المشهد الثقافي العربي في الأنترنت. قراءة أولية

360 views مشاهدة
minou
أدب رقمي وثقافة رقمية
<![CDATA[]]>

(حررت هذه الدراسة في دجنبر 2003، ونشرت في موقعنا الشخصي http://aslimnet.free.fr، ثم أعادت نشرها مواقع عدة، في مقدمتها موقع جهة الشعر. والنسخة الحالية تحيين للأصل المذكور)1. في إشكالية قراءة وتقويم إن شئنا تقديم جرد للثقافة العربية في الأنترنيت، من خلال إسهامات المثقف العربي في الشبكة العنكبوتية، وجدنا مادة غزيرة لإنجاز هذا مشروع كهذا، لكن ما أن نباشر تطبيقه حتى يصير الأمر في غاية الصعوبة: فتقويم شيء ما أو تقديم حصيلة له يفترض وجود ما هو مكتمل ونهائي، وهو ممكن إلى حد كبير مع الإنتاج المطبوع، بيد أنه شبه مستحيل مع الأنترنيت لأسباب أربعة: 1. 1. طبيعة الشبكة ذاتها المتمثلة في سيولة هذه القارة وسرعة تبدل معطياتها لدرجة أن أي تقويم لا يمكن أن يتم إلا داخل الأنترنيت، كما لن يكون إلا آنيا بالنظر إلى سرعة تدفق المعلومات. فاالشبكة العنكبوتية تشبه محيطا تتحرك مياهه على الدوام بما يجعل من المستحيل السباحة فيه مرتين. إنه عالم في تقلب مستمر، ثمة دائما مواقع تختفي وأخرى تظهر وأخرى تغير مكان إقامتها، ترحل من منطقة إلى أخرى… 1. 2. الأنترنيت تتيح للفكر والإبداع أن يتجليا في تموجهما وحركتهما الدائمتين، مما يقتضي مراجعة أدوات التحليل والنقد الموروثة عن عصر الكتاب الورقي ذاتها؛ إذا كان النشر المادي يقدم كل نص، إبداعيا كان أم فكريا، باعتباره منتهيا؛ لا يمكن لمؤلفه أن يجري عليه أي شكل من أشكال التعديل (حذف، توسع، مراجعة، تصحيح، تنقيح، الخ.) إلا في شكل طبعة ثانية أو نشر جديد، فإن النشر الإلكتروني، بخلاف ذلك، يجعل من العمل نفسه ورشة قابلة للتعديل على الدوام، بحيث لا يوقف هذه التعديلات إلا رغبة المؤلف. إذا تعلق الأمر بدراسة، مثلا، فإنه صار بالإمكان تحيين محتواها بشكل دائم تماشيا والقراءات الجديدة في الموضوع والمستجدات ذات الصلة. وبذلك لن تقرأ الإنتاج المذكور مرتين في ثلاثة تحيينات له، مثلا، على امتداد بضعة أشهر. والأمر نفسه ينطبق على الأعمال الإبداعية… 1. 3. فكرة المبدع والمثقف نفسها تتعرض لمراجعة قوية مع حادث الشبكة؛ فثقافة الكتاب الورقي كرست صورة هذا الفاعل الاجتماعي والثقافي باعتباره شخصا يمتلك سلطة للقول، تمنحه إياها مجموعة من الوسطاء: دور النشر بتراتبياتها الداخلية، الصحف بطواقم تحريرها، المجلات بفرق تحريرها وهيآتها الاستشارية، المؤسسات العلمية، هيئات الأدباء والكتاب، وأخيرا النقاد والقراء. في حين مع الأنترنيت صار بإمكان من شاء أن ينشر ما شاء ويقدمه باعتباره ما شاء موصلا إياه رأسا إلى المتلقي، دون المرور من أي وسيط أو رقيب، وذلك على قدم المساواة مع أي أديب أو مثقف آخر اجتاز آليات التصفية التقليدية وكرس نفسه باعتباره اسما وازنا… أكثر من ذلك، فالرقمية لم تجعل النشر في متناول الجميع فحسب، بل وكذلك أتاحت له التحقق بمنتهى السرعة وبكلفة زهيدة لا مجال للمقارنة بينها وبين الاعتمادات المادية التي يتطلبها النشر الورقي. فإرسال كتاب بكامله إلى أي ملقم في أي بقعة من بقاع العالم وجعله رهن إشارة المبحرين في كافة أرجاء المعمور عملية لا تتطلب أكثر من بضع ثوان إلى بضع دقائق (حسب سرعة الاتصال)، وبالتوفر على مساحة تخزينية بسعة 100 ميغا بايت، مثلا، يمكن نشر حوالي 200 كتاب متوسط الحجم بصغية html (لغة توصيف النص التشعبي)… فالأنترنيت، قبل كل شيء، هي أكبر شبكة من الحواسيب مرتبطة فيما بينها وتقرأ لغة واحدة. ثم إن هذه الشبكة ليست في ملك أحد، كما لا تستطيع أي جهة لحد الآن امتلاك سلطة التحكم في تدفق المعلومات فيها. الشبكة تم تصورها في الأصل لأغراض عسكرية تتمثل في تفادي انقطاع التواصل بين القيادة وباقي الوحدات بسبب هجوم نووي أو غيره. تفاد تم تحقيقه الآن بالإزاحة عن المركز: في الأنترنيت لا وجود لمركز ولا محيط: كل الحواسيب مراكز ومحيطات في الآن نفسه؛ إذا توقفت ملقمات جهة جغرافية ما عن إمداد حواسيب العالم بالمعلومات، فإن ذلك لا يحول دون تواصل الإمداد من وإلى جهات أخرى، إذ تستمر ملقمات الأنحاء الأخرى دائما في التزويد بالمعلومات وتأمين التواصل بين المستخدمين… ويبقى طبعا من المشروع التساؤل عن الرهانات السياسية والاقتصادية والثقافية الكامنة وراء إطلاق شبكة الشبكات وجعلها في متناول سائر الناس. هذه النقطة التي يصطلح عليها بـ «مصداقية المعلومة» أو «غياب المصفاة»، على حد تعبير أمبرتو إيكو(1)، تمثل نقطة سلبية وإيجابية في آن: سلبية نظرا للتلوث المعرفي والمعلوماتي الذي تحدثه في الويب، وإيجابية لما تضمنه من مساواة وديمقراطية بين منتجي الفكر والثقافة المعنيين بنشرهما في سائر أرجاء المعمور: فالرقابة الذاتية على ما ينشر في الأنترنيت، والذي لم يعد يقتصر على المكتوب، إذ تتيح تقنية الترقيم تحويل، ولأول مرة في تاريخ البشرية، الصورة والصوت والكتابة في صيغة واحدة هي 0 و1، تلك الرقابة ليست متساوية لدى جميع الناس، وبالتالي بديهي