روايات

عبد النبي كوارة: ورم التيه – الفصل 19

الحجرة من ورائه والحفرة أمامه… توسل بعينيك المنطفئتين ضوء النهار والليل يا سيدي… عيناك رأتا ما فية الكفاية… أتمنى أن لا تحتويك العتمة ويحرقك نور الشمس… إنك لن تعرفني إذا ما لمست يدي وإذا ما سمعت نبرة صوتي… لا تجتهد، فأنا تائه غريب.»

– احذر الحفرة من خلفك والحفرة أمامك !
– من تكون يا سيدي؟
– أنا تائه غريب، جئت من هناك؛ قتلني ضجر المدينة وما عدت أحتمل دسائسها ومآمرتها. احترفت التيه ووصلت إلى هذا القصر الأمين.
– وأنا حساين، قاضي السواقي وشيخ ومراقب الماء وموثق الأحواض. دعني أدعوك للغداء، في داري دواز بملوخية طرية.
– نعمة أشتاق إلى طعمها، هي توجد بمكناس، يصل بها صحراويون إلى هناك وإلى كل المدن.
– نعمة تحتاج لحرارة جافة لتصلح وتنمو.
– البعض يعشقها يا سيدي إلى حد الجنون، وهناك من لا يرغب حتى في سماع اسمها. وقد يحصل أحيانا أن تشاهد أطفالا يلاحقون رجلا وهم يرددون؛ “ملوخية، ملوخية” بينما الرجل حائر من أمره، تارة يسبهم ويلاحقهم بأحجار، تارة أخرى. عشاقها يتفننون في طرق طهيها، وقالوا إنها إذا اصطحبت بلحم غنم أكل الضيف أصابعه من النشوة واللذة، وكذلك قالت الأمهات وكل العجائز إنها ببصل وطماطم فقط تطلع أجود وأعذب شريطة أن تترك على نار خافتة حتى تشرب مرقها وتحمر زريعتها وتذوب أضراس الثوم فيها.
– الله يطول عمرك يا سيدي أخبرني باسمك؟
– عبد الكريم.
– حتى التمر والحناء والكامون يصل إلى الغرب من هنا !
– بالفعل يا سيدي.
– الذي أحباب في مكناس وأصحاب هاجروا إلى هناك مند زمان، ولي ذكريات بدوري.
– أسكن في مكناس وقد غادرتها طوعا وغادرت معها كل المدن. تركت باب داري مفتوحا على مصراعيه. تركت مصالحي وذهب زوجتي المرحومة، تعبت من حزن و نفاق أهل الغرب كما تسميهم. العهارة سوق عامر. الرشوة محفل كبير. الانتخابات أعراس بطبول ومزامير. البطالة مهرجان مرير… فضاء يبعث على التيه.
– أمرك غريب ياسيدي. لقد سبق لي أن زرت الغرب، كان عمري لا يتجاوز الرابعة عشر، كنت لم أفقد بصري بعد، ذهبت لأبحث عن عمل في مكناس، وكنت أحمل أكياسا من النجارة في أحد معامل الخشب، لم أحتمل العيش وعدت بعينين مريضتين. لازلت أذكر أن مطرا كثيرا تساقط بعد عودتي مباشرة وفاض الواد وجاء السيل ليجرف معه صديقي، لم أحتمل رؤيته وهو يصارع الموت فألقيت بنفسي لنجدته من غير أن أكثرت بالمرض الذي يهدد عيناي، الله شاهد على ما أقوله، بقيت أصارع الحجر المنجرف والتراب والوحل، حاولت قدر ما أوتيت من قوة أن أنقده لكن السيل كان أقوى وأعنف فجرف صديقي، وهو يموت على مرأى ومسمع مني من كثرة إلحاحه في الغوث والنجدة، فكان هذا آخر عهد لي بالنور وبالبصر.
– سبحان الله العظيم، أنت لم تحتاط، أو أن حبك لصديقك كان أقوى، ثم إن حب الأصدقاء عنف كبير على قلوب المخلصين.
– كان صديقي الأوحد الذي لا يعلو الماس قيمته ولا الجوهر ثمنه. لم أتخذ صديقا بعده ولم أتذوق حبة بلح، بكيته كثيرا حتى تورمت عيناي فلجأت للتداوي، إذ أخلطت عسلا خالصا بكحل خالص واكتحلت به فنفعني من نزول الدمع، ولم أكن اعلم أن العمى كان يتسرب عميقا في أوردة عيني المريضتين.
– رجلاك ملطختان بالتراب يا سيدي حساين !
– لقد انتهيت اللحظة من سقي أحواضي.
– ومن يساعدك إذا صادفك الليل في الواحة ؟
– عن أي ليل تتكلم يا سيدي؟ الليل هو نصيبي، محكوم علي بالعتمة لكن لا حفرة خدعتني، وقل إن الله يحفظني.
– والوقت؟ والفتنة؟ من يخبرك بهذا؟
– عقارب ساعتي لا تدور، العقربان تعانقا فتوحدا في قلبي، يسألني الأطفال فأخبرهم بالوقت المحدد فيعقبون فرحين، ويراهن الرجال في ما سأخطئ أو أصيب فيربح المؤمن ويخسر العنيد، هبة من عند الله، الثواني، الدقائق، تواريخ ميلاد بنون وبنات القصر، تواريخ الوفيات، عدد الموتى والورثة، أحفظ لهذا القصر يا سيدي عبد الكريم كل أفعاله. وهن العظم وبهى لا يزال مراهقا يرد على العناد بالعناد.
– ومن يكون بهى؟
– طفل يحب العمل، يحفر ويقلع كوالده الذي مات عند حوض الحناء حاملا فأسه. نزق، لكنه عاقل على طريقة الكبار في غالب الحيان، يصول ويجول في الواحة عند كل جمعة، ويصل الرحم بكل نخلة غرسها بيديه. الواحة إذا كانت خضراء فهي واحته، ولقد نفعني خلال السنوات العجاف، حين زحف الجراد. كلما ماتت نخلة زرع محلها نخلة أخرى ورعاها حتى تقف معتادة صامدة في وجه رياح الشوم. إني أهبه هبتي وعليه أن يصنع تاريخ الواحة من جديد.
– كذلك كانت ثقتي بابنائي !
– وهل أفلحوا في حياتهم ؟
– ابني الطاهر أحبه البعيد والقريب، الرجل والمرأة، العامل والفلاح، الطالب والعاطل، طار صيته في كل البيوت والجامعات، في كل السجون والمنافي، وفي كل بلد عربي حر.
– وأينه الآن؟
– ثوى رحمة الله عليه.
– والثاني؟
– حصده الموت في جبهة الشرف، في بئر انزران. وبالأمس فقط حصد كابر، كلبي الذي دفنته بالقرب من هذا القصر، حيث بقيت نصف حي من الجوع ونصف ميت من العطش وكابر يلفظ أنفاسه.
– كيف حصل موته؟ وأين دفنت جثته؟
– دفنته قرب شجرة الشوك، هناك من وراء الجبل، لقد تورمت رجلاه من كثرة المشي ومات على ألم من غير أنين.
– أعرف المكان، يقصده الرحل ليرتاحوا عند ظل نفس الشجرة إذا أدركهم قيض الهجير.

«أخشى أن يقطع الرحل شجرة الشوك ويغتالونها… لا أظنهم سيفعلون… جمالهم تعرفها… هي علامة عن المرعى، نعاجهم وماعزهم تستمتع بتسلق جذوعها… هي شجرة شوك تقف ضد تيهي بعدما لم تفلح المدينة بكل عماراتها وحيطان حشمتها… كابر عزيز على قلبي… هو أفضل من مئات البشر، قالها المسيو غوني لعنه الله حيا وميتا.»

– في نفس المكان، يا سيدي، دفنت ذلك العزيز والأعز إلي من بعض الرجال، من هم كلاب مسعورين من أفعالهم.
– كأفعال كابر؟
– حاشى معاذ الله، كابر كلب متميز، امتلك عبقرية وسخرها في خدمة الإنسان حتى نسي ماهيته، لقد لازمني ورعي سري، وكذلك صان عهودي وكسر عزلتي ووحدتي.
– أنت تتحدث عن الكلب قطمير يا سيدي؟
– إنه من سلالته لاريب.
– بهذا القصر يوجد رجال لا يرعوون عن ارتكاب أبشع الأفعال، ذئاب بأنياب.
– وكيف؟ رغم عزلتهم؟ ولو خارج التاريخ؟
– شرسون بحقد أسود، يسألونك من تكون وقد عرفوك، يقولون لك أهلا وسهلا وألف مرحبا، ولو ظفروا بك ليلا قتلوك، إلى الله المشتكى بهم ! لكن عليك ألف أمان مادمت برفقتي أنا أعرفهم واحدا واحدا، يتقنون لعبة الإقصاء والمطاردة. اعلم فقط أنني الوحيد الذي يحمل سمرة للاحترام، بفضل هبتي، لا أحد ينعتني بأقبح الصفات، وإنهم يتحاشون مداولة الكلام السافل في حضوري.

«حزن كابر يسكن في الضلوع وإني نويت الاستقرار هنا… هذا لن يحدث من غير حرب… أنا تركت المدينة بحثا عن الهدوء والسكينة… تركت كل شيء خلفي… تنازلت عن الحقوق التي لا تزال فرنسا تضمنها لي وإن كنت رفضتها… أضرب عن التوصل بحوالات التقاعد… سبع حوالات لحدود الآن رفضت… أضربت من يوم عطلوا حوالة شهر ماي ولم يحتفل كل المتقاعدون بعيد الأضحى… لم يكن لديهم ما يسدون به ثمن كبش الأضحية… إني لا أرغب في الحقوق المستوردة. سأرحل… لابد من الرحيل فليس لي إلا حبا إذا أردوه منحتهم إياه لينهشوه.»

– إياك أن تنوي الرحيل !
– لابد منه يا سيدي حساين إذا وصل أوانه.
– إنه إحساس بالخوف !
– بل إحساس بمزيد من اليتم والخسران.

«حدج مر هؤلاء البشر… لا تصلح معاشرتهم… على نفس العيوب تركت سكان المدن… عنف هي الحياة هناك… لا تترك لحظة فرح تتسرب إلى البيوت…زمانا، كنا قلة ومع ذلك كانت تتعايش معنا شياطين الاغتناء… تفرقنا إلى أكثر من عاشق للوطن… منا من غرروا به إلى جبهات الحرب العالمية كخروف… كم تخجلني حياتي يا سيدي حسيان عندما أتذكر يوم ركبنا السفينة إلى مدينة تولون… أخجل إلى درجة يعلق فيها الكلام لتحضر مطارق التعذيب وتعذب الذاكرة…»

– احذر حرف الساقية !
– إني أنادي بهى سيحضر في الحين.
– لكني لم اسمع نداءك له !
– إني تعودت أن أناديه بلغة الماء، بالخرير.
– سبحانه وتعالى، رأفته بذوي العاهات عظيمة !

«متى تطفو الأخشاب البشرية العليلة على سطح دمها؟.. لم يعد فمي يجرؤ على النطق باسم الله إلا فيما نذر… قلبي ينوب عن لساني فيرجع الصدى ليحدث في داخلي مخاض تكوين العالم… تركت رجال المدينة يتشدقون اسم الله عند كل ذبيحة حرام أو شهادة زور… الأنانية زحفت وحصدت مئات الأرواح… الجشع… الدسائس… طرق الحصول على الدرهم عسيرة في هذه القاحلة… الواحة لا تتسع لرواج تجاري… آه من قهر العيش والمعيشة في القواحل…

– لاشك أنه بهى ذلك القادم، طفل بقميص أحمر !
– إنه يعشق ذلك اللون، وإنه سيثأر لواده حين يصبح سيد الواحة وأميرها.

«ذرية يصلحها الإله… تحب الأرض… تعرف لغة الماء… تقسم أن لها مع الثأر قصة وموعد انتصار… للأسف أن هناك في المدن أطفالا من أقرانه ضائعين… يبيعون السجائر بالتقسيط… يمسحون الأحذية… يبكون كثيرا… يمرضون على الدوام… يموتون كل يوم… قليل منهم يذهب إلى المدرسة أو يتعلم صنعة… الوسخ تسرب إلى عالم الطفولة وضاع الأمل، واحسرتاه…»

– السلام عليك يا سيدي، يا غريب.
– وعليك السلام يا بهى، الله يحفظك.
– ماذا قال لك حسان؟
– قال إن الأربع دقائق التي ضاعت لما تسرب الماء إلى أحواض عدّي ،كانت سببا في طلوع الفئران على أحواض طماطمه. أنا حضرت إلى عين المكان ولم أجد أثرا. أنت تعرفه، بكاؤه لا ينتهي ونهمه أحمق.
– وهل هو يطالب بتعويض؟
– لقد قرر أن يستأنف لديك، ثم إن البئر لا يبعد عن الأحواض التي تحدث عنها !
– قرب شجرة اللوز المرة؟
– بالضبط.
– هذا واحد منهم يا أبا المكارم، إنه يريد لأحواضه أن تحيا على حساب الأحواض الأخرى. نفس الرجل، أتدري ماذا فعل يوم الجمعة الماضي؟ وصل إلى المسجد عند صلاة الظهر، افتعل ضجة من كثرة السلام على المصلين، وانسحب في خلسة من غير أن يؤدي الصلاة فقط ليلحق بالواحة ويوجه الماء مسار أحواض الحناء التي انتزعها من ابناء أخته اليتامى، بينما الماء يسيل حرا ظهر كل جمعة حتى تنتفع به كل الأحواض والأشجار.

«غشاوة… مرض… دنائة… لقد حولوا هذه البقعة من الوطن إلى ميدان لأخبث المؤمرات والدسائس، تراهم بزبد الكذب على أفواههم العفنة… ليتهم يعودون لذواتهم… مرقوعون يعميهم لمعان الدرهم… يحجب عنهم رؤية الأشجار الواقفة ضدا على كل الرياح والزوابع… يزداد القلب ألما ويزيدونه تجريحا عندما ترى بين زمرة الانتهازين شباب ممن لهم شواهد… ولو بقيت قيد الحياة يا ولدي لبكيت ولعنت الجامعة وما يأتي من عندها…»

– دعه لمكره ولعنة اليتامى، عاقبته لوزة مرة.
– كلام الغريب جميل، من تكون يا سيدي؟
– أنا غريب تائه وصلت هذا القصر. وسيدي حساين فاتحة تعارفي بأهله.
– لقد هداك الله وبعثك إلى أحد ابنائه الأوفياء، مرحبا بك في دارنا.
– إنه بهى ومن لا يعرفه يا أبا المكارم، ولولاه لحصلت الفتنة بين هؤلاء البؤساء وماتت الواحة.
– سألتحق بكما ريثما أحول المجرى إلى أحواض باسو، هو الآخر يشتكي، قال إن أحواض طماطمه يبست.
– قل له أن سرعة الماء تنقص في فصل الخريف وأن الريح هي السبب.
– وهل هذا صحيح يا بابا عمي؟
– لست أدري، اسأل أبا المكارم.
– بابا عمي يمزح لما يدرك أن غشاوة ما بدأت تتسرب إلى دماغي من كثرة العياء.
– بهى طفل وديع، يشبه مراد الذي سأظل أتذكره أينما وصلت ولطالما حييت.
– ومن يكون مراد هذا؟
– يتيم ذابل، أكبر ذوابل أرملة تدعى عائشة، ترك المحفظة وغادر المدرسة، ثم التحق شخصيا بمالك الشركة التي استخدمت والده خلال حياته من غير أن تأمنه حين سقط من أعلى قبة كان ينقشها بجبس مذهب ومات. التحق بمالك الشركة وطلب منه أن يعوض أباه. ومنذ بدأ العمل وهو المعيل لإخوته الذين تابعوا دراستهم بنجاح وامتياز. لم يكن يرضى لأمه أن تخرج وتعمل في دور الأغنياء الفاحشين. أمه يا سيدي، تستحق عيدا لوحدها، وكذلك تستحق الجنة. تعلم مراد الصنعة في وقت وجيز، وذات يوم، التحق بورشة أخرى وترك النقش على الجبص. سألته لماذا بدل الصنعة، أتدري ما كان جوابه؟ قال لي: “إن لعنة والدي كانت تطاردني، حمدا لله أنني ربحت الصنعة، وإني تركت الجبس لأقبض على الحديد.” . ومرت أيام ومررت بالقرب من الورشة، وإذا به يناديني من خلف السياج قائلا: ” يا أبا المكارم، إن القضبان بدأت تلين بين أصابعي وإني أزوج القضبان وأثلث الأسلاك وأتقن العقدة، وأما الملقاط فقد تحول إلى قلم بين أناملي، وغدا سأزوج الجبس بالحديد.” . أنا أذكر يا سيدي أن ابني الطاهر كان يسميه بالفتى البروليتاري.

– وماذا تعني هذه الكلمة يا أبا المكارم.
– لست أدري بالضبط، لكن ابني كان يرددها كلما اجتمع الطلاب من حوله. أخبرني يا سيدي حساين، بهى ليس ابنك من الظاهر؟
– حكاية طويلة ومن غير نهاية، بم أخبرك؟ هو في الحقيقة ابن أخي، وأخي كان رجلا حرا طيبا عاش على كرامته، كان طويل القامة، عريض الكتفين يعمل كالمجنون، يمشي كالمحارب حاملا معوله على كتفه، كل الرجال كانوا يخشونه. لقد تزوج بأجمل بنات القصر وطلقهن ليستقر عند عبوش التي لم يكن سنها يتجاوز الرابعة عشرة، هي لم تعرف شبابها، الطفولة فالأمومة مباشرة ضاع منها حق عظيم. العشق في الصحراء يا أبا المكارم يأتي مبكرا يختال بين النخيل والسواقي.
– لاشك أنها عانت كثيرا عند إنجاب بهى !
– ليس هذا هو الأهم يا أبا المكارم ، الأهم هو أن أخي مبارك هو فاتح عهد الزواج المختلط هنا. ” قطعة فحم تتزوج بزرقاء اليمامة ” هكذا قال كل المغرمين بها.
– إذن بهى ابن أخيك المرحوم؟
– وأنا عمه وأبوه، تزوجت عبوش بعد وفاة أخي. كنت أخشى أن تضيع ويضع معها الأولاد. بهى لا أعتبره فاشلا، لقد خلقه الله للحفر والقلع، وزهراء لم تذهب إلى المدرسة، الحكومة بنت قسما منعزلا هناك قرب الخزان، عندما بلغت زهراء العاشرة من عمرها. الخطأ تتحمله الحكومة يا أبا المكارم، الله لن يضيعها إذا ضيعتها الحكومة. وكم كان أخي يتمنى أن يذهب أولاده إلى المدرسة، كان يحسب لتربيتهم ألف حساب، تمنى لبهى أن يكون معلما في القصر ولزهراء أن تكون ممرضة، لكن هيهات!
– لقد فعلت حسنة يا أبا المكارم عندما تزوجت بعبوش !
– ومع ذلك فقد تعجب الناس للحدث. الشريعة واضحة لكن تعامى عنها كل الخلق، للأسف. لقد قبلت الزواج بي من غير أن تراودني عن نفسي. بهى كان السبب في زواجنا. ذات يوم قال لي: ” لماذا لا تتزوج يا بابا عمي؟ “. أخبرته أنني صفر العينين، وأن لا واحدة تقبل أن يكون والد ابنائها أعمى بصيرا. قلت له الحقيقة كما كنت أفكر فيها، لكنه أردف سائلا: ” وهل يسمح ربي بالزواج لأمي مرة ثانية؟ “. أخبرته أن الله سبحانه وتعالى يسمح شريطة أن يعتني زوجها الثاني بفلدات كبدها. حينها تنهد وانصرف.
– وكيف تم التراضي؟
– رفض جد بهى أن ترجع عبوش إلى دارته بعد موت أخي مبارك.لم يرحم بها إخوانها ولم يستروها ولاتولوا رعاية ابنائها. كانت المسكينة تظن أن والدها سيتراجع ويصل الرحم بالحفدة.قلبه كالحجر الذي من حولنا، بهى كان يعاكسه الطريق ولا يبادله السلام والتحية.
– وما أوصاف عبوش؟
– مختلفة بإختلاف الذين وصفوها لي يا أبا المكارم، ويبقى صوتها رقيقا مفعما بالحنان.
– وكيف تم تعاقدكما، وكيف توسط بهى؟
– الحقيقة أن عبوش بدأت تعطف علي أكثر لما رفض والدها أن يستقبلها في دارته، وكنت وقتئذ أعمل كالحمار حتى يسعد الابناء وتترمل هي في كبرياء فلا يدخل القهر دارتنا.
– الحمار؟ حاشى معاذ الله !
– كالحمار بكل ما يملك من حب، ومروءة، وإيثار، ورأفة.
– وكم من شاب رد على هذا النعت ولقي من المحن ما يسلبه حقوقه كإنسان. أعلى درجات الإهانة، يغضبون فتحصل الكوارث ويبقى الحمار غير مكترث بالذي يحصل.
– المهم يا أبا المكارم، كنت أعمل كالحمار وكنت أوفر لعبوش كل ما يحتاج إليه الأولاد. أهملت نفسي واستعبدتها من أجل تحريرهم وإبعاد الضيم عن نفوسهم. كانت عبوش تستقبلني عند عودتي في المساء، وكنت بدوري لا أنام إلا إذا داعبت زهراء وحملتها بين دراعي. ألفتني عبوش معيلا لأولادها. تصور يا أبا المكارم..، مباشرة بعد موت أخي وصل رجل من قصر مجاور وطلب يدها من والدها. أرسل لها هذا الأخير مع أحد أصدقائه ليبلغها الخبر، أو تدري ماذا كان جوابها: ” قل له من فضلك أن عبوش ترفض أن تدخل رجلا غريبا على ابنائها، كما ترفض أن تدخل دارته أو ترجع إليها. قل له من فضلك أنه ما دام حساين حيا يرزق فإن الأولاد لن يموتوا من الجوع وسيشبهون والدهم وعمهم في كل شيء، أخبره أنني لن أرجع حتى لو عجنت لابنائي خبزا بتبن وتراب. “. لا يزال هذا الكلام يحفر في قلبي. كان الأولاد ينامون ونبقى لوحدنا نفكر في مصيرهم. لازلت أذكر كلام كل ليلة على حدة، أتذكر أنها قالت لي: ” يا حساين، إنك إذا مت فإني لن أرتاح أبدا، وسأبقى عمياء بما يحيط بي.” قالتها ووضعت رأسها في حنان على صدري اليابس. قلت لها: ” يا عبوش، إنها أول مرة تضع امرأة رأسها على صدري.” قالت: ” دقات قلبك كدقات مهراز يا حساين. ” أخبرتها: ” للمهراز دقات بفعل النحاس الأصفر والشظايا.” قالت:” هي دقات غير عادية.” أكدت لها:” إنها دقات من غبن وقهر.”، وبعطف جميل قالت:” لقلب مبارك نفس دقات قلبك الحنون.” قلت لها:” ضميه إليك إذا كان كذلك.”.وضمته بحرارة يا أبا المكارم، فقررنا قدرنا بالهمس واللمس وإننا معا نحمد الله على هذا القدر الجميل والصعب.
– وكيف كان رد والدها لما علم أن عبوش ترفض العودة إلى بيته؟
– كان مريضا، ومات بعد أسبوع، ربما من ألم الخيبة. طلب منه كل الأحباب والأصحاب أن يسامحها قبل شهادته فرفض. لم يكن موكب جنازته عريضا، وكذلك زارت النساء قبر المرحوم في اليوم الثالث ولم تكن عبوش بينهن. قال الناس إنما جحدت عبوش وصار فلبها من حجر.
– وماذا قال الناس في حقك؟
– لم اسمع شيئا، بقيت أحمل “فطورا “إلى دارة الفقيد لمدة أربعين يوما، عبوش نفسها هي التي كانت تهيئ كل شيء. هي التي إختارت دبيحة اليوم الأربعين، رأس القطيع، دمان حر، كل هذا وعبوش جاحدة !. غسلت الجثة بيدي، مات والدها المرحوم ذات جفاف قتل النخل والأحواض، وأجف ضروع الأبقار والنعاج، كانت السنة عسيرة وقد كلفنا غسله ماءا كثيرا. مات المسكين على مرض خبيث، الله يرحمه ويسامحه عناده وتصلبه.
– سبحان الله العظيم، أقدارنا لا تختلف ياسيدي حساين، وإني إلتقيت بها في منامة وإنها في الجنة.
– تحدثني عن المرحومة زوجتك أظن !
– قليلات هن النساء اللواتي ستدخلن الجنة. زينب في الجنة. لقد إستفقت على فرحة عارمة، هدأ بالي وارتاح مزاجي، كانت زينب أما رؤوفا كعبوش بقيت حافظة للعهد مصونة للشرف، كانت حبيبة الروح حقا وحقيقة.
– لست أخفيك يا أبا المكارم أنه إذا ما غابت عبوش أو رحلت تعتمت الدنيا وانطفأ مع رحيلها نور قلبي، إني أحيا بعبوش وأتنفس بالأولاد.
– سبحانك يا جليل يا مانح الحب والوفاء !
– لقد إعتدوا ثانية على عبد الله يا بابا عمي !
– وهل تعرف المعتدين؟
– لقد مروا على مقربة مني غير متظاهرين بما اقترفوه من إعتداء
– احذر من أن تخبر عبد الله باسمائهم !
– إنه عبد الله يا أبا المكارم، معلم وصل من مكناس كذلك، وإنه يداري ويعاني من مضايقتهم والحنين إلى الاسماعلية. أكثر من عدوان تعرض له، وإنه يشكو من مرض يسكن عظامه ومفاصله. نفس المعلم خرج بالأمس ليشتري سجائر فرجمه كل الناس.
– والسبب ؟
– إسأل دماغهم الوغد، لقد هرب المسكين ودخل خزانه، ذنبه أنه كان لابسا سروالا يكشف عن ركبتيه. قال الرجال أن المعلم كافر وإنه يجلب أنظار النساء وقد حق رجمه… المهم يا بهى أنت برفقة أبي المكارم ريثما أعود…
– مرحبا بك يا سيدي.
– وهل أنت تعرف هذا المعلم حق المعرفة؟
– بالفعل وهو شاب طيب تجده كل مساء في الواحة يقرأ أو يتأمل في الواحة أو في السماء، سنلتقي به وتتعرف عليه بدورك.
– إنه ربما يثير حفيظة سكان القصر ببعض أفعاله؟
– أفعاله لا تختلف عن أفعالهم، بل إنهم يبالغون أكثر منه ! ولأنه غريب، فإن كل السواقي تصب في نهره.
– إنه يتعذب من غير شك؟
– وأحيانا ينسى أنه مرب، يخرج إلى الواحة والعصا والسكين من تحته. ناقش المدير في الأمر ووصل القيادة مرات عديدة، ولا أحد ساعده أو فرّج عنه قهره وكربته. قال له القائد:” أنت لا تتخاصم مع فرد واحد ولكن مع كل القبيلة، ذكرها وأنثاها.”
– إنه لاشك يشاغبهم في أعز الناس إليهم، نسائهم !
– لكن هن اللواتي يزغن عنه. ومرة قال لي إن أم تلميذ بعثت له برسالة. أو تدري ماذا قالت الأم لابنها:” أطلب من المعلم أن يعلمكم هذا النشيد.” بيد أن الرسالة كانت تحمل ما تحمله؛ موعد عند شجرة المشمش بعد آذان العشاء. عبد الله معلم مخلص وشاب طيب رغم كل هذا… ها بابا عمي رجع.
– صليت صلاة الضيف ودعوت لعبد الله بالنجاة.
– إنه مغامر يا سيدي حساين !
– أحيانا يصلني عند البئر أو عند النخيل ومعا نتحدث، نتحدث عن هموم الدنيا وأطوارها. أذكر يوم وصل إلى هنا، قالت لي عبوش إن وجه المعلم أخضر ممتلئ وإن كل بنات القصر تحمن من حول خزانه.
– وكيف حاله الآن؟
– نفخ البرد جسده ومسحت رياح الشوم ملامح وجهه، ثم إن الشيب عم رأسه والله يعلم الآتي، سيزورنا وتتعرف عليه… حدثني الآن عن مكناس الجميلة.
– زمانا كانت جميلة كوجه عروس، الكل يتمنى زيارتها، النعناع في الأحواض، والدروب، وكل الشرفات. مكة والناس كانوا يقولون عنها، واليوم حزمة نعناع تساوي درهما بأكمله، تبدلت الأحوال وعمت الأوحال، لقد سرقوا منها رونقها وجمالها، وزادها هذيان وتكالب بعض منتخبيها قبحا لا يطاق ولا يحتمل. ثم إن عبد الله قد حدثك بهذا من دون شك !
– أبدا من طبع عبد الله التكتم والإستماع للآخرين.
– قرة العين تناديك يا سيدي حساين.
– هي القرة وبها أبصر، تناديني للبن، وجبة الشرف تخيف وتبعد الشياطين.

