علي مغازي

التي ليست هي (مقطع من الفصل 2)

في هذه اللحظة بالذات ارتسم أمامها طيف من والدها واستوضحت لبرهة يسيرة قسمات وجهه القانعة المطمئنة، لكن تلميحات من الظلال المتواترة سرعان ما انسحبت على شاشة ذهنها فعكست مسحة غموض شفافة وشاعرية تأنث لها الأفق، لا شيء يكمن وراء ما يتمثل لها الآن… تلاشت كل خيوط النور والعتمة ولم تبق إلا بسمته المنزهة عن كل ما يدل عليها.
وللمرة الأولى فكرت أن والدها كان بحق كائنا بلا ظل يسند حضوره في ذاكرتها.. كائنا بلا خدوش وبلا علامات تدعم فرص تدقيقها في جدوى فرادته، هكذا تقول لأنها هي دون غيرها خلقت لكي تكون ابنة وحيدة لهذا الأب دون غيره.. غمرها بعطاءاته الزاخرة حتى لكأنه كان مدينا لها بشيء أو كان يحاول من خلال ما يبذله لها أن يكفر عن ذنب ما ارتكبه في حقها. وهذا ليس صحيحا أبدا لأن كل ما وهبه إياها كان أعظم وأثمن من يرد أو ترتجى ثمرته.
قبل هذا إنها الآن تحاول…أن توقظ وعيها – بعد كل هذه السنين- على حقول من المشاعر كانت اعتيادية لديها.. وتعيد اكتشاف ما ألفته واعتبرته جزأها الأكثر تعبيرا عنها. تسخّر قدرتها على التأمل لإعطاء وصف كامل للطريقة التي تمر بها نسمة هواء كانت أرق من أن تشعر بها .
ذاك والدها كما تمثلته .. وجه يحترس بالعطاء المرضي ويتدرع به لمواجهة أي خيبة محتملة.. وجه يعلن في كل لحظة حبه المؤلم ويذهب إليه دفعة واحدة.
لقد كان حريصا كل الحرص على إرضائها فهو لم يتصرف معها أبدا بحزم حتى أثناء ارتكابها أفدح الأخطاء بل كان يكتفي بتنقيح بعض عبارات التأنيب المخففة ويحاول أن يسكبها في أذنها وعندما لا يطاوعه قلبه على ذلك يمسح على جبهته بكلتا يديه ويكتم نفسا عميقا ثم ينصرف..
ما أرقه وما أعجزها على أن تكون بمستوى ما تلقت من فيوضات قلبه الكبير. كان كبيرا ومبالغا في حنوه عليها، كبيرا وشاعريا في احتفائه بها إلى درجة الإحباط الذي يترجم خوفه الدفين من ألا يكون جديرا بهذه السعادة الحقيقية، أو ألا تكون هذه السعادة التي هو جدير بها شيئا حقيقيا.هنا يكمن سر المعادلة. فلتضع يدها على نقطة الارتكاز هذه وتستعد لمجاراة منحدر أفكارها التي تراودها في لحظتها هذه.. لحظة توحي بأن إشراقة النهار من وراء زجاج النافذة ستقهر ما تبقى من قطعان الغيوم المتلكئة تطوق عنق ذلك الجبل البعيد، يدغدغ منظر سفحه المخضر عطر الطفولة في أعماقها وتأسر روحها قمته ذات الشموخ اليقيني الخالد كأنها كل يا يبقى عندما يضمحل كل شيء …
مقطع من الفصل الثاني من رواية
التي ليست هي

علي مغازي، مختارات من نصوصه

السابق
حبيباتــي (شعر)
التالي
التي ليست هي (الفصل 1)