ألا يكون شعرا كل ما يقدم نفسه باعتباره نظما مثلما بديهي ألا نجد سردا ضمن كل ما يقدم نفسه للقراء باعتباره محكيا، كما بديهي أن يحدث ألا نجد في الشبكة سوى هذيان ضمن ما يقدم نفسه باعتباره إنتاجا فكريا رصينا… من جانب آخر، العديد من النصوص التي تقصى (أو أقصيت) ظلما من التداول الورقي، إما لمنع الرقيب أو لبيروقراطية جهاز النشر أو لسوء تقدير هيأة قراءة دار النشر، هذه المجلة أو تلك…، العديد من تلك الأعمال يجد في الشبكة فضاء رحبا للتداول، وبالتالي ثمة من ينجح في تكريس نفسه كاتبا انطلاقا من الشبكة، فتجد أعماله طريقها للنشر الورقي، كما ثمة من يكون قد كرس نفسه كاتبا في عالم الورق ولا يجد له موطئ قدم في القارة الافتراضية. أشهر مثال على ذلك، الكاتب الأميريكي Stephen King، الذي أراد في يوليوز 2000، الاستئثار بالعائدات الطائلة لكتابته، بعيدا عن وساطة ناشره الورقي، فوضع روايته الجديدة The plant، على الخط، رهن إشارة القراء مقابل دفع أقساط شهرية، لكن عدد قرائه انهار بشكل متزايد بما جعله يتخلى عن المشروع في شهر دجنبر من السنة نفسها، ولم يكن ما كتبه قد تعدى ستة فصول من العمل(2). 1. 4. في صلة بالنقطة اللاحقة، وكما نبه جورج لاندو إلى ذلك، في سياق آخر يرتبط بدراسة النص المتشعب التخييلي، إن تناول مادة إلكترونية بالدراسة في منشور ورقي أمر لا يخلو من مفارقة بالنظر إلى تباين العالمين: فالمنشورات الورقية أجساد ميتة تسجن النصوص في قوالب مادية، لا تحيل إلا على ما بداخلها. وإذا ما استدعت العودة إلى نصوص خارجية، فالتحقق من هذه الإحالات يقتضي من القارئ بذل مجهود في العودة إليها، وهو ما لا يتحقق دائما. بخلاف ذلك، تتيح المنشورات الإلكترونية في الأنترنيت، عبر إمكانية إدراج الروابط التشعبية، الوصول إلى مجموع نصوص إحالات الدراسة (المتوفرة في الويب طبعا)، من خلال مجرد النقر على الوصلات المفضية إلى متون المراجع. 2. ثقافتان ومثقفـان: لقد أفضت هذه الازدواجية، في المجال العربي كما في غيره، إلى ارتسام خط فاصل بين ثقافتين ومثقفين: ثقافة ومثقف شبكيين رقميين عصريين، وثقافة ومثقف ورقيين كلاسيكيين تقليديين. في العالم العربي قليلة هي النماذج التي أدركت عمق التحولات التي تعرفها الثقافة البشرية في ظل الثورة الرقمية التي نعيش بداياتها الآن، وبالتالي انتقلت من عالم الورق إلى عالم الرقم أو زاوجت بين الاثنين. يكمن عمق الثورة الرقمية في كونها ستؤدي إلى تحول كبير ليس في ميدان الدراسات الأدبية فحسب، بل وكذلك في أشكال التواصل وحقول المعارف البشرية بكاملها، سواء على مستوى الإنتاج والنقل والإيصال أو على مستوى التلقي والتداول. فما الكتاب والقراءة والمؤلف والإبداع الأدبي، متمثلا في السرد التخييلي والشعر، سوى قضايا جزئية في سياق تحول جذري يهم الحضارة البشرية بكاملها، نحن الآن شهود عيان على بداياته… هذه النماذج (التي تزاوج بين النشر الورقي والنشر الإلكتروني) تحضر في ثلاث واجهات: – صحف ومجلات: النهاران (اللندنية والبيروتية)، القدس العربي، الشرق الأوسط ، الزمان، العلم، ألف ياء، إيلاف، بانيبال، أفق، حقائق، التجديد العربي، الاغتراب الأدبي، ألواح، نزوى، مدارات، معابر، الكرمل، أقلام أونلاين، أفق، الآخر، ملكة سبأ الثقافية، الحوار المتمدن، عشتار، النفزاوي، جسد الثقافة، أبسو، فوانيس، الكلمة، فضاءات (اليمينة)، فضاءات (الليبية)، مدارات غربية، أصوات الشمال، المناهل الثقافي، كنعان، الأوائل، فكر وفن، عراق الكلمة، أوراق 99 الخ(3). إشارة لابد من إيرادها، وهي أن الحضور في الأنترنيت لدى عدد لا يستهان به ممن ينشرون في هذه الواجهة والواجهة الموالية لها هو حضور عرضي فقط، يتم من خلال منبر النشر الذي يزاوج بين الإصدار الورقي والرقمي (الصحف). وبذلك بديهي أن تحضر أقلام لا علاقة لها إطلاقا بعالم الرقم… من علامات ذلك، تعذر مجرد التواصل مع العديد من الأسماء الكبرى التي كرست نفسها في الساحة الثقافية العربية، لأن مقالاتها لا تحمل عناوين بريد إلكتروني… – مواقع ثقافية: جهة الشعر، كيكا، دروب، المرايا الثقافيـة، الإمبراطور، الـزومـال، منتدى الكتاب العربي، نادي القلم، منبر ابن رشد للفكر الحر، بيت الشعر في المغـرب، بيت الشعر الفلسطيني، نسابا، جهة الشعر، ثقافة 11، الابداع العربي، الخ. – مواقع شخصية: أسعد الجبوري، محمد عابد الجابري، د. محمد شحرور، عبد الله إبراهيم، حمزة الحسـن، عبد الله إبراهيم، نوال السعداوي، المهدي المنجرة، عدنان الصائغ، شاكر لعيبي، د. فاروق مواسي، د. زكي العيلة، قاسم حداد، سيف الرحبـي، شوقي محمد الزين، فيفيـان صليوة، جاكلين سلام، نوال السعدواي، علي عقلة عرسان، جمانة حدّاد، فاطمة ناعوت، علي مزهـر، عبد السلام الموساوي، محمد زيدان، أحمد العمراوي، سوزان عليوان، محمد الدروبـي، بريهان قمـق، سعيد بنگراد، سعيد يقطين، سعيد علوش، لطفي خير الله، يحيى اليحياوي، أحمد بوزفـور، أيمن اللبدي، نجيب العوفي، أحمد بوزفور، أحمد العمري، نجيب العوفي، الخ. إذا اعتمدنا مثل هذه الأشكال معيارا لتقويم حضور المثقف العربي في الأنترنيت خلصنا فورا إلى النتيجة المحزنة التالية، وهي أن عدد المواقع الثقافية والفكرية في العربية لا يتناسب وعدد المبدعين والمفكرين ونقاد الأدب في العالم نفسه، وبالتالي فالثقافة العربية لا زالت في شطرها الأعظم ثقافة ورقية كلاسيكية تقليدية في عصر يتسم أساسا بإعداد مراسيم وداع «زمن جوتنبرغ» وتحول الكتاب الحالي (الورقي) إلى مجرد قوسين في تاريخ البشرية مثلما كان الحجر والألواح الطينية ورولو البردي مجرد محطات في تاريخ الكتابة أفضت إلى الكوديكس الحالي الذي لن يكون بالتأكيد المحطة النهائية لتجسيد الإنسان لذاكرته وفكره(4). 