«” انظر إلى وجهه ثم اشرب لبنه”، هكذا كانت تقول والدتي رحمة الله عليها… الذباب يتكاثر من حولي… يتبع اللبن والتمر إلى أي مكان وجده… ملتصق بنا وبطقوس شرب اللبن مند زمن العرب الأول… السيد حساين يكرم الإنسان والحيوان على السواء… يبدو أنه لم يحذّر ذباب بيته من الالتصاق بالضيوف ومضايقتهم لما لم يستعمل مبيدات… يحوم في أرجاء الغرفة ثم يرتاح عند الزربية… أكاد الآن أعرف بعض الذبابات… الذبابة عند الوسادة تنظر إلي باحتشام… الذبابة هناك تتحاشاني ولا تقترب مني إلا شاردة… وحدها ثلاث ذبابات تطير على مقربة من أرنبة أنفي وترسل طنينها… طائرات حرب أكاد أعتبرها… الأولى عند العتبة تلتهم حذائي وجذام جواربي… كلما ألمت بها دوخة طارت سكرانة لترتمي على الزربية… الثانية غبية رغم كل مناوراتها… غبية حتى في نشوتها… تقترب مني ثم ترسل طنينها… تحاول أن تدخل ثقب أذني شغبا… وقبل قليل وضعت تفاحة يدي على أذني… اعتقلتها للحظة ثم أطلقت سراحها بعدما أدبتها ولم أقتلها… هي الآن تنتقل بين الصينية الصفراء والصوان الحديدي… ترتاح فقط عند الزربية عند كل مداعبة أو وجبة جنس… الذبابة الثالثة أمرها خطير… ذبابة جاسوسة… ولو أنها حصلت بين يدي لمثلتها أمام القاضي سيدي حساين، وحكم عليها بيوم، بشهر في غرفة الخنق حيث رائحة الكبريت والكافور… تتجسس على سيدي حساين من مراح الدار، ثم تقصد الذبابتين لتخبرهما بقرب وصول اللبن… طلعة العيد… الوجبة المفضلة… هي أحكمهم وأخطرهم… ها هي ذي تدخل في استنفار… طائرة تحمل جنودا أسرى… تنزل كما تفعل طائرة على ظهر بارجة حربية بعد سداد مهمتها… انكمشت في تلبس مفضوح بعدما أسكتت محركها… السيد حساين وصل… كما لو أنه ينزل لتوه من طائرة بعد أن سدد مهمته بنجاح…»

– أنا أتيتك بلبن طري، عبوش أضافت له ملحا على شرفك، تفضل خد القدح. عبد الله قال لي إن العرب القدمى إستعملوا نفس القدح لشرب الخمر.
– باسم الله ما لم يكن خمرا، الرائحة تبعث على الانتعاش.
– صحيح إنها رائحة طيبة تمنح توازن التنفس وتحفظ البصر. صانع هذه الأقداح رجل مسن يسافر على متن بغلته بين نقطتي بوغافر ومرزوقة عبر تنغير وألنيف والريصاني. مرشدك في أعلى درجات التيه، لحيته بيضاء وإنه يقسم إن لهذا الخشب المبارك فضلا كبيرا على عينيه اللتين حفظتا البصر. ينزل عند عبد الله كل يوم سوق، يبيعه أشياء ويهديه أخرى، ويبدو أنه يحكي له أطوار المقاومة في جبل صاغرو كما عايشها بنفسه.
– هذا الذباب ياسيدي حساين يزحف كعسكر الاحتلال.
– بهى يقتل ويبيد ولا مفر، ثم أنت تعلم عشق الذباب للبن. يكاد يكون له الشرف قبل الضيوف. بهى يعتقد أنه أتى على أخر ذبابة فإذا بالذباب يصل أسرابا أسربا.
– إنهم معزيون عندما يكون اللبن سببا في وفياتهم.
– قالها بهى ذات يوم، قال إن الذباب الذي يلقى حتفه في جبهة اللبن شهيدا في عرف سيرة الذباب.
– والحق أنني كنت أعتقد أنك ستعطف حتى على الذباب !
– معقول؟ وإلا عطفت على الأفاعي والحيات. عندما تكون في الصحراء يا أبا المكارم يجب عليك أن تحتاط حتى من الصديق، ويا كم من صديق قتل صديقه من أجل جرعة ماء، اشرب لبنا يا أبا المكارم. ها عبد الله وبهى قد وصلا !

«تراءت لي الواحة واشتقت الوصول إليها… حسبتني أتجول في أروقة الجنة عندما يطلع عليها البدر العظيم… تمرات بلون الذهب في أعلى تغازل ملوخية طرية في أسفل… ملوخية انتشرت على سيقانها نقط حمراء بلون دم الغزال… مشينا على آثار الحصاد… براسيم برؤوس مشوكة كانت بين الفينة والأخرى تنغرس في كعبي… تذكرت الطفولة الأولى… كان السيد حساين يبطئ الخطو كلما مشينا على حوض قمح أو فدان شعير حتى لا يتناثر الغبار وتطلع الملح… بدأت الآن أتحسس المكان… موطن قبر كابر… وأما الزمن فنهر يجري ماؤه بتعاقب الليل والنهار ومساومة الأيام للأيام… قلبي ينبئني برحيل لاحق… قلبي مشى وسبقني إلى هناك… إلى حيث لا أدري… عيناي ترفرفان كما تفعل كل أعلام المطارات والمرافئ… تزفان مجيء غريب ما… فردة حدائي مقلوبة تخبرني بسفر لاحق… إلى أين؟.. لست أدري… كل الطرق ممنوعة فقط لأنها لا توجد… أريد أن أرحل… أريد أن أتيه…»

– السلام عليكما، وهذا الوجه الطيب أعرفه يا سيدي حساين، إنه أبا المكارم.
– سبحانك يا إله، أنت خلقت الفراق في فلوات الصهد وخلقت التلاقي في أقسى الغربات ! من أنت يا ولدي؟
– عبد الله الخربيطي، حفيد حمان الخربيطي.
– من لا يعرف جدك في مكناس وجب أن يرحل عنها.
– لقد أخبرني بهى بالذي حصل، هل تعرفت على أحدهم ؟
– أخفاهم عني غسق الغروب والجريد المتراكم، البعض لاذ بالفرار، والبعض الآخر اعتمد الحفر متظاهرا ولم أتبين ضاربي صحيحا.
– تصفية حساب يا ولدي !
– ذهبت فقط لأجلب الماء من البئر، ولأن نساء كن يفركن بالصابون ترددت قبل أن أخترقهن وأدلي بدلوي حين سمعت خدجو تقول:” والله لن يفلت هذا المعلم من وشيجتي”، وصلني هذا الكلام ورجعت من غير ماء، ومن حيث لا أدري وصلتني حجرة فسال دمي، وأخرى فانتفخت عيني، بقيت منكمشا أجمع الحجارة قبل أن أفطن للفرار وألوذ به.
– خد لبنا يا ولدي، أنت تعرفهم، لا يغبطون إلا إذا سال دم الغريب، الحسد يأكلهم ويقتلهم.
– احذر من أن يشغلك العدوان عن تسديد واجبك !
– هذا موضوع آخر يا أبا المكارم.
– لكن أخشى أن يؤثر هذا عليك داخل الفصل.
– شكرا على التنبيه يا أبا المكارم.
– وما الحل في نظرك؟
– لو أني أدري ! إنها المرة الخامسة التي أتعرض فيها للعدوان، وفي كل مرة أكون مظلوما، أتعسني وأضعف قلبي قهر هؤلاء الأنذال.أكره، أكره يا أبا المكارم أن أتربص بالإنسان، أريد أن أتفرغ لنفسي، لواجبي في طمأنينة، يكفيني الحنين وعذاب العزلة. حتى القائد يرفض أن أعقد شكاية، أنا ضمدت الجرح ونشرت عليه مسحوق فلفل أحمر، وبعد أسبوع ستتبدد زرقة العين ويلتئم الجرح. حالة القهر التام كما ترى.. حالة مذهلة يعيشها معلم في وطنه، حالة الإقصاء التام.
– دعك من هذا اليأس، خد لبنا يجلي الشياطين من حولك، إنهم يلتفون ضد الغريب، قلتها لك وأكدها القائد.

«غريبان عبد الله وأنا… يا للقدر اللئيم… تعترض دوما سبيلنا مخلوقات برية تدعي أنها تملك دماغا وقلبا… تشعله باللهب وتفرشه بالمسامير… لهذا الجيل مقاومة من أجل تثبيت الروح وجدوى الوجود، ومن أجل الحصول على قسمة خبز ولو في أقصى درجات العزلة…»

– سبحان الله يا أبا المكارم، أينك من جمعنا؟
– واقع عبد الله يحيرني يا سيدي حساين.
– بهى لم يكن بعيدا، لاشك أنه تعرف على أحدهم.
– أبدا، كنت منشغلا في تحويل مسار الماء يا عبد الله.
– وفيما سينفع يا ولدي إن أنت تعرفت عليهم؟
– طبعا لن ينفع في شيء مادام القائد لا يتدخل إلا عند كل جريمة قتل، الضرب والجرح وجبة يومية لا حساب ولا عقاب عليهما. من لا أثر له لا شرف له، مللت هذه الأرجاء، ولولا أمثال السيد حساين لاحترق القلب وتقتم الوجود.
– لك حيلك لكن تحاشاها ولا ترد على العدوان يا ولدي.
– حيلي كثيرة لكني لا أنفق منها، ولو أنني فعلت كنت شنقت كل من يعكر صفو مزاجي وصلبته.
– عبوش تنادي يا رجال، تعالى معي يا بهى لنحضر الغداء.
– سأفعل يا أبا المكارم، لن أناقش أحدا، وإنما سأحتاط كثيرا. ليس لي عون في هذا الخلاء. اسمع وقل لهم في الوزارة وفي كل المدن إن المعلم والمعلمة يعيشان حياة إضافية حيث تمارس عليهما كل الإهانات. حياتي خيط أسود يمتد بين نقطة الولادة وأجل الموت. أفكار لا ترحم تنخر جسدي، الدم يتجمد في عروقي. قلبي لا أستعذب دقاته. أسائل نفسي وأباغتها، فأدرك أن الحياة خطيئة فلا أرضى بوجودي. كلنا تائهون. القلب يتشرد في غياهب الشجون وأروقة الحقد، وخشونة الصحراء. طيبوبتي بدأت أفقدها ولا أتحسسها في أحشائي وإني أخشى هذا. الواجب تحول إلى لعنة وإن علي واجب الرد على اللعنة. من أين لي بأن أحافظ على حياتي وأزاول مهنتي في طمأنينة. الرغبة في الحياة أضحت جديرة من واجب التربية والتعليم يا أبا المكارم. تغيرت كثيرا من يوم وصلت إلى هنا، إلى شبه المكان. النسيان ينسج رثيلاء، العقل تستولي عليه الحيرة. وحق ذاكرتك وذاكرة أجدادي إنه أصبحت لي أكثر من ذاكرة، كلها للنسيان، للارتكان وإن هذا يؤلمني… اليوم يمر بي وأعتبره ضاع مني أو أني ضعت فيه… .
– نبرة كلام ولدي المرحوم أشمها من لسانك ياولدي، اعتمد الآن مروءتك، السيد حساين قادم.
– أتمنى فقط أن تزورني في مسكني، شرف كبير !
– سأفعل وسيقدم السيد حساين معي.
– إلى أين يا أبا المكارم؟
– إلى الخزان، كما لو أنه أبي الذي نزل عندي، إنه أبو المكارم، الوحيد الذي بقي من جيله لا يحمل غباوة ما.
– لا يا ولدي سأرحل إلى الالحزبان، إنهم ينتظرونني، العطش يكاد يفتك بأطفال القصر.
– سيصاحبني أبو المكارم إذن، حسن قد يصل بدوره، لقد وعدني بزيارة.
– تفضلوا يا رجال لنقتسم الخبز.

إذا حضر الطعام رفع الكلام
«سبحان الله العظيم… الرجال تلتقي في القواحل… لا أحد يدري أين ومتى يفقد أعز الناس أم الحيوان إليه… شربت اللبن يا كابر… إني أستحضرك اللحظة في هذا الجمع… يتراءى الآن لسانك وهو يفرز لعابه، وذيلك يرقص ويلهو… أتذكرك ويصب عرقي من جوع قلبك إلى ألفتي… يقولون يا كابر إن الملوخية تفتح باب الشهية على مصراعيه وتبعث على الأكل الكثير… لا أستعذب طعم النعمة في غيابك… يعز علي أن لا أجدك بجانبي فأمدك بقطعة لحم تارة وملوخية تارة أخرى…»

«إنه أبو المكارم حقا وحقيقة… لاشك أنه هرب من السلطة… إنها ربما تلاحقه… لم يسبق لي أن رأيت غريبا بهذه الصفة في هذا القصر… حتى التائهون يتحاشون هذه الأرجاء… مكان يصله فقط السجناء ويمر منه السياح…. سأناقشه عندما يصلني إلى خزاني… إذا كان ما أفكر به صحيحا، سأصاحبه إلى بيت حسن… حسن لن يتردد في إخفائه عنده… حسن وحيد في الحزبان تقتله الغربة وتخنقه العزلة… تكاد الكتابة أن تفتنه… قال لي، لولا شخوص روايته لقتلته العزلة… هو يكتب عن التيه…»

«ستعيشون يا أطفال الالحزبان وستكبرون… احفروا فالماء موجود في أحواض قاحلتكم … ها أن قادم فافرحوا… سترجع الخضرة إلى أحواضكم… ستجري المياه في سواقيكم… سيتزوج الشباب ويتكاثر ويكبر قصركم… ها أنا قادم لأعين مواقع الماء وأعود لإكرام ضيفي ورعاية أولادي… أنتم تعلمون أن لهم حقدا أسود على بهى لما لم يرجع إلى دارة جده…»

«انتهى معك كل شيء يا كابر… حسن يكتب رواية عن التيه… لولاك يا حساين لانطرحت محموما مريضا بعد هذا التيه… حسن سيفرح للقاء بأبي المكارم، وقد ينفعه في عمله الروائي… الإنسانية في حاجة مستعجلة لأمثال السيد حساين… سأزور باسو في بيته وأقنعه بضرورة التخلي عن شراء الأربع أحواض من يامنة حمو… أطفالها صغار وأبوهم مات… أبو المكارم شخصية مثقلة بأخبار المدينة سيجد لها حسن مكانة لائقة بين شخوص روايته… محكوم عليك يا عبد الله يالمآزق والمنعطفات… سأحدث بهى بما وجب القيام به إلى حين عودتي من الحزبان… هو يعرف جدي وقد قاوم معه في ساحة الهديم وفي سراديب جناح الأمان… سيطلع الماء ويسيل دم الدبيحة… وصول أبو المكارم اغتال الحنين إلى مكناس في لحظة واحدة… لنبرة صوته أنفاس الصدق والحنان… هو ماؤها الزلال… هو هواؤها النقي… بصير له من الإيمان وفرة ومن الطيبوبة كثرة… أينك يا كابر لتشهد لحظات حرجي المريرة… مجموعة من الشخصيات المعروفة مرت من هنا… هنا إستقر علال الفاسي ومحمد الفاسي والمهدي بن بركة لقضاء مآرب وطنية في معتقلات ألنيف وأغبالو نكرداس… من هنا مر الطاهر بن جلون، إدريس الشرايبي لأغراض سياحية وأدبية… عبد الله لن يحتمل العيش هنا وإني أخشى أن يتخلى عن وظيفته… بهى سيرعى الضيف ويكرمه أثناء غيبتي… المنفى… الإبعاد… فرنسا الشرسة وصلت إلى هنا… مريم أخبرتني أن أبا المكارم يهتم بأحوال الفقراء من عمال وفلاحين وعاطلين، وبأحوال المرأة… كابر يا ولدي إن من لا أثر له لا شرف له… يحسدونه لأنه قدم من الغرب وأنه نظيف ومتعلم…»

– كلما حضر الطعام رفع الكلام.
– كنت ساهيا في أمر عبد الله، يحسدونه، هم يتوهمون أن كل الذي يسكن الغرب سعيدا.
– أخبرهم يا سيدي حساين أن الغرب بيت نار، وأن الذي يسكنه يأكل الحرام وهو محروق العظام.
– عبد الله ربما يجهل هذا ويطلبني أن أدعو له بالانتقال عند كل صلاة.

«رجل طيب هذا التائه الغريب… نبرة صوته لا تبيع النفاق ولا تشتريه… عبد الله بدوره نظيف وأنا الذي أمده بالماء… مخالطته لبهى كانت بفضيلة… بهى يبدي اهتماما بالحساب وبالكتاب… بهى تعطل، أتمنى أن لايكون باسو قد إعترض طريقه… سبق وناقشته في كمية الماء التي وجب أن تستفيد منه أحواض الحناء التي اشترى مؤخرا… أخبرني أنه لن يتنازل حتى ولو كلفه ذلك المثول أمام القاضي المقيم في ألنيف… تصلب … عناد… “معزة ولو طارت في السماء “!.. لقد حذرت بهى من العراك مع ابنائه… ومرة نعته أحدهم بالعبد فنزل عليه عياء وبكى ونام مبكرا… أخشى أن يتكرر هذا أتناء غيابي… لن أسكت المرة اللاحقة… يتناسون أن أجدادي استقبلوا أجدادهم بالذبائح والزغاريد عندما نزحوا إلى هنا هروبا من القحط ومن الجفاف… يتناسون هؤلاء الأندال أن وصول الماء تزامن مع استقرار أجدادي… معهم لقح النخل وغرس قصب الذرة ومعهم تحقق حد الكفاف… لا أرغب شيئا منهم… أن يضمنوا لي حقوقي وحقوق ابنائي… إنهم الآن من أهلي ودمي ولابد من اقتسام الرزق بقسط وتعادل…»

– بهى تعطل يا جماعة !
– لن يلحقه سوء بإذن الله !
– سألحق بالواحة وأصاحبه إلى هنا.
– احذر أن يصيبك عنف الجاهلين ثانية !

«قبر كابر في خطر… سأرجع وأثبته بأحجار إضافية… لا أريد لجثته أن تتحول إلى طعم لاصطياد الورل… السيد حساين على علم وافر بحقد أهل هذا القصر… يلقنون الحسد والحقد لابنائهم… أين نظافة الأطفال هنا وهناك؟.. لعنة الأطفال إذا مرضوا، أو تبلدوا على آبائهم… كم من طفل يطالب بصك رأس والديه وهو ما يزال في المهد، وهو ما يزال في الرحم… كم من طفل خرج ولم يعد؟..»

– هذا الصمت الكئيب يضجرني يا أبا المكارم !
– كنت فقط أعد ذنوب العباد وألعن الفساد الجاثم في الأرض.
– لا مفر، لا مفر، العباد مسؤولون على قصر الألم الذي شيدوه، هم بالكد والحسد بنوا صرح تعاستهم هنا وهناك.
– أخشى أن تدوس أقدامهم الجربة قبر كابر.
– خصوصا وأن المكان تصله الأقدام مند زمان.
– فقط لأن به شجرة؟
– نعم شجرة !
– ولو كانت شجرة الشوك؟
– لا يهم، شجرة بجدع وظل ينفع كثيرا عند الهجير، ومفترق طرق يقف ضد التيه أو يفتح عليه.
– أخشى أن تستعمل كحطب لخيمة رحل أثناء برد الشتاء الجاف، ثم إن الضرورة تخلق النار وبيوت النار، ما جدوى وجود جهنم إذا لم يحرق في ألسنة لهيبها الرباني كل من بغى وطغى. النار ضرورة ملحة، منها ما يداوي ألم البرد إذا استقر في الصدر وسكن المفاصل، ومنها ما يحرق لدرجة التشويه…
– لا تخشى شيئا، وإذا ارتأيت رحلنا قبر كابر إلى جهة آمنة !
– قبر كابر أقرب القبور إلى قلبي، فراقه صعب علي، لن أنسى لحظة انهياره وسقوطه على الأرض. الورم شمتنا معا. هو لم يئن وأنا لم أستشعر ألمه… حتى قلبي خانني ولم يعلمني بموته… أوغرت وافاته قلبي أحزانا وصدري ضيقا وقنوطا يا سيدي حساين، ماذا عساني أفعل بعد موته؟ سأتيه كالذين تاهوا، وأذوب كالذين ذابوا. لقد سقط المسكين ومات للتو. كل الزمن حصل في لحظة واحدة، في دفعة واحدة. المستقبل زحف إلى الخلف. مات كابر وتركني هائما في تيهي…
– لا تيأس يا أبا المكارم، إن لك البصر وبإمكانك أن ترى الغد على الأقل. موت كابر كان مزح قدر. الكلاب تتحسس أورامها بسهولة، وبالإمكان تدواي أورام الكلاب يا سيدي ما دامت هي تتحسسها كما تتحسس الزلازال والبراكين قبل الإنسان
– وهل بإمكانك تداوي أورام الكلاب يا سيدي.
– حيوانات أخرى بإذن الله. أجل كابر وصل ولا مفر اطلب له الرحمة والمغفرة مادام عاش وفيا مخلصا. توسل لنفسك النسيان والسلوان. وهل سيرده النحيب إليك؟ إنه ذهب كما يذهب كل كائن حي إلى متواه. قتلته حواسه والأجر على الله.
– بل ورمه.
– بلى، حواسه التي تخلفت عن تحسس ورمها قبل أن يقتنص كابر بما ملك من عبقرية فلا يمهله. لقد عاش بداري كلاب كثر، لازلت أذكرهم واحدا واحدا، كل مات على طريقته. لست أدري مصير خباش الذي منحني إياه أحد الرحال. أكبر درس في الوفاء يمنحني إياه.
– كذلك عاش كابر، وفيا كان نباحه يعلو نباح الكلاب، كان نباحه نباح من لا نباح لهم.
– لقد تعطلا الولدان يا أبا المكارم.
– وإذا التحقت بهما جريا وجئت بالخبر؟
– إنهم لئام، سيعتبرونك لصا أو طريدا، هم يتصيدون مثل هذه الهفوات.
– إنه وصل.
– وعبد الله؟
– سيلتحق بنا حالا.
– بالمناسبة، لقد قال لي عبد الله إن ابنك الطاهر معروف في الرباط وفي كل المدن.
– الله يرحمه، عاش شريفا ومات شهيدا.

