حوارات

محمد أسليـم: السحر موجود بالنسبة لمن يؤمنون وفعاليته رمزية / جريدة المساء

أستاذ أسليم، أنت اشتغلت على موضوع السحر منذ مدة طويلة في إطار بحث جامعي للدكتوراه، هل ترى أن الاعتقاد في السحر والاقبال على ممارستة تراجع في المغرب مع زحف الحداثة؟
بالعكس، كلما ازدادت الحياة تعقيدا وجدَت المعتقدات والممارسات السحرية لنفسيهما مجالا للتكيف مع الأوضاع الجديدة للبقا . يحدث هذا في المغرب كما في كافة البلدان. يمكن الإشارة في كندا، على سبيل المثال، إلى سحر الويكا، وفي إفريقيا السوداء إلى تفسير صعود طبقة الأثرياء الجدد باستعمال هذه الطبقة للسحر، كما في الكاميرون وغينيا، وإلى استدعاء المعتقدات السحرية في هذين البلدين لتفسير الصعوبات التي يلقاها قاطنو كبريات الحواضر الجدد وصعوبة تكيفهم مع السياقات الجديدة واستغلالهم من لدن الأثرياء.
والمغرب لا يشد عن هذه القاعدة. فبفعل زحف الحداثة، منذ الاتصال بالاستعمارين الإسباني والفرنسي، تعرضت بنية المجتمع المغربي التقليدي للاهتزاز والتصدع، ما يضع مجموعة كبيرة من الأفراد من الجنسين أمام مشاكل أسرية واجتماعية غير معهودة، فيتم استدعاء السحر لتفسيرها والبحث عن حلول لها. وعموما، في سائر قضايا السحر يتعلق الأمر بالتعبير رمزيا عن تأرجح وجداني بين الحداثة والتقليد. يتم كل شيء وكأن أناسا يريدون الحداثة، لكنهم يتمسكون بالتقاليد في آن. وضمن الفئة التي تجد نفسها موضوعا لهذا التجاذب، على نحو يولِّدُ مشاكل مستعصية التفسير والحل، نجد مزاولي المعتقدات والممارسات السحرية للخروج من مآزقهم.

