آسيا علي موسى

عفوا… إنه القدر. 6 – الانتحاب الدفين

تنطلق من أعماق أعماقنا الملتهبة ،المطهمة باللوعات ، شرارات الغضب و الحسرة لتصطدم بآفاق مسيجة،تطفئ شعلتها و تردها غلينا ضلالا مكسورة ، تذوب ، تغيب في ذواتنا المهزومة .
تخترق كياننا براكين ثائرة ، تتطاير حممها لتصب في قلب الذاكرة المثقوبة ثم تتسرب إلى تجاويف الأعماق القصية ، تلهب فيها لوعة ، الانكسار
الدمع يهمي في سكون و الأمل يتضاءل .
الدم يتدفق في جنون ، والحزن يتعاظم ، عملاق يرفس الأحلام .
…………………………………………………………
ليل المدينة..
…………………..
الصمت يطبق كثيفا على المدينة و جواراتها
الشفق الأحمر ،، وئيد ، وئيد ، تسترجيه أرواحنا مخافة جحافل الظلام ..
الليل آت من جبال الوهم ، يغزو هدوء المدينة.
تراتيل ، تسابيح ، تعاويذ ، ورجاء .
الآهات المكلومة يخنقها الرعب و الموت الجائع يزمجر عاصفا في أبوابنا ،رجفة الروح تسبق رجفة الجسد و الليل طويل ، طويل .
سرمدي يا ليلنا المجنون ، يركض الظلم فيك خيلا يحفر الأنفاق المعتمة و يصنع طرقا للدمار ووديانا تبتلع شلالات الدماء زالرعب يزرع السكون حولنا ، نسمع صوته ، وارتجاج نفوسنا .
تملصت من بين أحضان مدينتنا كل الأفراح ، و بالوعة الأقراح تمتص الآمال .
الشوارع أجدبت إلا من جمرة الحزن وويلات الفراق ،
…………………………………………………………..
الموت في المدينة..
……………………………
الموت تنين شرس تلتهم خطواته الأرض ، يمزق العظام ، الموت بعبع يعربد ماجنا بديارنا ، يرسل صوته الصارخ الطاغي ، عواء يخترق الصدور ، يغزو الحياة ، يغتصب حق الوجود .
تبتلع القبور أجسادا ذبلت عند الولادة ، و تستقبل السماء أرواحا ترحل للمرة المليون ..
أصواتنا المكتومة ، أنيننا ، احتراق الألم فينا ، أصداء صرخاتنا ، أشلاؤنا الممزقة ، المبعثرة ن أرواحنا الحائرة المرفرفة ، كلها تسأل ،
– لم أعياد الذبح لا تنتهي ؟
لم نغرق فيها وحدنا و الدنيا لاهية تغرق في أحلام وردية و قصص الغرام و تتبادل باقات الورود و التهاني ؟
……………………………………………………………….
صباح المدينة.
……………………
المدينة مكفهرة ، تغط في صمت رهيب منتظرة آخر الأنباء رائحة الموت تنطلق من الأحراش تغزو الهواء ،
تأتي نسمات الشروق الكئيب بأخبار مجازر الليلة الأخيرة .
عشرة ، مائة ، ألف ، ترتفع الأرقام ،
أرقام ، مجرد أرقام ، غضب و استنكار ..
لحظات صمت و اندهاش ، والتفاصيل ترحل مع .. الراحلين مسكين يا جسدنا المعنى ، يا أرواحنا المنكمشة في زوايا الخوف تنتظر الرحيل .
يا أفئدتنا الممزقة التائهة في مآتم العزاء و قد هربت منها الكلمات .
يا مآق جفت منها الدموع و أذهلتها المشاهد .
دامية ، ممزقة ، مكلومة ، تعيسة ، يا أيامنا .
صغيرة ، حقيرة ، وحيدة ، فقيرة ، يا جثثنا .
أرقام أنت فقط ، مجرد أرقام..
عشرة ، مائة ، ألف ، من يقول اكثر ؟
……………………………………………………………
حلم المدينة..
…………………
زئبقي حلمنا نركض خلفه ، نطارده كما تطارد فراشات الربيع ، نكاد نمسك به ..
نكاد نحلم بأيام الصفاء و السكينة و الرخاء .
نكاد نحلم بأنا سواسية كأسنان المشط .
نكاد نحلم بأننا بنيان يشد بعضه بعضا .
نكاد نحلم بالحب و الرحمة و العدل .
نكاد نحلم بأن الليل لم يكن إلا كابوسا مرعبا طرده نور الصباح ،
نكاد نحلم بحلم حالم ينطلق من حنجرة براعم تغرد مزهوة
علوك للمجد في دمنا ، أحق بأرواحنا أمنا ..
نعاهد على دفع كل بلاء عن الام بالمهج الغالية.
نكاد نصدق حلما زئقبيا يفلت من شوارع مدينتنا المقفرة ، من جواراتها النائمة ،من جدرانها العالية الشامخة الصماء، الكاتمة أنفاسنا ،
يتدحرج الحلم في برك الدماء و يغتسل من أدران خطايانا ، يلبس بردة العزاء ، يحلق عاليا ليلحق بالأرواح الغاضبة التي لم تكن تحلم إلا بلقمة خبز و.. سلام .
……………………………………………………..
تبتلع المدينة غصاتها ، تكومها في ذاكرة التاريخ ، تمشي الهوينى مرهقة ، تحاول مطاردة الأمل .. و في روحها رغبة في البقاء .

آسيا علي موسى، عفوا… إنه القدر (مجموعة قصصية)

السابق
مليكة مستظرف: جراح الروح والجسد: الفصل 6
التالي
حبيباتــي (شعر)