«لقد زوده عبد الله بأخباري… ربما قال له إنهم دبروا له موتا… لاشك أنه قال له أشياء وأشياء… عبد الله بين المطرقة والسندان… من يوجد في موقع كهذا لا يسعه إلا أن يقول أشياء وأشياء… أن يزوج بين الصحيح والخطأ… بين الشائع والمسكوت عنه… أهواسه… آماله إذا كانت له آمال… كل إحباطاته وكل ما يلف بروحه ويقوقعها… مجدني ومجد أبنائي… ما المجد إلا كلام يورط اللسان ويعذب صاحبه حين تصله رائحة الاحتراق إلى الأجواف حيث يشتعل بركان المعدة، وتعلن القرحة كل حضورها ليتم بعد ذلك السطو على الذاكرة.»

– ما هذا التأخر يا عبد الله، لقد خشينا عليك عدوانا آخرا؟
– عدت للخزان لأطفئ النار على طجين بلحم البقرة. طامة كبرى لحم البقرة، كما لو أنك تمضغ قطعة من مطاط عجلات الجرارات.
– احذر يا عبد الله، أنت تذكرنا دوما بالسوء !
– أستثنيك من بين الرجال يا سيدي حساين، أنت من بقي يقيم الذبيحة ويعتني بكل المعلمين الذين تعاقبوا على قصر هذه البلدة الذي لم يكتسب رجالها جمالا ولا جميلا يذكران. أهله لم يحسنوا السيرة فيما تقلدوه أثناء المقاومة… لم يلتحقوا بجبل صاغرو ولم يرابطوا في بوغافر… العقل كاسد كالسوق… الأجساد نحيفة… الجلد فالعظم وبعدهما العناد مباشرة.
– أنت تثلج صدري لكنك سرعان ما تحرقه كلما تكلمت، تفرغ لحرارة اللقاء مع أبي المكارم، إلى الحزبان إنشاء الله !
– أبقاك الله حتى تروي كل البشرية عطشها وتعود طاهرة إلى ربها.

«إني سعيد حقا باللقاء مع أبي المكارم… وصوله اغتال كل أشواقي… وصل حين كشر القنوط عن أنيابه… غريبة هي الحياة… أبو المكارم في خزاني…. أب سلطان الطلبة في حضني… يا ألف مرحبا…»

– أين يوجد مقر سكناك يا ولدي؟
– هناك قرب تلك البناية.
– خزان ماء !
– هو محل سكناي بالضبط.
– تسكن في خزان يا ولدي؟
– حمدا لله أنه خزان ماء وليس خزان قمح أو براز. محروم من التأمل في السقف قبل كل نوم، نشوة ممنوعة. وقبل كنت أفترش الطاولات وأبيت في القسم.
– قد يفتك بك البرد يا ولدي فاحترس.
– البرد تلقفني ولم يمهلني، أما تراني منتفخ كبالونات عاشوراء. في مكناس، يقولون إنما أتغدى بالدجاج والبيض. أهل هذا القصر لا يمنحون شيئا، قلبهم حجر أسود لا يؤمن بالهدايا ولا بالوئام.
– لا تيأس يا ولدي، أنت معلم ومن المفروض أن تكون آخر من يستسلم. القصر قطيع وأنت الراعي. دعهم يقولون كل الأشياء، في فاس ومراكش وتطوان فيما أقرانهم في الخنادق والمتارس يموتون دفاعا عن وحدة تراب الوطن وتربية أبنائه. قاوم ولا تتقاعس، زمن المقاومة لم ينته بعد، وإننا نولد ذكورا لنصبح رجالا.
– لكني تعبت، تعبت يا أبا المكارم.
– كن صلبا كأجدادك، لا تخضع ولا تساوم، إني أتصور غص العيش في هذه الأرجاء.
– موت مع وقف التنفيذ، أعتبرني البندقية والطريدة، الورل والصحراء، أحيا في موتي وأموت في حياتي. الهوان يأكل ذاكرتي ويحولها إلى مستنقع… هو ذا ضعفي.
– يا عبد الله، اعلم فقط أن أحلى الأيام هي التي تقضي هنا. الغد يحمل دوما ندما لشباب أيامنا. لا ينتظركم فلاح يا أقران عبد الله إذا لم تشمروا عن السواعد… ستطوي الأيام الأيام، وقد تصبح مديرا في مدرسة الحبس القديم… سأفخر بك إذا بقيت على قيد الحياة، وإن كنت لا أظن أنني سأحيا إلى حين يوم عيد أقرانك وفرحتهم العظيمة. أحسن التصرف، نظف خندقك وسارع إلى حبه ليجلب لك النصر والاعتزاز.
– لكن خندقي نقطة تتقاطع عندها طلقات متوحشة، ولو شاؤوا لهدموا قسمي العزيز.
– لن يصل بهم الجنون إلى هذا الحد يا عبد الله !
– إنهم قادرون على فعل كل شيء، أنا أدرى بحد جهلهم وقساوتهم، إنهم رفضوا بناء المدرسة ووصول المعلم في البداية، منهم من حرق المقاعد وضرب المعلم واغتال فرحة المعلمة وشرفها.
– المهم يا عبد الله، إنك معلم وأنت الذي اختار الانخراط في سلك التعليم، فكر في الزواج علك تجد سعادتك.
– في هذه الظروف، أبدا. محكوم علي أن أبقى عازبا مواظبا كحسن.
– وهل تحب واحدة على الأقل؟
– التي أحببت سافرت وربما تزوجت، وإني لازلت أنتظر وصولها عبثا، من هنا تبدأ كل المغامرات.
– تنتظرها وأنت تعلم أنها لن تصل أبدا !؟
– لأتعذب بالحب وأتغذى به.
– ولماذا لا تبحث عن ثانية وتغدي قلبك. ابحث لك عن صدر حنون، انجب أولادا واركب قطار الحياة.
– لا أظن أن واحدة ستقبل العيش في قصر لا يوجد به حمام، وفي خزان كهذا، تفضل يا أبا المكارم، يا ألف مرحبا !
– بسم الله، أنت نظيف يا ولدي، هكذا أريد لبيوت الشباب أن تكون، منظمة منتظمة ولو بأتفه الأشياء، ولو في غياهب الصحاري والزنازن.
– إنهم يحسدونني على نظافتي، يعيبون على السيد حساين إكرامه لي بالماء متى طلبته وما لم أطلبه. أرجوك يا أبا المكارم، لقد رتبنا، بهى وأنا، لتأخذ حماما ونتكلف بغسل ملابسك. إنه شرف أن تحل بين ظهراني في هذه الوحشة من الصحراء، شاي بنعناع ينتظرك، ولا شك، سبعتنا على حرارة الحديث. اتبعني، الكنيف من وراء الخزان.
– والماء ؟
– إنه ساخن، رتبنا لهذا وبهى هو المنفذ. تفضل ستجد الصابون والمشط والكيس بالصحة والعافية !

«نظيف وإنه يقاوم… المسكين منتفخ كبالون… حياة كتلك التي عشت عندما كنت حارسا ليليا على سجناء ألمانيين في ميناء تولون… انتفخت رغم مقاومتي للبرد… كانت الفترة تمرينا عسكريا… لن أمنحه وصايا… شاب نظيف يحمل وصاياه… هذا الماء بلون ما وبطعم حامض… ماء بلون وطعم ورائحة… لو أصلحوه… لو رمموه… لو لم يسجنوه… لو أنصفوه… أعود بالله من الشيطان الرجيم، أحيانا أقول أشياء وأشياء لا أساس لها من الصحة… كان علي بعد موت الطاهر أن أقتل كل بذرة أمل في قلبي وفي عقلي… كنا، زينب وأنا، نترجى الكثير من وراء علم الطاهر… وعدنا بالحج المبرور… تمنى لنفسه أن يكون وزيرا في حكومة وطنية… عربي من المغرب، بهذا يحلو له أن يقدم نفسه في المؤتمرات… تراني ماذا أقول وما أفكر به في كنيف ضيق كهذا؟.. خندق صغير ضد الوسخ… كنيف نظيف، مربع الشكل… على جدرانه ملصقات وكتابات بكل اللغات… المرفع جميل يحفظ الملابس من التبلل… كل شيء في موضعه… ابني عمر كان يحب النظام ويبدع فيه… كذلك كان الطاهر… رحل الله يرحمه ومن تحته شواهده العليا، وفي دماغه نبوغ في الرياضيات والسياسة… عمر لم يكن يختلف مع الطاهر. كانا، رحمة الله عليهما، كلما تناقشا وحمي وطيس الكلام بينهما وصلا إلى نتيجة واحدة: حب الوطن وكل الأوطان العربية والإفريقية والإسلامية… «

– يا أبا المكارم، ستجد ماءا ساخنا خلف الباب، أبقى الله لنا السيد حساين، هذا الرجل الطيب.
– طيب وأكثر، تدبر أمرك، أما أنا ففي حاجة ماسة إلى حمام، لم أخف عنك وسخي، وإني مستعد أن أعرضه على كل الناس يا ولدي.
– الوسخ في الروح، وأنت لك روح نظيفة، الحديث يطول معك ولو عبر حيطان الكنيف.

«كما تطلع الشمس بعد عتمة غاب فيها القمر وانتحرت النجوم والأرصاد… سيصل يوم وتفرح وتنام في راحة الله… لا أحد يتمنى لك النظافة… قلوب من فولاذ، قلوب منعت على حامليها الألفة والحرارة… لن يطول زمن تنكرهم لك، تنظف عقول الأطفال من سداجة الزمن الصحراوي وغفلته عما يجري في كل المدن… قاوم يا ولدي لتنال هدوء المزاج… لن تنال منك خشونة الصحراء… لن تلدغ جسمك زواحفها الصخرية والرملية والترابية… ستعود بجلدك نقيا من كل كدمة ومن غير أثر… ستعود بعظامك من غير كسر ومن غير عوق… كل هذا الوسخ في عنقي !… بدأت بالعنق وانتهيت عنده… مشيت أياما وليالي… العرق نخب التائهين والفقراء وابناء السبيل… إبطي تفوح منه رائحة غير طيبة… الله يرحمها زينب كانت تحب رائحة جسدي… قالت لي إن للطاهر نفس رائحتي… لأستعمل الصابون المعطر وأنهي حمامي !.. الماء كان كافيا… حافظت عليه ولم أضيعه… وزني تقلص… راحة عظيمة أحس بها… جنبات قلبي ترتعد من الغبطة وإن كانت تسكنني ليال من غير ظلام ونهارات من غير ضواء… فرح بهبوب كل الرياح… في المدينة، لا أحد يتولى رعايتك عند أقصى درجات جوعك ووسخك ومرضك… هناك، أظافر الناس تكبر بسرعة… الأظافر تخدش حاملها قبل أن تخدش الآخرين إذا كانت تغذيها الرغبة في العدوان… المدينة تستقبل وتودع بالأظافر عند سوق الخديعة وكل المحطات الطرقية… هكذا طبعها، تحلم دوما بالغدر والامتداد… نشوتها في غضبها وعندما يتعالى عويل وصراخ ساكنتها… لن تجد من يتمنى لك غير وسخ كثير وألم مرير… لن تجد غير الذي يشتري منك المصلحة يا عبد الله بضعف ثمنها بعد أن يربت على كتفك، ويلمس سقف رأسك … لن تصافح من يعترف لك بتفوقك…لن يطرق باب دارك أحد إذا ما عجزت عن أداء ثمن ذبيحة عيد الأضحى… لن تعثر على درهم من أجل كفن غريب… التيه، هو ذا الحل… كل التباشير التي تلوح تعدني به… من ينظف خندقه، من يعرف من أين تتبول كل الزواحف، من يدري أن الله موجود حقا، وحده من أتى على ظلام الليل، ولاحق الفقر والجهل والمرض… عثر على سبيل التيه الجميل… ستغادر القصر سالما يا عبد الله ولن يلحقك عدوان آخر.»

– سأقوم بالوضوء وأقيم الشاي ريثما تصل يا أبا المكارم، الفوط معلق على المرفع القصبي.

«عبد الله يقيم الصلاة… سيجعلها الله له في الميزان المقبول… انقطعت على أداء هذا الركن مند أعلنت تيهي… كان يلازمني في مسجد الحي عند كل صلاة جمعة، رجال يتعطرون بالمسك الحر ويلبسون جلابيب بيضاء من حرير، ومع ذلك كانوا ماجنين في بيوتهم، خائنين لأصحابهم… أخشى أن أقيم الصلاة وأفرغ منها على سلام غير نقي مع من يجاورني… تيهي صلاتي… لم أجتنبها لكني أقيمها في قلبي… أنت تصلي يا عبد الله لتنال الآخرة… الدنيا إفتقدتها… دنيا من درجة ثانية… زمن من درجة ثانية… سأخبرك بمزيد من الأخبار عندما نجلس حول الشاي… المغربي من يقيم الشاي ويرتشف حرارة الحديث… سأحدثك كثيرا…»

– الشاي ينتظر من يغازله، بالصحة والعافية، الآن أرى وجهك حقا وحقيقة؛ أبو المكارم بذاته وصفاته، بحبيبات ندى الفجر على جبينه وأرنبة أنفه… اعذرني إذا أنت لم تستعذب كأسي، إنه بنعناع يابس !
– أنا لا أشترط شيئا، لكن اعلم أن الشاي من غير نعناع أخضر كحديقة من غير زهور، كشاب من غير عمل، كطفل من غير براءة وكمشي من غير نعل، وكأشياء أخرى تعذبني حين لا أجد لتداويها وصفة بجرثلة الأعشاب وزيارة الأضرحة.
– تفضل ورد علي إذا كنت أتقنت الصنعة ولو بنعناع يابس.
– بطعم حلو مر في نفس الوقت، يغلف جنبات اللسان لكنه ينعش صفحته، أنت خبير.
– وأنت تعلم على يد من تعلمت الصنعة طبعا، عن جدي وحفظة قصائد الملحون ورواد مقاهي الحصير.
– ويحكى أن كل من شرب كأسا من يد هؤلاء يموت، ويموت كذلك كل من لم يحظى بشربه.
– في هذا القصر يصنعون شايا أسود، ولو أني واظبت على شربه كنت خضعت لعملية جراحية، هم يستعذبونه، صغيرهم وكبيرهم، وأحيانا يمنحونه للرضيع حتى ينام.
– بهى وصل، لقد غسل الملابس، إنه من عشاق الشاي.
– والمطبخ كذلك.
– والفضل؟
– يرجع لك، وإنك علمتني مؤخرا كيف تطبخ وجبة السمك.
– كان علي أن أمنحه سمكا واعلمه كيف يطبخه. لن ينفع في شيء إن هو تعلم الصيد. البحر بعيد بعد القمر والنجوم. عندما يصل السمك إلى هنا، يتهافت عليه كل الناس، حتى ممرض القصر يفعل، الكل يشتريه ويرتضيه بعمود فقري في مهب رياح الشوم، يفقد رائحته ويعلن رائحة أخرى يعافها البحريون وعشاق السمك. ولو أنك شاهدت صاحب السلية كيف يشهر سلعته لضحكت كثيرا. يقول: ” أنا لا أريد أن تبقى في الصندوق سمكة، كلوا يا سكان هذا القصر السمك الذي جاء من بعيد ليصل الرحم بالورن والجمل، تكلف أيها الممرض بالميزان ولا توف الميزان… “. أشياء كثيرة؛ التلاميذ بدورهم يصلون بكثرة إلى السوق يوم يصل السمك. تتحول ساحة السوق إلى مدرسة، الكل يريد أن يشاهد السمك بعينيه ليتمثل البحر. اكتشفت أن وصول الأطفال إلى السوق يقلق البائع فبدأت أشتريه وأستدعي التلاميذ إلى الخزان حتى يشفوا غليلهم.
– هل يدخلون كلهم إلى هنا؟
– طبعا لا، أقف عند مدخل الخزان بعد أن أضع السمك على طاولة، ثم أطلب من التلاميذ أن يتقدموا مثنى مثنى، أن يغتسلوا أيديهم، ثم أن يقتربوا من الطاولة ويلمسوا السمك. دشنت عهد حملة النظافة عبر هذا الإجراء، وقد تراجع الأطفال عن الذهاب إلى السوق وعم إنفراج. وقد قيل لي إن القائد فطن لحركتي.
– أنت إذن تشتري السمك لغاية التعليم والتعلم؟
– وسيلة إيضاح فقط.
– احذر من أن تخطئ وتشتريه.
– لقد حذرت الممرض، قلت له إن الثلج يصمد ضد الذوبان إذا كان مرشوشا بالملح ولم يسمع، وفي الغد، أكثر من خدش كل جسده
– عبد الله يا أبا المكارم يكاد يكون معلم كل سكان القصر لكنهم لا يدركون. كل التلاميذ يقولون إن عبد الله لايضربهم ولا يسبهم، بل هو الذي نظفهم ولا يزال يعقد حملات نظافتهم.
– أنظم حملة نظافة على رأس كل شهر، القائد وصله نبأ إلحاحي على نظافة التلاميذ لأن ابنه نوفل يخبره بكل ما يحدث في القسم. هو لا يتدخل تقريبا في شؤون تدبير الماء إلا إذا حدث نزاع. يحجز تيار الماء مرتين في الأسبوع، تسقى خلالها حديقته ومزرعته، يمتلأ خزانه ويستحم كل أفراد عائلته وتتحول دارته إلى جزيرة تحيط بها أشجار اللوز والرمان والليمون.
– وهل يسكت السيد حساين على هذا التبذير ؟
– يتجرع المرارة ويبلع الغبن. لكنه قال لي إنه سيناقشه في الشهر السادس أو السابع، عندما يصل المهاجرون. هم يجلبون المال ويبنون المنازل، سيحتاجون إلى ماء كثير وللجزيرة أن تنجلي لا شيء يعلو على المصلحة العامة.
– لا أعتقد أن القائد سيتنازل يا بهى، هو عنيد، أنت تعرف طبعه.
– بابا عمي لا يرتاح خلال فترة فصل الصيف، كل مرة يضطر إلى قتل غوغاء القبيلة بحجة أن دار الإقامة ستستقبل فرق مكافحة الجراد، هذه المرة، ولو كان برنزيل بنفسه لتنازل وركع.
– الحق أن المصلحة العامة تعلو على كل مصلحة فردانية.
– هو يعرف كل هذا و “يتعامى”، يرفض أن يمنح رخص البناء خلال عطلة الصيف. هو ذا السبب في رحيل بعض سكان القصر إلى ظل الجبل، إلى بني ملال. لا يهم، طماطمه تأكلها الفئران، وبطاطسه لا تصلح لأنها تسقى بماء حرام.
– هذا ظلم يا ولدي !
– وقهر كذلك، مع العلم أن بالقصر فقراء عرمرم. تكون الشمس أمشاجا من اللهب فيأمر بملأ الصهريج، يأخذ حماما برفقة عائلته والضيوف ولا حسرة ولا ندم.
– والأفضل لو أدخل الفرحة إلى قلوب الفقراء ونال رضاهم.
– له بنات ولاندري ما هي عاقبتهن ؟
– ومعلم القصر، ألم يتقدم بعد ؟
– تدفعني إلى الزنازن والهلاك يا أبا المكارم.
– هي تصله إلى الخزان !
– من ؟
– كوثر، بنت القائد.
– أسكت يا بهى، أرجوك، إنها مراهقة وإني أخشى شر نزوتها.
– لكنها أرسلت لك رسالة قبل شهر.
– من فضلك يا بهى، أسكت، هل أسد فمك بشريط فلا تقول زيطا ؟ !
– دعه يتكلم يا ولدي، إنها أمور الحياة.
– لكن كوثر لاتزال تحن إلى طفولتها !
– دعه يتكلم، لم الحرج والإحراج ؟
– ذات يوم، جاءتني كوثر إلى الساقية و كانت تحمل ظرفا ثم قالت لي: ” أنا يبهى خجولة لما أقصدك لتكون واسطة وتزود عبد الله بهذه الرسالة. ” قلت لها: ” سأحملها إليه في الحين وإن شئت على صهوة فرس. ” فالت: ” والماء ؟ ” قلت لها: ” لعبد الله ماء الحياة ولا تفضيل بين المائين. ” ابتسمت ثم أضافت في شرود: ” قل له من فضلك أن يوافيني بالجواب. ” قلت لها : “سأفعل. ” كررت محتشمة: ” والماء؟ ” قلت لها: ” سيبعث الحياة على جنبات الغدير على حبكما إذا حصل، أنت تذكرين خريره في جنان المشمش.” على الفور أردفت: ” ما شممت وروده إلا زادتني شوقا وحنينا للطفولة. ” والحق يا أبا المكارم أنها مرضت ونقص وزنها، زرتها في بيتها عدة مرات، تمنيت لو أن أيام الحياة معدودة لتقضيها في حضنه وتدوب كالشمعة، شكت إلي صبابتها وكادت أن تعض من الغيض على أصابعها.
– أرجوك بهى !
– لا تطلب الرحمة يا عبد الله، دعه يتحدث.
– العدوان كان تصفية حساب في نظري.
– القلب قاحل يا أبا المكارم إلا من حنين أعمى إلى امرأة جامحة تتقن مراوغة الأوطان. الحياة تستوجب حضور أنثى. كوثر أنثى لكنها مراهقة، وإني أتحايل على نفسي وأجمع لها السوابق.
– وهم، أنت تنظر إليها نظرة الفقير إلى الغني، نظرة القطة لقطعة اللحم.
– والحل يا أبا المكارم ؟
– أمور الحب لا توجد لها حلول إلا من صميم الحب نفسه.
– إربح حسنة يا بهى ولا تسبب لي حرجا، أما تراني أعترف من غير حضور درك أو قاضي تحقيق.
– إني أدرى بعذاب الحب في القاحلة، بدوري، أحببت زوجتي وإن لي متسع من الوقت لأفكر في ماهيته وشؤونه، الحب زادي في التيه.
– أنا لا أحبها يا أبا المكارم، التي أحببت سافرت بعدما خطفت كل الحنان الذي ملك قلبي وتركتني يتيما.
– احذر إذن من أن تمنحها ذلك الكتاب المعلوم !
– بهى، أرجوك !
– عن أي كتاب تتحدث يا بهى ؟
– عن كتاب يحمل صورا لنساء عاريات.

