علي مغازي

التي ليست هي (الفصل 1)

ليس بوسع العين أن تحفر ظلا في مساحة من البياض لا آخر لها ولا أول.. وليس بوسع الذاكرة أن تستعيد ما لم يكن موجودا أصلا. هذا ما يعرفه الجميع.. لكن هي ـ ولا تخشى أن يكذبنها أحد ـ تدعي أن علاقتها بالأشياء وبالماضي وبالحياة عموما تعد مطلقة الحدود في خصوصيتها إلى درجة تجعلها تعتـقد ـ محقة ـ أن كل ما هو خارج عن ذاتها إنما هو شاذ وغير مبرر أو بالأحرى لا وجود له.. وبالتالي لا يستحق الالتفات إليه. تقول هذا لأنها لا تستطيع أن تبتذل الإيمان بإرادة لا تستخلص شيئا من هذا العدم المفتوح على كل الجهات.
لكن بالمقابل ـ وكم تخشى أن يصدقها أحد ـ تدعي أنها أحيانا تستريح من ثقل عصيانها الفاضح فتهادن متخذة لنفسها أي دور في أي لعبة مجانية تجعلها تطمئن على رصيدها من القرائن الكافية لتحديد المسافة الممكنة بينها وبين من تسميهم سواها.. أي تطمئن على أنها لم تنسلخ تماما بحيث تكون قادرة ـ القدرة السابقة لأوانها ـ على الوقوف وحيدة في مكان واحد، تتفرج على شارع لا أول ولا آخر له يعبره كل الناس في موكب زفاف جنائزي غير مهيب أو … فلـتقل هي تعبر وكل الناس يتفرجون على ما تريد… مختزلين أنفسهم في صورتها ـ التي ليست هي.
_ _ _
هي التي تستطيع تفسير كل هذا ولا تعتبره نوعا من الكذب على الذات، هكذا فكَّرت دائما حتى أثناء وقوفها عارية أمام جزئها الآخر منها الذي يعكس وجهة نظر منافية لقناعاتها تماما وبالتالي فهي لا تتبناها. بل تفترض وجودها لتكسب اختياراتها كل المصداقية المطلوبة وهذا ما لا يتحقق إلا لمن هم مثلها بهذه الدرجة من الوعي الفاحش بذواتهم بحيث يستطيعون أن ينفصلوا عنها قليلا ليروا حقيقتهم بحياد تام وينصتوا إلى أعلى صوت في داخلهم يجهر بكلمته الأخيرة.
– وهي..؟
– هي تستطيع ذلك..
وتستطيع أن تلتقط لنفسها أسوأ صورة ما يمكن أن تكون عليها وتزايد في اقتراف مبررات إدانتها أكثر مما يستطيع خصومها..
– هل لديها خصوم؟
– لا..
إنها فقط تستحضرهم افتراضيا وتلتمس كل الأعذار لهم بما يجعلهم يدلون بكامل حججهم – التي هي ضدها ـ لتشغل نفسها فيما بعد بالرد عليها وإبطالها دون أن تتلقى أية مساعدة ذهنية فعقلها البالغ الصفاء والمرونة كفيل بذلك وستكون له الغلبة كما في كل مرة.
إنها تتحدث من دون أدنى شعور باختلال الضمير، لأنها تكره أن يخِـيبَ ظـنُها في نفسها بسبب مغرورين قد تجمعها الظروف بهم أو تجمعهم بها.. وإنهم لكثْـر مادامت هي هكذا.. تعني مثيرة للانتباه ومعرضة للوقوع في مواقف التباس لا حد لها.
إنها كثمرة سحرية، طازجة وممتلئة تسبق موسمها إلى النضج فتبدو لمشتهيها قاب فكيه أو أدنى.. فهو لا يجتهد في مد يده إليها إنها تأتيه على طبق من ذهب كما يقال بأيسرَ مما ينبغي فلا يأمنُ مكرَ القدر فيها فيعرضُ عنها ولا يقربها خشية أن تكون مسمومة. ذلك لعمري هو سوء ظن ما بعده سوء.