المساء: ـ من خلال متابعة ما تنشره الصحافة في المغرب، نستنتج بأن العمل السحري بمجالاته المختلفة يمثل ضرورة بالنسبة إلى كثيرين للجلب والمحبة، وطرد العنوسة، وإبطال الحسد، والقبول، والنجاح، وعلاج الأمراض المستعصية، وما إلى ذلك، فكيف تفسر ذلك؟
نجد هذه المجالات في كافة بقاع الأرض، بالتالي فتفسير استدعاء السحر في هذه الحالات قد يكمن في عجز العقل عن تفسير أشياء معينة، ثم في ضعف الإنسان أمام قضايا محيرة، كالموت والجنون والمرض والموت، وما إلى ذلك. باستثناء المجتمعات التي يدخل السحر ضمن تنظيمها واشتغالها، بحيث يشكل مؤسسة قائمة الذات، تؤدي وظائف حيوية لسير الحياة الاجتماعية، كأن يكون الساحر مَلكا أو مطببا أو شخصا لا غنى عنه لمزاولة الأعمال الدنيوية، وممارسة طقوس اتصال الأحياء بالأموات وبالما وراء عموما… باستثنائها، يلجأ الفرد للسحر عموما، بوصفه ملاذا أخيرا، باجتياز ثلاثة مساعي: الأول محاولة تفسير مُصاب جسيم، باستعمال التفكير العقلاني، فيتساءل: لماذا جرى لي هذا الأمر بالذات؟ لماذا لي وليس لغيري؟، فيفسر ألمه باستدعاء العقل، فيبحث له عن حل أو أكثر من الحلول المعتادة، لكن بدون نتيجة. هنا، تتدخل المرحلة الثانية، فيفترض صاحبنا أنَّ مصابه هو من فعل فاعل، فيلوذ بالسحر، مستشيرا عرافا أو ساحرا، فيُثبت هذا فرضية الضحية من خلال تسمية ساحر مسؤول، ليتم الانتقال، بعد ذلك، إلى المرحلة الأخيرة وهي إبطال السحر. وقد أظهرت مجموعة كبيرة من الدراسات أن هذه الخطاطة تنطبق على المجتمعات «البدائية»، والمجتمعات «المتحضرة»، والمجتمعات العربية الإسلامية على السواء. كما تبينَ من خلال دراسة مجموعة من الحالات السحرية المغربية أنها كلها تقريبا تعيد إخراج ما يمكن تسميته بـ «أزمة سحر الرسول» صلى الله عليه وسلم، إذ تذكر المصادر أنه أصيب بأعراض جسدية وذاكرية، حيث قيل إنه عانى في فترة ما آلاما بدنية وكان لا يأتي نساءه ويخيل إليه أنه أتاهنَّ، فقدم تفسيرا عقلانيا بافتراض أن السبب كان جسمانيا، فجرب وسائل التطبيب المتداولة آنذاك، لكنها لم تنفع، فاستدعى الغيب، بإيكال أمره إلى الله، فزاره ملكان، وأكدا له أنَّ ما أصابه كان نتيجة سحر، وسَمَّيَا الساحر، وحدَّدا طقسه، وعيَّنا مكان دفن سحره، لتأتي بعد ذلك المرحلة الثالثة، وهي إزالة السحر: تذكر المصادر أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر قريبين له، فذهبا إلى البئر التي دُفنَ فيها السحر، فأخرجاه،وأبطلاه بقراءة إحدى المعوذتين. عموما، وعلى غرار سائر من يلوذون بالسحر، في سائر الأزمنة والأمكنة، يتبع المغاربة المتعاطون لهذه الممارسات هذه الخطاطة الكونية نفسها.

المساء: يعتقد أغلب العرب والمسلمين بأن المغرب أرض السحر والمغاربة سحرة بامتياز. على ماذا يتأسس هذا الاعتقاد لديهم؟
أوَّلا، المغرب ليس هو الأرض المختصة بالسحر والسحرة، إذا ما وجودت هذه الأرض أصلا. فالسحر ممارسة سحيقة موجودة في كل المجتمعات، قديمها وحديثها، مورسَ – ويُمارَسُ – في روسيا، ورومانيا، وأمريكا، وكندا، وفرنسا، والعربية السعودية، والعراق، وإيران، واليمن، والسودان، ومصر، وسائر البلدان بدون استثناء.
أما اعتقاد المشارقة بـأن المغاربة «سحرة بامتياز»، فيتأسسُ على نقطتين:
الأولى كون الساحر في سائر المجتمعات، فردا كان أو جماعة، هو نعتٌ يُلصَقُ بالآخر الذي يكونُ أجنبيا أو فئة اجتماعية معينة أو ممارسا لمهنة ما، كالحدادة، على سبيل المثال. في المغرب أيضا يُعتقد أن أكبر السحرة هم اليهود وأهل سوس. وما يصدق على المغاربة يصدق أيضا على المشارقة، إذ بقدر ما يعتبرُ هؤلاء المغربَ أرضا للسحر ويتوهَّمُونَ أنَّ المغاربة سحرة في المقام الأول، يعتبر المغاربة أيضا أنَّ المشرق أرضا للسحر ويتوهمون أنَّ المشارقة سحَرة بامتياز. لا ننسَ أنَّ مُعظم المصنفات السحرية العربية التي يستعملها مزاولو السحر في المغرب هي من تأليف مشارقة قدماء ومُحدثين، أشهرها مؤلفات البوني والطوخي الفلكي.
الثانية ربما تتجذر في المخيال العربي القديم، عندما كان هذا مركزا للكرة الأرضية، وكان المغرب يقع في أقصى حدود الأرض المعروفة آنذاك. كان المحيط الأطلسي وقتئذ يسمى بحر الظلمات، فكان من الطبيعي أن يُساهم موقعه هذا في تغذية المتخيل بكون هذه الرقعة من العالم متاخمة لمواطن الجن والشياطين والمجهول عموما.