«عبد الله يتعذب ! ذكرني بتلك الليالي… كانت زوجة الجنرال فاروش تأخد حمام الصباح لأصلها بالفوط والفطور… مرارا، اغتنمت الفرصة وسرقت النظرة… كانت تعلم بحالي وتدرك البركان الذي يختمر في ذاتي… فرجتني على كل جسدها بالتقسيط… وذات صباح ربيع أخضر في مدينة نانط قالت لي: ” دع الفوط والفطور وتعالى يا عبدالكريم، أ نسيت أنك عربي وقد جلبوك إلي من بلاد الشمس والتوابل ، تعالى فالنظرة لا تشفي الغليل. ” خنت زينب… الفرحة والندم تعانقا وتراقصا في جنبات قلبي يومئذ… عبد الله يحس باللعنة…لا تفعل يا ولدي…»

«م التمثيل؟ سأنتشل كل الأقنعة وأظهر لأبي المكارم على حالتي التي يرثى لها… عفوية بهى تكاد تخنقني… يصلون إلى قلوب الغرباء لينهشوها باسم العفوية… لبهى بعض خصال أهل هذا القصر… متصلب … بقي يرميني بقذائف من غير رحمة… الرحمة، الرحمة أرفضها وإن كنت في حاجة إليها ليهدأ قلبي من اهتزازاته، وتخمد براكينه وتستحيل نيرانه رمادا بنعومة الحرير… كانط، الفيلسوف الألماني يؤكد فكرة أبي المكارم… أن تطلب الرحمة معناه أن تعلن فقرك وضعفك للملأ… علي أن أراجع كل أوراقي… العدوان يلد العدوان… كان يقتفي أثارنا شبح ما بالأمس… سمعت خشخشة وأجبت بمثلها حتى لا تخاف كوثر… كان الليل سلطانا… أهل هذا القصر يتقنون لعبة اللون والظل… تتحول العتمة عندهم إلى أرجاء مضيئة لا تغيب عنها النجوم وكل الأفلاك… يهيمون ويتيهون بالليل كما بالنهار…»

«على شفتي عبد الله تركض بسمة مختالة… التجاعيد وجدت لنفسها طريقا سهلا للانقباض… بهى أحرجه ولم يترك له مزاج استقبال الضيف…»

– يا عبد الله، عد من سفرك واحضر بيننا !
– أفكر فقط في أمر بهى الذي لا يستر أحدا.
– لكن فم يسترك بهى ؟ كلنا رجال وقد عشنا مثل هذه اللحظات الحرجة. أحيانا نكون بحاجة إلى امرأة بجانبنا علنا نخمد قسوة العزلة، أين العيب في هذا ؟
– لست أدري من أين تسربت هذه الصور إلى خزاني ؟
– أنت تبالغ يا عبد الله، هل تظننا لا نعاني من غياب الأنثى ؟ أذكر يا ولدي أن مثل هذه الصور لم تكن تفارقنا في الجبهات، كل جنود الكتيبة كانوا يتبادلوها في الأمسيات الجميلات، كلما عادوا منتصرين، أذكر أن رصاصة اخترقت رأس جندي يدعى جانو بينما بقيت يداه تشدان على صورة امرأة عارية بقوة وحرارة، حدثني صديقه راوول بأنه كان يؤمن بالمرأة على الصورة بأنها زوجته، سماها توتة الأرض ولم يخضعها لعملية التبادل والمقايضة التي كثيرا ما كانت تعقد بين جنود كل الكتيبة. لا توجد قوة أعنف من قوة الحب يا عبد الله، حب المرأة طبعا. وإذا أيقنت أن لك قلبا يحب، فافرح واسعد واعلم أنك عظيم، إن العشق عظمة، لا تدع اليوم يمر بك في هذه القاحلة من غير أن تفكر في الحب وتتأمل فيه. أجج عاطفتك وهذبها ولو في أرجاء خشنة. لا تنس أن تؤجج عاطفة من هم دون إدراك لعاقبة الحب حتى لا يتحول إلى جريمة وإخلال بطمأنينة الروح، وإذا كانت كوثر مراهقة اهجرها وتراجع…

«الأرض تضيق بي… نفسي مشدودة بألف قيد وقيد… ولو خرج بهى لصارحت هذا الرجل الطيب بما يقوقع صدري… لك بعض صفات الأنبياء… هل أنت قاصد أقوام كافرة؟.. سعيدة زوجتك زينب في قبرها… شهيدان ولداك، على شاهديهما ألف وردة سقاها الشعب بكل العرق وكل الدموع… بجانبك يا أبا المكارم أحس بجميل الأمان والسلام ورونق الحنان والوئام… وجدت الأمل في عينيك… السعادة في أحضانك… الحنان في تجاعيد جبينك… ليث بهى يخرج الآن لأتقيأ وسخي وأخبر أبا المكارم بسريرتي وبالداهية التي أنا راكب…»

«أعلى درجات الضجر تنخر عبد الله… سأغادر وأتركه وجها لوجه مع أبي المكارم… لم أقل غير الصراحة… لا أتقن لعبة المزح على طريقة أهل المدينة… سأخرج وسأعتذر بالماء…»

– سأخرج وأحول المجرى يا عبد الله !
– لا تنس أن تبحث عن دجاجة عند يامنة عقا.
– سأفعل.
– خروج بهى عين السر يا أبا المكارم… لن أنسى زجره لي لكن أسامحه، هو مؤنسي في أعلى مراتب قنوطي، إنبش يا أبا المكارم وسأحدثك بحماقات أكسبني إياها هذا القصر، إنك ما سمعت أبدا عن قوم يضرب المعلم ويلاحقه، أعلى درجات الجهل ولا أمل في التداوي. أرجوك، سيدي، لا تحاسبني !
– لن أفعل يا ولدي، واعلم أنك حر متى لم تنغص على الآخرين حريتهم !
– ها بهى رجع أنسي حاجة ما ؟
– بابا عمي لم يسافر وإنه ينتظرك في السوق يا أبا المكارم.
– إذهبا وسألحق بكما، ثم اعلم يا أبا المكارم أنني سأحتاج إليك في عزلتي
– وأنا الذي ينوي الرحيل يا بهى ! عارك قبر كابر، هو قلادة على عنقك، زره واسكب ماءا على قبره، وإن كنت حافظا للقرآن اقرأ عليه سورة ولا تندم. كائن حي ينبح ولا ينطق لكنه كان وفيا طيلة حياته، إنه كلب لكنه جدير بالرحمة والمغفرة.
– سأفعل لكن لا ترحل علينا. قبر كابر سأرعاه كما أرعى هذا النخيل وهذه الأحواض.
– حين يطل موعد الرحيل يا ولدي أتوكل على الله وأعقدها مشيا. القلب يمتلأ بالفرح يوما وقد يحتفظ به دوما إن هو أحسن تصريفه وتغذى به فقط كلما اشتد ألم الفرحة واشتعل ورم التيه عنده، يقع في شرك الشوق والحنين.
– لك نفس حكمة وكلام بابا عمي، وأحيانا إني لا أفهمه.
– إنك تتظاهر بالبلادة، الماء علمك كيف تلمع عينيك براءة، وعلمتك غراسة النخل كيف تشمخ وأنت بعد طفلا.
– الفضل يرجع إلى بابا عمي، ولولاه لعشت أبكي عند النخل وبين السواقي. يكرهوني هؤلاء الوحوش لأني لم أرجع إلى دارة جدي لما مات أبي. إني أشكره ليل نهار، علمني كيف أضمن رزقي. أخشى يا أبا المكارم إذا كنت جرحت وأحرجت عبد الله بصراحتي.
– اطلب منه اعتذارا إذا كان هذا الإحساس يشغل بالك وقلبك، ثم إن لحظات الحرج والجرح لها فضائلها، الإحساس بالقهر يقوي الروح ويغذيها.
– نحن وصلنا السوق يا أبا المكارم، هي ذي بوابته.
– وكم يعقد من دورة في الأسبوع ؟
– ثلاث دورات، الإثنين يباع فيه محصول أحواض القائد، الأربعاء منتوج رئيس الجماعة القروية وتجار القصر، أما سوق الجمعة فيمتلئ بما تبقى من سلع في سوقي تنغير والريصاني، شاحنة واحدة تخترق الصحراء وهي تحمل السلع والمسافرين على السواء.
– الساحة فارغة وكأن الطاعون مر من هنا. وأين السيد حساين ؟
– إنه هناك بداخل الدكان.
– الدكان ممتلئ عن آخره
– إنهم وصلوا للاستقصاء عن الغريب والحديث على العدوان، فضوليون !
– إذن أنا موضوع الساعة ؟ !
– ولو وصلت ليلا حضروا لمراسيم وصولك، عيونهم كعيون القطط، يرون على بعد عشرة أمتار في العتمة، وشاة الصحراء، من منا لم يسمع عن أطوارهم ؟
– تفضل يا سيدي.
– الله يطول عمرك وعمر الجماعة، السلام عليكم.
– أنت ترى، تهب رياح الشرقي حين لا يشتهى التائه.
– تفضل يا سيدي، الحانوت إذا دخلها غريب كثرت سلعتها واغتنى صاحبها.
– بالتجريب يا غريب، أما بالغرب السلعة إذا كثرت كسدت أو سرقت
– هم يدخلون النوافذ عبر فجواتها.
– هذا لا يوجد في قصرنا، وكل الغرباء الذين عاشوا بيننا كانوا مكرمين ولم يرحلوا إلا إذا كبر رزقهم وتبعهم قطيعهم لحظة الرحيل.
– هيا بنا يا أبا المكارم !
– نحن لم تنعرف على الغريب بعد، لم السرعة يا سيدي حساين ؟
– لم نشمت فيه بعد، دعنا نتفرج على وسخه !

«الوجه مساحة شاسعة… مسافة بلا حدود… قلوب من طين وتبن… وجه يسكنه الخذلان والخدعة بأنف منحوت كشفرة… وجه تنزلق منه كل ملامحه… ” الغرب اللعين… دعنا نتفرج على وسخه “… لا تخف يا سيدي، إني أحمل معي شر الغرب اللعين وكل حيله، لكني لا أنفق منها إلا عند الضرورة.»

«هكذا حالهم… أبو الكارم كان حذرا محترسا… هل أهل الغرب ليسوا إخواننا حتى لا تنأسف على حالهم متى كانوا أشقياء… فم برائحة كريهة وبأسنان سوداء… فم يجد للبوح بالحقد وسواد الأجواف ألف جرأة… دكان النميمة والغيبة… ولو لا العدوان ووصول الغريب ما اجتمعوا بهذه الكثرة… الحقد يمزقهم والكره يحصدهم… بلداء الصف الأخير… الوسخ في الأعناق والإحساس…»

– الخبث يفتت الضمائر والبصائر فيا ليث يجمعنا للحب والوئام موعد !
– متى سيداوى هذا السقيم من أمراضه وعيوبه، بالأمس فقط، تبدد غبش المغيب ورابحة مازلت في الواحة تجمع عشبا له ولبهائمه.
– ولو كان حق الطلاق في يد المرأة ! اتركوهم لجذام قلوبهم .
– أبو المكارم ينوي الرحيل يا بابا عمي !
– سأزور قبر كابر قبل أن أرحل يا ولدي.
– بهى قد يصاحبك إلى هناك، سأمنحك ماءا ترشه على القبر. المهم أن لا تفكر في الرحيل ولو أني اعلم أن هذا المكان لن يسعدك، ولن تسعد كذلك إذا ما توغلت في الصحراء ووصلت الحدود.
– أي حدود ؟ أنا مغاربي وإن لي حق العبور ضدا على حكومات كل أقطار المغرب العربي ومن غير أدنى كيد جمارك. فكرة الرحيل تجذبني وكذلك يفعل قبر كابر.
– أنت منضبط على التيه يا أبا المكارم، لكن اعلم أنك لن ترحل عنا قبل أن تقضيها معنا ثلاثا كما أوصى النبي. اعلم كذلك أن لك بيتا تأوي إليه كلما تنكرت للتيه أو خانتك عافيتك، جسدنا يحمل موته يا أبا المكارم !
– المهم لا ترحل اليوم يا سيدي، ابق من فضلك، وإذا رحلت فسأظل أنتظرك.

«نظيف قلب بهى… قد يطول انتظاره… في المدينة، الطفل محروم من أبسط حقوقه… يضربونه في البيوت… يستغلونه في المعامل والمزارع… بعض المعلمين يجلدونه… هناك من يتفنن في تعذيبه… يتحول القسم إلى مجزرة والتلاميذ إلى نعاج لا تصلح للبيع ولا للكراء… نسوا أنهم يغتالون الأمل ويغتصبون المستقبل لما يضربون الأطفال ويمنعون عنهم الضحك واللعب…»

– أنت إذن لم تذهب إلى الحزبان ؟
– الحزبان تسبح فيها ريح عاتية، هوجاء تحجب كل الواحة. الشاحنة التي وصلت من قصر تيسمومين حملت إلي النبأ والموعد اللاحق.
– بهى ابن صالح، الله يرضي عليك.
– وهل أعجبتك معاشرته ؟
– الله يحفظه من العين الحقودة. لا تبخل عليه بهبتك الكريمة. أودعها إياه بأكملها فهي لن تضيع، إن لك عليه وصية سماوية.

«الغدر ينهش الصدور مند وجد الإنسان على أمنا الأرض… أمنا الأرض لا تتسع للقتلة والقتل… الزمن يسر ببطء… لحظات الألم تعمر طويلا… المنفى… الوعي بالمنفى… الوعي الشقي… كل الجسور مليئة بالأشواك والمسامير… يستحيل العبور هنا وهناك… هناك اللكم والدم وهنا الهم والغم… والأطفال يا ربي يلغمون قلوبهم الطاهرة بقنابل من حزن لا يطاق، يفرشون على ألسنتهم ذخيرة ورشاشات… يا ليت الطفولة تحصل ثانية لأحرض كل الأطفال وأمنحهم نشيدا عالميا حتى أرتاح من رؤيتهم على تمرغهم الأليم، وأفرح لما يصبحون رهان الحاضر والمستقبل…»

«مر شهر ونصف من غير أن يسافر إلى مكناس… بهى أخبرنى بوحشة قنوطه… موعد السفر اقترب مع عطلة عيد الاستقلال… لقد أوصاني أن أمنحه كامونا وحناء من القطف الأول… ينقصه هواء مكناس… فرح كثيرا لوصول أبي المكارم… أبو المكارم يحمل المدينة على كتفيه… وصوله أنساه في العدوان… ولو وصف لي الإصابة على عينيه كنت جرثلت له أعشابا… لم أقل لأبي المكارم أنني أداوي عيون الجمال بالقطران والكافور شريطة أن تصلني باكرا في الصباح بعيون ذابلة…»

– وهل حدثك عبد الله بعلاقته مع بنت القائد. الخبر شاع بين الناس.
– وقد يضاف إليه بعض الكذب إذا لم يكن كذبا في الأصل.
– كوثر تصله بالواحة وبالخزان مرتدية جلباب والدها. الوشاة لا يكذبون يا أبا المكارم.
– حزن كبير يعشش في قلبه.
– وهو يعلم أن شراسة القائد لا تنتهي !
– احذر، الحفرة أمامك يا سيدي !
– هي أمارة للوصول؛ ادخل الحوض واقطف سبع خضر لكسكس على شرفك.
– كانت زينب تتقنه، وكذلك كانت لا تترك عشبا واحدا إلا أضافته إلى عصيدة الصباح.
– التراب منتفخ ومهترئ، اركب فقط حرف الحوض.
– ومن رسم هذه الأحواض يا سيدي حساين ؟
– بهى، وكذلك يرسم طريقي في الواحة.
– قد أفيده كثيرا في رسم الأحواض.
– سيفرح وسيجدها فرصة لتعيش بيننا، إنه لا يطيق حر الفراق !
– اقطف فلفلا واختر لفتا برأس مدادي اللون، لا تنس أن تقطف فلفلا سودانيا.
– لا ياسيدي حساين، أخشى معه تبرز الدم وعفونة البواسير
– بهى يأكله أخضر بعد أن يضف إليه كامونا وملحا حتى لقبوه بالفلفل الحار. كذلك كانوا يلقبون والده المرحوم.
– حمدا لله إنه يشبه والده، ومع الأيام سيعصر السم في عيونهم.

«النصارى بدورهم كانوا يخشون مبارك… لم يهدأ مزاجه يوم وصل عسكر الاحتلال إلى قصرنا… رحل مع مقاومين إلى جبل بوغافر… لم يخن وطنه ولم يبع اسمه… التف معه الوطنين وقاتل جنود بورنازيل… لقبوه بالعبد بالرغم من أنه كان يتقدمهم في أعراس الرصاص… تردد بعد موت القبطان بورنازيل أن أخي مبارك هو الذي أقبل وأدبر، وكر وفر ليلقي بالصخرة التي نزلت كأنما حطها السيل من عل على رأس بورنازيل ويلقي حتفه للتو… أخي تنكر لهذا وقال إنه لم يكن بعيدا عن مكان العملية… له بطولاته… روح وطنية نقية طاهرة…»

– كان أخي رحمة الله عليه مقاوما من الدرجة الأولى، كانت أياما عسيرة…
– وأين كنت عند اشتداد حماس الوطنين ؟
– بقيت مرابطا بالقصر ولم أغادره… حملت الأخبار، عملت في الواحة، عكرت صفو الماء والمنبع، مددت المقاومين بالماء الشروب خلسة عن السرجان ميشيل، زرعت المسامير، أخبأت السلاح وكذلك سرقت الذخيرة. المهم، هيا بنا نركب الحمار وندخل الدار يا أبا المكارم.
– هذا حمارك إذن ؟
– والمرأة تقوم مقامه في البيوت الأخرى. سرح بصرك في الواحة لاشك ستجد نساء تحملن عشبا على ظهورهن و رؤوسهن.
– سأهرع لمساعدتها، امرأة تحمل رضيعها فوق حزمة العشب وهو يصرخ ويبكي.
– من فضلك لا تفعل !
– لكن رضيعها يصرخ وقد يسقط !
– سيحسبون مساعدتك زيغا، ثم إن المرأة لا تحب رضيعها لما أقعدته ذلك المقعد. هن موجودات بكثرة، تصور معي أن امرأة تدعى فاضمة وصلت السوق يوم الجمعة لتبيع شحما حين مات ولدها، تحول إلى قطعة زرقاء على ضهرها وكاد يحفر قبره بيده على ذات الظهر لو لم تكشف امرأة أخرى الحدث.
– وماذا فعل زوجها ؟
– ماذا عساه يفعل، أتركني أسكت عن مصائب هذا القصر، لم يكن الطفل يحمل اسم والده على جناحيه.
– معناه أن أمه كانت تجامع رجلا ثانيا.
– وكان أبوه يجامع امرأة ثانية.
– ولم يفش سرهما ؟
– عن أي سر تتحدث يا أبا المكارم ؟ لا توجد أسرار في هذا القصر.
– والمنكر ألا تنهون عنه ؟!
– إذا نحن لم نسكت سنقع وقعة ليس لوقعتها كاذبة… سنضطر لحرق كل دفاتر الحالة المدنية، ربما سيقتل بعض الأبناء آباءهم وتتنكر بعض البنات لأمهاتهن. الأمر يزداد خطورة حين تجد أطفالا غير مسجلين، تسجيلهم في المدرسة يصطدم بمشاكل، هذا إذا لم يموتوا قبل سن التمدرس.
– يا للحزن الأسود الذي يخيم على هذا القصر !
– لنا في قصرنا ما لا يوجد في كل الدنيا: مقبرة الأطفال.
– كلامك يصلح للمزاح يا سيدي حساين !
– متى سمعت مزحا يبعث على البكاء. كلامي صدق.
– وما السر في موت الأطفال مبكرا ؟
– سوء العناية، الأوبئة، الجوع، ضربات الشمس، المهم أن قصرنا لا يبعث على طمأنينة الروح واستقرارها يا أبا المكارم، هيا بنا…

«لن أنساك يا كابر… أنت في قلبي لطالما نبض… مصائب هذا القصر شغلت بالي حتى تناسيت يتمي… يتمي يكسر ضلوعي في صمت… السيد حساين أخبرني بما غاضني كثيرا… كان علي أن أدفنك وأمشي… من الأحسن أن يمشي الإنسان… يمشي كلما امتدت المسافات في أفق بصره… يرفع رأسه إلى السماء… يسبح في سحبها… يروي عطشه بمطرها… يتلدد بحرارة شمسها… أن يمشي ولا ييسمع إلا زقزقة الأطيار في في غربنها، ولا يشم غير رائحة التراب الأعزب…»

«جرائم يتحاشاها الشيطان… أن أترك ذلك الجمل نائما كما يقولون… مع وصولك يا أبا المكارم طلع الأسى الجاثم وعلا الحزن القاتم… يشتد ألم عيني حين أعد مظالم أهل هذا القصر… لا يهم، ستسجل جرائمهم على الألواح وسيعذبون عقابا لما فعلوه خسيسا في دنياهم…»

– دعني أنزل وتلمس قدماي الثرى يا أبا المكارم.
– إنهم يضربون حماري، ومرة حاولوا أن يلحقوا به عمى لما رموه بحفنة تراب على وجهه.
– وما يبغون من وراء إلحاقه بالعمى ؟
– إنهم يبحثون عن مثل أعلى في الخبث. بهى لا ينام إلا إذا زهت الواحة، وأضحي أنا حتى لا يقتلهم العطش ومع ذلك يستبدلون خيرنا بشرهم.
– قلوب يتيمة لا تعرف للحب سبيلا.
– الحب أبعد الأشياء إلى قلوبهم، وقد تجد بين الإخوة أعداء على لذة بمكان، ابناء العم في تناحر
– طين دنس !
– الغدر أعلى المراتب في سريرتهم وسيرتهم.

«كم من جثة… طابور التعساء لا نهاية له… يستيقظون كل صباح على حرب لا يعرفون أسبابها ومتى ستنتهي… الغضب يتملكني حين أعد حوادث هذا القصر… أخي مات مغدورا وهو يدود عن أحواضه ويحفرها… قالوا إنكم أحرار من الدرجة الثانية… أنتم سود كقطعة فحم، كباب جهنم… هم لا يحبون الله… يقتلون باسم الله… ينهبون باسم الله… ومع ذلك يصلون لنبيه عليه الصلاة والسلام… لازلت أذكر الفرش الذي انغرس في ظهره حين باغثوه من الخلف… جحظت عيناه وبرد جسده… كان الدم يفور في أذنيه وأنفه وفمه… طعنة عنيفة جعلته يشد على الفرش بغضب ويعض على شفته السفلى بحرارة… سعادتي تضيق بي… حقدي القديم ما فتئ يتحول إلى حب… الله أهداني هبة ومنحني جلدا وقوة وقلبا للحب… حب هذا القصر وكل كائن حي… حتى أولئك الذين كانوا سببا في يتمي أحبهم… ماذا عساني أفعل ؟.. هو ذا قلبي وأنا صاحبه… لست مالكه… أخي مبارك رد بما فيه الكفاية… مصيرهم بين يدي… بإمكاني أن أعكر صفو الماء ولا أعين مواقعه… أن أقتلهم بالعطش… لن أفعل… الله اختارني ولن أخيب ظنه، ولن أبخل بالحب على أحد…»

– جرح قديم هذا الذي ينغل في الأوصال يا سيد حساين ؟!
– قديم جديد، نوبة تأتيني بين الفينة والأخرى، ولو أني استمعت لهمس الشيطان لأحدثت قيامة وامتلأت مقبرة الكبار في يوم وليلة.
– التجعيدة على جبينك مسطرة لا تكذب. لا تكترث ولا تعد حصى الأرض، إن عددها بعدد الهموم على قلب كل طيب.
– جربتها كلها بدءا من اليتم حتى العمى، لكن أحمده على هبته وهديه، لقد أكسبت الهموم صوتي نبرة عطوفة، بالرغم .
– كهديل الحمام الذي يصل إلى هنا بحثا عن حرارة الخريف، صوت يزاوج بين أبراج الإنشاد وأدراج النواح.
– إنهم ضلع علينا هؤلاء الأنذال، أدغلوا بأبي، وحاولوا مع أخي فأفلحوا، وإنهم يكيدون لبهى، وكذلك يدعون لعبوش بالموت فقط لأنها تعلم كل فاحشة تناهت إليهم، وترفض العيش أرملة بينهم. أتمنى فقط أن تسبقني إلى الدارة الأخرى فلا تتعذب.
– لا تفكر في هذا يا سيدي حساين، ثم إن بهى سيحفظ الشرف، وبإمكانه أن يعقد تصالحا مع كل أهالي القصر، لا تفكر بالموت ولا تغتل الآمال.
– لن يحصل ذلك اليوم لأني أدرى بالسر الذي يسري في أوردتهم وبالحقد الأسود الذي يسكن قلوبهم. سينهشون بهى إربا إربا، النساء بدورهم يتهددن عبوش في الساقية وفي الحفلات، ترد كل شيء إلى قلبها، تضمد الجرح وتبكي وتنسى.
– صبر المرأة صلاة يا سيدي حساين. عبد الله وبهى هنالك في انتظارنا.
– أنت ترى، فضلنا السكن بعيدا عن القصر لما تبين أن أهله لا يبادلوننا نفس الحب. تمنت عبوش ليل نهار وصول ذلك اليوم الذي نغادر فيه القصر، زغردت وأرجعت الواحة وأسوار القصر صدى الزغردة.
– هو ابتعاد عن الأذلة وبحث عن راحة البال !
– خضرة جميلة، اتركوهم للقصر ولدهاليزه الدكنة، إنها واحة في مقتبل الولادة من حول داركم.
– عمرها الآن خمس سنوات. الماء موجود بكثرة في الأجواف وبهى فضل غراسة النخل وشجر الليمون والمشمش والزيتون.
– وكيف تم استصلاح الأرض وتوزيعها ؟
– بعدما استصلحناها تم توزيعها بين كل من لا سكن لهم ولا عقار. القائد فعل حسنة ولم يتدخل ولم يسطو على حوض ما. هو الذي أوصى بأن أولي الأرامل أحسن الأحواض، الكل صفق له وتعجب.
– يا ما أنت كريم يا رب !
– أسرعا الخطو، خبزة بشحم وبصل تنتظركما.
– أضف إليهما شاي بنعناع وللدنيا العافية.