– وهي..؟
– هي ليست قدرا.. ولا تحقد على من نهبوا أظافرها وغرسوها في أعماقهم بمحض إرادتهم تاركين بصماتهم على جراحها، محيطين عنقها بآثام لم تقترفها في حقهم أبدا؛ هكذا الناس يصرون على احتكار دور الضحية حتى لا يشاركهم أحد هذا الامتياز النادر.
– إنها تقول: جميع الناس. فهل هي مختلفة عنهم؟
– لا.. ليست كذلك إلا بالقدر الذي يتيحه فائض الخصوصية المتبقي لها منها عندما تتنازل للآخرين عن كل شيء. إنها تتجاوز الجميع بتكريسها الفاضح لمفاهيمهم التي كأنها وجدت لاضطهاد مشاعرها.
إنها عادية أكثر مما يجب:لا تعطي إلا ما تفتقد. مباشرة حتى النخاع: تجيء من أقرب الطرق وترفض التمنع. لا حدود لتلقائيتها بحيث يبدو صدقها مبرمجا .. وتسامحها سذاجة.. وتبدو إشاراتها الطفولية رموزا تستعصي على الفك.. وبراءتها تبدو جرأة ومجونا. هي هكذا..الطرف الأوحد والحكم والمتفرج في لعبة هذا الفصل الأخير الحياة .. لعبة لا تخص من تسميهم سواها؛ دأبت على ممارستها بمتعة لا تضاهى ولا تلغي شعورها بذا الحياد التام تستدرج نفسها إلى برودته شيئا فشيئا وتكيفُها على نبضاته بما وُهِـَبتـْه من قدرة على الإلمام بالنسيان وتقمصه.. نسيان ما يتراءى لها مما تستدل على أناها به: ظلها المفرط في تلاشيه تنشق عنه مرآة نبيهة يتناهى إلى عمى الكون ضوئها اللاسع..
هي أثر يسبق الخطوات..
صدى يصحح وجهة الطريق..
واو تشمر على نسغها المبثوث في خشب التراث وتذهب إلى العمل.
[2]
أخيرا تبين أبيضه من أسوده خيط هذا الفجر المكلل بحبات الندى الأخيرة وانْكمش غصنان طالما أوشكا أن يفتِّـحا ثقبا طريا على زجاج غرفتها ذات الجدران الموردة والستائر البيضاء الرهيفة كأنها أجنحة ملائكة تدلي أطرافها المشرشفةَ على أصابع قدميها الاثنتين وهي مرتمية على سريرها أيما ارْتماء تتحسس وقع خطاه البطيئة في القلب؛ خطى هذا الصباح الآتي من بعيد.
آت ولا يصل..
يبشر بأشعته ولا يغرسها في خلايا جسدها المحترس من معناه ودلالته، الذائب في رغو نعاسه الباذخ..
هذا الصباح العابر.. يعبر ولا يلتفت. يلتفت ولا تثير انتباهه تلويحةٌ اخْتنقت خلف دمع الزجاج.. زجاج غرفة يتدلى من سقفها العالي مصباح عتيق حطت فراشات ضوئه على أصابع قدمين ارْتدَّ عن بياضهما غطاء مورد لا حواف له ثم انْدنى…. وفي آخر الأمر انزاح تماما فإذا بتنهيدة تنبعث من العمق يهبُّ لها صمت المكان واقفا منتصبا كروح تبلطت قبل أن تمتد إليها يد التي أخذ النوم قميص نومها.
