير أن الأحداث الموالية أظهرت أن الأمـر لم يكن بمثل تلك السهولة وأنه – خلال مرحلة الكفاح التحرري نفسها – كان يتم التماهي مع الخصم أكثـر من القطيعة معه. يضاف إلى ذلك أن مفهوم المشروعية نفسه قد عرف اهتزازا من جراء إنكاره على الدولة الاستعمـارية (من قبل حركة التحرير)، الأمر الذي شكك في بنيته وبالتالي جعله متفككا بحيث لا يمكن نقله إلى الدولة الجديدة. وقد سبق لجاك بيرك أن درس هذا الاهتزاز الذي يطبع سائر الأنظمة التي تعقب الاستعمار في كل سيـاق تحرري. وهكذا يبدو أن الدولة الجزائرية لا زالت في حاجة ماسة إلى مشروعيتها الخاصة وقانونها الخاص.
هناك خطيئة أصلية أخـرى لا تخدم مشروعية الحكم، وتتمثل في العنف الذي استخدمه للوصـول إلى السلطة. وبهذا الصدد، يكفي التذكير بدور الجيش والانقلابات العسكرية التي يدين لها القادة الحاليـون في وصولهـم إلى الحكم. والأمـر الأخطـر هـو أنهم – كما يبدو – لم يحـرزوا على سلطتهم في الكفاح ضد الخصم الأجنبي، الأمر الذي كـان يمكـن أن يكـون مشروعا، بقدرما أحرزوا عليها في القتال ضد إخوتهم الأشقـاء. وعلى الرغم مـن أن هذا الأصل يتقادم مع مرور الزمن، فإنه لا يمكن نسيانه مادام أن أبطال تلك المآسي لا زالوا يحتلون واجهة الساحة، وهم يحتلونها بالضبط لكونهم كانوا أبطالها الرئيسييـن. وبذلك فإن ما يعتبر أساسا لمشروعيتهم – المشاركة في الكفاح التحرري – هو نفسه ما يسيء إلى تلك المشروعيـة.

ب – هـاجـس التفـكك
لا يمكن لكل حكم يسعى لنيل الاعتراف به – لكونه غير متجذر في شرعية ما – إلا أن يرتاب في نفسه. والوضع في الجزائر يتسم بالتعددية اللغوية والإثنية، وهيمنة الروابط الجهوية والقبلية على الرابط الوطني، ووجود اختلافات وتوترات اجتماعية كما هو الحال في كل مجتمع بصدد التطور. والحكم الذي يمتلك مشروعية قوية لا يجد حرجا في استعمال كافة مظاهر التعددية، وإتاحة التعبير عنها بحرية لكون هذه الحرية هي الطريقة الوحيدة لمنع تلك الاختلافات مـن أن تتبلور وتمكينها من التطور حتى النهاية في اتجاه تخفيف حـدة تعارضاتها أو جعلها اختلافات مقبولة على الأقل. غير أن هذه ليست حالة الجزائر حيث يعد الخطاب التعددي ممنوعا، وتنتفي التعدديـة في حقائقها الأشد بداهة كالتقابل اللغوي عربية / بربرية أو كلاسيكية / لهجة. فكل شيء يتم وكأن مفتاح عقد[7] هذا الصرح الشامخ هو من الخلل بحيث لا يملك إلا أن يحجب الثراء الزاخر لمختلف باقي الأشكال الهندسيـة.

ج – أسطـورة الأصــل
في الواقع، يبدو الحكم مفتقرا بشكل تراجيدي إلى مرجعيات رمزية. فالمرجع الوحيد الذي لا يكف عن الإحالة إليه هو الكفاح، وحرب التحرير، وتمجيد بطولة «بطل واحد هو الشعب». والحال أن هذا الأخير يحتاج إلى التعـرف على نفسه في بنية رمزية؛ في أب، أو مؤسسة، أو جمعية. إلا أنه لم ير إلى اليوم سوى «مغتصبين» بالمعنى الحقيقي للكلمة، أي رجالا استولوا على السلطة دون أن يفوضها إليهم أي أحـد.