2. 1. المثقف الورقي: هو الذي، في زمن «الطوفان الثاني» (المعلوماتي) – على حد تعبير الفيلسوف بيير ليفي(5) – لا زال متحصنا في قلعة الورق إنتاجا واستهلاكا، اختار الخلود إلى الكتاب لما يوفره من أمن وطمأنينة ويقين. ألا يوفر الكتاب الورقي مادة فكرية مكتملة، ذات بداية ونهاية، محفوظة داخل جسد مادي، يتم التنقل في أرجائه عبر مسلك الخطية الآمن. المثقف الكلاسيكي هو الذي أمام إمكانية تصفح مئات الصحف العالمية يوميا (هناك أكثر من 1000 صحيفة إلكترونية مطلوقة للتصفح المجاني)، وإمكانية النسخ والتنزيل المجانيين لمئات المقالات والدراسات والكتابات الإبداعية الرفيعة والبحوث الجامعية، وإمكانية التواصل الإلكتروني اليومي مع أناس من كافة أنحاء المعمور بكلفة زهيدة أيضا… أمام ذلك، اختار التقوقع في حيه أو مدينته، والوفاء لصحيفته اليومية وخزانات الإعارة المادية والأكشاك والمكتبات… إذا حرر مقالا أو نصا أو كتابا اتجه به إلى الراقنة، معتبرا جهاز الحاسوب آلة تنتمي إلى عوالم أخرى، معرضا عن التعامل معها إما لجهل أو بخل أو فقر مزعوم… قد يبدو هذا الكلام قاسيا، ولكن الواقع أقسى منه بكثير. ضمن هذه الفئة يحدث أن نجد من هو أكثر أصولية من الأصوليات المعهودة، وأكثر سلفية من السلفيات الدينية التي سبقت إلى احتلال مواقع كثيرة في القارة الجديدة، وبنت صروحا شامخة فيها لدرجة أننا إذا اعتبرنا المواقع الإسلامية في تقويم المشهد الثقافي العربي بالأنترنيت خلصنا فورا إلى أن الدخول العربي إلى الشبكة العنكبوتية دخول ديني تراثي بالأساس… من علامات هذا التحجر، مثلا، كون بعضهم ظل إلى وقت قريب يرفض استلام فصول رسائل طلبته، في قسم الدكتوراه، إذا ما سُلمت له مطبوعة على جهاز الكمبيوتر ويفرض عليهم إعادة تحريرها بخط اليد، كأن الرقن بالحاسوب ضرب من الغش يشبه إنجاز معادلات رياضية بالآلة الحاسبة في سياق يُطلبُ فيه إنجازها شخصيا للبرهنة على المهارات المكتسبة أو كأن مهمة الحاسوب تتجاوز مجرد الرقن إلى النيابة عن الطالب في تحرير فصول البحث نفسه… من ذلك أيضا تصريح بعضهم، وبشكل علني، برفضه القاطع أن يتعامل مع جهاز الحاسوب، وإعراض البعض الآخر إعراضا تاما عن التعامل مع شبكة الأنترنيت بدعوى أتها لا تتضمن سوى «ثقافة القشور». كأن الشبكة جالسة تنتظر تزكيته!!! هذه الفئة الأولى تمارسُ على نفسها حاليا إقصاء ذاتيا لا تبرره اعتبارات سياسية ولا مادية، ومن ثمة فهي تساهم في مُراكمة التقليد السائد بإضافة نوع جديد إليه لتجعل من تقليدنا تقليدا مُضاعَفا (أو مزدوجا). إذا كان الاتباع الأول معروفا وسائدا بما لا يستدعي وقوفا في هذا السياق، فالثاني يمكن تعريفه كالتالي: «هو مُلازمة شكل سكوني وثابت في إنتاج المعرفة ونشرها وقراءتها في سياق يتسم بزحف شكل آخر لإنتاج المعرفة ونشرها وتداولها يتميز بالحركية والتجدد السريعين إلى حد الفوران»، بل ويهدد بالعصف بالقسم الأعظم من موروث الثقافات البشرية لفائدة حضارة جديدة بالمعنى الممتلئ للكلمة. 2. 2. المثقف الرقمي  بخلاف ذلك، المثقف الرقمي هو الذي، أمام الفوران نفسه، اختار ركوب المغامرة، يتصل يوميا بالشبكة، يجوب هذه القارة، لا ليستكشفها فحسب، بل وكذلك ليترك فيها بصمات لمروره، يتصل بأصدقاء من بلدان متعددة، يشارك في مجموعات للمحادثة، يتصفح صحفا يومية عربية ودولية، يزور مواقع، يخزن نصوصا وينزلها للقراءة خارج الاتصال، يتردد على مواقع ثقافية، يتعلم، يُحمل برامج للتعلم والاستخدام. إن كان بصدد إنجاز بحث أشرك في بحثه زملاء وأصدقاء له من كافة أنحاء العالم، عبر التوجه إليهم بالسؤال والاستشارة… بكلمة واحدة، المثقف الشبكي هو من يدخل في دورة «للاقتصاد المعرفي»، على حد تعبير الفيلسوف بيير ليفي(5)، ويساهم فيها بعملة الأخذ والعطاء؛ فالويب «ليس خزانة، كما أنه ليس متلق سلبي للمعلومات. الويب مكان، أرض، قارة. لكي يحيا المرء فيها ويكون فعالا يجب عليه أن يقفز من مكان لآخر ومن حدث لآخر، أن يتحرك، يبحر في الامتداد المستمر لهذه الشبكة ويقبض هنا وهناك على قطع من المعلومات (…) ولضرورة الحركة هذه تأثير عميق على الاستعمال والسطحية وتطور البنية الجديدة لامتلاك المعارف بما أنها ترغم على الانزلاق، بما أنها تدفع إلى الترحل، بما أنها تجعل من الترحل البنية الأولى لامتلاك المعارف»(6). 