شذرات في الأدب الرقمي

72 views مشاهدة
شذرات في الأدب الرقمي

في الكتابة والنقد الأدبيين الرقميين، نحتاج كثيرا في العالم العربي إلى دراسات تنكب على إظهار الفروق بيننا وبين الغربيين في فهمنا لمواضيع، كالرقمية والأدب الرقمي والتفاعل وتحول الكتابة في ظل الحامل الرقمي، وما إلى ذلك، لفهم وتفسير الاختلاف الكبير بيننا وبينهم في ممارسة الكتابة والنقد الرقميين. فعلى سبيل المثال، تعني الرقمية عندنا عموما استعمال الحاسوب وشبكة الأنترنت، فيما هي عندهم أوسع بكثير: ثورة صناعية ثالثة، ثورة فكرية رابعة، إبدال ما بعد حداثي ينحدر من السيبرانية ونظرية الإعلام، ثالث نسق صناعي سظهر في العصر الحديث، وما إلى ذلك. تركز كتاباتنا حول الرقمية وتحولات الكتابة على الكتابة الأدبية في حين يقاربونها بتناول الكتابة عامة بكل أبعادها. نفهم التفاعل بنقر القارئ على روابط تشعبية ونحصر النص الرقمي التفاعلي في هذا الشكل وفي استشارة القارئ أو تمكينه من إبداء وجهة نظره أو تحرير ما يشبه تعليقا أو حاشية على النص المقروء لا يُدرجان فيه لاحقا أبدا، في حين هي عندهم تمكين القارئ من التدخل في النص نفسه بحيث يُعيد تدخله تنظيمَ علامات النص المعروضة في الشاشة. نركز في اصطلاح «الأدب الرقمي» على «الأدب» ونغفل «الرقمي» في حين الاثنان عندهم جزءان لا يقبلان التجزيء بأي حال من الأحوال…

***
بالموازاة مع ما يمكن مؤاخذة عبد الواحد استيتو عليه، لهذا الكاتب، بصنيعه في روايتيه (الفايسبوكية، والأخيرة التي كتبها ونشرها في تطبيق للهاتف الذكي)، فضيلة النجاح في استدراج عدد كبير من الأفراد للقراءة، فقدم بذلك أحد الأجوبة الممكنة عن سؤال: أي سبيل لاستدراج أفراد (من المغرب، والبلدان العربية عموما) إلى القراءة في الحامل الرقمي ما دام استدراجهم للكتاب الورقي أصبح غير ممكن، بل ربما مستحيلا، لأسباب يطول شرحها، وتتعلق في جزء منها بتأخر استعمال المطبعة في العالم العربي، وفي جزئها الآخر بالأزمة التي تعرفها القراءة عالميا اليوم. وتفاعل قراء هذا الكاتب مع روايتيه، «زهراليجا» و«طينجو»، يُذكِّر، من بعض الوجوه، بتفاعل قراء القرن التاسع عشر في الغرب مع أعمال أدبية مثل روايتي بالميرا Palméra لصامويل ريتشاردسون، وإيلويز Eloise لجان جاك روسو…
***
تعتبر تجربة الشاعر المغربي منعم الأزرق في كتابة الشعر الرقمي إحدى أكثر التجارب العربية تميزا ونضجا، في حدود استخدام برنامج كتابتها، لكنها لم تنل لحد الآن ما تستحقه من الاهتمام والدراسة نتيجة انصراف معظم نقاد الأدب الرقمي إلى السرد دون الشعر. يكمن وجه التميز هنا في إنتاج أعمال تجمع بين تعدد الوسائط، والتحريك الاحترافي، والمشهد البصري الذي يؤدي إلى توليد ما يشبه لوحات تشكيلة متتالية، منسجمة الألوان، مختلفة التفاصيل، كأن القارئ يقف في معرض فنان يقدم سلسلة من أعماله، وتمثل كل قصيدة سلسلة – معرضا مختلفا عن باقي القصائد – المعارض، ما يجعل هذه التجربة تقف على تخوم الفن التشيكلي… مع التنويه إلى أن تحويل هذه القصائد من صيغة الفلاش إلى صيغة الفيديو لا يفقدها أي ميزة من مميزاتها الأصلية. هذا أحد النماذج:
***
في صلة بالشبه بين مبدعينا الرقميين العرب وكوكبة من علماء الفيزياء بالقرن السابق، أجريت كشف حساب، فوقفت على شبه مباراة قدم تجري بين الأردن والمغرب، في مجال الكتابة الأدبية الرقمية. ولأن الأردن تفوقت على المغرب بـ 4 أهداف مقابل 3، فقد خرجتُ من صف الاحتياط، ودخلت الملعب، وسجلت هدفا بعملي «كتاب الفقدان. مذكرات شيزوفريني» (أول نص سردي معزز augmenté، يُقرأ في الشبكة وينصَّبُ في الحاسوب في العالم العربي)، وبذلك أصبحت النتيجة 4 أهداف مقابل 4 في انتظار مزيد، لم يتأخر قدومه إذ انضم الشاعر المغربي أحمد الحجام مؤخرا إلى القائمة، لكونه أول شاعر عربي ينتج قصائد فيديو بهاتفه الذكي مباشرة مستعملا برنامج Kine Store!!! هذه التفاصيل. وهذا مثال عن أحد إبدعاته في خذا المجال:
أول رواية تفاعلية عربية كتبت في الفايس بوك (مغربية)
أول قصة فيديو في العالم (مغربية)
أول رواية تطبيق للهاتف الذكي في العالم (مغربي)
مقابل:
أول نص تشعبي تخييلي في العالم العربي (أردنية)؛
أول قصة أدب رحلات رقمية تفاعلية في العالم (أردنية)؛
أول قصة صحفية تفاعلية في العالم العربي (أردنية)؛
أول تقرير صحفي تفاعلي في العالم العربي (أردني)

