أشباه قصص

أشباه قصص – تبني قطـة

عدتُ إلى البيت للتو، بعد أداء شعيرة المشي اليومية التي فرضها عليَّ الطبيبُ. كانت الوجهة هذا المساء شمال المدينة، فكان لزاما قضاء وقت في المقهى الشعبي للاستراحة كالعادة. حدثان بارزان:
الأول: شخصٌ بأسمال رثة، يتكئ على عُكازتين، احتسى الخمرة فأسكرته إلى أن أصبح يرى الديكَ حمارا. وأية خمرة؟! الكحول الصيدلي. شرب، فلم يرق له إكمال الشراب إلا في جانب رصيف المقهى المكتظ بموائد الزبائن. في إحدى تلك الموائد كان صاحب المقهى جالسا رفقة أصدقاء له. لم تجدِ طلباتُ الزبائن وصاحب المقهى للمخمور بأن ينصرف ويواصل شرابه في مكان بعيد. للخمرة منطقها وحججها المناقضة تماما لمنطق الصحو وبراهينه… ثم ها هي جماعةٌ من الزبائن تقوم وتتآزر وتمسك السَّكران بكلِّ ما أوتيتْ من قوة، وتجبره على المغادرة: حملته، ورمتهُ ككومة، اندفع، كاد أن يسقط، تماسك بصعوبة كبيرة، ثم غادر المكان بخطو متعثر؛
المشهد الثاني: أحد المشردين بأسمال رثة أكثر من الأول بكثير وشعر رأس اختلط حابله بنابله إلى أن صار لا يُعرفُ أهو مقلد للفنان الراحل بوب مارلي أم واضع فرو خروف فوق رأسه. أصرَّ المتشرد على التسلل بين الموائد لاستجداء الزبائن، منعته النادلات، بدون جدوى، أصر على التنقل بين الموائد. فجأة، حمل صاحب المقهى مكنسة وأحد العمال عصا، تظاهرا بأنهما سيهويان على المشرد، أمطراه بالشتائم والتهديدات المصحوبة بالتلويح بالقضيبين، وها هو يطلق ساقيه للريح ويلوذ بالفرار: مرق بين السيارات القادمة من جهتي الطريق، قطع إلى الرصيف الآخر، ثم غادر دون أن يلتفت إلى الخلف…
انتابني شعور مرتبك: لم أعرف هل يستحق صاحب المقهى الثناء والشكر لأنه تدبر أمر توفير الراحة لزبائنه أم يستأهلُ اللوم والعتاب لأنه تصرف بقسوة فضحت عدم امتلاكه لذرة رحمة أو شفقة؛ عندما تميل إلى شكره توبخك إنسانيتك وتخجل من أنانيتك، وعندما تنحو صوب لومه تتذكر أنَّ ما قام به هو ما يقوم به بالضبط فريق الممرضين والممرضات في المعازل الطبية لمستشفيات الأمراض العقلية بالمرضى الذين تتحرر فيهم تلك القوى الغامضة القابعة في كل واحد منا من عقال الترويض الذي يخضع له الفرد منذ ولادته إلى أن تتأتى لها فرصة الإفلات من قيود الترويض فتكسِّر جميع القيود وتنطلق… الفرق الوحيد بين الحالتين هو أن ما جرى اليومَ تمَّ في الفضاء العمومي، على مرأى ومسمع من الجميع، في حين ما يجري في مستشفيات الأمراض العقلية يحدث ليس فقط وراء أسوار المستشفى، بل وكذلك وراء جدران غرف مغلقة لا يرى ولا يسمع ما يجري فيها إلا من كان داخلها!…

 

*
*     *

ذكرني الحدثان بما كتبته في تدوينة سابقة:
نعيشُ في مجتمع يستحيل أن يمشي المرءُ فيه خطوة واحدة دونَ أي يُكسِّرَ شيئا فيه ( = المجتمع) أو يُكسَّرَ شيءٌ منهُ ( = المرء). وعندما سينتهي هذا التهشيم المتبادل، أو على الأقل عندما ستكون حدَّته قد خفت بشكل كبير جدا، بحيث يصبح غير مرئي وغير معيش في الحياة اليومية، آنذاك فقط سيكون دخولنا العصر الحديث قد اكتمل، وهو ما لا يمكن تحديد موعده ولا ضمان أن يعيشه جيلنا الحالي ولا حتى بضعة أجيال مجتمعنا المقبلة، ربما…
تساءلتُ: أيجدر بالمرء أن يلازم بيته ولا يخرج أصلا؟ أن يلوذ بالصمت الأبدي، ويعيش كجثة محنطة؟ لكن، أليس ذاك هو ما قام به بالضبط السكير الأعرج والمشرد المريض؟ ليس سُكرُ ذاك ومرض هذا سوى ردين للفعل إزاء طبقات من الكسور القوية والجروح الغائرة التي تراكمت بمرور الأعوام والسنين!!!