3. ملاحظات حول حضور المثقف والثقافة العربيين في الأنترنيت: حتى وإن ضممنا إسهام المثقفين العربيين معا: التقليدي الكلاسيكي الورقي والرقمي العصري الشبكي في عالم الأنترنيت، نلاحظ أن هذا الحضور لا يتناسب مع – ولا يستغل – الإمكانيات الهائلة التي يتيحها عالم الرقم عموما والأنترنيت باعتباره أحد تجليات الرقمية على الخصوص. ولنفتح قوسا هنا للإشارة إلى أن الأنترنيت التي تذهل الآن لا تعدو مجرد تطبيق منزاح عن تطبيقين أكبر، أحدهما لم ير أبدا النور، ظل طوباويا، والآخر ظهر إلى حيز الوجود ولكن الويب شطبه في وقت لازال صاحبه يدعو إليه مظهرا محدودية الشبكة العنكبوتية. المشروعان معا تم اقتراحهما، على التوالي، من قبل فانيفار بوش (1945)، تحت اسم الميميكس Memex، وتيد نلسون (1965)، تحت اسم كسانادوXanadu ، لحل معضلة صعوبة التواصل المتزايدة بين الحقول المعرفية والعلماء بسبب فوران الإنتاج الفكري المترتب عن اختراع المطبعة. إذا استثنينا مواقع مثل اتحاد كتاب العرب والوراق والمصطفى وناشري التي تستحق تنويها خاصا لما تضعه بين يدي مبحري الشبكة من موارد وثائقية غنية لا تقدر بثمن، إن على مستوى الكم أو الكيف، ومجموعة من المبادرات الفردية المتمثلة في بناء مواقع شخصية أو إنشاء مجوعات للمحادثة عامة (القصة السورية، يوسف فضل، أشرعة، مسرحنا، مثلا) أو متخصصة (مسرحنا، سندباد للصور والفنون، الجمعية الدولية للمترجمين العرب، الخ.)، فإن الوضع العام هو وضع تخلف رهيب، سواء على صعيد بناء المواقع الشخصية أو على مستوى بناء مشهد ثقافي عربي رقمي جدير بالاحترام والتقدير. 3. 1. على صعيد بناء المواقع: إذا تركنا جانبا هوامش الاستثناء القليلة جدا لاحظنا: – غياب التحيين المستمر: وهو أمر راجع إلى أن عملية البناء لا يتكفل بها أصحاب المواقع أنفسهم، وإنما توكل إلى الغير، مما يضمر عدم امتلاك المثقف العربي لبعض التقنيات المعلوماتية في عصر صار فيه المثقف مطالبا بألا يكتفي بالقراءة والكتابة، وإنما يتجاوز ذلك إلى ضرورة ممارسة الرقن، والإلمام ببعض مبادئ علم المكتبات، وقسط من البرمجة لتخزين المعلومات أو إنشاء الصفحات الشخصية وتحميلها وتحيينها شخصيا تفاديا للسقوط تحت رحمة الغير… ومن النكث الطريفة في هذا الباب أن بعضهم يعرض عليك خدمة «إضافة موقعك الشخصي» إلى صفحة الروابط بموقعه، وفور تعبئتك المطبوع الرقمي المخصص لهذا الغرض وإرسال الرسالة تتلقى إشعارا بالوصول ووعدا بالاستجابة للطلب في غضون الأيام المقبلة. أمر جميل جدا، لأن خلق موقع دينامي وتفاعلي ليس بالشيء الهين. لكنك تعود إلى العنوان بعد انصراف شهور عديدة، فإذا بصفحة الروابط لازالت على حالها، لا تشتمل سوى على حفنة المواقع التي كانت متبثة يوم تحريرك طلب إدراج وصلة إلى موقعك، لم يضف إليها موقعا واحدا، كأن التدفق المعلوماتي المذكور أعلاه لا وجود له… – هزال محتوى المواقع: مما يجعل هذه المنابر أشبه بكاتالوغات، حيث يتم عرض البيانات الشخصية والعنوان الشخصي وقائمة الأعمال المنتجة، وفهارس الكتب، وملخصات هذه الكتب في أفضل الأحوال، كأن الأمر يتعلق في المواقع بمجرد استعراض، أو تسجيل حضور أمام المبحرين. وبديهي أن البعد التفاعلي هو الغائب في هذه الحالات. في حين، لا يجب بناء موقع لمجرد أن يتصفحه المارة وكأنهم يشاهدون ملصقا إعلانيا، ثم يمضون، بل يجب إنشاؤه لإفادة هؤلاء المبحرين، واستيقافهم، وإثارة فضولهم، والإجابة عن أسئلتهم. بكلمة واحدة، يتعين على التفكير في بناء موقع شخصي أن يقترن برغبة في التواصل، ومحتوى الموقع يجب أن يكون هو المقابل الرمزي لما تم أخذه من الشبكة، والذي يستحيل عمليا على أي شخص، بل وحتى جماعة، موازنته أو مضاهاته. – البخل في نشر الإنتاج الفكري والإبداعي: في وقت تعززت فيه ثقافة المجانية بسبب طبيعة الأنترنيت المساواتية بعمق، والتي تتيح لكل واحد أن ينشئ موقعه الشخصي ويتحول بدوره إلى مزود للمحتويات، فيستولي على حظوة ظلت إلى الآن حكرا على مجتمعات تتوفر على رؤوس أموال ضخمة. فـ «في كل يوم، يضع آلاف مبحري الشبكة، وبشكل تطوعي، معرفتهم في خدمة الغير، سواء بوضع وثائق من كل نوع في الويب، من كتاب الوصفات إلى المذكرات الشخصية اليومية، أو بتحرير مقالات حول كل الإنتاجات والقضايا التي يمكن تصورها من أجل مواقع المحادثة»(7). – التقوقع في فضاء خـُلق أساسا للانفتاح: فالكثير من المواقع لا تحيل إلا على نفسها، تجعل من ذاتها ما يشبه قلعات محصنة أو جزرا معزولة، تترفع عن إنشاء صفحة للروابط. هذا التحاشي بقدر ما يحرم المبحر من الحصول على معلومات بطريقة ما يسمى بـ «الغوص في الأعماق» أو «السير في اتجاه عمودي» (وأداتها تقليب صفحات روابط المواقع) مقابل الطريقة الأخرى المسماة بـ «الإبحار السطحي» أو «السير الأفقي» (ووسيلتها محركات البحث) بقدر ما يساهم في تكريس بعض سلوكات الواقع المتردية وإعادة إنتاجها عن وعي في أغلب الأحيان. وإلا فما معنى إنشاء موقع شخصي دون إدراج وصلات لمواقع الزملاء في الاختصاص ومواقع مثقفي ومبدعي بلد الانتماء؟!

