آسيا علي موسى

عفوا… إنه القدر. 8 – الربيع والسلام

وقفت آمنة في فناء بيتها الصغير ترنو إلى أفق بعيد متناء، تقلب في رأسها صفحات تاريخ بدالها آت من العالم الآخر.
عادت بعقلها تسعة عشر عاما إلى الوراء مستغربة تقلبات الزمن الذي غدا شحيحا.
تململت في مكانها … تراجعت قليلا و أسندت ظهرها على حائط كاد يسقط من فعل السنين التي مرت عليه .
جلست تنظر إلى أبنائها و هم يلعبون ، فيزيدون من حرارة الجو بفوضاهم .
أنزلت غصة صعدت في حلقها ،حين حط قطار الذكريات بها ذات ربيع رحل .
كان ربيعا ورديا ، أزهرت فيه كل تفاصيل الحياة ، أشرقت فيه وجوه الناس ، اخضرت فيه قلوبهم فأثمرت حبا و
عطاء و رحمة.
تذكر آمنة كيف كانت حبيسة العشر سنين تلهو مع اخوتها كل النهار، يلعبون يتعاركون. تذكر كيف كانت أمهم توبخهم، تعاقبهم على شقاوتهم و هم يضحكون خلسة غير عابئين بدموعهم المنهمرة .
تتذكر آمنة كل يوم أحد ، عطلة الأسبوع ، حيث يجمعهم والدهم للنزهة ، سيارتهم قديمة كثيرة التعطل ، لكن ، الربيع لم يكن يتعطل في المجيء أبدا .
كانوا يدفعونها دفعا بفرح و حماس ، تصمم هي رافضة ،لكن تصميمهم على الخروج يقنعها بالتحرك ، يكتظون فيها حتى لا تكاد ترى كل الرؤوس .
يغنون و يغنون غير عابئين ، يمشون طويلا ، يكثرون البحث على مكان شاغر ، حتى يستقر بهم الحال .
أشجار التوت تطوق الطريق و الناس يقطفون ثمارها على حافات الطرق ، جماعات و فرادى .. و فرح بغير حساب ..الخضراء تأكل الدنيا منبسطة بحنان ، تبتسم لتلهف الكل عليها ، الأطفال يركضون ، يطاردون الفراشات ، يلعبون بقضيب أو ،، حجارة ، أو كرة .. يعبثون ، يتلفون الحشيش و الأزهار . لكن ، كان في الأرض قلب يسع جنون .. كل الأطفال و عبثهم .
الكل هناك كان طفلا صغيرا عابثا ..
العذارى يقطفن بحنين أزهار الربيع البيضاء و الصفراء , ليختبرن بها في سذاجة عذبة و براءة لئيمة ، حبهن .. ثم يتسللن للتجسس على الباحثين على خلوة غير بريئة ، و هن يطلقن ضحكات شيطانية .
أشجار الصنوبر ممشوقة متغطرسة تتلاعب بأغصانها المتدلية نسمات عذبة باردة قادمة من البحر تحمل معها نفحة انتعاش تغمر الجميع .
تذكر آمنة كيف كانوا يتلهفون على وجبة الغذاء التي تعدها أمهم في لبيت ، يقتسمون سندويشات البطاطا المقلية بالبيض ، كم كانت لذيذة ، بل بالنسبة لهم كانت ألذ من شطائر ماك درنالد الشهيرة ..
كان الهواء منعشا ،طاهرا طهارة أرض كانت مسرحا لأحلامهم ومرتعا لامل مستقبل ترقبوه سعيدا .
..تذكر آمنة كل هذا وهي تمصمص شفتيها بقوة أسفا و حسرة ، و قد جاشت بنفسها ذكرى النهاية ، نهاية النزهة ن عندما يكللون نزهتهم مودعين غابات الصنوبر المغمورة بالأمان ،،
حشائش البر المتراقصة ، أزهار الأقحوان المنحنية لله مسبحة .. و نسمات الربيع السحرية ..
تلك الطرق البعيدة الآمنة ..
فتتحسر على ربيع كان يعود عليهم كل عام بدلاله و قلبه المعطاء ..
قلبت آمنة صفحات ذكريات الربيع و الطفولة ، و السلام الذي اشتاقت إليه كثيرا .
ترقرقت في مآقيها دمعات حارة ، حين نظرت إلى أطفالها
و هم يصنعون مسدسات خشبية و يتفننون في تسميتها ، لم تكن في سنهم تعرف هذه الأسماء الرهيبة ..
يلعبون ، لعبة الهارب و رجل القانون ، لعبة لم يفهموا قوانينها جيدا ، فكان رجل القانون يتحول إلى هارب و الهارب إلى رجل قانون أكثر من مرة .
تختلط عليهم الأشياء و تضطرب ، فيكثر ضجيجهم و شجارهم و غضبهم ، فتعلوا أصواتهم ، بإطلاق النار على بعضهم البعض ..طاع ، طاع ، طاع …
كم بكت على الربيع الذي رحل عنهم و لم يره أبناؤها ..
لم تكن تملك إلا أن تأمل في عودته غدا ، ورديا زمرديا ، سرمديا ،ربما أجمل من كل ربيع .

آسيا علي موسى، عفوا… إنه القدر (مجموعة قصصية)

السابق
عفوا… إنه القدر. 9 – كم كنت وحدك
التالي
عفوا… إنه القدر.7 – الظل