 

*
*     *

بعيدا عن المقهى، صادفتُ سمكا بسعر زهيد. اقتنصتُ الفرصة فاشتريتُ ما تيسر منه لإسعاد قططي. بعيدا عن صاحب السمك، ها هو صوت «هرير» لا يتجاوز عمره حوالي أسبوعين يصرخُ بعد أن تاه أو تخلت عنه أمه مكرَهة: ربما لأنها وجدت نفسها بين خيارين أحلاهما مرّ: أن تطلق ساقيها للريح فتنجو بحياتها، لكنها تفقد أبناءها، أو تتمسك بهم فتصادف أذى كبيرا هي وإياهم! باستثناء هذا الموقف، تسخر القطة كل المجهودات والحيل للحفاظ على صغارها، بما في ذلك أن تعمد أحيانا إلى أكلهم متوهمة أنهم سيخرجون من رحمها لاحقا كما خرجوا يوم أنجبتهم!
يصرخ القطيط بأعلى صوته كمسافر على متن باخرة لا يعرف السباحة، ثم وجد نفسه فجأة مُلقى في عرض اليمّ… يصرخ تائها وسط الرصيف المكتظ بالمارة، لكن لا أحد يكترث له، بل الجميع يتحاشاه مع أنه أحد أبناء عمومتنا الثدييات… لو كان الصارخُ طفلا تائها لانقلب المشهد إلى منقلب آخر. ناديتُ الهرير، جرى نحوي، حملته، كف عن المواء. هاتفتُ صديقا لي كان قد أعرب لي منذ بضعة أيام عن رغبته في تبني قط أو قطة صغيرتين، وكنتُ أنوي إسعاده بالهرير التائه، لكن كان من سوء حظ هذا أن الصديق كان قد عثر على قطيطة قبل يومين، حسب ما قال. اصطحبتُ الهرير معي إلى البيت، ظل صامتا على امتداد الطريق، لأنه شعر بالأمان…
بمجرد ما فتحتُ الباب ألقيتُ الوافد الجديد في الأرض، واستغرقتُ في مراقبة طقس استقبال قطط البيت الأربعة له: جرى الهرير في كل الاتجاهات، في حين لم تبدِ القطط أي تحمس لاستقباله، علامة على رفضها له؛ تبادل الخمسة تحية التهديد والوعيد: قطط المنزل، أكبر منه بكثير، تهدد، في حين يواجه القطيط التهديدَ بالوعيد، مع أنه لصغره يبدو أمامها كأكذوبة. إنها لغة الجينات والغريزة التي لا تقتضي تعلما ولا تلقينا… ربما كانت طقوسُ «الانضمام المهين» التي يُطلق عليها اسم «البيزوطاج Bizutage» التي يُلحق من خلالها أفراد الفوج القديم بمؤسسة تعليمية أو ثكنة عسكرية مَّا أبشع الإهانات بزملائهم الجدد إعادة إخراج لهذا السلوك «الثدييي» السحيق، إذ مثلما تنقلب عداوة القطط فيما بينها إلى صداقة حميمية حتى ليخيل للرائي أنَّ جميع نوارس البيت، القدماء والجدد، أشقاء خرجوا من رحم واحد، كذلك تنقلب أشكال العبث الجسدي لقدماء الطلبة والجنود بنظرائهم الجدد، عقب طقس الاستقبال المهين، إلى صداقة نسيجها التعاون والتآزر والتآخي… فقط، في حالة القطط وأفواج الجنود والطلبة يكون التهديد مسرحية ساخرة تنتمي دائما بنهاية سعيدة. أما تهديد صاحب المقهى وعامله وزبائنه، فكان مسرحية في غاية الجد؛ كان مآل السكير المتشرد اليومَ هو أن أمسكت به جماعة أشخاص بمنتهى القوة وطوحت بجسده بعيدا عن المقهى، ثم لاشك أن إصرار المريض عقليا على دخول المقهى قد أفضى به من قبل إلى تلقي ضرب مبرح إلى أن أصبح يلوذ بالفرار بمجرد ما يشاهد عصا أو قبضة مكنسة في يد صاحب المقهى أو أحد عمالها…
نحيتُ القطيط في ركن قصي بالبيت، أطعمتُه، سكن وهدئ روعه، وها هو يجلس فوق صدري الآن، عاضا عليَّ بالنواجذ وغاطا في النوم، يحتمي من باقي القطط ويستدفئ بحرارة جسدي بقدر ما أحميه منهم، أو أحتمي به مما لستُ أدري، وأستدفئ بحرارته، إلى أن أنهي جلسة اتصالي الاعتيادية بشبكة الأنترنت قبل النوم، بعد ذلك سأمنحه حماما دافئا، وأهيئ له مكانا لينام فيه، في انتظار ما قد أفعل به لاحقا عندما يكبر ويشتد ساعده بهذا القدر أو ذاك…

*
*     *

بمرور الأيام، تعلق بي القط تعلقا شديدا، كدأب سائر القطط التي تولد في البيت أو يتم تبنيها في سن صغيرة جدا، ما أثار في ذهني سؤال ما إذا كان تعلق القطط بالبشر يجد تفسيره في التباس الحدود بين الاثنين:
لا يفوت من يربي قططا ملاحظة تودُّدَها وتحبُّبَها للإنسان وسعادتها بالتقرب منه ومجالسته وملاعبته، بل إذا خيِّرت بين الإنسان أو الطعام استغنت عن الطعام واختارت الإنسان، ما يبعث على التساؤل: هل في صغار بني آدم بقايا قطط أم في القطط بقايا صغار البشر؟

السابق
أشباه قصص – الشيخ الفرنساوي وعشيقته الصغيرة
التالي
أشباه قصص – الديك الحبشي1. في السوق النيوليتي