المساء: هل صحيح أن المغاربة أكثر استعمالا للسحر من باقي الشعوب العربية والاسلامية؟
قطعا لا. من غير المعروف رقم معاملات التدخلات السحرية في المغرب، لكن من المعلوم أنه يبلغ في بلدان متقدمة، كأمريكا وفرنسا، ملايير الفرنكات والدولارات، ما يتيح القول بأن ممارسة السحر هناك تفوق بكثير نظيرتها هنا. بل إنَّ روسيا التي كانت قد شهدت حظرا صارما على الغيبيات طوال الحكم السوفياتي، ما أن تفكك النظام الاشتراكي فيها حتى طفت إلى سطحها المعتقدات والممارسات السحرية، تنبت كالفطر. فالسحرَ ظاهرة ملازمة للإنسان، في سائر الأزمنة والأمكنة. وقد أصابَ بالفعل من اقترحَ إلحاق صفة «الساحر» بالإنسان الحالي على غرار باقي الصفات التي يختص بها دون سائر المخلوقات، كالعقل، وإنتاج الحكايات والأساطير، والتدين، والكلام، والسياسة، وما إلى ذلك.
ثمَّ، باستحضار عدد فلكيي ومنجمي العالم العربي الذين يكثر ظهورهم في ختام كل سنة ميلادية في العديد من القنوات الفضائية، وتبث تسجيلات تنبؤاتهم في شبكة الأنترنت، يسهل استنتاج أنَّ منجمي المغرب وقراء أبراجه ليسوا بشيء أمام جحافل نظرائهم المشارقة. أما إن شئنا الحديث عن استعمال السحر عند المشارقة في مباريات كرة القدم، والحروب، واستشارة معظم الزعماء العرب لعرافين وسحرة ومنجمين، فالكلام يطول.

المساء: ولكن هؤلاء يقتصرون على التنبؤ وقد لا يمارسون السحر…
بالعكس، فمن يتنبأ بقراءة الأبراج يمكنه مزاولة طقوس السحر بسهولة، لأنه يكون قد قطع شوطا كبيرا في الشطر النظري اللازم للتطبيق. فالسحر العربي الإسلامي، كالسحر عامة، يتأسس على ما يُسمى بنظرية التقابلات: ما من شيء في العالم الأرضي إلا وهو متصل بخط من الأشياء تبدأ هناك، في السماء، وتنتهي هنا، في الأرض، بحيث يشكل حلقة في سلسلة طويلة جدا، تشمل الأفلاك والأبراج والمعادن والملوك العُلويين والملُوك السّفليين والحروف الهجائية، والأطعمة، ويوما من أيام الأسبوع، ومنزلة من منازل القمر، والأبخرة، والنباتات، والمعادن، والأطعمة، والألوان، والحيوانات، وهلمَّ جرَّا. هذا الارتباط يجعل الفرد مسلوب الإرادة، لأن كل شيء يقرَّرُ هناك، سلفا، لكن يُمكن التنبؤ به، وتعديل مساره وتحويله لصالح المرء. ومفتاح هذا التنبؤ هو التنجيم أو «علوم» أخرى، كالرمل، والحروف، والكف، وغيرها.
تأتي المرحلة الموالية، هي معرفة أوقات العمل، وصرف عمار المكان، فإجراء الطقوس، وهي في غاية السهولة. بالتالي، يمكن الجزم بأن كل من ينجم ويقرأ الأبراج هو مُزاولٌ للسحر، وما يحول بين عموم الناس ومعرفة ذلك إلا إحجام قراء الأبراج عن ذكره، بسبب الحظر الديني على الممارسات السحرية في العالم العربي الإسلامي كما في المجال الغربي المسيحي…
وبالجملة، فالمعتقد المشرقي في اختصاص أهل المغرب بالسحر هو معتقد خاطئ تماما، إذ العكس هو الصحيح، ولا شك أنَّ ثقل الإعلام المشرقي بكثرة صحافته وقنواته الفضائية وغيرها مقارنة مع نظيره المغربي يساهم كثيرا في رواج هذا الوهم. فلو كان للمغرب حضور إعلامي يفوق نظيره المشرقي لانقلبت الآية تماما، إذ المغاربة هم الآخرون يعتقدون أنَّ أكبر السحرة وأكفأهم هم المشارقة واليهود والزنوج، وغيرهم.