«بهى إعتذر، تم إني معلم ولست نبيا… أهل القصر سيفرحون لخصامنا وتجافينا… هو مؤنسي في عزلتي… الوحيد الذي يدخل خزاني من غير أن يطرق على الباب… أحيانا، أقعد عند العتبة وأترقبه فينشرح قلبي عند رؤيته قادما بين النخيل…»

– تفضلوا، البيت بيتكم.
– استرح هنا يا أبا المكارم.

«أحس وكأن عقلي به صابة… لا أستعذب نبضاتي ولا أستشعرها… وجع القرحة في الأحشاء… هذا الرغيف، كم اشتقت إليه !.. ولكم أشتهيه… يتهاطل علي الهم والغم يا كابر حين لا أجدك بجانبي عند كل وجبة…»

– أما أعياك السفر يا أبا المكارم ؟ كن معنا !
– كابر ، كابر يا أولاد، لا أكاد أنساه.
– اعتبر موته رزية وحاول أن تنسى.
– لن تنسى حمارك يا بهى إذا مات ؟
– بلى، سأتأثر وأنساه؛ موت حمار، ليس غير ! ومتى استوى موت إنسان مع موت حمار ؟ الفرق شاسع !

«الفرق في القلوب… في عمق الجرح… في نبرة الأنين والنحيب… في عبارات العزاء التي نختار للقلب المفجوع… الفرق في المأكل والمسكن… جروحك لم تندمل وإنك ترقص من شدة الألم… فترة امتحان وإنك تتبلد… بهى أربكك فتغيرت مسحة وجهك… انطلق وأنطلق معك… استنجد بمكارم جدك وأصالتك… لك الحق في مخالطة المرأة… لكوثر الحق في عشقك… الحب حق كل البشر في الدنيا… الذين أساؤوا استعماله حرموه بين الرجل والمرأة… الأخلاق ! هو ذا العطب، هو ذا الشرف… الحب يتحول إلى جريمة إذا كان لا ينبع من معينه، وإذا كان لا يبعث على الخلق والإبداع وجب أن ينمحي ويندثر فقط لأنه غباوة… نخاسة… شقاء…»

– قد يتسع الفرق إذا آمنت أن الحمار لا يشرب الماء كما تفعل أنت وكما تفعل الأشجار… لن تنساه إلا إذا استبدلته بحمار آخر.
– استبدل أنت كابر بكلب آخر وسترتاح وتنسى !
– وهل أنت تعتقد أن كل الكلاب تتشابه، لكل كلب مكانته يا بهى ولذا فنحن نمنح الكلاب أسماء ولا نفعل مع الحمير، اذكر لي اسما لحمار عاش بينكم ؟ ولو أني طلبت منك اسم كلب لعددت الأسماء.
– صحيح يا أبا المكارم، ولن أنسى كذلك أوصافهم وأفعالهم.
– نحن يا ولدي نريد دوما أن ننقص من شأن الحمير. نقتنيهم لغرض الاستغلال. كابر كان رفيقي في العزلة وفي التيه، هو ذا قدره، قبر غريب.
– حتى الكلاب نقتنيها لغاية الاستغلال !
– صحيح، لكن عليك أن تعلم أن كابر عاش في بيت فخم قبل وصوله إلى داري، اندمج ونسي كل ذكرياته. كان في ملك المسيو غوني، وحرس الدار التي كان يعتقد أنها ملك له إلى الأبد، تحاشى الحراسة وعاش في داري حرا طليقا.

«هل أقول لبهى أنك عبقري في فصيلة الكلاب يا كابر؟.. أبدا لن يفهم ولن يصدق… أأقول له إنك تهديني كل سبل التيه؟.. تعلمني كل أنواع السحب… أنواع الطرائد الحرام على فصيلتك… لا، سيحسب بعقلي صابة وجنونا… بكيت على قبرك بالأمس… الرجل من لا يبكي إذا زاحمه الزمن وأحس بالعجز عن المشي أماما… مسافة كبيرة تفصل بهى عن الرفق بالحيوان… لن نرفق أبدا بالحيوان إذا نحن لم نحبه…»

– عبوش تنادي !
– خبز بشحم وبصل آه كم أشتهيه. حب السيد حساين سكن الوجدان في لحظة واحدة.
– ادخلي يا عبوش، هو ذا أبو المكارم، جاء من بعيد، جاء من مكناس ومن كل المدن.
– السلام عليك يا سيدي ومرحبا بك.
– الله يبارك فيك ويحفظك ويحفظ ذريتك وسيدي حساين.
– إسقينا الشاي من يدك يا سيدي، إنه من غير نعناع !
– هو ورد الصينية، وأحواضه سهلة الحفر والرسم شريطة أن تكون التربة صالحة.
– كتربة مكناس، مملكة النعناع!
– حنين جميل.
– مد يدك يا أبا المكارم، تفضل.
– ناوله المنديل يا بهى !
– شكرا، وأطال الله عمرك يا للا عبوش.

«لقد كسرت أعراف هذا القصر… المرأة لا تجالس الضيوف الغرباء… لا مفر من الوفاء والإخلاص ولو حضرت كل الشياطين… جميلة… عسلوجة، بشرة بيضاء ناصعة… ناصعة تغطي جبينا بوشم رقيق هارب… الشامة سوداء على الوجنة تختزل كل الجمال… الأنف منقاد إلى أعلى يذكرني بأنف زوجة الجنرال فاروش… الفم يتسلق عله يصنع دواء من بسمة وشفاء من ضحكة لمرضى يتمرغون في القبح والكبت… عنق طويل، طويل كطريق سيار… وجهها شمسي دائري تشع منه شظايا الوقار والنبل… الذين وصفوها للسيد حساين لم يخطئوا… دقات قلبك يا سيدي حساين كدقات مهرس… عيناها تبحثان عن سر الجمال في الحنبل… لا ترفعهما إلا إذا انفلتت ظفيرتها وانسلت إلى الأمام… مبارك مات والسيد حساين يطأ على الأيام والأديم بقدميه… يزحف نحو موته بينما عبوش في عز أمومتها… أنت المعيل الوحيد… دقات قلبك من لحم ودم… لن أرجع ولو عجنت لأبنائي خبزا من تراب وتبن… الله يحفظك يا سيدة محترمة…»

– من عشرة سنوات على وفاة المرحومة ما دقت طعم هذا الرغيف.
– إحذر من أن تشرب الماء
– وغدا في الفطور ستهيئ لك عبوش مزيدا بسمن حر وعسل خالص
– الله يكثر خيركم.

«دارة الإكرام… أينك يا كابر لتشهد الاحتفاء بالضيف التائه المنكوب ؟! امرأة حنون ترحب بي في الخلاء وتعدني بوجبات أشتهيها… الوفاء… كذلك كنت يا كابر، أيها المرحوم العزيز… علمني وفاؤك أن لا اشرب كلامي ولكن أبوح بكل شيء… لو أن الورم مهل عليك ولم يعجل بموتك… بإمكان السيد حساين أن يصنع لك تداويا بفضل هبته… فد تدلك لك السيدة عبوش جدعك وساقك بزيت زيتون وعجين حناء… إنها أرملة… للأرامل بعض صفات الأنبياء… وحدهن سينافسن النبي في الدخول إلى الجنة… قالها عليه الصلاة والسلام بنفسه… آه لو تمت يا كابر، كنت التقيت بمعلم يعرف كل العائلة وإنه يعاني وقد يموت شهيدا إذا توالى عليه الحزن والعدوان.»

– هل سترافقني إلى قبر كابر غدا يا عبد الله ؟
– بعد أن أفرغ من حصة الصباح.
– من يكون كابر؟ أمات صاحب لك في الطريق ؟!
– نعم يا امرأة طيبة، رفيقي في العزلة والتيه، كلبي الذي مات، وقد قضيت الليل أدود عن قبره، تاه معي وبرفقتي، ومعا كنا نقصد الغربات، وفي وإني أعتبره واحدا من أفراد عائلتي. عمر علي داري وكان مؤنسي الأوحد، إنه يا سيدتي لا يشبه باقي الكلاب التي تسحقها الشاحنات في طرق السفر، وإن كل موت يتبعها عزاء ولا يهم من الميت.
– الله يستبدل محبته بالصبر… تعالى يا ولدي يا بهى.

«قوام جميل ، يذكرني بنساء تطوان وبادن بادن… شعرها الأشقر بنعومة الحرير ينسدل على جبينها وعينيها فتزيحه لجهة الخلف في رقة لينساب من جديد… صففته من الخلف في ظفيرة، والأفضل لو تركته كناصية حصان… عيناها، سبحانك يا إله، زرقاوان ينام عليهما الليل ويصحو النهار… زادهما رصيف ملكي من كحل خالص جمالا إضافيا… أعوذ بالله من الشيطان الرجيم… ليس في نيتي مغازلتها ولكني أعشق الجمال… ربي يوصي بهذا..! »

– وأين يوجد القبر ؟
– فرب البئر.
– البئر الذي حفرت شركة الأبحاث المعدنية ؟
– بالفعل.
– وهل عثروا على رزق ما ؟
– اختلط الكلام يا أبا المكارم والحكومة اعتمدت التكتم.
– مستحيل أن لا يعتروا على رزق معدني ما. لقد تعرفت على أحد العمال الشباب، كان يصلني منهكا، قال لي إن المنطقة غنية بالذهب والنحاس والنفط ومعادن أخرى.
– كل هذا موجود ؟
– وغير موجود لطالما بقي في الأجواف، إمكانيات هائلة وآليات متطورة وبعد هذا وذاك عزيمة وطنية، كل هذا وجب أن يتوفر قبل الشروع في الاستغلال.
– قلتها لنفسي وأنا تائه في الأرجاء، قلت لا يمكن أن لا تحبل مثل هذه الجبال برزق عام كان صلبا أم سائلا أم غازا، لامعا أم أسودا، المعادن مفضوحة للعيان وهي تلمع في الجبال وفي السفوح.
– هناك منجم يبعد على القصر بثلاث ساعات مشيا على القدم، استغله المستعمر وأخذ ونهب ما شاء له من الذهب والنحاس، لقد مر على هذا ثلاثون سنة. وفي الأيام الأخيرة، مرت شاحنات عريضة وآليات أجنبية يتقدمها برجال الدرك، سمعنا أنه سيشرع في استغلال المنجم ، يا ليت هذا يتحقق، البطالة ضربت الأطناب في كل القصور.
– أذكر يا ولدي، أكل الناس وشربوا عندما كان المنجم نشيطا، أخي مبارك عمل هناك وكان يربح مالا كثيرا. القصر بدوره كان بحركية ورواج لا يتصوران، فوقف كل شيء مع توقف المنجم.
– والحق إنه إذا اشتغل المنجم من جديد سترجع للقصر كل أمجاده وسيتوافد عليه غرباء من كل المناطق.
– وسيتحول سكان القصر مع حلول حشد العمال إلى غرباء، سيذوب كبرياؤهم وتنهار عجرفتهم.
– وهل بالقصر شباب كثير ؟
– الشباب والأطفال قاعدة هذا القصر، للأسف إنهم لا يدركون هذا
– اسمع يا ولدي إني أود أن أفاتحك في قضية كوثر في حضرة السيد حساين، إنه على علم بكل شيء ولن ينفعك التستر والكذب. إن الكذب في أمور الحب وهم للذات وهدم لها. تكلم لا تخف ما فعلت بك الأشواق، اشرح هواك يا ولدي فكلنا عشاق، عشاق من الدرجة الأولى.. هل أخطأت يا سيدي حساين ؟
– أبدا، نحن فقط نخشى أن يلحقك سوء يا ولدي، الحب يقتل أحيانا.
– تملك نفسك وتحرر من عقدة الخوف والتكتم. هل تحبها ؟ تكلم يا ولدي، نحن لا نرغب في تجريحك، خبرنا لنخبرك بمعنى الحب وقيمته !
– كوثر تلحق بك في الواحة، قالها الوشاة، هل تحبها ؟

«الوشاة… لعنة الله عليهم… علامة ممنوع أمام كل مشاوير الحب… الحب كنت أظن أنني ألتقي بها تحث ألف قدم وقدم… وحده الإله كنت أعتبره شاهدا على لقائنا… رقيقة الطبع ناعمة الجسد… أكاد أحبها لأنها تكاد تنسيني في التي سافرت… سأخبرهما بكل الحقيقة… القائد على علم بعلاقتي مع بنته… الوشاة يخبرونه بكل قريبة وكل بعيدة… هل أتقدم لخطوبتها وأطفئ الغضب؟ قد يقتلونني في خزاني أو في قسمي وإذا ما باغتوني برفقتها عند شجرة المشمش… أطلب يدها من غير حضور أبي وأمي؟! مستحيل… أمي ستبكي الدم…»

– هل السكوت علامة الرضا حتى بالنسبة للرجل ؟
– أكاد أحبها وإني ألتقي بها في الواحة والخزان، ولقد نسقنا بدافع التضحية والتحدي للقاء خلال العطلة بمكناس وربما قد أقدمها لوالدتي.
– أنت إذن تحبها وتعرف معنى الحب.
– إننا قد نحب ولا نعرف معنى الحب ولا نتذوق طعمه، ثم ما هو الحب في نظرك يا ولدي ؟
– بإيجاز، هو علاقة تربط بين ذكر وأنثى.
– من يقول بهذا ؟
– بسطاء القلب وكذلك الحيوانات، هؤلاء يحبون بعيونهم. العين نافذة تقتحم الحب وتدمره، لا دخل للقلب عندهم بالحب، وقل إنهم يحبون بقضبانهم. انتحار بطيء للقلب والحب معا، سراب.. عاود نفسك وحاسبها إن حبا كهذا يقصي الحرية ويغتال الشخصية.
– وما هو باطنه يا رجال ؟
– علمنا إياه، فأنت المعلم الذي تكاد تكون رسولا..!

«ناس على طبعهم يطرحون أسئلة الفلسفة… الظاهر والباطن… إنهم يرحبون بي إلى عالم الحكمة والعقل… عالم السؤال النقي… يريدون أن أعيش في ظل مجده العظيم… القلب يضيق بي… الرأس يسكنه دوار… اليأس يشيد أبراج الألم…»

– هذه أسئلة الفلسفة يا أبا المكارم، لن نجد لها أجوبة مهما حاولنا !
– وما معنى الفلسفة يا ولدي ؟
– لها تعاريف عدة.
– ابني الله يرحمه كان ممتازا في الرياضيات… شاع بين الناس، الشباب مثلك، أن ابني الطاهر كان يشتغل على فلسفة الرياضيات… استفسرته عند أول عودته إلى الوطن وأجابني: هي سويقة الحكماء وطريقتهم الملكية من أجل التقرب إلى الله وامتلاك شؤونه بالعقل والاجتهاد… المهم خبرنا بواقع علاقتك مع كوثر ؟
– لا تتردد، أخبرنا بكل أطوارك مع كوثر وسنخبرك بكل مكامن الحب وقلاعه.
– إنه طير ترحب به كل الأطيار في أوكارها، كل الذئاب في مساكنها… أهل القصر يعلمون كل شيء، وصفارة الإنذار تنذر توحي بطوارئ وخطر لاحق، اعلم فقط أنك تمارس التعذيب على قلبك الذي هو في حاجة إلى تطهير مستعجل.
– هون علي، قلبي أعرف واقعه، أحيانا أقول إن كوثر تنسيني في التي سافرت، أحيانا أخرى، أقول إن التي سافرت لم تقلع بعد من رحاب قلبي ولم تغادره، أحتار بينهما. في مكناس أعيش على ذكرى التي سافرت، وفي هذه الأرجاء أحيا وأوجد بانتظار كوثر.
– لك أن تبحث في أعماقك عن حب متخم بنكهة العيش الجميل والمصادر، للأسف، أنت أدرى بالزريعة التي نشرت بعد حرث قلبك، حاول أن تتسرب إلى قلبك من خارج الزمن والاسم والوصف، أن تنظر بالحب إلى كوثر أن تنمحي في حضورها وتنبعث في غيابها.
– حب كوثر هو عزائي الوحيد في هذه القاحلة !
– هي كبش الضحية، سعادة مزورة، تبحث عنها لغرض في نفس يعقوب، تترقبها لأنك تخشى أن تضيع، الأفضل أن تعلن الحرب ضد نفسك وتفرقع كيانك، الحب حمى قاتلة فاحذره.
– أن أتخلى عن كوثر ؟
– دع القلق جانبا، إنه لا يصاحب الحب، الحب يا عبد الله موهبة لا يتوفر عليها إلا ذوي البصائر النافدة، العظماء وحدهم يحبون، هو أقوى من القنبلة الذرية، الفرق أن الحب يجمع شتات البشرية إلى قبائل وأمم بينما القنبلة تشتتها إلى أشلاء، لا تندفع يا ولدي ودع عنك عنادك.
– امنحوني إذن وصفة للحب النقي علني أهتدي !
– الحب لا يوصف يا ولدي !
– هو كل شيء عدا علاقة تربط بين ذكر وأنثى.
– حدثوني إذن عن باطنه جازاكم الله بالحب.
– هو ذا باطنه يا عبد الله.
– كيف ذلك ؟
– وماذا تقصد لما قلت إن الله يجازي بالحب ؟
– هو مجرد كلام لا أنفذ إلى أعماقه.
– وهل أنت تعلم تلاميذك كلاما لا تنفد إلى أعماقه ؟!
– هم يتعلمون القراءة والكتابة.
– أنت لا تعلمهم إذن كيف يفكرون ؟!
– هذا موضوع آخر، أرجوكما سرحاني اللحظة من سجن الحب العسير لألوذ باستقرار روحي.
– إنك لا تعيش اللحظة، تركت الزمن يسيل ولم تعده، إنك تعيش الزمن اللاحق، ترفض المكان وتفرح لطلعة هبته، كوثر نعمة المكان، تعلم كيف تحب هذا القصر يمنحك مزيدا من الرزق، ثم اعلم أن سكان القصر لا ينطقون عن الهوى، ولو أنهم لاحظوا استعدادك للعيش في قصرهم لأحاطوك بالرعاية ومنحوك أكثر من رزق واحد.
– والحل إذن ؟
– أن تستفيق على نسيان كرهك للمكان وحبك لكوثر. الحب الحقيقي لا يتطلب تضحية. واجبك أن تظفر بجلدك وتحافظ على حياتك، حاول أن تتجرد من أوهامك ودع عقلك جانبا، إن العقول تصبح عقيمة حين تدخل حظيرة الحب، أنت ترغب في نعومة جسد كوثر، استعمل قلبك واحترم كل حواسك، اعطها نسيان قلبك المخدوع.
– حاول أن لا تسمع لكل فتاوي عقلك مهما بلغت من بلاغة.
– سأتنازل مكرها !
– لا تفعل وستظل تكرهها، إن في التنازل يكمن حبك الصحيح لكوثر.
– ولو أني اعلم أن هذا لن يحصل من غير عذاب
– الأفضل أن لا تضع قلبك في كومة تبن ولا تبيت له بركانا.

«ما قيمة العيش تحت سوط القهر؟.. حياة مع وقف التنفيذ… موت مصادر… حزن بدخان أسود… العدوان تلو العدوان… إني أضيع… أحيا عبثا… أبو المكارم يحثني على المقاومة… كان يقاوم برفقة أقرانه، وكان على المستعمر أن يغادر ويجمع قلاعه… كانوا يقاومون بأجسادهم… وحده العياء، عياء الجسد كان يرعبهم… عرق الجبين… بأس السواعد… صداع الرصاص… أقاوم، يقاوم أقراني على طريقتهم… أقاوم لما اعلم الأطفال…»

– ما رأيك يا عبد الله؟ ثم لما الغرق في التأمل؟
– نحن لا نختاره ولكن القلب من غير وفاء ليست له دنيا. البطن ينتفخ والصدر يضيق من كثرة الأسى والندم، أما قلت لك يا أبا المكارم إني أفكر في ترك وظيفتي المبتذلة وأعود إلى المدينة لأمارس أي عمل.
– التعليم يا ولدي ليست مهنة مبتذلة، لكن الابتذال تسلط عليها، ثم أي عمل قد تشغله إذا ما تركتها، أن تمسح الأحذية التي تطأ على رؤوسنا أنت إذن مستعد لتقبل لعنات أخرى، تذكر فقط أن أجدادك كانوا ينشدون العلو إلى الشوامخ.
– أية لعنات؟ أما ترى أننا خليط لعنات هنا وهناك؟ نخوة أهلي وأجدادي كان لها زمنها.
– لكن لعنة أطفال يهرب عنهم معلمهم ومثلهم الأعلى، لعنة مدرسة يهجرها مدرسها، لعنة تلك الأحذية المتوحشة، ألا تفكر في كل هذا ؟
– قد أمتهن تجارة وهمية وأصرح برأسمال مزور، أبيع وأشتري سلعة لا تراها العين، المهم سأذوب في المجتمع، أفعل فعله وألبس القناع.
– أهكذا تتصور المقاومة، أهكذا وجب أن نحب هذا الوطن الذي يئن من كل الأمراض ويشكو ظلم ابنائه، لا يا ولدي أرجوك.
– العيش يستوجب الشذوذ، كل أفعال المدن ممنوعة من الصرف، سأختار شذوذا خاصا بي… سأظلم وطني بطريقتي .. صعب الاندماج هنا !
– العن الشيطان يا عبد الله، وقد أرتب لمصالحة مع أهل هذا القصر ونعلن عن حفل بهيج في أرجائه.
– يستحيل العيش هنا يا سيدي حساين، والأفضل أن ألوذ بفضاء الذل القديم، الذي يعشش في الأزقة والشوارع، إني ألفته ما دام لا يعلن إقصائي.
– لن أرتضي لك عيشا كهذا يا ولدي، لا ترجع إلى حياة الماضي، الماضي مر وقد يكون حفل المصالحة كبيرا وبهيجا.
– إن إحساسا ما يعذبني ولو أنك جربت العيش هنا يا أبا المكارم لأدركت أن الحياة بمتابة سلم للنزول والسقوط، ليس غير!
– عيناك تفيضان بالدمع، فلا تبكي يا ولدي !
– إني تحولت إلى حالة، البكاء وجبتي اليومية يا أبا المكارم، لا يمر بي يوم من غير أن أبكي، الغربة تبكيني… يكفيني قنوط مثل هذه اللحظات، حين يشرع الظلام في الانتشار لأبكي، أبكي المرارة وألم الحرمان.
– لاتبكي يا ولدي، إن الله موجود وإني صليت له بحرارة وخشوع ليرفع عنك ظلم الأهالي. سأذهب إلى المسجد يا بهى.
– لحظة طلوع نور السراج تلحق بي كآبة أليمة يا أبا المكارم.

«العين صهريج ممتلئ بدمع لامع… كن صلبا ولا تبكي إلا حين يحق البكاء…حاول أن تستبدل الدمعة بالبسمة… تعلم كيف تشد على الجرح كلما ضاق القلب…علم قلبك كيف يرد الدمع إلى منابعه وإلى مجراه المعاكس… أن تتجلد… لازلت شابا وإن أعسر الامتحانات لم تعترض طريقك بعد… حافظ على طاقتك لتستثمرها في لحظات الحسم، حين يحق إما الكفاح وإما الجهاد…»

– اصبر يا ولدي وصابر.
– بعد كل هذا الإبعاد والضيم يا عم حساين.
– لا تعتبره إبعادا، إنه واجب وجب عليك تسديده في زمان ما ومكان ما، خدمة للوطن.
– تتكلم يا أبا المكارم من خارج الوزارة ومن خارج الانتماء إلى الوظيفة العمومية أنت لربما لا تعلم أن هناك من دخل الوظيفة من غير مباراة الولوج، وأن عددا كبيرا من المعلمات تتقاضين أجرا ولم تصافح عيونهن ولو مرة واحدة تلاميذ أبرياء… تتكلم كما لو أنك استبدلت قميصك كما يقولون.
– لا استبدلت قميصي ولا غيرت سروالي، لكن أن تطلب الرحمة من أحد فهذا ما لا أرتضيه لك يا ولدي. وصولي إليك علامة خلاص، سأمرنك على النسيان.
– ولو أنك مكثت هنا إلى حين أنسى العدوان وكوثر ونعود إلى مكناس.
– لا، لن أعود يا ولدي، وقل إني تركتها إلى الأبد.
– ولم لا تغير رأيك؟ وإلى أين المسير؟ هذا القصر هو آخر تجمع تسكاني في هذه القاحلة، وبعده مباشرة توجد الحدود مع الجزائر الشقيقة.
– هل أنت تعتبر الحدود عائقا أمام تيهي ؟
– بالفعل، ستحتاج إلى جواز سفر !
– من قال بهذا ؟
– القانون والأعراف الدولية.
– مائة لعنة على القوانين التي تشرع والاتفاقات التي تبرم إذا كانت تمنع لقاء الإخوة والأحباب.
– معك الحق، ومع ذلك لابد من جواز سفر من أجل العبور.
– سأعبرها من غير جواز سفر، وسأعقد لقائي بعروبتي هناك.

