نصرت مردان

حانة الأحلام السعيدة: 05 – الدخول في الشرنقة

وتنطلق الحناجر بالموشح تتحدى الغربة بكل اللغات ،وتشهق الأفئدة بالحسرة .متى ،متى أيها الوطن الحبيب نعود ثانية ؟
قدك المياس يا عمري
يا غصين البان ..
ـ ألا تنوي أن تعترف ..؟.
أصحو من جديد . تتلاشى الصور كطائر رعديد .
ـ أي اعتراف يا أخي ؟
ـ أخوك ..هه
ـ أنا عائد إلى وطني والطائرة نزلت هنا لفترة قصيرة للإقلاع ثانية .وانتم الذين قبضتم علي .
ـ لا تحاول المراوغة .فلقد مر من مشرحتنا الكثيرون من أمثالك .
ـ إنني عائد إلى بلادي . ماذا تريدون من إنسان ليس من مواطنيكم ؟
ضحك اسمن الرجال الثلاثة هازئا ،وكأنه يقول في داخله سنجعلك تعترف بكل شئ من يوم ما ولدت وحتى الآن .
ماذا يريدون أن يعرفوا عني ؟
ماذا يهمهم من الصبي الذي كان يذهب إلى المدرسة على دراجة أبيه العتيقة ؟ ماذا يهمهم منه ومن أحلامه الرومانسية التي كانت تجتاحه وهو ينتظر حبيبته عند عودتها من الكنيسة ..؟
هيفاء . من يدري أين أنت الآن ؟ عشر سنوات لم أرك فيها .من يدري في أية زاوية أنت من كركوك ؟ كم أود أن اضحك عاليا .فقد كنت اعتبر نفسي شاعرا في يوم ما .وكنت اكتب عنك أكثر من قصيدة في يوم واحد .
آه كم كنت أتباهى بقدرتي هذه بين أصدقائي .
ـ ألا تود الاعتراف ؟ من كنت تعرف من طلبنتا المعادين للنظام الوطني ؟ ألم يكن لهم تنظيم معاد ؟ ما هي أسماءهم ؟
ـ كأسكم يا شباب ..
يبرز رشيد بضحكته التي لا تغيب عن شفتيه ، وهو يقول :
ـ والله يا شباب يوم تخرجي ، سأرقص إلى حدود هذا البلد . سأودع فيه بزغاريد مريرة ..
ويرد عليه شوقي :
ـ لم نعش في هذا البلد غير الجوع ووجع الرأس والإفلاس .
يعود صوت الرجل ملحا :
ـ هيا لابد أن تعرف أسماء بعضهم .
ـ أية أسماء يا أخي ، لم يكن معي في ذلك البلد عربي واحد.
وتنهال عليّ عصي وصفعات وشتائم لم اسمعها في حياتي .
يضربني نور الدين أفندي معلمي في الابتدائية . صاحب السدارة الوسخة التي لم أرها مغسولة طوال سنوات الدراسة مرددا (( العصا لمن عصى ))..لكنني لم اعص نور الدين أفندي ..
ـ هيفاء .. لماذا تخجلين ؟
ـ تُقبلني وتريد مني أن اضحك ؟
أضمها إلى صدري وسمع دقات قلبها .
أين أنت الآن يا هيفاء ؟ من يدري ، ربما تزوجت . ولم يبق مني فيك غير خيط رفيع ينتابك كحزن شفيف. لماذا أتذكرك الآن ؟ في هذه اللحظة بالذات ؟
ينساب إلى فمي سائل حار مالح ثم ينهمل دمي على أرضية الغرفة قطرة قطرة ..
لماذا يا نور الدين أفندي ، لماذا ؟ لقد حاولت أن أكون طالبا مطيعا دائما . فمتى تُلقي هذه العصا من يدك ؟ ربما أنت أيضا ، سترى نفسك ضعيفا من غيرها كهؤلاء الذين يبدون عربا من قارة لا اسم لها على خارطة الزمن .
ـ أرجوكم أريد العودة إلى وطني .
ـ دخول الحمام ، ليس مثل خروجه .
ـ أنا هنا مجرد عابر سبيل . وانتم الذين اعتقلتموني في المطار .
ـ سنمهلك ساعة ، بعدها سنعود . ومن الأفضل لك أن تتذكر أسماء من تعرفهم من طلبتنا .
وضعوا أمامي ورقة بيضاء وقلما .
الورقة بيضاء ناصعة .أتذكر أول قصيدة كتبتها عن هيفاء .كانت قصيدة ساذجة . شبهتها بالقمر الذي لم تكن قدما اَرمسترونك قد وطأته بعد .ماذا اكتب ؟هل اكتب أسماءكم هنا يا شوقي ويا رشيد و يا محمد و يا فوزي ..؟
قال فوزي :ـ الليلة ، ليلة التخرج . فلتكن سكرتنا بمستواها .
بعد ساعات فاحت رائحة اللحم الذي اشتريناه بعد أن جمعنا ثمنه .
ـ هذا خير دليل على اشتراكيتنا .
ـ لا تبسط الأمور إلى هذه الدرجة فلم نشرب بعد..
ـ هذه ليلتنا ..
ـ عند الأحباب تسقط الآداب .
غضب رشيد . لم أره غاضبا قط . لكم كنت أحب هذا التيس !
ـ يا أخي هذ1 قول سوقي ..
ـ بالله عليكم يا شباب ..دعونا من هذا الهراء .
ـ سأعود إلى بلدي ..لا إفلاس ، لا انتظار للحوالة الشهرية والاهم لا امتحانات .
طوال الوقت ،انطلقت الحناجر بقدك المياس يا عمري ..تحت سماء أجنبية الهواء والنجوم ..
في تلك الليلة لم انم . كان الوطن هو الحلم في النوم والصحو .
في الصباح انطلقت أول طائرة .
في فمي مرارة العلقم . تذكرني بطعم العرق الذي شربته لأول مرة مع فوزي ..
الورقة لا تزال بيضاء .
أخوض في عباب السنوات والأيام .جواز سفري عربي ،وهذه ارض عربية . هُراء هؤلاء من قارة أخرى ،من ارض لم يسمع بها أحد . وأنا ما ذنبي ؟ أتتشابك خيوط الذكريات وتنتهي هنا واقل من نصف ساعة تفصلني عن بلدي ..؟
ـ كأسكم يا شباب !
ونهرع إلى المستشفى في حرب 73 للتبرع بالدم .
صف طويل من الطلبة اصطفوا أمام الطبيب الذي اندهش قائلا: لم أكن أتصور أن في بلادنا هذا العدد الكبير من الطلبة العرب !
الورقة البيضاء تنظر إليّ بحنو . أبادلها النظرات .يدخل قطار الغربة في نفق طويل دامس . اسمع صوت أقدامهم .يفتحون الباب .ابتسم يا رشيد،ولا تخف . بل اضحك ملء شدقيك كعهدي بك دائما !..

نصرت مردان، حانة الأحلام السعيدة (قصص)

السابق
حانة الأحلام السعيدة: 06 – سنوات البكارة في حياة هيفاء طوبيا
التالي
حانة الأحلام السعيدة: 04 – يوم شديد البؤس