_ _ _
شهرزاد …هذا اسمها في الوثائق الرسمية اختاره لها والداها بعد اتفاق تاريخي أبرماه معا في أول لقاء جمعهما قبل عشْـرِ قرن من زواجهما. فهما ـ كما عرفت في أولى سنوات حياتها ـ قد عاشا ما سمياه دائما ” قصة حب عظيمة” ناضلا خلال فصولها الطويلة وعانيا أكثر مما يتصوره العقل حتى حققا بعد عمر مديد ما أرادا:غايتهما في أن يكونا معا وإلى الأبد. وكانت مظاهر احتفائهما بهذه النهاية السعيدة تتجلى أكثر في العناية الأبوية النادرة التي أولياها لها- قبل وأثناء وبعد ولادتها- ذلك لأنهما طالما كان يريان فيها الثمرة الحقيقية التي توجت انتصارهما وأكدت جدوى شراكتهما وتلاحمهما الفريد. هذه الثمرة دخلت حياتهما بعد سنتين من عقد قرانهما.. سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيام.أي في 19 أبريل 1978 يوم ميلادها طبعا.
لقد كان لاسمها تاريخ قبل أن تولد أكثر مما كان لها هي بعد أن ولدت. فقد سبقها اسمها إلى الحياة؛ وأخذ مكانها في حضن والديها الذين – كما قالت – ناضلا عشر سنوات كاملة دفاعا عن حبهما.. واسمها تعطر بكلماتهما وهما يحلمان بها.. واسمها ركض على العشب وقفز على مقاعد المغرمين في الحدائق العمومية.. واسمهضحك وبكى وتمنى واختار ألعابها دون أن يستشيرها وخطط لمستقبلها وللون عينيها وطعم ابتسامتها واختصاصها في الجامعة وشكل الرجل الذي سوف يأخذها إلى فراشه ويزرع في أحشائها طفلا يكون حفيدا مكملا لصورة جدين رائعين هما والداها. ما أرقهما وما أعجزها على تحقيق ما تمنيا إذ لم تكن عيناها زرقاوين كما قدرا ولم تكن ابتسامتها ملائكية كما تخيلاها بل كان فيها من الشحوب ما يعطي انطباعا بأنها لا تليق إلا بشفتيها هي ـ هي.. ويشار إليها: هي التي تشرب الخمر أحيانا، وهي التي تدخن دائما، ولا تريد لبطنها أن يتكور ويسكنه جنين ولا تريد أن تعترف بأن هذا الاسم (شهرزاد) له معنى في حياتها فهو أغرب ما يكون عنها لهذا تجدها لا تمانع أن تنادى “شهيرة” اسمها الذي لا يتذكر أحد كيف بدأ تداوله بين أفراد الأسرة على الرغم من حرص والدها على استعماله كاملا صحيحا “شهرزاد” هكذا كما جاء في كتب التراث تلك التي لم يقرأ صفحة واحدة منها ولا من غيرها.. وعلى أية حال فلا وجود للكتب في ذلك البيت ولا وجود للأوراق كل ما هناك صناديق صغيرة تحتوي على صور ومناديل وأغراض مختلفة ورزم من الرسائل لو جمعت وصففت لشكلت كتابا ضخما يصلح لأن يكون تراثا يخص والديه وحدهما.
إذن فهي شهيرة وكم يعنيها أن تدعى “شهرة ” اسمها النخبوي: كما اصطلحت عليه ذات مرة في رسالة كتبتها بقلم الرصاص نهاية الخريف الماضي.. وبعثت بها إلى رجل ـ قد يبلغ سن الأربعين بعد أقل من شهر ـ رجل تمنت لقاءه في لحظة ما ولم تجد تفسيرا لما دفعها لارتكاب حماقة بهذا الحجم ـ حماقة التمني.