«عبد الله تناسى أنني مقاوم وأنني كنت أعمل في بيت الجنرال فاروش حيث كنت أتجسس على التعاليم السرية التي كانت تصله من قصر ماتينيان… أذكر جيدا يوم رن الهاتف، كان الجنرال فاروش على موعد مع جواسيس قادمين لتوهم من سان سير وعازمين على التسرب إلى ألمانيا… إني مستعد الآن لأنفذها بالكامل وأتسرب إلى أرض الجزائر، بلد وأرض الأكثر من مليون شهيد…»

– لكن لماذا هذا الإلحاح في التيه ؟
– فقط لأنه يمنح أجمل الأسفار وأمتعها، وكذلك يقرب الآجال.
– لكن كل أسفاره تفتح على الدواهي، عد إلى دارك ومدينتك، الناس هناك ينقصهم النظر في وجهك العزيز، إنهم ينتظرونك بشغف كما كان الطلبة ينتظرون ابنك.
– لن أنسى يا عبد الله وقوف الطلاب يوم وصول جثة الطاهر، كانت لحظات سعادة عليا ولحظة فخر عارم لكل الطلاب، أذكر أنهم ساروا في مظاهرات صاخبة مع موكب جنازته حيث اخلط كلام الله بالشعارات.
– لم أمش في موكبه، كنت وقتها تلميذا في الإعدادي وكان الحدث أضخم من أن أستوعبه.
– كانت جنازة خاصة.
– بالفعل، وقد قيل لنا في الجامعة أن موكب جنازته كان بمتابة مظاهرة جماهرية، حيث التحق بالموكب عمال ومأجورون وعاطلون، الشيء الذي أغضب السلطة وشاغبها، طبعا لم تجد مبررا شافيا لحضر الجنازة ومنع الموكب. أخبرنا المناضلون أنه حصل التفاف لا مثيل له بين كل الفصائل السياسية الطلابية، وهناك من نوه بالوفاق الذي حصل في المقبرة ولم يحصل في ساحة الحرم الجامعي. كان وسيظل، الله يرحمه رمزا لطلاب الجامعات العربية والإفريقية، عد إلى مكناس واستمتع بأشيائه إن لك فيها تيها جميلا.
– لن أفعل وإني تركت باب داري مفتوحا على مصراعيه، فليجعلوا من داري ملجأ، مخفرا أو مرحاضا بالأداء إن شاءوا، إني أحيا في تيهي وأتيه في حياتي وإني لن أعود إلا بقدرة قادر.
– أنت لم تقترف زلة حتى تعاقب بهذه الشراسة.
– وهل تعتبر تيهي عقابا يا عبد الله؟ إنه الخلاص يا ولدي !
– من أي شيء ؟
– من سفاسف الناس والأخلاق، تيهي يا ولدي صدى لصلاة الله على عباده المهمشين الفقراء، تيهي إدانة أعلنها في وجه المحتالين.
– سيصطف الكل لتقبيل يدك، ستزغرد النساء وتصلين على النبي المصطفى إذا عدت، أتمنى فقط أن تستفيق على فكرة الرحيل والعودة.
– أن أعود؟ إلى أين؟ أنا ماش، مغلوب على أمري أنا ماش، أجمل المنافي التيه، حتى وإن كانت كل ساكنة مكناس في انتظاري لن أعود، ولو بقي كابر على قيد الحياة كنت استشرته، قد يرفض بدوره، تربطه الإهانة بالمدينة والرجم ذكراه المريرة.

«صعب على الإنسان أن يربط حياته بذكريات الأموات. اليتيم من فقد كل أفراد عائلته وتاه في الدنيا، اختيار عظيم لكنه يجلب الضيم والضيق والضياع…»

– أوصيك بالنسيان يا ولدي إنه رحمة، وبحب هذا المكان إنه نعمة.
– إنهما رجعا يا أبا المكارم !
– حفظتم داري يا أهل مكناس، لم تبيعوها يا أهل المكارم!..
– أنت تعرف القصيدة إذن يا سيدي حساين.
– وأعرف قصائد أخرى، حفظتها في أسواق تافيلالت. تعجبني قصائد مدح الرسول عليه الصلاة والسلام، وكذلك قصائد العشق والغرام.
– بالمناسبة، أخبرك أن عبد الله سيترك كل شيء ويتنازل عن كوثر، لقد وصل بنفسه إلى مركز قلبه وإنه سيستبدل حبها بحب هذا القصر.

«بكت كوثر عني حبها فحملت الرسالة إلى عبد الله… فاعل خير… كل تلاق أو فراق له حد… أخبرت أبا المكارم بكل شيء… لست أضمر الشر لعبد الله… كذلك سأخبره بأفعال أخرى يقترفها وقد تثير غضب أهل القصر؛ مخالطة نساء القصر… وصلت يا أبا المكارم حين كنا لا ننتظر وصول غريب ولا حصول عدوان… عبد الله يعاني شأن كل المعلمين في مرزوقة وأغبالو وتازرين…»

«مركز القلب… هل للقلب شكلا دائريا ليكون له مركزا…؟ أحيانا أبو المكارم يقول هراء… قيد يكون نفس الهراء أصل كل المعاني ومنبعها، من يدري؟ أبو المكارم لم يدرس العلوم ولا يعلم شكل القلب المنغرس في أحشائه… لكنه عاشق بحق وحقيقة…»

– هي ذي زهراء يا أبا المكارم.
– الله يرضي عليك يا بنتي.

«الله أكبر… ظاهرة علامات الجمال على مسحة وجهها… عنقها طويل وفمها سمكي… خصلات شعرها مسكن لشيطان مارد… البنت كبيرة… هي تغري… الجمال والشيطان يتساكنان… الذي أصابه عشق الجمال لابد أن يرضخ لمراوغة الشيطان… عبد الله يقتسم معهم الخبز والماء واللبن، وقد تشل ركبتاه إذا زاغ… وحده الإله يعلم بمكنون الصدور وأسرار بني آدم… الحالة مريضة هنا وهناك يا كابر… لن تندم طبعا على نباحك مادام الذين شاغبوك كثر، يستحقون النباح وأكثر… لم تقترف سيئة وإني لا أصدق لم خصك الله بموت أليم… لم يهون عليك سكرات الموت، كان احتضارك صامتا من غير حشرجة… بقيت أحتضر معك ولم أرغب في نسيانك… تذكرني بدورك ولا تنساني… تذكرني من خارج ذاكرتك وحافظ على حبي من خارج قلبك… سأصل قبرك وأرشه بماء حلال… سأخبرك بما آلت إليه حياتي بعد يوم من وفاتك… سأصلك بأخبار هذا القصر… سأحكي لك عن أيام وسخه وأزمان حقد أهله… لا فرق يذكر بين هنا وهناك… الوجع من رأس الخريطة إلى أخمص قدمها…سأتناساك فقط لأشهر شغبي على هؤلاء الأندال الذين لا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت…سأتناساك ولن أنسى نصيحتك التي نبحت لي بها يوم وصل ورمك حده: لا تفقد الأمل ما دمت لا تفقد اليأس. ساعدني لأتناساك… أخرج من مركز قلبي ولا تصنع ” فقاس ” ذاكرتي… دع قلبي يتحرر من قبضة موتك… دعني لحسن المعاشرة وطيب الحديث… أخرج وصل وجل في رحابه… أنت تعرف كل نزهات قلبي وتعرف كل مروجه وكل ينابيعه… شلال من دم وفيض من حنان عير مقطوع وغير ممنوع… دعني اللحظة !.. نور السراج اندرج في أرجاء الغرفة بلون النار والبراكين… السراج يلمع بلمعان الحديد المضروب إلى حده في الأفران… الحنبل و الزربية يشتعلان… أخرج أيها المكروه من هذه الدار فليس لك مكان في رحابها… بها فقط قلوب متآلفة ضد مكر الزمان… أخرج أيها المكروه فلاتشتت كيانها وتهدم أركانها…»

«دقات قلبي من لحم ودم… قليلون هم الذين يستمعون إليها بأناة… أغلب الناس لا تدرك قوتها الدافعة للكلام… أبو المكارم إستمع لدقات قلبي لحظة لقائي به… مركز قلبه يتحسسني… أذناه تلتقطان كلامي… عاشق من الطراز الأول… هو يحب، يتأمل وسيموت… ولو كان يؤدي صلاته لعاش حياة كاملة… حجر التيمم موجود بكثرة ولم يفعل… الذي يعتبر عاش حقا هو من أدى هذه المناسك وزاد عنها الإخلاص في كل عمل وعند كل تقويم… ليس من السهل أن يحصل الإنسان على كل هذه المناسك في زمن مشؤوم مرتش… المناسك تأتي لوحدها… هبة من عند المولى عز وجل… ودوما يسبق الامتحان الهبة… أذكر امتحاني… لكل امتحانه… امتحان أبي المكارم كان عسيرا… صعب على الإنسان أن يصوم رجب وشعبان ورمضان ولا يفطر إلا بكأس زيت وكسرة شعير، وأن لا يقرب الماء لدورتين قمريتين ليكشف بعد ذلك عن كل ينابيعه وعيونه… امتحان عسير يفتح على النجاح الأبدي… إن نجح المرء نال مناسك الحياة وظفر بالهبة، وإن هو فشل رمي به في بحر الحرج من غير أمل في الفرج… مالك الهبة والمجنون يتشابهان، الفرق بينهما؛ أن الأول ربح الامتحان والثاني فشل… الامتحان الذي يمنح هبة التيه صعب الفوز به… لأبي المكارم هبة التيه، وإنه يتغذى من روائعه ويعيش على منافعه…»

– ستعلمني يا أبا المكارم رسم الأحواض قبل أن ترحل.
– وتعلمني بدورك كيف نغرس النخل ونرعاه حتى يطل على الصفصاف ويعلو عليه.
– علمه كيف نغرس الورد، إنهم في حاجة لفضيلته وفضيلة العسل.
– سأفعل شريطة أن لا تبقى نحلة ترتشف رحيق كل وردة!
– كم أنت لاذع يا أبا المكارم، أظن أننا عقدنا حلا ورتبنا لخلاصي.
– الورد جميل، شجرة الدفلى تمنح وردا لكنه من غير رائحة وبلا رحيق. القصر في حاجة إلى سوسن وياسمين وقرنفل.
– القصر يحتاج إلى هدايا من ورد ! متى يرقى أهله إلى هذه المناسك، سيحترفون تسويقه، أنا أعرف طبعهم
– الورد متى دخل سوقا فقد طيبه.
– ومع ذلك فهو يحفظ رونقه وجماله ! أنت لاشك شاهدت كيف يعرضونه عند مدخل السوق المركزي، يبعث الروح يا أبا المكارم.
– أية روح يا ولدي وأية حياة ؟ التباهي والنفاق الأصفر، النصارى سبقوهم إلى هناك مستعمرين وجالية.
– أنت تبالغ يا أبا المكارم !
– أبدا يا ولدي، نحن نتعامل فقط مع أشواك الورد، نحتشم ونحتار كيف نحمل حزمة ياسمين بين ذراعينا وكيف نهديها للذين نتوهم أنهم يحبوننا وأنهم عزيزون في قلوبنا. الوردة في المدن كذبة قصيرة وحاملها سرعان ما ينكشف أمره. وحل الإهانة، أية ورود لأي قلوب ؟ الوردة لا تبشر بصفاء قلب حاملها ونقائه إذا بيعت في الأسواق. ولو كنا نعتمد غراستها في بيوتنا لنتهاداها من بعد كان أجمل وأقرب إلى القلب.
– كل اليهود الذين تعاقبوا على قصرنا غرسوا الورد في شرفاتهم وكانوا يتهادونه في كل مناسبة. الواحة صالحة لغراسة الورد لكن شتان بين الورد وقلوب أهل القصر.

«سأغتنم حفر الأحواض… هذا الرجل أرجح الرجال في المكارم قدرا… سأخبره بكل همومي وبكل العذاب الذي يزن ثقيلا على قلبي… أترك همومي تجري مع الماء في السواقي مراوغة النخل والأطياف… أريد أن أعثر على مركز قلبي ولا أعيش على هامش ذاتي… لن أترك الأشياء تسافر أدراج النسيان… كلهم يريدون هلاكي، حتى الأخوال… تبدلت الأحوال… تناسوا أنهم أخوالي وأنني كبرت… زواج أمي كان مكتوبا في السماء… لن أرضخ بعد اليوم ولكن سأتخلى على العناد… سأسير عكس المجرى بكل ذكاء وسيشجعني أبو المكارم…»

«بهي يشبه مراد في كل شيء… يعلم جيدا شر الوخز الذي يجثم على قلبه وذاكرته… عليه أن يودع مراهقته… أخشى أن يصاب بقرحة وهو في سنه الجميل… بنية نحيفة… الجلد والعظم فالعناد مباشرة… تجعيدة مسطرة على الجبين… سيخبرني باسم الغول الذي ينهش جسده… لن أرتاح إلا إذا أطحت بنظام وسلطة ذلك الغول الذي يجثم على روحه… أن يكون حرارة وسلاما… أن يكون له وسادة عند المنام وغطاءا في لحظات البرد… أن يكون غولا على طريقته… غول يحب ويعشق بدل أن يفترس ويمزق الأجساد إلى أشلاء…»

– النوم يتسرب كالعمى من عبر المسام، ما رأيكم في شاي ؟
– لن أحضر لشربه، سأصلي العشاء بالناس، أنوب عن الإمام.
– وما به المسكين ؟
– يشكو من ألم في ظهره عند كل ركوع وسجود، ومرة صلى بالناس قعودا، ويحكى أنه تيمم فقط.
– يعاني لهذه الدرجة !؟
– له ثلاث زوجات، الأمر يكاد يتحول إلى بغاء بدل زواج يا عم حساين.
– هو يعلم أحكام الشرع ثم إنه برزقه.
– لكن من غير قلبه.
– دعه لخالقه يا ولدي إذا لم ينصف بينهن، أدع له بالشفاء.. أنوب عليه لوجه الله مادام سكان القصر يرضون أن يصلي بهم أعمى أو مقعد، أنسيت يوم احتبس عنا المطر وامتدت الشهور العجاف ولم يخرجوا معنا في صلاة الاستسقاء.

«أطيب الرجال من يدأب في خدمة الرجال… قلب بمركز ثابت وبدقات منتظمة… ساعة بتوقيت ما فوق الزمن العالمي وما تحته… زمن القلب ليست له بداية ولا نهاية… مفتوح على التمني والأمل والحب… أعمى، صفر العينين لكنه يتطلع لاسترجاع وهج الشباب… مؤمن من خيرة أبناء الله… بهى طفل مراهق… ندي البنان… قوي العود… صلب الخصال… جعلكما الله قلبا واحدا يعود إليه عبد الله في لحظات قهره، وكلما نزل عليه ضيم كل الدنيا…»

«فرصة لتطهير القلب من الأوساخ وتسريحه من الأصفاد… التداعي… في التداعي خلاصي… سأخبر أبا المكارم بأسرار لا يعلمها إلا الله وبهى… قال لي بهى بأن أم حسين تريد أن تمنحني وجبة دانورة وتكيد لي… ذكية في ملاحقتي ولا أحد يشك في وفائها لزوجها المهاجر… يكفي أن أبتسم في وجهها لتكثر النفقة وتكرمني بالهدايا… زوجها سافر إلى ألمانيا من أجل إسعادها… هكذا يعتقد هو ولا تفعل هي… أخبرت بهى أنها لن تهدأ إلا إذا سقطت في وشيجتها… تمنحني الخبز ولا آكله… نعمة الله أرفضها… ومرة، وضعت لقمة في فمي وأغمضت عيني لأبلعها وكأني مقبل على انتحار فلم أحتمل ولم يسعفني قلبي فأخرجتها من فمي… تعجبني لأنها جميلة… أخشى لعنة زوجها المهاجر ولعنة ابنها حسين؛ تلميذي النظيف والنجيب…»

– سبحان الله العظيم ! أينك يا ولدي ؟
– أحيانا أسافر بعيدا بخيالي فلا أتحسس المكان ولا أستشعر الزمان.
– حتى السيارات تتوقف لتتزود بالمحروق يا ولدي ! لابد لنا من مركز نعود إليه.
– مركز القلب تقصد ؟
– المسألة لا تحتاج إلى وسيلة إيضاح !
– وسيلة إيضاح… شحنوني بوسائل الإيضاح في مركز تكوين المعلمين حتى بدأت أرى الخروف خروفا… قرد، بقرة، برتقال، هذا كل ما ألقن لتلاميذي… حتى الكتب المسطرة في البرامج لا تليق بطفل هذه المناطق المجلية، ثم إن هموم القصر تبلد وتدجن يا أبا المكارم… مشاكل نسائه تبعث على قلق لا ينتهي، قلق يجعل هم التدريس آخر همومي… تودا، امرأة تقتفي آثاري، تجرأت ذات يوم وغمزتني… منحتني دراهم ورفضت استلامها… قد يكون تأرها خشن جدا… كان علي أن أستلمها وأحسن تدبيرها لصالح حسين، تلميذي المفضل… المرأة لا تحتمل عشقين؛ عشق المال وعشق الرجل… تعطي المال مقابل أن يعشقها الرجل… تعشق المال وقد تتظاهر بعشق الرجل… لم أستلم الدراهم… عرق الغربة وما ملكت هجرة زوجها الطيب… لو حضر عقلي معي لأخذت الدراهم وكان حسين هو المستفيد… سأطلب منها أن تغيب عن ساحتي… أذوب لوحدي… المرحلة عسيرة… لقد سبق وعشت حروب النساء… هن يعشقن الغرباء… المدينة… الجنة المفقودة… سلع أسواقها تغري العين… مكناس حفل كبير… سأتخلى عن كل علاقاتي مع نساء القصر… إذا رغبت في مضاجعة امرأة رحلت إلى أحد الأطلسين… لن أنظر إلى أية واحدة منهن… شباب ورجال القصر يركبون العيون ويسافرون على متنها ولو في خضم العتمة… لن أغضب في وجههن… ولن أقول لهن أف ولكن أقول ربي ارحمني من شرهن…
– اختفيت خلسة ولم تستأذن يا بهى !
– هكذا طبعه يا أبا المكارم، إنسان في هروب مستمر وكذلك طبع كل من يسكن هذه القاحلة.
– كنا نتحدث في أمور نساء هذا القصر يا ولدي.
– إنه يحضر لأعراسهن في الواحة أتناء كل ليلة.
– لقد أخبرت أبا المكارم بأطوار تودا.
– إنها تتربص هذه الأيام بأحد العمال الذين نزلوا بدار الإقامة لرسم الخارطة. حمارة يركبها كل من هب ودب وهي تدعي الاستقامة. إني حارس ملعبهن يا أبا المكارم وأحيانا أباغتهن عاريات. يطو بدورها كانت قاصدة المكان المعلوم..
– ومن تكون يطو هذه ؟
– تفاحة يشتهيها عبد الله كما يقول بنفسه.
– أرجوك بهى، لقد أفرغت قلبي إلا الذي نسيت ! النسيان يهددني، ومن قبل كنت أركز بطريقة جيدة. الأيام أصبحت عندي متشابهة. حزن أسود وحنين مر على عشق مصادر فوق غربة قاسية. هكذا يمر بي اليوم، النسيان مرض يكاد يفتك بي.
– أرجوك يا ولدي !
– هو مرض طفيف لأنه لا يؤرقني !
– لا طفيف ولا كثيف، خير أن ننسى. النسيان رحمة.. لنا في النسيان ألف أجر وأنبل ربح. ستريك الأيام أن الغربة والنسيان عذاب على عذاب بفضيلة قلما توجد، وإستقرار لا يحصل عليه إلا الذين تشابهت أيامهم، ستكشف عن هذا عندما تفضل بكل إرادتك أن تحمل اللقمة إلى فم ابنك بدل فمك، وعندما تشبع بنتك وتلاحق الجوع الذي يطرق على باب دارك. واجبنا أن نعتمد النسيان ونتمرن عليه، أن نرضخ له فلا نسير مسار الشقاء. بهى عون لك في هذا الخلاء، هو بردك متى اشتدت حرارتك، وهو حرك متى أراد البرد أن يفتك بك.
– أي حر وأي برد يا أبا المكارم.
– حر الأيام وقر العيش يا صديقي، جحود أقاربي قلص جسدي، أتغذى بالريح كالورل، أكتر من التنهيدات، أنت تعرف هذا وتعرف أنني أنتظر لحظة التسامح العليا، لحظة أحطم حائط الفراق وأفرح للتلاقي بكل الذين كانوا سببا في حزني وعنادي.
– عيشا جنبا إلى جنب، قاوما ولا تساوما، وتصارحا إن الصراحة طريقا ملكيا حتى مركز القلب.
– عبد الله يصارع ويحارب في أكثر من جبهة امرأة واحدة، اللائحة طويلة، سيدة واحدة هي التي تحظى باحترامه.
– ومن هي هذه السيدة يا ولدي ؟
– امرأة ذهب زوجها إلى جبهة الشرف ولم يعد بعد.
– سيعود إنشاء الله وسيرتاح عند زوجته وفي حضن وطنه.

«الحكومة أخبرتها أنه لا يزال على قيد الحياة لكنها كذبت وتعذبت إلى أن وصلتها رسالة ميمونة حملتها إلي في عز الليل بصحبت … شيخ القصر احتفظ بالرسالة لمدة أسبوع… لم يكن يدرك قيمة الخبر الذي كانت تحمل. قرأت الرسالة بتأن وتلاوة سليمة، رفعت وجهي لأجد الدموع وقد بللت لثامها… أخذت الظرف ثانية فوجدت به صورة ملتصقة، ناولتها إياها لتنهمر دموعها من جديد وتسمع تنهيداتها… ناولتني الصورة طوعا… مخيم في صحراء مفتوحة ورجل رث اللباس كثيف الشعر طويل اللحية لكن ثغره مفتوح على ابتسامة بأمل العودة… أخبرتها بما جد في ملف استكمال الوحدة الترابية عموما وآخر التحركات الأممية في الصحراء ففرحت… طلبتني أن أكتب رجعا وشكرتني ورجعت للتو إلى شرفها وفد تركتني أتمرغ في حمأة وطنيتي حيث لم أجد حلا من غير أن آخذ قلما وورقة وأسهر الليل نصفه وأكثر في كتابة رجع جميل…»

«الوضع يبعث على الملل وعدم الاستقرار… على عبد الله أن يخرج سالما من كل الورطات… بهى على علم بكل الأسرار وإني أكاد أتصور بعضها… لن اسمح لبهى أن يلاحقه أكثر… سأعتبر تجريحا ومضايقة… يطلع الفجر ويكون خير… لابد من زيارة قبر كابر… مات مساء البارحة فقط… مات في مثل هذه اللحظة، حين نزل الليل وعم الصمت… لن أنساك يا كابر مهما تعددت النوبات… استرح الآن في عتمتيك: عتمة القبر وعتمة الليل… أما أنا فإني أرى الألوان تحترق على نور السراج… مرت أيام وليال لم أر خلالها الألوان على حقيقتها… أحس بعياء يزحف على عيوني… أتحسس حبات رمل تنغل في محاجري… دموعي تبحث عن مصب، عن وسادة بنوم مريح ومن غير نصائح…»

«العياء تسرب إلى أوصال أبي المكارم… الوسادة انفلتت من جهة ظهره. لم يستشعر… كتفاه انهارا وتجاعيد عنقه انقبضت… هي أكثر من مطرقة واحدة تضرب على الرأس الذي تحول إلى سندان يحتمل الضرب ولو على فراغ… أبدا لن يتقاعس في حياته… لن يرحل إلا إذا ساعدني وتطهرت من دنس نساء هذا القصر ومن بغيض أفكاري… بهى ينصحني وكنت أعتبر نصائحه كلاما طائرا… يحذرني بالمخاطر قبل وصولها ويفرح كلما تجاوزتها… يتحاملون عليه كما لو كان غريبا مثلي… ذكي لا يترك الأثر… عالم بجغرافية الواحة، بكل مخابئها ومطارحها… أخبرني أنه يعرف وشاة كل مرتع على حدة… يحذرني من أن أصل شجرة الرمان ودخول جنان المشمش من جهة النخلة العرجاء كما يسميها بنفسه…»

«باباعمي تعطل… عادة ما يصل متأخرا… ينتظر حتى يخرج المؤمنون وهم قلة… لا ينام ما يكفيه للحفاظ على توازن صحته… الإمامة وتولي شؤون المسجد… يعيش على أرق بالليل وصحوة بالنهار… نبهت بابا عمي للخطر الذي يهدده فأجابني: لنا الموت لننام طويلا…»

