عبد العزيز الراشدي

هذا الوجه… ذلك المكان: 3- مزاكان* (محكيات الصيف)

(أ)

مزاكَان مدينة تولد فيّ كل مرة،كما لو كانت تُمارس «العود الأبدي». لكن نتشه لا يُطل على الدوام من نفس النوافذ. إنه يطل، هذه المرة، من زجاج مكتبة قديمة بشارع البرانس، يتناوب الأدوار فيها كهل وشاب: الكهل عادة يقرأ، ولا يرفع رأسه إلا ليتفحص الداخلين، ويؤكد على الثمن حين لا يسعف الشاب. والشاب يتنقل هنا وهناك لتلبية كل طلب. ثمة حواجز كثيرة أمام الانطلاق الفلسفي. بالمقابل، يتدفق الانطلاق بمفردات أخرى هي الجسد واللغة ورحابة غشت.تتدفق على شارع البرانس في كل عَشِي أفواج الناس من المشترين والباحثين عن التخفف من عبء النهار. غزل وشتائم ، الموسيقى في كل الأرجاء: “إنريكي إيجليسياس “و”الستاتي”. بضائع محترمة وأخرى رخيصة….
اللذة واقعية جدا، وغشت حار قليلا هذه السنة. رغم ذلك لا شيء يمنعني من الخروج قبل الأوان: لن أنام الليلة سوى ساعتين. الثالثة صباحا مقبولة جدا، شارع البرانس متسخ بالأكياس والكرتون، المدينة عارية بشعة، كامرأة تستيقظ على غفلة من النوم.أعلل الأشياء وأقول: الذين يريدون من المدينة جمالها فقط واهمون.إنهم يرغبون في امرأة جاهزة ،دون سوائل .امرأة تَحْضُر وقت قوتها،وتغيب حين تضعف.
البحر كائن شاسع كما تقول كتب الجغرافيا، قاس ومراوغ كما يقول السندباد،لكنني لا أعرف له وجها غير الوداعة.أعشق زرقته وأمواجه، في النهار والليل،خصوصا عندما أكون بعيدا ، عاليا في مقهى من مقاهي الكورنيش، أرتشف مشروبا وأتأمل الذين يعومون.لا أحب العوم كثيرا. سأسلم على البحر.
العتمة تغطي المكان. شحوب المصابيح البعيدة . هدى بركات بين يدي، روايتها «حارث المياه» أقصد. سأنتظر الفجر وأقرأ، ثم سأغادر قبل أن تبدأ السخونة في بسط هيمنتها لأتجول في المدينة. سأراها تبدأ يومها، أعانق سكون الأزقة وألتحم مع صيحات بائعي النعناع وانفتاح النوافذ على الهواء الأول. أدخل المقاهي التي تغتسل من مواعيد الأمس كمن يدخل محرابا.وحين يبدأ الشارع في الامتلاء،و الناس في التقاطر على البحر،حين تشتعل الموسيقى الصاخبة في إذاعة الشاطيء، أعود إلى الغرفة لأكمل قراءة روايتي. البحر مُشرق في الصباح،عكر عند الزوال.

(ب)