هي تذكر أن رسالتها تلك رغم كل ما جاء فيها إلا أنها لم تكن أكثر من محاولة غير مبررة لاستعادة ماض مليء بالأسئلة أرادت اكتشافه مجددا بأقل ثمن ممكن.. فقد كان لهذا الرجل معها أيام الشباب مواقف وذكريات ـ أي قبل اثنتي وعشرين سنة ـ تركت آثارا على حياتها كما تركت وراءها ثغرة لم تسعفها الظروف لسدها
إنها تقول: رجل. ولا تجرؤ على ذكر اسمه. ليس لأنه لا يستحق ولكن لمجرد أن التفكير به أمر لم تعهده وقد يجلب لها متاعب روحية هي في غنى عنها. لقد عرفته أو بالأحرى عرفها أثناء دراستها الثانوية ونسيته فيما بعد بطريقتها الخاصة ولم ينسها هو أبدا
كان فيه الكثير من ملامح والدها لكن شخصيته مختلفة تماما. كان غريبا ومجروحا في أعماقه. خجولا وفنانا. مترددا ولا حدود لجنون عقله.
– هل تذكر اسمه الآن؟
– بلى. إنه مولود الساهي.
الذي كان دائما يحبها وكان ساهيا وحاد النظرة.. ساهيا ونحيل الجسم.. أعسر وله ميولات علمانية، يكتب أشعارا غامضة، مثقلة بالرموز وبالكلمات الصعبة. هو أول من ناداها شهرة وتغزل بكل حروف اسمها:
ش..ه..ر..ة :
هن ـ لهن قامة الرمح
نزلن كي يشربن من جرحي
…. ….
ش..ه..ر..ة :
برق وخيل
وشهوة تسيل
قطرة فقطره
ذبذبة .. ذبابة لها جناح فكره
…. كذ .. كذا ..وينطلق التصفيق عاليا وتنطلق صيحات زميلاتها وهن يحاولن قراءة ما تبوح به عيناها وهي تسمع كلاما ليس عاديا. كتب خصيصا لها أو عنها .. كلاما لا يقل جودة عما يأتي به مدرس الأدب ذي القامة القصيرة والعينين الجاحظتين اللتين لم تخفيا أبدا بغضهما له.. هو التلميذ الساهي..الجالس في آخر الصف.. المستهتر بكل قوانين الدنيا .. الحامل بين جنبيه حبا قاوم فيما بعد كل رياح الخيبات التي هبت عليه طيلة أكثر من عشرين خريفا ليعطي ثمرته في نهاية المطاف كتابا باللغة الإنجليزية. وصلتها من عنده قبل شهرين نسخة منه عليه إمضاؤه.. مولود الساهي…هكذا..ردا على رسالتها تلك في أكتوبر الماضي.
كان هذا أول كتاب له يظهر فعليا في السوق.ولأول وهلة أعجبها شكله فهو بحجم علبة شريط فيديو ككل الكتب التي تصدرها دار طروبادور للنشر التي لا تذكر كيف عرفت أن مؤسسها الأول قد اغتيل في سكة حديد قبل سنوات عدة بسبب أفكاره وآرائه الجريئة. لقد تحدث عنه مولود في كتابه هذا كما تحدث عنه من قبل في أحد حواراته الصحفية السابقة
هاهي ذي قد بدت متابعة لأخباره ما استطاعت .. ولكنها تتساءل في سرها أحيانا عن سبب هجره اللغة الأم واتجاهه إلى الإنجليزية، وسبب هجره الشعر واتجاهه إلى السرد، وسبب وصفه لها بأنها سيدة حياته الأولى. وبطلة كتابه chahra or a man near the window والذي يعني بالعربية وبكل ألم” شهرة أو رجل قريب من النافذة”
– من هو هذا الرجل؟
– بلا شك هو مولود
– وأية نافذة هو قريب منها؟
– بلا شك أيضا أنها لا تختلف عن تلك التي انكمش وراءها غصنان طالما أوشكا أن يفتحا ثقبا على زجاجها قبل طلوع شمس الصباح الآتي من بعيد..آت ولا يصل.