3. 2. على صعيد بناء مشهد ثقافي عربي عام بالشبكة: يلاحظ أنه: – لم يتم لحد الآن عقد ندوات عربية أو مهرجانات إبداعية وثقافية هامة في الأنترنت، رغم الإيجابيات العديدة لهذه الندوات، والتي أقلها إتاحة توسيع دائرة المشاركة، خارج إكراهي الزمن والمكان، ثم الانخفاض الكبير لكلفة الإنجاز بالمقارنة مع تتطلبه الندوات التي تعقد على أرض الواقع، وإفادة أكبر عدد من القراء، وبشكل دائم، بأعمال الندوة. من التجارب الغربية الرائدة في هذا المجال ندوتا: «النص الإلكتروني» و«التداخل المعرفي»، وكلتاهما أخذت حيز 3 أشهر للإنجاز، بمعدل متدخل كل 15 يوما، ثم إتاحة فرصة للمعقبين، والنتيجة في حالة «النص الإلكتروني» هي نشر الأعمال الكاملة للندوة ووضعها مجانا إشارة المبحرين، وبتسع نسخ لكل مداخلة (لكبار المتخصصين المتدخلين في الندوة): نسخة بالإنجليزية وأخرى بالفرنسية، وثالثة بالإيطالية، وكل واحدة بثلاث إخراجات: نسخة للتصفح بغلة توصيف النص التشعبي (html)، وواحدة للطباعة، وثالثة للاستماع(8)… الاستثناءات في هذا الباب قليلة جدا، وتتمثل في: أ) ندوة «الروائي محمد سناجلة والأدب التفاعلي من خلال رواية شات» التي نظمتها منتديات «أسمار» بتاريخ 03/12/2005 إلى غاية 05/01/2006، وتفتقر معظم مشاركاتها إلى المستوى العالي بحيث لا يمكن مقارنتها بالندوتين الغربيتين المذكورتين أعلاه بأي حال من الأحوال؛ ب) اللقاء الشعري الافتراضي الذي نظمه بيت الشعر التونسي في شتنبر 2005 وألقى فيه شعراء عرب من ثلاث قارات (إفريقيا، أوروبا وآسيا) قصائد، ولكن عيب هذا اللقاء أنه لم يُبث عبر الأنترنت ليسمعه ويشاهده القراء في مجموع أنحاء المعمور؛ ج) أخيرا اللقاءات المباشرة التي تنظمها مجموعة من المنتديات بين أسماء إبداعية كبرى وقرائهم من أعضاء الساحات المضيفة، كمنتديات «مدينة على هدب طفل» و«أسمار» وغيرهما. – لم يتم لحد الآن ولوج الأشكال الجديدة للكتابة كالقصيدة والرواية الرقميتين إلا بشكل محدود جدا، بحيث ما أنجز في الجنسين معا يعد على رؤوس الأصابع، بل وما كتب عن بعضها فيه من الاحتفاء والمبالغة أكثر مما فيه من النقد العلمي والموضوعي الرصين، مما يجعل حصيلة المشهد على هذا الصعيد هو: أدباء يتسابقون ويتصارعون على الريادة ونقاد إما يتكلمون في ما لا يعلمون أو يسعون لفرض وصاية أو تكريس رؤية تفتقر بشكل رهيب إلى معرفة بالإبدال الذي يؤسسه الأدب الرقمي الذي يبلغ حد القطيعة مع نظيره التقليدي، ومن ثمة لا جدوى مقولات النقد التقليدي، كما تفتقر إلى إدراك للرهانات العميقة التي تنطوي عليها الثورة الرقمية والتي لا يشكل الأدب سوى ذرة ضمنها. – لم يتعامل مبدع عربي واحد مع الوسائط المتعددة، من خلال استغلال إمكانيات البرمجة المعلوماتية والتخزين في القرص المضغوط، على غرار ما فعل في فرنسا، مثلا، رايمون كينو، وجورج بيريك وجاك روبو، في إطار ما يسمى بالأدب التوليفي littérature combinatoire (حكاية على طريقتكم، مائة ألف مليار قصيدة شعر، 243 بطاقة بريدية بألوان حقيقية). تجربة مائة ألف مليار قصيدة شعر، مثلا، تتيح للقارئ أن يؤلف ما شاء من القصائد، وفي الموضوعات التي يشاء، انطلاقا من خيارات للقراءة، تنجزها الآلة اعتمادا على مادة خام من الأبيات ألفها الشاعر(9)… المحاولة العربية اليتيمة موجودة في منتديات اتحاد كتاب الأنترنت العرب انطلاقا من ديوان «اغتراب الأقاحي» للشاعرة المغربية فاطمة بوهراكة، إذ أنشأ تقني الموقع برنامجا معلوماتيا يُعيد تقطيع أجزاء الديوان وتركيبها، بحيث يُفضي كل تصفح جديد إلى قراءة قصيدة جديدة، ولكن تلقي التجربة لم يكن في مستواها، حيث حضر الانبهار بقدرة الحاسوب والخوف من منافسته للشعراء وغاب طرح الأسئلة التي يمكن أن توقف على إدراك نقط الالتقاء والاختلاف بين الإبداعين البشري والحاسوبي وتحفز على ولوج الكتابة الرقمية عموما، ناهيك عن أن صفحة تلك التجربة قد اختفت نهائيا من الموقع ! – يبدو أن الوعي بقدرة الشبكة على تجميع أهل الاختصاص في مجال ما قد بدأ في الانتشار تدريجيا بين المبدعين والمثقفين العرب الرقميين، بعد أن ظل المشهد الثقافي العربي الرقمي إلى وقت قريب يتميز بغياب ولو موقع واحد شبيه بموقع «فابولا» fabula.org الخاص بنظرية الأدب، مثلا، والذي يتيح – ضمن ما يتيح – لجميع الفرنكوفونيين المهتمين بهذا الحقل ليس المساهمة في الموقع بإنتاجاتهم فحسب، بل وكذلك التواصل فيما بينهم من خلال التسجيل في قائمة الموقع، بإثبات عناوينهم واهتماماتهم وتخصصاتهم تسهيلا للتعارف والتواصل… من التجمعات العربية الموجودة حاليا: موقع الجمعية الدولية للمترجمين العرب، موقع اتحاد الأنترنت العرب، منتديات اجتماعي (الخاصة بالعلوم الاجتماعية)، ملتقى المهندسين العرب. – لا نجد موقعا عربيا واحدا خاصا بإنتاج شخصية فكرية أو إبداعية عربية مشهود بثقل إسهامها في الثقافة العربية، يضع رهن إشارة المبحرين مجموع إنتاج المؤلف، لكن أيضا بحوثا أكاديمية حوله، بما يجعل الموقع مرجعا علميا رصينا في الموضوع. هناك أمثلة عديدة في المجالات الغربية، نذكر منها موقعا واحدا هو موقع نيتشه المتشعب الذي تم إنشاؤه بمبادرة من باولو ديوريو (من المركز الوطني للبحث العلمي الفرنسي) والمنشورات الجامعية الفرنسية، والذي أخذ على عاتقه ليس مهمة توفير نسخ إلكترونية لمجوع أعمال نيتشه، وصور للعديد من مخطوطات الفيلسوف، بل وكذلك دراسات أكاديمية رفيعة المستوى، وبلغات عديدة، لاختصاصيي صاحب «هكذا تكلم زرادشت»: «ليس [موضوع الموقع] وصف مشروع نيتشوي، بقدر ما هو بسط الأسس التقنية والمنهجية والفلسفية لعمل علمي حقيقي وجامعي يستعمل الأنترنيت ليس نكاية في الوقت أو انسياقا مع مقتضياته، وإنما باعتباره أداة قادرة على إعطاء حيوية جديدة لأبحاثنا»(10). – الدخول العربي اليوم إلى الأنترنيت دخول تراثي بالنظر إلى زخم الموارد التراثية (الوراق، المحدث، الموسوعة الشاملة، الجامع الكبير للتراث، صيد الفوائد، ملتقى أهل الحديث، المشكاة، الخ.) بالمقارنة مع الغياب التام للإنتاجات الأدبية المنتمية إلى المجال العمومي (أين الأعمال الكاملة لجبران خليل جبران؟ للمنفلوطي؟ لقاسم أمين؟ لرفاعة الطهطاوي؟ لأحمد شوقي؟، الخ. بالقياس إلى ما يفعله الغربيون مع الأدب المصنف في الخانة نفسها (ديكارت، ديدرو، مشروع جوتنبرغ، كلاسيكيات العلوم الاجتماعية.، الخ). غياب استثمار التسجيل الصوتي في إنتاج نسخ سمعية لأعمال أدبية شعرية ونثرية على نحو ما توفره لغات كالفرنسية في مواقع عديدة، حيث يتاح للقراء التزيل المجاني لملفات سعمية لكتابات أدبية وغيرها مقورءة بأصوات أجود الممثلين(11). يغيب هذا الاستثمار في المشهد الرقمي العربي مع أن العملية يمكن أن تلعب وظيفة حيوية في الحفاظ على اللغة العربية والتقليل من الأخطاء العديدة متزايدة الانتشار حتى في الصحافة ووسائل الإعلام السمعية والبصرية. نعم هناك محاولات، ولكنها ضئيلة العدد وتقتصر على بعض الكتب التراثية، مثل ديوان الطواسين للحلاج، والشعر العربي القديم الذي يقدم موقع الموسوعة الشعرية العالمية نماذج سمعية كثيرة منه. – حيثما يتوفر عمل جاد ومشروع حقيقي لرقمنة الأعمال ووضعها مجانا رهن إشارة مُبحري اللغة العربية يكون الدين عموما هو المُحرك سلبا أو إيجابا لهذا المشروع كما لو كان ثمة ممنوع ما يحول دون إنجاز مشاريع لخدمة المعرفة والإبداع الخالصين؛ فبرنامج الموسوعة الشاملة الذي يشتمل على أزيد من 6600 مصنف تراثي (سيزداد عددها بالتأكيد) وبرنامج «الجامع الكبير» الذي يُعتبر أكبر مكتبة للمصنفات التراثية العربية، مثلا، الذي يحوي 1800 مصنف تراثي، أنجزا من لدن مواقع إسلامية خدمة للإسلام. وعدد كبير من الكتب الإبداعية الشعرية والنثرية والفكرية والمترجمة من لغات أخرى إلى العربية تم وضعها بصيغة pdf على الخط للتنزيل المجاني من لدن مواقع معادية للدين الإسلامي كموقع اللادينيين العرب!