– السيد حساين تأخر يا بهى !؟
– سيصل في الحين، أنت تعرف هو مكلف بالآذان، والإمامة وشؤون المسجد.
– ومن كان يفعل ذلك من قبله؟
– شاب يدعى احماد، غريب أمره بدوره؛ كان ماجنا لدرجة العار، غنى ورقص برفقة البنات في كل الأعراس والحفلات، عزف على الوتر وشرب الخمر قبل أن يرجع إلى حواسه ويترك كل البليات ، ويتفرغ للعبادة.
– يعيش على فلاحة أحواضه التي ورث عن أبيه، يزورني بالخزان بين الفينة والأخرى، يخنقه الإيمان ويندم على كل الأيام وكل الليالي التي عاشها يتأرجح بين الزهو والغناء.
– لكن لماذا تخلوا عن هذا الشاب ؟ لو أولوه شؤون المسجد وللسيد حساين شؤون الماء لكان ذلك أحسن !
– لقد منحوه فرصة تلبية لطلب بابا عمي لكنه تخلى وانسحب لما رحل مع جماعة تتعبد كثيرا ولم يعد إلا بعد مضي سنة بأكملها
– العم حساين تأخر يا أحبتي !
– لا تخش عليه ضررا إنه مسرع في الليل كما في النهار، تطاير الوحل أو نزل الصهد.
– نسيت أن أسألك كيف قضيت أيام رمضان في تيهك.
– كل أيامي رمضان يا ولدي، أصوم رمضان وأكثر… الجوع الذي ألاقيه خلال تيهي صوم له ألف أجر وأجر، أطلب الله فقط أن يغفر لي ذنوبا اقترفتها خلال الحرب، أوسمتي التي تقبع في بيتي شاهدة على جرائمي. كنت إذا وثبت لوحدي على كتيبة وأردتها منطرحة تشرب دمها منحوني وساما و استراحة في حضن باغية، هذا هو نمط التنويه الذي كنا نحضى به. أريدني مؤمنا طيبا لكن طيفي المجرم يلاحقني. ولكم صليت على كل جثة عربية وإفريقية كلما هدأ وطيس الحرب، كنت أصلي على هذه الجثت، أدفنها وأضع شاهدة على قبرها… لا أتذكر عدد الجنود الذين أصابهم رصاصي.. مائة، ألف، ربما أكثر، ولو أني كنت أدرك معنى الحرب ما انخرطت في الجندية.. الحنين إلى زينب هو الذي كان يحثني على العودة.. كل مرة كنت أنجو من رصاص متطاير أو اشتباك عنيف كان يتأكد لي أني سأعود وأنعم برؤية المولود، وفعلا عدت وكان الطاهر طفل يحبو وكانت زينب بثدي ملتو…
– ألم تقيموا شايا يا جماعة ؟
– لقد طال انتظارنا.
– استوقفني حماد عند مغادرة المسجد.. المسكين يتألم وزوجته حامل، مؤمن ذابل من غير ريال واحد يستقبل به المولود.
– لو أرجعوه إلى عمله لاشك سيتم إقصاء شيطان الوتر من ذاته بالمرة.
– أخبرني أن شبر التراب الذي يملك لا يضمن له حد الكفاف وأنه مستعد لفتح كتاب لحفظ القرآن الكريم إذا وافق القائد. لقد عاد من رحلته حافظا للقرآن ففرح الناس لهذا وتعجبوا.
– فكرة طيبة ولا أرى ما يبرر منع القائد لمبادرة طيبة !
– فكرة رائعة، ولو علم القائد بالصعوبة التي ألاقي عند استقبال تلاميذ القسم الأول لسارع إلى الموافقة واستصلح مكانا للكتاب.
– حماد ينوي القيام بشغب إذا ما أعرض القائد عن الموافقة، لهذا القائد أطوار كثيرة ووجب التصدي له حتى يعلم علم اليقين أنه وضع أصلا وأساسا ليرعى مصلحة المواطنين ويعمل على إسعادهم وإذكاء روح العمل لذيهم لا ليحبط آمالهم ويغتال أمانيهم.
– المفروض أن يلقنهم حب الوطن بالإخلاص والنزاهة.
– تذكروا ما أخبركم به؛ حماد مصمم على الاصطدام معه.
– لإن السكوت يجلب الإهانة ويقتل الكرامة فإنه وجب عليك أن تسانده وتقف إلى جانبه يا سيدي حساين.
– عبوش تنادي يا بهى !
– لقد حان وقت العشاء !
– وبعدها سأنام، إني متعب حتى العضام.

«نعم إني متعب حتى الجفون وحتى العظام… مطالب بزيارة قبر كابر… أن أستعد للرحيل بعد غد… مكان يسكنه نحس، مند وصلته وأنا أجمع الآلام… ليتني ما وصلته وما حضي ترابه باحتضان قبر كابر… قوم يحفر على الورل والضب… لن أحمل جثمانك معي يا كابر فلا نفس تدري متى وأين تندحر وتنتهي… لقيت حتفك هنا فليكن قبرك هنا… هو ذا قدرك فلتعبث به الثعابين والعقارب…»

– العشاء يا سيدي !
– لم أنم بالأمس يا بهى، بقيت راكضا بقبر كابر خوفا عليه من الانجراف
– لكن الماء لا ينجرف من ذلك المكان، يسيل عنيفا على مقربة من كومة الأحجار ثم يصب في حفر حفرناها وجعلنا منها خزانات جوفية علها تحي العيون التي نضبت، وترجع الخضرة التي ماتت. أنت لم تكشف طبعا تلك الحفر؟ بئر برهوت لا يبعد عن كومة الأحجار، الله كان معك ونجوت.
– وهذا الكسكس صدقة على نجاتي، أين عبوش وزهراء؟ الكسكس يحتاج إلى الجماعة يا رجال.

«آه يا كابر، كنا، أنت وأنا، على قدم المساواة… شرب لي وشرب لك… طعام لي وطعام لك… لم يحدث مرة أن فضلتك على نفسي أو العكس… كسكس بخضر متنوعة… مائدة نزلت من السماء لتقتل شهور الجوع الجاثم على روحي… ليتك على قيد الحياة يا كابر لتلمس يد السيد حساين حين يمنحك لحما أو عظما… رجل شريف الأفعال… كنت دوما تنتشي فرحا باللقاء مع أمثاله… سأتيه بعد اللية يا كابر… لن أرى إلا نجم الليل وخواء المجال… سأتيه حرا طليقا… رحلة عذابي الجميل ستبدأ… سأمشي حتى يلحقني الورم وأموت على طريقتك… لن يهم إذا تحولت إلى جيفة تنهشها غربان الصحراء وزواحفها… لن يهم إذا لم أنعم بمراسيم جنازة وبقبر بشاهدة من رخام… الكسكس عذب لكني لا أستعذبه… موتك قتلت شهية الأكل وجرحت القلب… أشتهي فقط النوم… أن أنام وأتفرغ لوحشة الظلام ولجميل الأحلام… لقبيح الكوابيس… أن أصعد وأتعالى… أرتقي… أن تتملكني قبضة الإله وملائكة النوم… أن أتمدد وأسرح دقات قلبي من تنهيداتها… الحياة من دونك يا كابر عبث… عبث…»

«سجن… معتقل… منفى، هذا المكان… أن أتخلص من مهنتي…. لو كنت أستشف متعة ما لتحملت كل هذا وأكثر… أحس بسفافيد من ضجر تنخر قلبي… لن أمضي السنة اللاحقة على محضر الإلتحاق… لن أختار لعنة تطول بطول السنة… أن أوفر دراهم… راسمال يفتحني على تجارة ما أو غربة ما… ما صنع خلاصك مثل عزيمتك وتطوعك… مصطفى فضل الغربة… وقبلها فضل البطالة على مهنة التعليم… سر يا مصطفى في غربتك وابحث عن أصلك ولا تفكر في العودة… حب الأوطان يكبر في الغربات… واصل الليل بالنهار واصنع مصيرك، إنك ما خلقت لتجمع الآهات في صدرك مثلي ولا لتمسح دموع صغار أبرياء في خلاء الصحراء… أخبرني أثناء عودته في عطلة الصيف أن الغربة لوزة مرة… أخبرني كذلك أن هناك أزمة عاطفية وأن النساء على الأرصفة تبحثن عن عاشقين… قد أفعل كل شيء… قد أتصالح مع الشيطان من أجل الاستقرار هناك… أحمل الأثقال في الموانئ وأوراش البناء… قد أسرق إذا اقتضى الحال… حلال سرقة النصارى… سبق وسرقوا شرفنا… نهبوا خيراتنا… قد أسرق، لم لا؟.. في حينا يسكن لصوص، تعلمت منهم كل الطرق ولم أجرب إلا طريقة واحدة… عجيب أمرهم… هم طيبون في أعماقهم… كرماء بطبعهم… يعرفون متى ومن يسرقون… أحمد مسيخطة… الفانتناف… بروال… المهم، قد أفعل كل شيء إذا غادرت مكناس… لا عين قريب ترى ولا قلب حبيب يوجع… جربت السرقة ذات يوم في إسبانيا… لازلت أحتفظ بالكتب التي فزت بها من الخزانة الوطنية بمدريد… ليست سرقة موصوفة… الكتب أرجعت إلى أهلها… عز علي أن أتركها نائمة على الرفوف من غير أن يداعبها أحد أو يزيح عنها الغبار… أخذتها ولم أسرقها… أستنفع بها أصدقائي الباحثين واعتمدوها كمراجع أساسية لأطروحاتهم… أن أتخلص من ورطتي… ورطتي التي اخترت بمحض إرادتي وكامل وعي وقواي العقلية… مهنة شريفة… كاد المعلم أن يكون رسولا… عزاء جميل ومعسول…»

«قال لي إنه سيعلق القائد على جدع شجرة الشوك… لا أريد ولا أقبل مثل هذه الحلول… لا تنفع مع المخزن… المخزن له يد طويلة… سيلقي بنفسه في السجن… سيترك أبناءه للتشرد في الأسواق… ليس له درهم واحد يستقبل به المولود الجديد… مستعد للجريمة وللعقاب… لا أتمنى أن يتزامن العراك مع وصول أبي المكارم… التهمة عادة ما تمسح في وجه الغريب…سيلتفون ويحاولون توريط أبا المكارم… يا ليت أبو المكارم يعجل بالرحيل!.. مصير هذا الرجل أجهله… مائة داهية تنتظره… يفرحون ويرتاحون له بلباس وسخ… تيهه يؤرقني واستقراره يجرحني… قد أقف بجانبه ضد كل الناس وضد القائد إذا أصابه مكروه… بهى ارتبط به وإني أخشى أن يضيع الماء… لابد من عودته إلى مكناس… سأعين له طريقا للعودة… الموت فقط ينتظره في الأفق الأصفر…»

– مد لي منديلا يا بهى.
– أزح عنك سلهامك.
أخشى البرد يا ولدي، أخشاه بعد كل وجبة كسكس وإذا غادرت الحمام العمومي.
– لكن سوف لن تنام مباشرة ؟
– مد يدك إلى اللحم، من عادتنا أن لانقتسمه أو نعتبره وجبة فوق وجبة.

«أي إحساس هذا الذي يحفر أحشائي… إحساس باللعنة والوهن… أبدا لن تسكت أنفتي عن هذا الضجر والقلق… زمانا، كان الناس يصلون إلى بيتي… يشاركونني كل الوجبات… أن أزور قبر كابر وأرحل… لقد وجب على متقاعد مثلي أن يلقى حتفه في بيته ما لم يصادفه في إحدى الجبهات وأثناء التيه…»

– للقمة الأخيرة ألف أجر وأجر، فز بها يا أبا المكارم !
– هي لعبد الله ولتكون فاتحة فرج في حياته.
– لن ينفعك التيه يا أبا المكارم، عد من فضلك إن أمامك عطش المسافات وكيد حرس الحدود.
– سأنام اللحظة يا رجال.

«تعب كله الوجود والموجود… النمل في جحره… الأسد في عرينه… وهذه الأيام نعيشها من غير أن توفر لنا راحة البال ولحظة فرح… قليلون هم الذين يطلع قمرهم ويشتعل أملهم… الكل يسرع الخطى نحو الغنيمة… الكل يزحف نحو موته… الواحد ذئب للآخر… الغريب خروف الجزيعة… الغريب مصب كل المكر والخديعة… للمدينة مكرها ولهذا القصر مكره الرهيب… يعز علي فقدانك يا كابر، وإنه صعب علي أن أمشي وأذوب معك في دهاليز الموت العسيرة…»

– سأنام ولن أفترش الثرى هذه الليلة !
– ولن تفترشها بعد الليلة !
– تصبح على خير يا أبا المكارم.

«هل أقضي الليلة هنا ؟ قد يضفرون بي أولاد الحرام… سأطلب من بهى أن يرافقني… أن يمدني بسكين أو مطرقة إذا رفض مصاحبتي… يحق الدفاع عن النفس وعدم الاستسلام لأي عدوان… أبو المكارم لا يعلم شر رجال القصر… الطيبون فيه ذابوا في زمن الكيد… لم يجرب عنف قسوتهم وإن سمع عنها… لم يقاس من حزنهم الأسود الذي يسلطون على الفقراء والغرباء… هو ذا العيش الذي رزقت… حتى متى سأظل أحمل الصخرة وأسعى وصول القمة… سأطلب من بهى أن يرافقني… قد أتوسل إليه إذا رفض…»

– يا بهى، هيا بنا ؟
– رافقه يا ولدي، وإن شئت إقض الليلة هناك.
– سأفعل، وإني سأبدأ عند أحواض ماماعدي وأرجع مباشرة إلى الخطارة، ستجد الحمار عند شجرة المشمش.

«إذهب يا ولدي وسيلقاك الله سالما في خزانك… عد إلى جحرك المحفور إلى أعلى… لا تتقاعس فينغرس الذل في أوصالك… اضرب.. ابصق على الذين لا يتحاشون علمك ويتجاهلون قدرك… ما أصبحت معلما لتجمع الآهات ويضرم صغير الناس عنفوانك… لم ترفض خدمة وطنك ووصلت إلى هنا… آمنت أن كل شيء يهون في خدمة الوطن… كما كابر حين قرر أن يتيه بجانبي… ميّت الموت وتاه معي في الجبال والسهول… في التلال ومسافات الكثبان… ستهزم تورعهم إذا بقيت تناضل من قلعتك… من مدرستك… اعتمد على بهى إن لك فيه الصديق والوفاء… قد يغار ويرد العار ويغذي الثأر… خسيسة هي أحاسيس وأفعال بعض البشر… ولكم رجموك يا كابر وما كنت تستحق كل ذلك… رموا أمثالك يالرصاص ولم يفعلوا معك… كان أفراد الدورية يعلمون أني سأعترض الرصاصة ولا أتركها تصيبك… المسيو غوني حدثني عن انحدارك الفقير… أخبرني بذكائك الخارق… عشت كلبا نابغة وحيوانا متواضعا… رضيت بحياة كسكس بجانبي… يعز علي أن أترك قبرك للريح… كنت للعز وللذل… عشت للوفاء والإخلاص…. موتك في الغربة قدر مر… أينك أيها النوم لتفرح جفني؟ أينك أيها النوم المزدحم بالرؤى والأحلام؟.. و قبل قليل كانت إغفاءة تراودني… تحقق أيها النوم وسرحني من سماع دقات قلبي وأفاقني على دقات الحنين إلى التيه أو الأمل في العودة… لتكوني وسادة لأجمل النصائح… وإذا كنت ستنصحينني بالمزيد من التيه فردي نصائحك على أعقابها… أبدا لن تكوني لي شيطانا رجيما أيتها الوسادة… تغربت كثيرا ولقيت في التيه كل فوائده الوديعة… سعدت في التيه… تلقيت أعنف الضربات ولم أتراجع…. موت كابر آخر ضربة… اصطدت وكان صيدي في الأيام كثيرا… تسلقت الشواهق… لم أبك كثيرا حين فقدت الأحبة… آن لي أن أستريح لتظلني صاحبة السيف البتار فتمنحني استراحة أبدية… نفس استراحتك، أحن إليها يا كابر… استراحة سعيدة ما لم يشاغبها ورن، ضب أو طفل… كما الماء أنت يا كابر لكل نبتة، وردة أو إنسان… كابر كنت رفيقي وكنت صديقك والحال أن موتك يمزقني إربا إربا… فراقك حولني إلى رقعة كتان يأتيها الخيط من كل الجهات… أبيض… أسود… إختلطت الألوان يا كابر… اشتبكت الطرقات في الأفق… سأعود إلى المدينة ولو أني تركتها سقيمة على مرض خبيث قلت معه فرص التداوي… تركتها بعدما أصبح تنفسي تنهيدة لا تنتهي إلا إذا عم رأسي وجع محمل بدوار… سأعود وأنفتح على الحياة العمومية… الذي حاول أن يعكر صفو يومي ومزاجي واجهته بلياقته… يلوذ بالنوم وحده من قتل قلبه، أما الذي إتسع قلبه لحب الفقراء وتحول إلى جيوب كثيرة وكذلك استوى عنده الليل بالنهار، فإنه يظل يمزق أغشية الليل ويصول ويجول في دهاليزه الدكنة ولا يفوز إلا بإغفاءة، بتغميضة حمقاء… توقفي الآن يا عقارب القلب واقطعي حبل الصحوة بسيف، بمنشار إن شئت علني أستفيق على سفر يسدل ستار التيه… تركتني يا كابر في خضم الاختلاط ولا بريق أمل ولا وعدا بالنجاة… لست ثعبانا لكني أكاد اسمع ترنيمة العودة وهي تعزف من بعيد… تناديني يا حمدان… أزحف… أشتاق إليك اعترافا بمروءتك وجليل صبرك… معا تهنا يا كابر ووحيدا سأعود… سأحمل رزيتي على كتفي وأعود… إن من يتساكن مع هؤلاء الأندال كمن يتساكن مع الشياطين والأفاعي… عقدة واحدة تؤلف بين قلوبهم؛ الحقد الأسود على كل غريب… سأسافر يا كابر… لقد علمني التيه كيف أسلم نضارة العين لخياشم الليل وتضاعيفه… وهبني المشي صلابة الجبال وصبر الجنود الأسرى… المدينة أمقتها وأمقت معها كل المدن… المدينة تركض في متارس من اسمنت مسلح… تأمر بغلاء المعيشة ومرارة العيش… على هذا تركنا المدينة ! أ تسمع كلامي يا كابر؟ إني أرسله لك عبر المدى الأسود… انتهى زمن المودة والألفة… وحيدا فريدا سأقضي ما تبقى من عمري… عيني تأخذني…. هو بعض النوم بدأ يتسرب إلى محاجري… ازحف أيها النوم على عيني ولا تداعب شطآنها… اركب أيها النوم أعالي بحارها… اسبح في زبدها ولا تبالي بعاصفات أمواج دموعها وبآتيات الرؤى والأحلام… إغفاءة… ولو تغميضة حمقاء أطمح إليها حين يشتد يأسي ويشتعل قنوطي ولا أظفر بها يا كابر… كابر يا أبا المكارم إلى حين ينجلي الليل الطويل… تصفو الأيام من دنس الدسائس… إلى حين تغزو نضارة القمر خشونة الجبال وكل دواهي التيه… ازحفي مزيدا أيتها التغميضة الحمقاء وازحف معها أيها الليل فلا تسطو عليها قيلولة النهار ولا تفوز بها سلاطين الليل… شخير!.. ما هذا؟.. لشخير السيد حساين نبرة صوته… شخير جميل… اشخر مزيدا يا سيدي حساين علك تطرد عياء الزمن الصحراوي وقهر العاهة الأليمة… تطهر من وسخ الآخرين… لا يقلقني بالمرة أن يتعالى شخيرك… شخير الكلاب إذا تعبوا أعنف وأضجر… لا أعتبرك نائما على حسابي… أكره أن أقدم فروض الطاعة لسلاطين النوم… إنك لا تفترش أجفاني ولا تتوسد أهذابي… ينام من يعض على حلمة من ذهب ومن لم يعرف العياء ولا شاغبه أرق الليل… يستحيل نسيانك يا كابر مع هذا الشخير الذي ينفت لعنة اليومي وهموم الواحة… شخير يتصاعد إلى سقف الدماغ ثم ينساب كالماء عندما يسيل على منخفض به ركام كثير… خرير له ألف بحة وبحة… ينتهي برعشة عطوفة فتنهيدة مريرة… أي شخير هذا؟ سبق لي أن عاينت شخيرا يوخز العين… كانت زوجة الجنرال فاروش تغادر غرفة النوم في عز الليل وتلتحق بغرفة أسفل الدار… كثيرا ما كانت تمنعه من أن يشاركها غرفة النوم… كان شخيره يشق الجدران ويشاغب نوم الجيران… يخشى زوجته كما يخشوه الجنود… ينال منها صفعة عند كل صباح ويصرفها بعدد جنود كتيبة المشاة… كان يستثنيني… لا يصفعني لأني كنت اعلم الحقيقة… شخير ينتهي إلى تنهيدة ونهيق يخلص إلى حمى قاتلة… نم مزيدا إنك لا تزعجني… النوم يحصل ويتحقق عندما يشتهي لا لما نشتهيه… ازحف، أرجوك… إستوي على الجفون وحولها إلى دمقس وحرير… إن تواضعت إلى صوف خالصة، ثم الق بنفسك في نعيمها… ولو تغميضة حمقاء… امنحيني نسيانا أيتها الصحراء حتى أنام كما يفعل الضب… أجري وراء النوم ولا ألحق به… أتبع مسالكه ولا أصل… يا ليت نوم الضب يسرق لأسرقه منه… ازحفي يا مياه العين وانشري ضبابك… دخان جسد يحترق من أخمص قدميه إلى سقف رأسه… جسد يحترق حنينا للدارة الأخرى فهذه الدار لا تبقي على أحد يا كابر… ارتح ولا تكترث للإغماء، إذا امتد فإنه بداية الموت… بعدها فقط تشمئز الروح من الجسد، تعافه فتغادره… العودة داهيتي… لست أحتمل مزيدا من الشوق… شوقي سبقني إلى تيزيمي… حمدان ينفخ في الناي مقام العودة… زغاريد تطلع من كل السطوح… زغردة تعلو من فوق سطح الأم مسعودة… شال يتراقص ويرفرف على سطح للامنصورة… جوقة الأطفال تتجاذبني… داري ممتلئة عن آخرها بالأحبة والجيران… الكل فرح وأنا في حضرتهم كما لو أنني عدت من مولاتي مكة… يا مرحبا بي في بيتي… ازحف مزيدا أيها النوم إنك لا تلامس شطآن عيني… إنك على وشك التشكل… يكفيني إذا تناسيتك يا كابر وأعلن انتمائي للفصيلة ذات الدماء الباردة حتى أنام على الأقل… حتى أظفر بتغميضة حمقاء…»

فترة نوم

– صباح الخير يا سيدي حساين.
– صباح الخير، أعذرني إذا أزعجك شخيري ونغص عليك نومك العميق.
– كان عميقا جدا وإن لم يكن طويلا وإنه حمل ما حمل ؟!
– خير وسلاما، سأصلي الفجر وأصلك.

«نوم أحمق التغميضة وبرؤى يصعب فك ألغازها… رأيت زينب بشالها الأبيض… رأيت كابر… شاهدته يلهت في صحراء قاحلة… كان يلاحق حزام للا فاطمة الزهراء من غير أن يصل مداه… كان الحزام بألوان مائية بهية … خلته في البدء سراب لطريق لكن سرعان ما فتحتني رؤيتي على كابر وهو ملقى على الأرض يشكو من عطش أليم… شرب رملا كثيرا فانطفأ عطشه وغاب ثم تركني في تلك القاحلة على عطش مرير ولم يلتفت إلى الخلف… لم يهتز قلبه… لم يشفق ولم يرحم… أنا لا أريد شفقتك ولا أرغب في رحمتك يا كابر وإن كنت فعلت أثناء نومي الأحمق… زمانا،كنت تهديني طريق الضروع والأدغال والبراكين… آن لي أن أستريح وأختار لنفسي برا أمشي فيه… سأترك الصحراء تتيه في مجالها… رأيت زينب وإنها تحتني على العودة… أمير العشاق من يظل يستجيب لطلبات عاشقته حتى إذا ماتت وإذا واراها التراب… أصدق الحب يمتد إلى ما بعد الموت… أصدق العشاق ينال الهبة… هبتي جرح لا يراه سواي…»

– تعالى لجهة البئر يا أبا المكارم، عبوش تهيئ رغيفا بالسمن والعسل، أنت تأكله طبعا ؟
– وآكل كل نعم الله، لا أتحاشى ولا أعاف واحدة منها، وكذلك كان يفعل كابر.. سأشارككم الفطور وأرحل، هل تعلم هذا يا سيدي حساين ؟
– وهل زودتك سلاطين الليل بنصيحة العودة ؟
– لقد حان موعد الرحيل وإنه لا مفر من العودة إلى مكناس.
– رائحة السمن طلعت زكية يا أبا المكارم !
– عليك أن تعلم يا سيدي حساين أن لك بيتا في الغرب، سأفرح إن زرته في يوم من الأيام.
– هل أسكبك حليبا أم شايا ؟
– شايا يا سيدي حساين.
– وحليب الناقة ألا ترغب فيه ؟
– أهو حليب الناقة هذا الذي أرى ؟
– بكل صفائه الأبيض، لقد منحني إياه رحل مروا من هنا.
– امنحني إذن حليبا.
– تفضل، سيطهر قلبك من فيروس التيه ويهديك طريق العودة، وهذا عسل حر، حر للتداوي وإكرام الضيف، قليل منه يكفي إذا خانتك صحتك، حر للملكة.
– اسمع عن عسل الملكة من غير أن أذوق طعمه، يكذبون باعة العسل في كل الأسواق والدكاكين، يطلع مغشوشا كلما إشتريته. يا ليت كلام باعة العسل له بعض صفاء العسل.
– يصنعونه من السكر في الغرب، لن تجده خالصا هناك، سأمنحك منه قنينة للتداوي، إنه إذا أخلط بمسك خالص واكتحل به المرء ينفع من نزول الدمع..