مزاكان طِبق القلب، بداية الصيف قليلا موجعة،احذروا أن تلمسوا أي شيء في هذا الوقت، سوف تُغرمون به حتما. لا تلمسوا النساء ولا المباني، واحذروا على الخصوص هذا البحر. لا تلمسوا العتيق في المكان:أسوار الملاّح التي أخاديدها حروف، الحي التاريخي وبوتيكات البازار ونساء الحي الشقروات حفيدات البرتغال. لا تلمسوا المدافع المهيأة المتحفزة ،تلك التي يطل على الميناء من حوافها شبان البحر، يُرتّقون أيامهم و شِباكهم ويغنون الشاب «بلال» بأصوات رخيمة… في النهار تحملهم المراكب إلى الموج ثم تعود بهم عند الغروب و هم يراوغون صيحات بعضهم ويسبون بكلام قبيح ثم يتضاحكون. سوف يهطل الرمادي على البشر والأشياء فيبدأ ون في التعتعة بعد أن تنفد قناني الكحول الحارقة التي تستمر حتى نهاية الليل، لا يلتفتون إلى السيارات الأنيقة التي تغسلهم بأضوائها وتسير غير مبالية باستلقائهم على العشب، تقطع الشارع باتجاه سيدي بوزيد لتنغمس في الزرقة والنظافة. ولا إلى غيض المرأة الودودة صاحبة المحلبة المجاورة للسور البرتغالي، تشتكي من رائحة الكحول التي تدوخها ومن غلاظتهم حين يطلبون الطعام. وقرب موقف السيارات، تحْمل المتسولة صاحبة العكازتين والرِّجل الخشبية والأسنان المنفرجة قليلا رزقها عند الليل وتغادر لتنام وفي عينيها قط يئن. سوف تسقط العتمة أيضا قبل الأوان ،لن تكبحها المصابيح ، وستخرج فتيات القاع إلى الشارع ذاته بعد التجهز طوال اليوم للسهرة المقبلة. تَسْتلفن حمالات الصدر من بعضهن، وتتبادلن السراويل ومقابض الشعر والأصباغ وتُربّتن على ظهر الحزن بأظافر طويلة طويلة، لن تبحثن عن حب فهن يؤمنن بالعلاقة شفافة مؤقتة.وحين ينتصف الوقت سيسير الشبان في الشارع مبالغين في الاهتمام بالعضلات والشعر، ويرون النساء «يقلن لاوهن يقصدن نعم».
لن تظل الغرف شاغرة يا مزاكان، سيملأها عشاق بحورك المتناثرة في كل الأبعاد: غرف للذين يعومون، غرف للذين يغوصون من أجل المرجان، وأخرى للشعراء الحالمين الذين يعشقون أنواع السمك، دون تذكر أسمائها، وستنشغل «أمي حليمة» صاحبة المطعم الشعبي، متغضنة الوجه ككتاب لاتيني،بالنداء على الزبائن لأكل السمك الساخن،وجباتها تفتح الشهية للحياة،لا يسكنها الربح بقدر ما يلائمها وفرة الزبائن، تخدم بنفسها رغم سنها ووفرة الشبان. ستنفَذ الأجساد من الشارع ولا يبقى غير فائض ٍ ممن أتعبهن التجول في الطرقات. يغازلن أصحاب السيارات حتى يتوقفون، ثم يشترطن الذهاب جماعة،لكن فرسان الزمان الجديد يكتفون بالسرعة القصوى. يدوي الصخب بعد مرور الوقت ،فيفرغ الشارع، وتنوب الريح عن عمال البلدية فتكنس الأوراق والأكياس.
وهناك، في المقهى الأولى قبالة النافورة، حيث الأفلام الأمريكية المترجمة على الدوام، لن يمل الكهول من رجال التعليم الذين أتعب الوقت مسارهم من الحكي: عن أزمنة ضائعة، وعن مطالب النساء التي لا تنتهي. ولما ينتهون من الشاي والكلام يقصدون الزقاق المغلق،وراء محل الصور، يظلون لبعض الوقت ثم يخرجون ،تكاد الغبطة تنز من وجوهم.ماهو وضعهم في الداخل يامزاكان؟
في الداخل يواجههم البارمان برأسه المدور، وهو ينحني على القنينات،يرحب بهم بالأسماء. وفي الزاوية يجلس أحدهم ليشرب، ثم يستوي المزاج فيضع يديه على وجهه.ويغني مع المسجلة أغنية ناس الغيوان وسط الصخب. يقلد موسيقاها وحروفها ،حتى تكتنفه الجدبة ،و يبقى على حاله حتى ينصرف الجميع ولا يظل سواه وحيدا أمام كؤوس البيرة والساقي يستجوبه ليعرف حجم الكحول في الدم ومبلغ سخائه. فيغني الرجل جاك بريل هذه المرة بصوت أخن متقطع حزين. يُغني مسار العجزة:
من السرير إلى النافدة
من السرير إلى الفوطوي
من السرير إلى السرير

(ج)