4. محاولة تفسير هذا التخلف: مع أن تفسير هذا الوضع يقتضي إنجاز دراسة ميدانية، فإنه يمكن تقديم بعض أسباب هذا التقاعس بتعليلات لا تعدو حاليا مجرد فرضيات تحتاج إلى تأكيد: – وجود نوع من الحصر السيكولوجي لدى الفئة الواسعة من المثقفين العرب أمام الآلة في وقت تطورت فيه تكنولوجيا المعلوميات وبرامج الاستخدام بما جعلها بسيطة الاستخدام، تتجه إلى حدس المستخدم أكثر مما تتطلب عمليات ذهنية وطاقة فكرية كبيرة ومعقدة. – مقاومة التغيير: وهذا أمرٌ طبيعي، فعندما ظهرت الكتابة ساد التشكي من قبل الرواة خزاني الذاكرة الجماعية لمجموعاتهم البشرية، ولما ظهرت المطبعة في أوروبا ساد التشكي من لدن نساخ المخطوطات وحرف الوراقة عموما، لظهور مؤشر اختفائهم، كما من قبل القراء الذين وجدوا صعوبة كبرى في قراءة الكتاب المطبوع بالمقارنة مع المخطوط… – الرغبة في الإبقاء على حظوة الكاتب وامتيازه، وبالتالي سلطته الرمزية. رغبة تجد نفسها في غاية الصعوبة أمام طوفان النصوص التي تُنشر في الويب من قبل كتاب مغمورين، بل ومن قبل أفراد لا يجدون حرجا في توقيع نصوصهم بأسماء مستعارة، ناهيك عن الكتابة الجماعية لأعمال أدبية، مما يؤشر على اختفاء الأعلام الأدبية الكبرى في مرحلة أولى، ثم فقدان المؤلف لأي حظوة في مرحلة ثانية. وهذا بدأ طبعا مع مُخترَع جتنبرغ؛ ففعل آلته العجيبة طوال القرون الخمس الماضية كان كافيا لإنزال الكتاب من برجه العاجي وجلعه في متناول جميع سكان المعمور، وبالتالي ظهور جيش من الكتاب لم يشهد له التاريخ مثيلا. والرقمية تواصل العملية ذاتها الآن، لكن بإيقاع أسرع وآثار أوسع. وللإشارة، فإن الاستياء من إغراق النت بالكتابات الرديئة له ما يناظره في عهد قريب؛ فإزاء مقال تحت عنوان «الأدب الصناعي»، عقب سانت بوف بسُخرية تعكس القلق الذي أثارته دمقرطة الكتابة: «علينا أن نستسلم للعادات الجديدة، ولاجتياح الديمقراطية الأدبية كما لظهور سائر الديمقراطيات الأخرى. لا يهم أن يبدو هذا أكثر حدة في الأدب. سيكون على الأقل سمة مميزة للكتابة والطباعة. فبأخلاقنا الانتخابية والصناعية، سينتهي الأمر بكل امرئ امتلك، على الأقل مرة في حياته، صفحته أو خطابه أو منشوره، قطعة خبزه، بأن يسمى كاتبا. ومن ثمة لن تبقى أمامه سوى خطوة واحدة لعمل شريط مسلسل. لماذا لأ أقوم بذلك أنا أيضا؟ سيقول كل واحد»(12). – تفضيل العالم الواقعي على الافتراضي: ثمة من يستمر في النشر على حسابه الخاص، نافقا مبالغ طائلة بالمقارنة مع الكلفة الزهيدة للنشر على الويب، آسرا الكتاب في مجال تداولي محدود جغرافيا (داخل بلده). وهو سلوك لا نجد له تفسيرا سواء في سياق معطى الشبكة الذي يتيح للمؤلف اليوم أن ينشر إنتاجه في بضع دقائق، ويجعله رهن إشارة المهتمين به، في أرجاء المعمور قاطبة، أو في سياق الثقافة العربية الكلاسيكية التي أعطت الأولوية لمجتمع الأدباء الافتراضي (بمعنى مختلف عن افتراضية اليوم) عن المجتمع الواقعي. – سيادة المفهوم التقليدي للثقافة والمثقف، والذي يميل إلى التقوقع داخل التخصص في وقت أصبحت فيه الحدود بين المعارف والتخصصات تتهاوى، وتحققت فيه نبوءة ميشال فوكو التي تصور فيها ثقافة تروج فيها الخطابات وتُتلقى دون أن تظهر وظيفة المؤلف فيها أبدا»(13). من نتائج هذا الوضع غياب تنسيق وتعاون بين المعلوماتيين والأدباء؛ فالمشارقة (السعوديون والإماراتيون والفلسطينيون) يمتلكون ناصية الرقم في مجالات البرمجة وإنشاء المواقع ولكن أي تعاون بين معلوماتيين وأدباء عرب لم تتم ملاحظته إلى اليوم على غرار ما نجد في فرنسا، مثلا، حيث أفضى اللقاء بين مجموعة من المعلوماتيين والفلاسفة ونقاد الأدب إلى إنشاء شعبة للوسائط المتشعبة بجامعة باريس الثامنة، يدرس فيها الآن بعض كبار منظري الويب والأدب الرقمي (بيير ليفي، جان كليمون، جان بيير بالب، إيفلين برودو، فيليب بوطز، الخ.). – غياب مناخ عام يشجع على الانخراط في عالم الرقم. هذا المناخ يساهم في تكريسه: أ) الحكومات العربية التي يبدو أنها لم تدرك بعدُ الرهانات العميقة التي تنطوي عليها شبكات المعلومات ولم تتخذ بعد الإجراءات العملية لبناء ما يسمى بمجتمعات المعلومات أو «المجتمعات المعرفية» في وقت صار فيه محو الأمية وتعميم التعليم ونشره يقتضيان الاستثمار في حقل المعلوميات واتخاذ الرقمية خيارا استراتيجا للتنمية وفرصة متاحة لتقليص الهوة بين دول الشمال ودول الجنوب. ومن النماذج التي نالت تنويها في هذا المجال دويلة مالطة التي وضعت سنة 2000 خطة ثلاثية بموجبها ما يتخرج التلميذ من التعليم الابتدائي إلا ويكون قد أتقن التعامل مع جهاز الحاسوب. مما يتصل بهذه النقطة الارتفاعُ الكبيرُ لأثمنة أجهزة الحواسيب، وسعر الاتصال بالشبكة، ليس بالقياس إلى متوسط دخل سكان هذه المناطق فحسب، بل وكذلك بالمقارنة مع دول الشمال نفسها، وذلك في وقت يتوجب فيه على هذه الحكومات إعفاء أجهزة الكمبيوتر من ضريبة القيمة المضافة، وتخفيض كلفة الاتصال بالشبكة بحيث تعادل نظيرتها في دول الشمال ما لم تقل عنها بالنظر إلى التفاوت المهول بين الدخل المتوسط لمواطني الجهتين. ب) وزارات الثقافة واتحادات الكتاب العربية التي تختزل حضورها في الشبكة في تقديم ما يشبه كاتالوغات تعرض منجزات الوزارة ومؤسسات الكتاب والمعلومات الخاصة بها دون تجاوز ذلك إلى تقديم خدمات رقمية للمواطنين، كتوفير قواعد بيانات من الكتب الرقمية التراثية والحديثة، على السواء، ومنحهم خدمات البريد الإلكتروني بالمجان، وتوفير صالونات للدردشة الآنية في قطاعات مهنية وعلمية وغيرها، ومساحات مجانية لبناء المواقع. وهي خدمات تتطلب اعتمادات مالية زهيدة جدا بالمقارنة مع ما يتطلبه تنظيم مهرجان ثقافي أو فني واحد أو ندوة دولية واحدة. الاستثناء الوحيد الذي يقتضي التنويه في هذا الباب هو سماح المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب برواج مجموع أعداد سلسلة عالم المعرفية الشهرية من أول عدد إلى سنة 2001 في الشبكة، حيث تنزيل هذه الذخيرة بصيغة PDF متاح انطلاقا من أكثر من مواقع مثل «المصطفى» و«أنفاس». ج) التمسك بالكتاب والنشر الورقيين دعما واقتناء في سياق يشهد ملامح الظهور الوشيك للكتاب الإلكتروني المعيار (ثمة اليوم أجيال من الـ e- boock تتيح تخزين عدد كبير من الكتب مع تقديم وسائل دعم لقراءة يستحيل على الكتاب الورقي تقديمها للقارئ؛ كمحرك البحث والمعجم وتدوين الملاحظات الهامشية، الخ.، ناهيك عن المداد والورق الإلكترونيين) وهجرة ضخمة للكتب من رفوف الخزانات المادية إلى عالم الرقم والافتراض إما لاعتبارات تقنية (حالة أمريكا التي ترقم مجموع الكتب العائدة إلى القرن 19 تفاديا لتعرضها للإتلاف بسبب المادة الحمضية التي يتضمنها المداد)(14) أو تماشيا مع مستلزمات الثورة الرقمية. هجرة أدت إلى ظهور معالم لا يمكن لاستحضارها إلا أن يبعث على الاستغراب من رؤية أكثر من بلد عربي يصرف مبالغ طائلة لبناء خزانات ورقية، كما في حالة خزانة الإسندكرية بمصر، أو لإنجاز مشاريع لترجمة التراث الأجنبي ونشره ورقيا، مثل مشروع مصر «لترجمة 3000 عنوان من أمهات الكتب الأجنبية» و«مشروع كلمة» المنطلق مؤخرا بأبو ظبي مقدما نفسه باعتباره «أكبر مشروع للترجمة في العالم العربي». يتم هذا في وقت يبني فيه الغرب معالم رقمية شامخة، منها على سبيل المثال: – الخزانة الوطنية الفرنسية: رقمنت منذ مستهل التسعينيات وإلى حدود سنة 1996 من ممتلكاتها الوثائقية 300000 مجلدا، استغرقت العملية 10000 ساعة عمل، 80000 من هذه المجلدات موضوعة رهن إشارة المبحرين مجانا، منذ سنة 2000، انطلاقا من سيرفر غاليكا بموقع الخزانة على الشبكة(15). – مشروع جوتنبرغ: أخذ على عاتقه ترقيم مجموع الأعمال الأدبية المكتوبة باللغة الإنجليزية المنتمية إلى المجال العمومي، ووضعها على الخط، وقد بلغ إلى اليوم مجموع ما تم ترقيمه ووضعه في الشبكة مجانا رهن إشارة المتصفحين 10000 كتابا مجانا على الخط. – مكتبة كلاسيكيات العلوم الاجتماعية: وتتضمن النصوص الكاملة لمئات الأعمال الرفيعة في مجالات علم الاجتماع والتحليل النفسي والأنثروبولوجيا والفلسفة، موضوعة رهن إشارة المتصفحين للتحميل المجاني. – مكتبة أثينا: وتتضمن 2000 عمل ينتمي إلى المجال العمومي الفرنسي، موضوع أيضا بغاية التصفح والتحميل المجانيين. د) المؤسسات العلمية وفي مقدمتها الجامعات: لم تبادر ولو جامعة عربية واحدة بوضع مواردها النصية على الخط على غرار ما نجد في مشروع الأطروحات الشبكية، وجامعة مونريال بكندا، أو جامعة ليون 2، أو مشروع الأرشيفات المفتوحة archives ouvertes الذي يشتمل على عشرات آلاف الرسائل والبحوث الجامعية والمقالات والدراسات في سائر التخصصات. فضلا عن أكثر من ذلك لا نجد في مواقع معظم الجامعات العربية حتى قوائم للأطروحات المسجلة وروزنامات الدروس والبرامج… هـ) تقاعس دور النشر العربية: من خلال تفحص مواقع هذه المؤسسات في الأنترنيت، يلاحظ أن أنها تتخذ من تسويق منتوجاتها همها الأول، وبذلك فالشبكة، من منظورها لا تعدو مجرد واجهة زجاجية لعرض إصداراتها بغاية البيع. —————-