المساء: هل يختلف السحر في المغرب (معتقدات وممارسات) عن نظيره لدى الشعوب والحضارات الأخرى؟
قد يكون وجه الاختلاف الأبرز هو الحرص هنا على منح هذه الممارسات والمعتقدات شرعية دينية، سواء على مستوى الخطاب المبرِّر للجوء إلى هذه الأعمال أو على مستوى الطقوس. يستوي في ذلك السحرة والزبائن على حد سواء.

الملاحظ أن الهند والشعوب الإفريقية على سبيل المثال يؤمنون بالسحر ويمارسونه في حياتهم اليومية دون عقد. لماذا وحدهم العرب يتعاملون بنفاق مع السحر: يمارسونه في السر ويلعنونه في العلن؟
قد يعود ذلك إلى تأرجح موقف الدين من السِّحر. فمن جهة، معلوم أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد تعرض لإيذاء هذه الممارسات، كما سبق القول. يُطلق على العَرَض الثاني لإصابة الرسول في مصنفات السحر العربية «الإسلامية» (انصراف الرجل عن زوجته) اسم «سحر التأخيذ»، وخصَّه بعض مفسري القرآن الكريم بوصفات علاجية، بعد تحليلها يتضح أنها في نهاية المطاف تظل طقوسا سحرية، ما جعل موقف الفقه الإسلامي من السحر متأرجحا وجدانيا عموما. كل شيء يتم كما لو كان الفقهاء يقولون: «لا تمارس السحر، فهو حرام، ولكن إذا وقعتَ ضحيته فإليك كيفية التخلص منه» ! ومن هذا الباب سيجد السحر في المجال العربي الإسلامي حيزا في الدين، وسينقسم إلى رباني وشيطاني، قدسي ودنيوي، وللاثنين أساطير أصوله الواردة في محكيات ترد في سياق تفسير بعض آيات السحر. وبأخذ تلك الأساطير مجتمعة، يتضح أن أصل السحر في هذا المجال مزدوج: رباني وشيطاني، وبذلك أمكن للسحرة توظيف العديد من السور والآيات القرآنية في سائر الطقوس السحرية، ربانيها وشيطانيها! وبالجملة، عندما يتعلق الأمر بالممارسة، يتعذر الفصل بدقة بين الفضائين (القدسي والشيطاني، الخير والشرير، «الحلال» والحرام)، لأنَّ تحليل خطاب الشخص اللائذ بالسحر، وتبريره لجوءه إلى السحر باعتباره ملاذا أخيرا للخروج من ورطته، ذلك التحليل يُبيِّنُ أن الأمر يتعلق في نهاية المطاف بتسمية مرتبطة بسياق: فمن يزعمُ أنَّهُ اضطر لممارسة السحر لإبطال سحر شخص ثان، واصفا نفسه بالضحية، سيُنظر إليه من لدن ساحره المزعوم باعتباره هو الساحر. لا أحد يقول إني ساحر، في المقابل يقول: «الآخر هو الساحر‌»، وإذا ما «اعترف» أكد أنَّ آخرا مَّا هو الذي أرغمَه على مزاولة السحر للدفاع عن نفسه. وهذه الازدواجية للعواطف خاصية ملازمة للنفس في سياقات عجز العقل عن تفسير ظواهر معينة أو مواجهة مواقف مستعصية. من هنا، يصعب اعتبار مزاولي السحر منافقين. هم بكل بساطة أناس يلوذون بما يظنون أنه لا بدّ منه، بعد انسداد جميع الآفاق أمامهم، ليتخطوا أزمات صحية أو نفسية أو أوضاع عائلية أو اجتماعية في غاية التعقيد. والعرب في هذا لا يختلفون عن المسيحيين بسبب قوة الحظر المسيحي المضروب على السحر، وتسببه في مآسي رهيبة. فقد أظهرت العديد من الدراسات أنَّ كل مزاولي السحر وزبائنهم هناك يمارسون أعمالهم اليومَ في سرية تامة، ولا يتحدثون عن ممارساتهم إلا اضطرارا وفي دائرة ضيقة جدا، لا تتجاوز المعنيين مباشرة بالسحر، ولغاية نفعية وعملية في المقام الأول، بمعنى أنَّ هذا الحقل يبقى مجال حظر في الأفعال والأقوال على السواء.
إضافة إلى المثالين اللذين تفضلتَ بذكرهما، يمكن الإشارة إلى الهنود الحمر في الأمريكيتين وشعوب شرق آسيا، وسكان أستراليا الأصليين، وقبائل الإسكيمو. يُمارسُ السحر في هذه الثقافات علنا، لغياب الديانات التوحيدية. فحظر السحر تمَّ مع هذه، لاسيما مع المسيحية والإسلام، بل إنَّ للساحر في تلك المجتمعات منزلة كبيرة، تستند إلى الميراث الثقافي السحيق، حيثُ كان المُلكُ في بعضها يُسند للساحر، وتستند إلى الوظائف الاجتماعية والدينية التي يؤديها الساحر. فهو همزة الوصل بين البشر والآلهة والأرواح، هو المطبب، وضامن وفرة المنتج الفلاحي، وحامي الجماعة من الأرواح الشريرة وانتقام الموتى، وحامي الصيادين من الغرق ومن بطش الوحوش، وما إلى ذلك، وبدونه لا يمكن ممارسة أي طقس ديني أو دنيوي…