السيارات عند المساء سريعة، والمنعطفات وديعة وديعة، ومزاكان وحدها تشبه نفسها، تماما، كما لا تشبه المدن نفسها.
ليل مزاكان جيد، بإناثه في كل منعطف، هن اللواتي توقدن شعلة المكان.ببحره وسحره. بهذه الإمكانية المتاحة أيضا: أن تمتلك المدينة في كل صيغها،لن تربكك كثيرا أو قليلا، فليس ثمة شيء أقوى منك، عكس ما يحدث في المدن الكبرى حين يحس المرأ بِحَشَرِيَّتِهِ الضرورية. في كل مكان ثمة نصوص قابلة للقراءة بكل المناهج والمباهج. وهذه المدينة لا تقول لا لأي شيء.مزاكان «الup» المندمجة مع نفسها، في سياق «النايت» والبوتيكات والأضواء الزرقاء والمشروب الغالي .لكن الزمن يتخثر فتنبلج مزاكان «الdown» في الضواحي وأحياء الرطوبة..
قالت ايمان: العواطف جب عميق، الصيف طويل، لكن إذا قلت لي برجك قد…
وقالت مزاكان: أنا لا أحب الناضجات.
لا يربكك غير اندفاع العالم في كل اتجاه، بين اللوحة والواقع شبر، وإيمان تشرح كل شيء. وهي لا تقوم بالمبادرة، لكنها لا تقاومها، تغار كثيرا من أخبار الثقافة ونقاش القصة القصيرة، ومن الجرائد والكتب: إذا تتأبطها في الصيف، يرونك قديم – تقول – لا تقاوم إيمان اليد على الكتف كأطفال المدرسة من أول تعارف، لا تقاوم كأي فتاة بيضاوية تدرك الأمام جيدا.كانت بعيدة، ثم أصبح البحر أكثر وداعة عندما اقتربت. وبنات كزا بلانكا ينظرن إليك بريبة في البداية، كما ينبغي في كل علاقة إنسانية. ثم ينداح الحب فجأة حسب توقيت الجديدة وأزمور وما جاورهما. وحين اللقاء تبحث في المدينة الصغيرة (بالنسبة إليها) بعينين منحدرتين بالرموش الطبيعية جدا عن المنزوي في الأشياء :في الكلام لتعلق عليه بسخرية، في الملامح لتتعرف الملامح دون إصرار فتخبيء ابتسامتها من فضوليي القرن الواحد والعشرين، وهي لا يُؤذيها السرى لأن وقودها كثير،ولا يؤديها الانحدار مشيا جهة سيدي بوزيد. أجيئها في نومي فتضيق عيناها قليلا قليلا وأرى رأسها ينخفض يسارا وتضحك فأزيح خصلة الشعر الأصفر عن الوجه الملائكي.
وإيمان غامضة قليلا، لكن غموضها إنساني،كرواية عالمية تبدو في الظاهر بعيدة عنك بشخوصها وفضاءاتها لكنك تكتشف أنها ليست سوى صورة طبق الأصل لك. تحلم كثيرا وتمثل دائما بالشمال وتحكي عن نقاء أصيلا.
ليل مزاكان جيد أيضا بصوره الشعرية:حين تصبح الرغبة كائنا صغيرا هشا وأصبح أنا وغشت صديقان.حين أتعتع فيضيء الليل وتصبح الفزياء سلطة سابعة،ولا يلتقي النهر بالبحر في أزمور إلا إذا نامت في الحوض فأرة التجارب.
هكذا لا أَعْبُر بالقهوة وحدها سوى إلى ظلام النص.النص الذي دونت ُقبلاً الحدود القصوى فيه، إذ تجيء هذه المفردات: طراوة اللغة فعل ماض مبني على «سقوف المجاز» و«أوراق النموذج». كما لا أذرع المدينة الموازية وعلى كفي نصي أنقّحه في الطريق حتى إذا بلغ أشده غاب، لا أحث الفرح على الهطول ولا أحث ذاكرتي على الطوفان لأن كل شيء لدي.
بالقهوة وحدها أيضا، لست أحترم اللغة وناموسها فأضيف وأنقح، وأضاجع البراري الصهباء للمفردات التي تسكنني وأرى الرغبة قطار السادسة يسير وئيدا ويد إيمان تطل من شرفة مموهة. لا أستطيع ركوب أحلامها كما يركب الدجالون صهوات الظلام وكما يركب «محمد المزروعي» صهوة العنب. لذلك أخرج إلى الشارع كي أبحث عن صيدلية ليلية فلا أجدها، أغتم وأُضرم النار في معدة الخروف أما الذئب فيهنأ باله.
ومزاكان مُشبعة بالحزن هذا الصيف.ربما لأنني أعشق الخريف. وربما لأن كمال الأشياء في نقصانها. أنا حزين لأن ثمة شعراء تعوزهم اللغة فيكتفون بالعلاقات. أنا حزين أيضا لأن الفكرة تضيع ولا أقبض إلا على هوامش النسيان ولا أولد كما في الماضي في نص واحد ولا تُشرق «إشراق» أخرى ويعود الصمت الجارح
وأسألني وقت العشاء، داخل المحلبة التي يملكها أمازيغي لا يمل من الفرح: ماذا لوتتاقلنا في المشي يا إيمان. سوف نحلم هذه المرة أيضا بأزيلا وكندا ويحملنا مركب أبيك وأهديك الوردة واللحم وأكذب عليك بخصوص حمالات الصدر.
مساء مزاكان لطيف أيضا. لكن بعد قليل ستموت الشمس فيه، وتسبح في لجة الهواء الطيور ثم يهطل الرمادي فيشتعل الليل الحميد حول البحر غرامي. ترتدي المدينة جلباب الضوء، ويعود أصحاب المراكب عودة أخيرة، وأنا اعرف أن الصيف انتهى ،أن الحياة سفر طويل، وأن طريقا وعرة تنتظرني..
ــــــــــــــــــ
* مزاكان هو الإسم القديم لمدينة الجديدة

عبد العزيز الراشدي، هذا الوجه… ذلك المكان (نصوص)

 

السابق
مذكرات الظل (شعر)
التالي
12. عفوا ملاكي .. إنه القدر