***
يُفصحُ تقديم بعض الكتابات الأدبية الرقمية العربية الرقمية للقراء باعتبارها إخراجات، عندما يُثبتُ، على سبيل المثال، «نص كذا، تأليف وإخراج فلانة (أو فلانة)»، «نص كذا، تأليف فلان، إخراج فلان أو فلانة»، وما إلى ذلك، يُفصحُ عن تمثل عربي للنص الأدبي الرقمي مختلف تماما عن نظيره الغربي، إذ يجعلُ الفهم العربي لهذا النص من هذا الأخير كائنا ينتقل دائما من هيئة إلى أخرى، من حالة النص الأدبي اللغوي الصرف إلى مزيج من اللغة والصوت والصورة والروابط التشعبية، وما إلى ذلك، فيأخذ بذلك وضعا شبيها بالعرض المسرحي لنص مسرحي مكتوب أو الإخراج السينمائي لعمل روائي، مما يترتب عنه إمكانية رجوع القارئ دائما إلى النص في حالة ما قبل إخراجه، أي في حالته اللغوية المحضة، في حين يخرج النص الأدبي الرقمي الغربي إلى قارئه في هيئة واحدة، لا قبل فيها ولا بعد، لأنَّ كتابته تتم بمشي على قدمين: إحداهما الأدب والثانية المعلوماتية، وهو ما يظهر في تعريفهم للأدب الرقمي بأنه: «أدب يكتبُ بالحاسوب وللحاسوب» أو «هو أدبٌ لا يغادر الحاسوب كتابة وقراءة».
***
يُذَكِّر إصرار بعض الأدباء العرب على إثبات السبق في ارتياد هذا اللون أو ذاك من الكتابة الأدبية التي أتاحها ظهور الحامل الرقمي (أول رواية تشعبية، أول رواية فايسبوك، أول رواية هاتف ذكي، وما إلى ذلك)، يُذكِّرُ بتوالي حصاد علماء الفيزياء، خلال أعوام من القرن الماضي، لجوائز نوبل في دورات متوالية، عاما تلو الآخر، مكافأة لهم عن اكتشافهم لجزيئاتٍ جديدة. لاحقا، اتضح أن السِّر في ذلك الحصاد لم يكن يعود إلى عبقرية أولئك العلماء مقارنة بزملائهم السابقين، بل كان يعود حصر إلى ظهور فيزياء الكم وميكانيك الكم. يكفي استبدال هذين بالحاسوب، فيتضح وجه الشبه الكبير بين بعض أدبائنا المعاصرين وعلماء تلك الحقبة.
***

في صلة بالشذرة السابقة:

«في مقال حديث أثار نقاشا كبيرا، بعنوان “موت النص التشعبي ( = المترابط)”، وافق ديلان كينيت، وهو متخصص أمريكي في الأدب الرقمي التجريبي، على تصريح بول لافارج بأن روايات النص التشعبي تشبه السيارات الطائرة من إنتاج متخيل مستقبل تكنولوجي تمَّ تجاوزه. رغم الأمثلة اللامعة من الكتب المعززة، فإنجازات النص التشعبي التخييلي تظل مخيبا للآمال.». المصدر:
في صلة بواقع فشل اعتماد تقنية النص التشعبي (المترابط) في كتابة نصوص أدبية رقمية، في الغرب، وتخلي الكتابات الأدبية الرقمية الغربية عن هذا الشكل الإبداعي الرقمي:
««بعد عشرين عامًا، قام العديد من الخبراء في النص التشعبي بتقييم حصلية اعتماد هذه التقنية في الكتابة الأدبية. ماذا حصل؟ كيف تطورت النصوص التشعبية؟ لماذا هي ليست حاضرة كما كان يُظنُّ؟، قرر ثلاثة نقاد تناول هذه الأسئلة لكتابة مقالات حول تطور هذا الابتكار. هكذا كتب بول لافارج وستيفن جونسون وديلان كينيت على التوالي مقالات «لماذا لم يحدث مستقبل الكتاب؟» في 4 أكتوبر 2011، و«لماذا لم ينقر أحد على قصة النص التشعبي الكبيرة؟» في يوم 16 أبريل 2013، و«هل مات النص التشعبي؟» في عام 2012».المصدر:
في صلة بحشر الكتابة السردية العربية الرقمية في زاوية النص التتشعبي (أو المترابط) التخييلي باعتباره الشكل الأوحد والوحيد لإنتاح نصو ص سردية رقمية تفاعلية، حسب البعض، والحال أن الكتابة الأدبية الرقمية في الغرب تخلت عن هذا النوع من الكتابة منذ عدة أعوام، هذه إحالة ثانية:
«هكذا، بعد أن تمتع النص التشعبي (المترابط) بشعبية في الولايات المتحدة إبان تسعينيات القرن الماضي (كانت إحدى أكبر علاماتها تخصيص صحيفة نيويورك لملحق خاص به في عام 1991)، يتعرض هذا النض اليومَ للاحتقار، أو على الأقل على الأقل يعتبره البعض مأزقا. ألم يؤكد أحد مروجيه في نهاية 2004 أن «استعمال النص التشعبي (المترابط) من منظور سردي لم يكن فكرة جيدة»؟ المصدر:

أطروحة سيرج بوشاردون لنيل الدكتوراه، المحكي التفاعلي. السردية والتفاعلية، نوقشت سنة 2005، ص. 16.

***

safe image - محمد أسليـم
أحدُ مظاهر المأزق الذي زج بعضهم بالأدب الرقمي العربي فيه اعتبارُهم النص التشعبي ( أو المترابط) التخيلي إمكانية وشرطا واحدا ووحيدا لإنتاج نصوص سردية رقمية تفاعلية، في وقت أعلن فبه الغربيون عن موت هذا النص وشيعوا جثمانه منذ أعوام، ما يضعنا إزاء السرد الرقمي العربي الرقمي التفاعلي الحالي في وضع أشبه بالمثل المغربي «واحد تيقول مات، آخر تيقول: لا، حرك لسانه وغادي يتكلم». إحدى الإحالات في الموضوع:
«كُتبتْ أعمال أدبية نص-تشعبية منذ تسعينيات القرن الماضي، وقد عُلِّقتْ آمالٌ وانتظاراتٌ كبيرة على تلك النصوص، لأنها بدت في الواقع بمثابة ثورة في الكتابة، فاعتُقدَ أن النص التشعبي سيقلب طريقة الكتابة رأسا على عقب، وأنه سيحرر من القيود التي تثقل كاهل الكتابة. كانت تلك الوعود هي التجسيد المادي لعدد من النظريات النقدية حول القراءة (نظريات دولوز ودريدا). لكن، في عامي 2011-2013، لاحظتْ مقالات كبار مفكري النص التشعبي «موت هذا النص»، وبذلك يمكن الحديث عن مستقبل لم يتحقق أبدا». المصدر:
الاخبار العاجلة