المساء: أصل معك إلى السؤال الذي يحير العقول، وهو هل السحر موجود أم لا؟
يمكن الإجابة بطريقتين مختلفتين:
الأولى: أن نفكر حِسَابيا، فنقول مجموع واحد وواحد هو اثنان. هنا، لا يمكن قولُ حاصل الجمع هو أربعة أو خمسة. إثبات وجود السحر أو عدمه بهذه الطريقة لا يؤدي إلى شيء، ويُمكِّنُ من نكران وجوده، من خلال تعجيز الساحر بسهولة، كأن نطلب منه إحضار فلان أو فلانة الآن، أو تسخير سحره لجعلنا نفوز بالجائزة الكبرى للعبة للوطو، على سبيل المثال. سيعجز الساحر بالتأكيد، وسيكونَ ذلك لنا حجة لقول: لو كان السحر ينفعَ لانتفع به الساحر نفسه… لكن هذه الطريقة في التفكير غريبة عن السحر، إذ تستند إلى حتمية التفكير العقلاني الذي لم ينتشر في العالم إلا خلال القرون الخمسة الماضية في حين يفكرُ السِّحر باستعمال آخر للعقل سحيق جدا، ما يحيلنا إلى الطريقة الثانية للإجابة وهي:
أن نؤمن بأن ما من شيء يقع هنا في الأرض إلا ويُكتَبُ سلفا هناك، في السماء، وأنَّ عالمنا ليس مجرد أشياء مادية، بل فيه قوى خفية مبهمة، قد تكون أرواحا أو جنا (لاشعورا أو رغبة بلغة التحليل النفسي)، تلعب دورا حيويا في سلوكاتنا ومصائرنا، وأنه يمكن تحويل مجريات أحداث حياة الفرد من المسارات «السيئة» إلى المسالك «الخيرة»، عبر التفاوض مع تلك الطاقات الخفية… بإيماننا بذلك، تختفي الحتمية الجماعية لفائدة الحتمية الفردية، ويصير كل فرد كونا في حد ذاته. بهذه الطريقة يفكر السحر، ويفسر كل شيء، بما في ذلك عجز الساحر نفسه..
والخلاصة أنَّ الأمر هنا يُشبه مسألة إثبات وجود الله من عدمه. فكما يعسر على الملحد إقناع المؤمن بعدم وجود الله، يعسر على هذا أن يُقنع الأول بوجود الخالق بأدلة مادية محسوسة لا يقتنع الملحد بما عداها.