يعتبر الإلحاح على خطاب الحرب أحد ثوابت الخطاب السياسي الجزائري. فما من حملة إلا وتأخذ صبغة كفاح وتعبئة. وهذا الخطاب ليس بريئا. فهو يبين أن التوافق الاجتماعي لا يمكن إيجاده حتى اليوم إلا في الكفاح حيث تم إخماد الانتفاضة القبائلية سنة 1963 من خلال شن حرب على المغرب، وإنهاء الإضرابات الطلابية عام 1971 باستغلال حرب البترول. وهذا دليل على أن الجزائر لا زالت تفتقر حتى اليوم إلى مَعْلمٍ رمزي داخلي موحد، وأنها لا زالت في طور تفكك السلطة الذي كان يطبع فترة الكفاح من أجل التحرر. فجبهة التحرير الوطنية التي كان عليها أن تجسد مشروعية جديدة سرعان ما فقدت حظوتها في أعين الجماهير. والجيش أفقده هالته كل من الالتحاق المكثف لمحاربي آخر ساعة (أصحاب «19» مـارس)، والابتزازات التي ارتكبها، والدور القمعي الذي أسند إليه، وبالخصوص استيلاء قواده على السلطة السياسية.
ليتمكن حكمٌ ما من شرعنة نفسه من الضروري أن يصوغ أسطورة عن أصله أوخطابا حول أصوله، هذا الخطاب الذي يكون أيضا خطاب حول الهوية، على حد تعبير ف. فـوري (1978). إلا أن المشكل يكمن في معرفة أين يمكن ترسيخ ذلك الأصل، خاصة أن الجزائر ليس فيها مرجعية سابقة كما هو الشأن في المغرب. وإذا كان يمكن للكفاح البطولي أن يخلق تلك الأسطورة، فأبطاله لا زالوا أحياء. والأحياء يضرون بالأموات بمعنى ما. كما يبدو أن القادة الجزائريين يخشون إظهار ذلك التاريخ حيث أوقف الرئيس هذا النوع من البحوث بذريعة أنها سابقة لأوانها. يجب ترميز الأمة. لكن ذلك لا يمكن أن يتم دائما بمجرد نفي الآخر (المستعمر) والتعارض معه، أي لا يمكن أن يدوم بخطاب الحرب وحده. وهنا يمكن أن يتدخل دور اللغـة.

د – وظيفـة التعريـــب
لقد قلنا إن التعريب لا تحركه اعتبارات الفعالية ولا المردودية بقدر ما يحركه شـيء آخـر. هنا يمكن تفسيـر ما هو أساسي. فاللغة العربية، من خلال علاقتها بالإسلام، هي الوحيدة القادرة على منح مشروعية للحكم في الجزائر الـراهنة ومحو «خطيئته الأصلية» من خلال ربطه بالجذور العميقة للقانـون المنحدر من القرآن، هذا القانون الذي يعترف به ويحبه الجميع في نقطته الأساسية المتمثلة في كونه مرجعا للهوية. وبذلك، يمكن للحكم أن يأمـل في نقل مشروعية اللغة العربية إليه، وبالتالي تحويل هذه المشروعية من الإسلام إلى الأمـة. يمكنه ذلك من خلال الاهتمام بهذه اللغة واتخاذها مرجعا لا سيما أن هذا النقـل للمشروعية يعتبر أهم من اللغة العربية التي لم تعد في نسختها العصرية لغة القرآن فحسب، بل صارت ترجمة من اللغة الفرنسيـة. وهذا النقل هو الذي يمكن أن يخرج الدولة الجزائرية من هذا التمزق بين قانونين لا أحد منهما يعتبر قانونها الخـاص. إن فائدة التعريب وتبريره يتمثلان في الاعتراف بالحكم الوطني بما هو عليـه وقد صار مجسدا في لغة وثقافة جزائريتيـن.
يتعلق الأمر هنا بعملية صعبة وطويلة. فالمشروعية يُعتَرَفُ بها بسرعة عندما يجسدها رجل مهاب ومحبوب، أي بطل مؤسس. غير أن الجزائر لم تعرف شخصية كهذه. هل هذا الغياب من صدف التاريخ؟ نعتقد، بالأحرى، أن تفسيره يكمن في التقاء تقليد مزدوج: التقليد المغربي الانقسامي[8] الذي يعارض كل حكم مركزي، والتقليد السياسي الفرنسي الذي يطبعه الخوف من البونابارتية والحذر الكبير من كل حكم شخصي. ومهما يكن من أمر، فالظروف السوسيوثقافية للجزائر لم تهيئها لقيام نظام ملكي فيها، ومن ثمة يتعين على طريق البنينة الرمزية للحكم والهوية أن يمر بالإواليات العميقة التي تحملها اللغة والثقافـة.
ومع ذلك كله، فالمهم هو وضع تلك العمليات على الطريق، وإن كان لا يجب انتظار حل مشاكل على هذه الدرجة من التعقيد في ظرف وجيز. فالمسؤولية الثقيلة الملقاة على عاتق اللغة العربية في هيكلة الوحدة الوطنية وشرعنة الحكم والإحالة على الهوية تكشف لماذا ستظل اللغة العربية لمدى طويل في قلب مشاكل شائكة وعسيـرة.
————–
الهوامش والمـراجــع
أ – بالعربيــة:
بنسـلامـة ب.،
1974، الشخصيـة التونسيــة، تونــس.
بنعبد اللــه، أ.،
1975، التعريب ومصطلحات الثقافة، الرباط.
سعـــدي، ع.،
1967، قضيـة التعريب في الجزائـر، بيروت، دار الطليعة للطباعــة والنشـر.
امزالـــي، م.،
1971، «في التونسـة والتعريـب»، الفكــر، ع. 7، أبريل، صص. 667-708.
مسايـــف
1973، في الثـورة والتعـريـب، الجـزائـر، SNED.
ب – بالفرنسيــــة:
BELTAIFA, M.
1967, «Utilisation respective de l’arabe et du français dans quelques administrations tunisiennes», RTSS, N° 9, Mars, pp. 57-77.
BERQUE, J.
1974, Maghreb, histoire et société, Alger, SNED, Duculot, 1980, Langages Arabes du présent, Paris, GALLIMARD.
BOUKOUS, A.
1977, Langage et culture populaire au Maroc, Casablanca, Dar El Kitab.
BOURDIEU, P.
1975, «Le fétichisme de la langue et l’illusion du communisme linguistique», Actes de la Recherche en Sciences Sociales, N° 4, Juillet, pp. 2-33.
DRUNOT, L.
1921, «L’Université de Karaouiyine», Bulletin de l’Enseignement Public», N° 32, pp. 196-206.
CHENOUFI
1975, «Note sur le collège Sadiki (1875 – 1975), Les cahiers de Tunisie, N° 91 – 92, pp. 371 – 394.
FITOURI, C.
1980, Biculturalisme, bilinguisme et éducation (Analyse du cas tunisien). Thèse de Doctorat d’Etat, Paris VII, dacty.
FURET, F.
1978, Penser la révolution française, Paris, Gallimard.
GRANDGUILLAUME, G.
1976, Nédroma. L’évolution d’une médina, Leiden, Brill.
1977, «L’enseignement au Maghreb», Maghreb – Machrek, N° 78, pp. 34-43.
1977, «Pour une anthropologie de l’arabisation au Maghreb», Peuples Méditerranéens, N° 1, pp. 95-121.
1980, « Relance de l’arabisation en Algérie?», Maghreb – Machrek, N 88, Avril – juin, pp. 51 – 63.
KARAOULI, H.
1979, Etat, parti unique et démocratie en Tunisie, Mémoire de l’E.H.E.S.S., Paris, dacty.
LACHERAF, M.
1965, L’Algérie: nation et société, Paris, Maspéro.
LAROUI, A.
1977, Les origines sociales et culturelle du nationalisme marocain (1830 – 1912), Paris, Maspéro.
LEGENDRE, P.
1974, L’amour du censeur. Essai sur l’ordre dogmatique, Paris, Seuil (le champ freudien).
1976, Jouir du pouvoir. Traité sur la bureaucratie patriote, Paris, Minuit.
MAAMOURI, A.