«لن أنساك لطالما بقيت على قيد الحياة… حفلة وداع… قصعة كسكس تشتهيها الأموات… مرت أيام وليالي لم أشم خلالها رائحة الطبخ ولا دخلت مطبخا… الماء وما جادت به الطريق كان زادنا كابر وأنا… أرانب، طيور، وقنافذ تائهة… لكثرة ما أشرفنا على الموت من شدة العطش ونجونا… كنا نحصل على الماء عندما ننساه في أعلى درجات العطش العسير والتحدي الوجودي…»

– خذ حليبا يا أبا المكارم، والأفضل أن تأخده من غير سكر حتى تستعذب معه عسل الملكة، قلما نجد الناقة وحليبها، زمانا كانت الناقة إذا حلبت أروت وإذا نحرت أشبعت، أيام الخير والعز ذهبت أدراج رياح الشوم وجيوب الزمن. سأطلب من عبوش أن تهيئ لك زاد العودة.
– الله يرزقها مزيدا من الصحة.
– لا تخشى شيئا على عبوش، إنها صبورة.. صبورة، لم تنزل سرير المرض في يوم من الأيام. لا تنام إلا في أعلى درجات تعبها، تعتمد خدمة أبنائها، لا تحيا إلا لخدمتهم ولن تنام إلا إذا ضمها القبر، كما تقول.
– كذلك كانت زينب رحمة الله عليها، تستيقظ قبل صيحة الديك. أقسمت أن لا يذهب أولادها إلى المدرسة من غير فطور، عاشت حقا كل أمومتها.
– قلت إنك رأيتها في المنام، خير وسلام !
– سرنا معا على ضفاف نهر مليئ باللؤلؤ والمرجان ثم استرحنا إلى جدع شجرة زيزفون. سألتها عن الطاهر وعمر وأخبرتني بوصول كابر. في لحظة، قبضت على يدي بحرارة وأودعتني خاتما، حتى إذا أردت تقبيلها إشتعل الخاتم في تفاحة يدي وأخبرتني أن الخاتم طار إلى دارتنا وأخذ مكانه في الصوان، وأن علي أن أعود لأفوز به وأفوز بالحكمة. لقد تأكد لي اليوم أنني دفنت كابر ودفنت التيه معه وأنني طلقت حياة الدواهي وضمئت روحي للعودة.
– وماذا فعلت زينب بعد ذالك ؟
– هرولت في نعومة وتبعتها، بقيت أرميها بشقائق النعمان حتى إذا وصلت حديقة زهور الخزامى تحولت إلى حمامة بيضاء وطارت في الفضاء ثم غابت عن بصري.
– قلت إن الخاتم أخد مكانه في الصوان وأنه اشتعل، وهل ترك جرحا.
– جرح من غير ألم أراه لوحدي.
– سبحانه وتعالى ! هو مالك الهبات ومانح الأرزاق، أنسيت يا أبا المكارم أنني رزئت في عيني وكان السبب الماء وشاء وعشت أرزق من الماء. زينب في الجنة وإنها وهبتك بعض نعيم جنتها. عد وعش على هبة الجرح، أكمل فطورك الآن، صعود الجبل ينتظرك وموعد الرحيل يدنو ويقترب.
– لقد عثرت بالأمس على مسلك سهل، رسمت خطا خياليا يربط القصر بالقبر والقبر بالمكان الذي كنت أنوي الاستقرار به.
– وأين كنت تنوي الاستقرار بالضبط ؟
– في مغارة تتقدمها صخرة معلقة وينفلت من تحتها منحدر شديد ينتهي قبل قدم الجبل بقدمين فقط.
– أعرف المكان، مكان لطقوس ولت وولى عهدها. وقد حكى لنا الأجداد عن الشر الذي كان يسكنه. كان مجزرة الضبع كلما فاز بأحد أطفال القصر إذا ضاعوا في البحث عن الضب والورن. ومع انقراض الضبع هرب إليه المغرمون والعشاق وعاشوا الوداد على هياكل الموتى.
– لقد جذبني المنظر وكنت أنانيا .
– مكان يتهافت عليه الناس عند كل غروب وخلال ليالي رمضان، مرتع معلق يفتحك على الواحة ومسافات الجبال. ذاكرة عيني تذكر روعة المكان وتحتفظ بها.
– لن أستقر هنا وسأجعل من قبر كابر نقطة العودة.
– تتكلم ولا تمضغ، فطورك ينتظرك، حدثني عن طعم عسل الملكة وحليب الناقة؟
– عسل الملكة يذيب الأسنان وحليب الناقة يطهر الروح ويطفئ نيرانها الحارقة.
– أنت طبعا لا تحتاج إلى ماء ترشه على قبر كابر، ستمطر السماء هذا المساء.
– وكيف علمت هذا ؟
– كلما انتشر ماء في عيني اليسرى وسال من غير أن يخدش لحم الخد، أحس وأشم لوحدي قفوة إثر سقوط الدمعة على الثرى وأنتظر إلى حين تمطر السماء لأحمد الله على هبته وأصلي له الضحى والتراويح.
– أتمنى أن لا يجرف المطر قبر كابر !
– لاتخشى شيئا، بهى سيتكلف بترميمه متى تعرى ومتى انجرف.
– سأكلفكم عناء إضافيا يا سيدي حساين، لكن اعلم أن كابرا عزيز على قلبي.
– أنا أدرى بعذابك، والحق أنني أمرض حين يمرض حماري. ألم الحيوان يثير شفقة خاصة ربما تفوق شفقتنا على الإنسان.
– أي دواء تناوله إياه؟ أي مستشفى تأخذه إليه؟ كثيرون هم الذين قالوا إن أبا المكارم مجنون لما يداوي كابر، قبره يا سيدي حساين قلادة في عنقك فلا تترك الأطفال والرياح والسيل يعبثون به ويقصفون بشاهدته.
– معناه أن موعد الرحيل لا تضبطه العقربان ؟
– سأرحل، دمت دافقا في هذه الصحراء.
– مسالك الواحة واضحة، إتبع مسلك الزيتون ثم عرج يمينا محاذيا شجرة المشمش، ثم سر مستقيما.
– عجل برحيلي وترحيلي، دعني لا أتيه وأصطدم بحدود وهمية.
– إنها والله وهمية ! زمانا، كنا نطوي الجبال على القدم في نهار وليلة ونصل إخواننا في الجزائر، وكذلك كانوا يفعلون، نتقايض ونتصاهر ونعقد ولائم.
– تتأهب للخروج بهذا الحماس يا أبا المكارم، عد على الأقل لتأخذ زاد العودة.
– سأترحم على قبر كابر وأودعه ثم أعود.
– رافقتك السلامة !

«ها أنا ذا قادم إليك يا كابر واعلم أنني سأعود إلى تيزيمي… سامحني إذا خالفت الوعد وثقبت القسم… افرح فإني سأتركك لاستراحتك الأبدية… أن أتركك إلى ما لا نهاية… إلى حين تتوحد الأرواح وينفخ في السور… قبر غريب، هذا كل ما جاد عليك به القضاء والقدر… الموت في المنفى… بعض موت ابنائي… بعض موتي هنا وهناك… في الطرقات… في الوهاد… في الفيافي… أثناء لحظات صرعي المرير… لن أعود إلى قبرك بعد اليوم لكني سأعود إلى تيزيمي… سأكون لها سياجا من حب ووئام… سأقف ضد تسرب المذلة والمشقة… سأمنع الشيطان من الدخول إلى حينا وسيرجع مغبونا تأكله الحسرة وينخره الخزي… سأرده على أعقابه وستعلم كل الحارات الخبر وتعتمد القدوة وجميل التقليد… سيعود لكل الأحياء فخرها… موتك وصلت وروحك صعدت يا كابر… أما أنا فمن أين لي أن أصعد هذا الجبل؟.. لم أخترق الواحة بالأمس… تقاسمتني أحواضها… لو أني اخترقتها لوجدتني هناك قرب ركام السعف… أكاد أتذكر الآن، لقد وجدتني قرب ركام أحجار… أين الركام؟.. إنه هناك… غريب أمر هذا القصر وغريب شكل واحته… خصر امرأة مكتنزة… السيد حساين يراها بقلبه… لقد رسمت طريقا للصعود بالأمس… لن يضجرني الصعود… وحده النزول يتعبني… نفس الشيء بالنسبة لكابر… ياما انتفخ بطنه وكثر لهاته… لم أتحسس معه ورمه فمات… زحف إلى سذاجته الأولى بعدما عاش على مجد عبقريته… لأتوكل على الله وأصعد الجبل… بسم الله… اصعد يا أبا المكارم فما أوتيت في هذه الدنيا إلا هبة.. هبة الصعود… أن تسمو في الأعالي… أن تطير على جنبيك الغربان… أصعد وقل إني مازلت أحيا وإني سأعود إلى تيزيمي… سأصل الزيتونة المعلومة… لن أتوقف عند دكان الفاطمي… سأدخل داري مباشرة وأنتظر وصول أحبتي… منهم من يكون قد إعتبرني جيفة في الخلاء… أو أنني أركض في مستشفى… لا أحد يعلم أنني حي أرزق وأن كابر لقي حتفه… لو علموا بموتك يا كابر لبكوا… سيحزنون كثيرا على موتك… حارتنا جميلة وأهلها طيبون… الأسى والحزن يتسلط عليهم من خارج الأسوار… زمانا، كان الشباب يلتف حول الطاهر… النساء حول زينب… الأطفال حول كابر… في بيتي كانت تعقد حلقات التصالح… في بيتي كانت تنتزع حقوق الارتفاق… من كبر خيره ازداد تواضعه… من كثر علمه سخره لمن هم في حاجة إلى نور… التي نبضت نهدها وصلت برضيعها فمنحته زينب حليبها… لقد أرضعت رحمة الله عليها سبع أطفال… جدة الحارة كما يلقبونها… سأستجيب لطلبك يا من حييت فصنعت تكاثر الحارة وحبكت التفاف أهلها… قال لي الطاهر ذات يوم؛ إن حارتنا عربية مائة في المائة وإنها تشبه حارات بغداد وحمص والقدس الشريف… لقد حظيت بالعيش في أرجائها يا كابر… أي عمل صالح توصيني به لصالح هذا الحي الذي احتضنك… القبر على مقربة مني الآن يا كابر… لم أتعثر… لحظة الوداع الأخيرة… ستبقى الذكرى… الذكرى تنفع الأوفياء لقد أوصتني زينب بالعودة حين اشتعل الخاتم في تفاحة يديها… السلام عليك وعلى كل القبور الغريبة… هل تسمعني؟!. كيف حالك يا كابر؟ وصلتك باكرا يا كابر… اشتقت إليك يا فرزة قلبي… كيف قضيت الليلة في قبرك؟.. هل تعرفت على أول دودة زحفت على جسدك؟ هل الموت يريح حقا يا كابر؟.. إني وصلت فمزق أغشية قبرك… جئتك أحمل ما تبقى من عزمي على التيه… لقد رأيتك يا كابر في المنام… رأيت زينب… لقد أخبرتني بأشياء وأوصتني بالعودة في أقرب الآجال… كذلك فعل السيد حساين… رجل طيب لا تعرفه يا كابر… أعمى لكنه يرى بقلبه كل ما يلف بالقلوب… لقد تحسر كثيرا على وفاتك… زوجته طيبة لكنها شقية… كلب داره ينبح نزقا ليرحب بالناس وخوفا إذا وصل الذئب… لا يرد اللص على أعقابه… بهى وعبد الله… الأول كان قد غسل عنك وسخ التيه والثاني يعرفك ويعرف كل العائلة… قال كذلك إن كل الكلاب لا تشبهك… إنه يعاني من غربة قاسية… الإقصاء ينهكه… أهل هذا القصر يقذفونه بالحجر وبكل الكبائر والصغائر… لقد جربوا عليه كل الذنوب… العدوان… السحر… إنهم يتمنون لو علقوه… لو قتلوه… وهو يعاني ويتبلد بالتدريج… هنا يا كابر يرقص مواطنون بقلوب من حجر وأوردة من حديد… يطنزون على الغريب حتى يأتون على الطنز كله ويقولون طنزا أنهم لم يطنزوا، أو ليس هو ذا الطنز في أسمى إشراقه وكامل أوصافه… أنت تعرف الناس… عشت مع الناس يا كابر… شاركتهم أحزانهم وأفراحهم… تصور فقط ما تعنيه الكلاب ليتأكد لك أن بعض البشر قطع من فحم… من رصاص… أنت جربت الرجم جروا لم تزل وجربته عندما كنت مستعبدا عند المسيو غوني… كلما مررت عموميا رماك الأطفال بالحجارة… كنت بمثابة المسيو غوني… أن يقذفك الأطفال أو يقذفون المسيو غوني سيان… خلاصك حصل مع وصولك إلى داري… إعتبرت ذلك اليوم يوم استقلالك… عاينت نشوتك وسعادتك بحصولك على خلاصك من النير والاستعمار… بقيت بعد وصولك أقاوم وأتمنى وصول اليوم والساعة والدقيقة التي ينجلي فيها ليلنا ويخرج عسكر الاحتلال… أنت تذكر أن يوما واحدا بعد وصولك إلى داري وصل القبطان والخوجة ومعهما الخائن عبد السلام إلى داري… فتشوها ولما لم يعثروا على شيء “باركوا “لي خلاصك في استهزاء… أغبياء… سأعود يا كابر… إنهم يحسبون الدقائق والثواني… يعتقدون لربما أن الأرض أضمرتني… سأعود وأدخل تيزيمي من باب البرادعيين الذي ما بقي ينتصب على سرياه فرسان ولا عسس… لن يرفضني أهل تيزيمي كما فعلوا مع عبد العزيز التباع… الشمس طلعت يا كابر… صفراء، مكراء محملة بالزكام والحمى وكثير من المطر… بسمتها منفضحة تبعث على الغيبوبة أخشى أن تمطر السماء قططا… سفافيد… أن تجرف قبرك يا كابر لن يلحقك سوء… بهى سيصونه ويحميه من كل نازلة… دعواتي إليك بدخول جنة الكلاب سأظل أبعثها لك عبر المدى والأثير… لن تحول دون وصولها الرياح والجبال… لن تتعبها العقبات والمنعرجات… لن يصادرها رجال الدرك… ولن تخضع لكيد رجال الجمارك… أطلب ما شئت… آه لو لم تمت، كنا سرنا كل مشاوير تيهنا… لكم كان تيهنا يسعدنا… علمنا التيه كيف نعيش وحدة متلاحمة تصمد أمام عاتيات الغمات وعاصفات الأزمات… نرى في نفس الأفق الأزرق حينا وعلى مدى القمم تارة أخرى… نبصق.. نتحدى… وتسرقنا حرقة التيه وتأخذنا فرحة الرحيل… إني أخشى هذه الشمس التي تتشكل من لونها القرمزي الماكر… أخشاها لأنها تخدع السماء قبل البشر… تورط الأطيار في سمائها الباردة… لهذه الشمس عين حمراء بلون دم الحيض… عين تعد بالضجر… بنفس الضجر الذي كان يطلع علينا في جبال الريف…

كنا نحسبه الربيع وصل في حينه ونخدع ثم نقع في شرك السماء ليبللنا مطر ويلطخنا وحل… لمن يا كابر بعد اليوم، سأهمس شجوني وآلامي؟! لمن أحكي سنوات بكائي المكتوم؟!.. بقيت لوحدي في هذه الدنيا… سردينة تعافها كل القطط… أتذكر مودتك الآن يا كابر وأتوسل وصول صاحبة السيف البتار… آه لو كنت على قيد الحياة، كنا استرحنا للحظة وركبنا أقدامنا من جديد… ربما كنا وصلنا إلى أرض الجزائر العزيزة والجريحة ونزلنا فيها سلاما ووئاما… كنا ربما تراجعنا وعدنا إلى الدار… إلى تيزيمي… لا أعتبر عودتي تنازلا… نحن تعودنا على التنازل… من من سكان الحارة وكل الوطن لم يتنازل؟.. سكان تيزيمي تنازلوا لما فتحوا الباب لمنتخبين مجذومين… سأعود يا كابر وسأقف ضد دخول الشياطين… زينب أمرتني بالعودة وأوصتني بها… أنت تعرف إصرارها… لن أرفض طلبها وقد أتتني عذراء على خصلات شعرها شقائق نعمان… أتتني في أوج جمالها وقد غطى مسحة وجهها نور رباني… أرجو أن لا تعاتبني إذا عدت… لقد أردت تقبيلها بعدما قبضت على يدي فتطايرت شظايا الاشتعال… جرح من غير ألم… جميل أراه لوحدي وإنه يمنحني هبة الصبر والصعود… سأختار بعد موتك يا كابر أحبة لي من الفقراء… أولي العزم… أقران الملائكة… سترجع إليهم فرحتهم المسلوبة… انتظرني يا حمدان إني عائد… لا تنفخ مزيدا مقام العودة في نايك… استرح… سأصلكم يا أصدقائي…. سيغمرنا شغف المواويل وننخرط في حرقة التراتيل… من جبهة إلى جبهة… سأعود وأستجلي الدنس الجاثم والعار الموقوت… أعذرني أو انبح غضبا وحسرة… كلاهما منك ينشيني يا كابر… سأنزف وأفرح إلى حين أتوحد معك وأذوب فيك… أهل الحارة سيلومونني على موتك… سيقولون إني تركتك لجوع التيه وعطش المسافات، وأنني لم أحسن بك… كذلك سيفعل عبدا لله… سيقول ظهر أبو المكارم واختفى كما الذئب… لست ذئبا بأنياب وثياب… سأعود لأنك تركتني… سأعود وأنخرط… صحيح أنني مقبل على الشيخوخة… هذا لا يمنع من أن تكون لي أفكارا… أحب الشباب وسأدعوهم لانتزاع المستقبل… هم ينظرون إلى الوجود نظرة ثاقبة… يحبون الطير والقمح والرب الغفور… سأرحب بهم في حظيرة الحب… ما الحب إلا قوة وكمال… الحب موهبة العظماء… الحب يمحو الرجس ويطهر النفس يا كابر… من حبك ما قتل كبريائي الأحمق وعجرفتي الخشنة… حبك ثبت إنسيتي بعدما كنت أباغت أبرياء وأقتلهم في الجبهات… أنت لاشك تتساءل من أين لي بهذه الأفكار… ما أبغض على قلبي إلا أولئك الذين يتكلمون وأجوافهم سوداء… ليس يكفي أن تغطي التجاعيد ويشيب رأسي لأتقاعد… أتناقض ولا أكذب… أسلك كما يسلك الطفل… يلعب ليختبئ… أحب الأطفال ولا أثق بحبهم لي… كانوا يتجاذبوننا حتى إذا ابتعدنا عنهم رجمونا… لازلت أحتفظ ببعض طفولتي في قلبي وذاكرتي… سأعود يا كابر إلى تيزيمي… حيطان أسوارها تحفظ اسمي منقوشا ومكتوبا بالفحم والطباشير والعشب الأخضر… سأعود… لقد اشتاق إلي الأطفال… الشمس طلعت الآن وهنا يا كابر… الشمس بدأت تنشر لوحاتها على الجبال… لوحات الشمس تغري العين… عين السائح… نفس اللوحات كانت توهمك باقتراب المساء… كنت تظن أن كل مساء يفتح على فجر، وأن كل فجر يفتح على ليل، وكان يأتي اليوم بكامله لتتأكد أن اللوحات تشاغب حواسك وتخدعها… أرجوك يا كابر، استفق لتستمع بالنظر في هذه اللوحات المغرية… اللوحة هناك عند ظل الجبل كم هي جميلة… تلاشت وتبددت بمجرد أن وصلت قدم الجبل… لوحة أخرى هناك، تسافر في تثاقل لتهوي في الفج… حزين منظرها… مالت وتمايلت، سقطت كشلال من ظلام… وحدها اللوحات الشمسية كانت تغريك وتخدعك على السواء… كنت أجدها فرصة لأضحك وأمزح معك… أحيانا كنت تغضب ووحدك تعود لحواسك… سأعود يا كابر… حمدان ينفخ في نايه مقام العودة… سأعود… أتخيلني أخترق السويقة وأني اسمع أصوات المرتلين والباعة المتجولين… أتخيلني عند الزيتونة… المعلم علال يداري ماكنته الخشبية ليغزل صوفا… ها أنا ذا أعانق سعيدة… حضرت لولادة سعيدة ورضيت وفرحت للتسمية… طلعت أنثى وكنا ننتظر أن تطلع ذكرا… تبدو لي سعيدة وتطلبني أن أحكي لها كيف حصل موتك يا كابر وكل الذي داريته في تيهي هي الآن أمامي تقدم لي عزاء معسولا… تحكي لي بدورها عن كل الذي حدث أثناء غيبتي… سأدعو سعيدة لترشيح نفسها في الانتخابات التشريعية… لن تنهب المال العمومي واستلام رشاوي… لا أظن أن أحدا سيتردد في التصويت لصالحها… نموذج الفتاة التي تستشار ويأخد برأيها وعلمها… فتاة نبيلة لا شك بحثت عني في المستشفيات وفي مخافر الشرطة… أو أنها أعلنت البحث عني في الصحف ومحطات الإذاعة… هنا، لا أحد يستمع للمذياع ولا الإرسال يبث… محرومون من أخبار الوطن كالغرباء خلف الأبيض والمحيط… حنين عارم يشدني إلى تيزيمي… إلى بريمة… إلى جناح الأمان… أتمثلني أمشي والنساء تزغردن وتصلين على النبي…. سأعود يا كابر وإني جمعت حقائب ذاكرتي… سأحث الناس على التصالح والتفاهم… لن أتقاعس إلا إذا شملت الخضرة مساحات حارتنا وتفتحت ورود الأوراش التطوعية… ولكم سأفرح إذا غرد الزرزور خريفا عند التوتة من غير حرج صهد الكبريت… سأحث الأطفال، بنينا وبناتا، على المواظبة والنظافة… سأبعث برأس مرفوع في تيزيمي وفي كل المدينة يا كابر… كفى تيها إذن!.. لن أحتاج متعة بشكل النجوم ونضارة القمر… لن أخشى وعيد السحاب… لن أرقص على قمم الثلج… لن أروي عطشي بماء المطر… لن أجوع وأتبلل وتدمع عيني يا كابر بعد اليوم… سأترك التيه لأفق الصحراء وخشونتها… إني عائد حيث الوجم يسكن الوجوه… عائد إلى موطن الدمع العسير… لم يحدث أن فكرنا في العودة ولا غمرنا الحنين… كرهت التيه وما يتبعه من شوق مغشوش في غد مغدور… خريف وخريف والفصل واحد… رتابة… منبسطات وجبال… فلاحون وعمال… بشرية تلية… رحل غاوون… سأعود… هو ذا النصر… لن أخشى الموت… الذي مات مرات ومرات لا يخشى الموت أبدا… ثم إني أعتبرني ميتا لكن عضوا صغيرا اسمه القلب يطبق على صدري ويدق في احتشام… هزائم كثيرة… هزائم لا تحصى… خجل فضيع … إنهم ينتظرون طلعتي… يترقبونها قبل طلعة الهلال، قبل الصيام والقيام… اشتقت إليك يا حمدان… أرجوك أن تصبر وتصابر… أن تكابر يا كابر… أن تقصي الإغماء وتصمد للدغ الزواحف… يجدر بك أن تفتخر في قبرك… كما لو أنك لقيت حتفك في جبهة… سأطلب من عبد الله أن ينقش تلك العبارة على شاهدتك… كان ابني يرددها وهو يتأمل فيك… ” ماهيتك لا تنبح يا كابر ولكنها تتيه “… ها أنا ذا عائد إليك يا مكناس… يا أيتها المدينة العساوية، ويا أيها الطجين الحامي… واعلمي أنني لم أنفخ في قربة لكن حمدان نفخ مقام العودة على نايه… سأدخلك أيتها المدينة الفاتنة من عبر أبوابك السبعة و العشرين… سأشرب ماء سقاياتك الإثنا والأربعين… ولسوف يسبح وجهي في هواك النقي… السلام عليك يا كابر وعلى كل القبور المجلية…»
« وداعا يا كابر… »
« كلهم ماتوا… »
« كلهم رحلوا… »
« أجمل المنافي العودة… »
« مغلوب على أمري أنا عائد… »

عبد النبي كوارة، ورم التيه (رواية)

السابق
عفوا… إنه القدر.7 – الظل
التالي
عباس خليفي: شجرة الدردار – القسم الثاني، الفصل 6