هوامــش:

(1) Umberto Eco, Auteurs et autorités ( un entretien avec Gloria Origgi, traduction d’Anne- Marie Varigault):

(2) Christian Vanderdorpe, Pour une bibliothèque universelle:

http://www.le-debat.gallimard.fr/debat/html/vandendorpe_christian.htm

وكذلك:

– Louise –Caroline Dias, Cyberculture: La fracture du texte numérique, Mémoire présenté dans le cadre du DESS, Université Lumière Lyon II, 2002, pp. 31, 71, 83.

(3) للاطلاع على المحاولة المفتوحة لجرد لمجموع المجلات العربية الثقافية الصادرة بالشبكة، يمكن زيارة الرابط الآتي بمنتديات ميدوزا:

http://www.midouza.net/vb/forumdisplay.php?f=161

(4) لمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع، يمكن الرجوع، على سبيل المثال، إلى الدراسات القيمة التالية:

– Jean Clément, L’adieu à Gutenberg: http://www.autosoft.fr/deasic/adieugutenberg-jclement.pdf – J.P. Balpe, Ecriture sans manuscrit, brouillon absent: http://hypermedia.univ-paris8.fr/Jean-Pierre/articles/manuscrit.pdf – Dan Sperber, Vers une lecture sans écriture: http://www.text-e.org/conf/index.cfm?ConfText_ID=12: (5) Pierre Lévy, Essai sur la cyberculture: L’Universel sans totalié. Rapport au Conseil de l’Europe, version provisoire: http://hypermedia.univ-paris8.fr/pierre/cyberculture/cyberculture.html (5) (Pierre LÉVY), «Vers une nouvelle économie du savoir. Des Arbres de Connaissances à la Programmation comme un des Beaux-Arts en passant par l’Idéographie Dynamique», in In Solaris, nº 1, Presses Universitaires de Rennes, 1994 : http://biblio-fr.info.unicaen.fr/bnum/jelec/Solaris/d01/1levy.html (6) Olivier Dyens, «Le web et l’émergence d’une nouvelle structure de connaissances», in Actes du Colloque Les défis de la publication sur le web: hyperlectures, cybertextes et méta-éditions: http://www.interdisciplines.org/defispublicationweb/papers/11/language/fr (7) Christian Vanderdorpe, «pour une bibiothèque universelle», op. cit.   (8) حول تفاصيل إنجاز هذه التجربة، راجع: – Gloria Origgi, «Pour une science humaine de l’internet» (traduction de l’originalen itaien de Anne – Marie Varigautl), in Actes du Colloque Les défis de la publication sur le web, op.cit: http://www.interdisciplines.org/defispublicationweb/papers/1/language/fr (9) يمكن الوقوف على لائحة لأعمال الخيال المتشعب، بالعنوان: http://esastgate.com/Hypertext.htm ومن الأعمال التي يمكن قراءة نصوصها كاملة على الخط، يمكن الرجوع إلى: – Amnésie (10) حول هذه التجربة، راجع دراسة لأحد منجزيها، وهو مبرمج إعلاميات في دار النشر غاليمار التي صدرت عنها الأعمال الإلكترونية المذكورة:  

– Bernard Magné, «Machines à écrire, machine à lire», Etudes Françaises, Internet et littérature: nouveaux espaces d’écriture?, Volume 36, numéro 2 (2000), Sous la direction de Régine Robin, pp. 119- 128:

http://www.erudit.org/revue/etudfr/2000/v36/n2/005258ar.pdf

(11) François Lermigeaux, HyperNietzsche. Modèle d’un hypertexte savant sur Internet pour la recherche en sciences humaines. Questions philosophiques, problèmes juridiques, outils informatiques, Sous la direction de Paolo De Iorio, PUF, Collection ” Ecritures Electroniques “, octobre 2000, 200pp:

http://www.fabula.org/genetique/hypernietzsche.php

(12) نقلا عن:

– Jean Clément, “Ordre, mémoire et histoire. L’hypertexte à la lumière du Didascalon de Hugues de Saint-Victor”, in C. Désy, V. Fauvelle, V. Fridman, P. Maltais(dir.) in Une œuvre indisciplinaire. Mémoire, texte et identité chez Régine Robin., Les Presses de l’université Laval, Montréal, 2007.

ويمكن استشارته انطلاقا من:

http://hypermedia.univ-paris8.fr/jean/articles/AdL.pdf

(13) نقلا عن:

– Jean Clément, L’adieu à Gutenberg:

http://www.autosoft.fr/deasic/adieugutenberg-jclement.pdf

(13) Jean Clément, «L’avènement du livre électronique: simple transition?», Article paru dans Apprendre avec le multimédia, où en est- on?, sous la direction de Jacques Crinon et Christian Gautellier éditions Retz, 1997:

http://hypermedia.univ- paris8.fr/jean/articles/livre.htm

(14) Alain Vuillemin, L’Avenir de la lecture interactive:

http://www.revue- texto.net/Inedits/Vuillemin_Avenir.html

http://www.arts.uottawa.ca/astrolabe/articles/art0027.htm

]]>

الاخبار العاجلة