1972, «Ethnolinguistique et alphabétisation», RTSS, N° 28 – 29, pp. 261-312.
1973, «the Linguistic Situation in indépendant Tunisia», in Américan Journal of Arabic Studies, 1, pp. 50-65.
WATERBURY, J.
1975, Le Commandeur des croyants. La monarchie marocaine et son élite, Paris, P.UF.
————-
هوامــــش الترجمة
[1] – المقصود بالاستعراء (Exhibitionnisme) في هذا السياق حُبُّ الظهور. وهذه المفردة التي تنتمي إلى حقل التحليل النفسي تعني استلذاذ المرء بأن يكون محط نظر الآخرين، كأن تعمد المرأة – مثلا – إلى الكشف عن أجزاء من جسدها… ونقيض هذا المصطلح هو التلصص (Voyeurisme)، ويعني تلذذ الفرد باختلاس النظر إلى مشاهد شهوية مثيـرة. (م).
[2] – يقول هذا الباحث بوجود استمرارية بين الحق الكنسي والحق الذي تقوم عليه الوطنيات الحديثـة.
[3] – Politique – Hebdo, N° 107 (Décembre 1973).
[4] – Le Monde Diplomatique, Déc. 1975: «La Tunisie Vingt ans après».
[5] – Le Figaro, 10/01/1969 et L’Action, 15/01/1969.
[6] – سبق شرحها في الهامش: 1، ص. 43 من الدراسة الحالية.
[7] – صخرة توضع فوق الجزء المركـزي من القبة لحفظ توازن باقـي الصخـور. (م).
[8] – تطلق تسمية «انقسامي (Segmentaire)» على كل مجتمع أو تنظيم اجتماعي ينقسم إلى مجموعات عديدة من الأفراد (مثلا: العشائر س، ي، ز…) تنقسم بدورها إلى مجموعات صغرى (مثلا: س1، ي1، ز1…) تتجزأ هي الأخرى إلى وحدات أصغر (مثلا: المجموعة الصغـرى س1 تتألف من السلالات س2، س3، س4…). وذلك إذا كانت سائر أنواع الانقسامات تتعايش في كل لحظة، لكنها لا تتجلى بالفعل إلا في مواقف محددة كأن يتحدد فرد ما – حسب ما يقتضيه المقام – باعتباره ينتمي إلى العشيرة س لكي يتميز عن عضو من العشيرة، أو باعتباره ينتمي إلى السلالة س2 ليضع نفسه مقابلا لأحد أعضاء السلالة س3. عن: M. PANOFF et M. PERRIN, Dictionnaire de l’ethnologie, Paris, Payot, 1972, p. 241.، وحول تطبيق هذه النظرية – التي تعرض قبائل النوير السودانية أحسن مثال لها من خلال دراسة عالم الأنثروبولوجيا الإنجليزي إيفانس بريتشارد: (1940) The Nuer – على مجتمعات المغرب العربي، وكذا الانتقادات التي وجهت إليهـا يراجع، على سبيل المثال، ليليا بنسالم، «المقاربة الإنقسامية لمجتمعات المغرب العربي الكبير: حصيلة وتقييم»، وإرنست كلنير، «السلطة السياسية والوظيفة الدينية في البوادي المغربية»، و عبد الله الحمودي، «الانقسامية والتراتب الاجتماعي والسلطة السياسية والقداسة، ملاحظات حول أطروحات كلنير»، الصادرة ضمن كتاب الأنتروبولوجيا والتاريخ حالة المغرب العربي، ترجمة عبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلـق، البيضاء، دار توبقال، 1988. كما يمكن العودة إلى كتاب جون واتربوري الوارد ذكره ضمن قائمة المراجع في نهاية هذه الدراسة. (م.

الكاتب: محمد أسليـم بتاريخ: الخميس 20-09-2012 09:45 مساء

السابق
اللغة والسلطة والمجتمع في المغرب العربي: 04 – اللغة والهوية والثقافة الوطنية في المغرب العربي
التالي
اللغة والسلطة والمجتمع في المغرب العربي:02 – من أجل أنثروبولوجيا للتعريب في المغرب العربي