– واسم من شهرة؟
– إنه اسمها النخبوي.. الأكثر تآلفا معها والأكثر جدارة بها..اسمها هي :هي التي لا تأتى من أي مكان ولا تذهب إلى أي مكان. هي التي .. – وكما يحدث في حلم – تمر غير بعيد عنه – وقبل أن يهبَّ من مكانه تلتفت هي إليه وتشمله بنظرتها التي وصفها بأنها خالية من أي يقين كرصاصة تغفو داخل كومة قطن.. هي بقامتها المعتدلة وبثيابها التي لم تنزع أبدا عن هيأتها طابع الحياد التام.. تأتي من مكان ما وتذهب إلى مكان ما.. لكنها لا تصل أبدا. هذا ما خطر بباله. أو هذا ما أملاه عليه – ما ادعى أنه – شعور الرهبة الذي طالما تملكه كلما اتسعت عيناها وفاض سحرهما على ملامح وجهها المستعصي على نعمة التذكر ..وجهها ذي الشفافية البالغة…لقد حاول في أولى فصول كتابه أن يستحضر طيفها في مخيلته وأن يجد لها أثرا في أشيائه فلم يوفق. فصار في الفصول الأخيرة يكتفي باغتنام لحظاته الشعرية معها.. فما خذلته إن هو انجذب إليها ولا طلبت وصله إن هو فارقها وكان غموضها يشتد كلما اشتد عري روحها فهي كالشمس تهزم كل جفن غض يتطلع إلى إشراقها ..
شمس الصباح الآتي من بعيد.. آت ولا يصل يبشر بأشعته ولا يغرسها في خلاي جسدها المحترس من معناه ودلالته، الذائب في رغو نعاسه الباذخ..
_ _ _
هي لا كما حلم به والداها قبل أن يلدا (فجيعتهما). ولا كما تطورت عليه الأمور معها قبل أن يكتمل وعيها بذاتها ويترسخ يقينها بفرادتها. ولا كما صورتها قصائد ذلك الرجل القريب من النافذة والذي ترك ثغرة في حياتها لم تسعفها الظروف لسدها فجاملته بأن اعتبرت “شهرة” اسمها الأكثر نخبوية أقرب ما يكون إليها.. ربما تكريما له.
شهرة؛ هكذا ناداها محمود ذات صباح مرشوش بزرقة سماء سبتمبرية خفيفة على القلب والروح معا، تـثير الحنين إلى الذكريات غير المتوقعة. كان ذلك قبل ربع قرن.. في يوم من أولى أيام الموسم الدراسي “حيث خرجت…”(الوصف هنا لمحمود الساهي)”…خرجت مرتدية حذاء من القماش الخفيف، جرسي الشكل ومشدودا إلى الأعلى لكن بالكاد يغطي ترقوتيها.. وبه حراشف باهتة، متدرجة، تتكثف في أسفله فيبدوـ أي قميصها ـ(هكذا كتب محمود في روايته)”… يبدو غير مهيأ لملامسة سروالها القطني ذي الانخفاض المضاعف
تلك هي بقميص الدمية في قرية الأشباح.. وسروال ينسي ما يمكث من رغوة القهوة المركزة على بياض الفناجين.

قهوة تنسف الأعصاب.. قهوة بانتظار السكر المكوم هنا على لحمة السرة.(ويفتعل محمود ضحكة داعرة) هنا….. ك ويشير بإصبعه. فترتعش الظلال على حواف سروالها المنخفض للمرة الثانية.. ومحمود رغم قامته بدا منخفضا جدا..
الخطوط المنمشة تنسل من أقاصي دورة البطن وتنساب منقادة إلى العمق.. ومحمود منقاد أيضا إلى العمق:عمق ذلك الجرح الملتئم بعفوية سريالية دقيقة.. وببذخ لا يستجدي الرغبات..(نعم).. بذخ خالص لذاته.. وزاهد إلى أبعد الحدود..