المساء: ومن أين يحقق السحر فعاليته؟
فعاليته رمزية نفسية، ويمكن اعتباره نظيرا للطب النفسي الغربي. فكما لا ينفع الذهاب بالمريض النفسي إلى اختصاصي نفساني ما لم يقتنع بأنه سيُشفى على يد مطببه، إذ تساهمُ هذه القناعة وحدها بحوالي 80 % من العلاج، والباقي يكون مجرَّد دعامات تكميلية مُساندة، كذلك لن تجدي المرء استشارة ساحر لحل مشاكله ما لم يؤمن بوجود السحر وبفعالية تدخل الساحر. فهذا الإيمان وحده يساهم بحوالي نسبة 80 % في حل معضلات من يلوذ بالسحر، لتبقى الطقوس مجرد مكملات إضافية داعمة.

المساء: هل أفهم من كلامك أنك لا تعترض على استشارة الناس للسحرة واستدعاء السحر لحل مشاكلهم؟
لا اعتراض، لكن دون حثهم على حل مشاكلهم بالسحر. فحيثما أمكن الابتعاد عن هذه الممارسات باستعمال العقل والحلول الواقعية والعملية، هذا أفضل. لكن حيثما تعذر على البعض حل مآسيه، وارتأى علاجها بالخفي فلا مانع، لاسيما في حالة المعضلات النفسية والأمراض المستعصية الجسمانية و/أو النفسية. اللجوء إلى السحر، في هذا الصدد يُشبه تجريب المريض بدائل للطب العصري بعد أن يؤكد هذا عجزه واستحالة العلاج، ويُرسل صاحبنا إلى ملاقاة مصيره وحيدا، وهو الموت. فكم من حالة مماثلة لاقت علاجا مُلغزا. بخصوص الأمراض النفسية، يُمكن المضي أبعد والدعوة إلى ضرورة تعاون الطب النفسي العصري وأشكال التطبيب التقليدية، كالعرافة والسحر والعلاج بالموسيقى والأضرحة والأولياء، وما إلى ذلك، كلما تبدَّى ذلك مفيدا لشفاء الحالات المستعصية التي تنمو في تربة غارقة في المعتقدات والممارسات السحرية. ولا يُجدي فيها الطب العصري
أخيرا، بذل شجب هذه الممارسات واعتبارها من مظاهر التخلف الاجتماعي والاقتصادي والقصور العقلي، وما إلى ذلك، يليق اتخاذ موقف التفهم مع السعي لاستيعاب ما يسعى السحرة وزبنائهم إلى ترميزه بمعتقداتهم وطقوسهم. فالسحر هو لغة أوَّلا وقبل كل شيء.

السابق
محمد أسليـم: هناك صلة وطيدة بين الدين والسحر (1)/ ياسر الهلالي
التالي
السّاحِــرة: طـُرق الانتقـاء[1]