بذخ متعفف.هل يصح هذا التعبير؟ ربما.. فلتضعْ نقطة توقف.”وكان هو يحملق في سرتها وكانت هي تحملق في عينيه” ربما.. ثم تضع نقطتين لتتقدم خطوة باتجاهه… الكلام هنا ليس لراويها. الكلام لها:”فقد رفع محمود بصره عنها فيما ترك رأسه متدليا يكاد يلمس قدميه كما تراه هي من علٍ مكوما على أطرافه مستندا إلى ظله الذي لفقته خميرة هذا الصباح الآتي من بعيد”
آت ولا يصل..
– وهي؟
– هي تحب الصباح.. وتحب أن ترى الناس يمشون.. وفي كل خطوة يتعرون أكثر
للصباح صوت.. للصباح رائحة.. للصباح عيون زرقاء أو سوداء.. أو عيون تتماثل إلى الخضرة.. تنعس وتتضرع وتضحك كذلك..
وهي تحب الصباح والنوافذ والأشجار التي تصلي في كل وقت.
للصباح أيضا أصابع خشنة ومنقطة بالوشم أو ربما أصابع أرق من نار لا مصدر لها..للصباح معطف رمادي أو فاتح اللون.. وله قبعة تسرقها الريح أحيانا.. له مطرية كتلك التي رأتها في الحلم تحملها فتاة صغيرة ذات شعر أصهب وذراع ممدودة إلى أعلى.. أعلى مما يمكن أن تكون عليه تفاحة عالقة بالسماء اشتهتها وهي طفلة واشتهتها اليوم وهي تلهو بالبحث عن شكل نهائي لأسلاك تتراءى لها في عماها ويبهرها برقها… وسوسات ألوان وخرائط تتراشق بمفاتيحها..
مطر من الصباحات تتهاطل قطراته..
لصباح يدخل الآن في كل شيء.. في الزجاج وفي خشب الطاولة.. في جبين تلك الطفلة التي صادفتها ذات حلم ترسل في الفراغ الرحب ضحكاتها العميقة. إنها تضحك والصباح يزداد إشراقا. الصباح يضحك كذلك. إنها تتباكى.. تغمس إيماءاتها بدلال مفضوح كلما تجاذبت الريح فستانها أو شدت مطريتها فلا هي تقوى على الصمود ولا هي ترضى أن تجاري التيار ثم يحدث أن تتراجع قليلا فإذا هدأت الريح ولانت لها برهة انطلقت كعصفورة خرافية إلى الجهة الأخرى من الحلم. غير مبالية بما علق بها من شوائب ومن نظرات. هي الآن تبتعد شيئا فشيئا.. والعالم أيضا يبتعد. ولا يبقى إلا ظل رجل يدعو بنظرته الرحيمة صورة التي ليست هي ويغريها بأن تستعير عينيه وترى بهما فيهما ما تريد. هذا الرجل هو محمود الذي لم يعد ساهيا يجلس بالقرب من نافذة أعلى من يد طفلة ذات شعر أصهب علقت تلويحتها في نهاية الحلم ثم غابت تاركة طيفها واقفا منتصبا كنبع تجمد قبل أن تلامسه شفة التي أخذ النوم قميص نومها.
في هذه اللحظة بالذات ارتسم أمامها طيف من والدها واستوضحت لبرهة يسيرة قسمات وجهه القانعة المطمئنة، لكن تلميحات من الظلال المتواترة سرعان ما انسحبت على شاشة ذهنها فعكست مسحة غموض شفافة وشاعرية تأنث لها الأفق، لا شيء يكمن وراء ما يتمثل لها الآن… تلاشت كل خيوط النور والعتمة ولم تبق إلا بسمته المنزهة عن كل ما يدل عليها.
وللمرة الأولى فكرت أن والدها كان بحق كائنا بلا ظل يسند حضوره في ذاكرتها.. كائنا بلا خدوش وبلا علامات تدعم فرص تدقيقها في جدوى فرادته، هكذا تقول لأنها هي دون غيرها خلقت لكي تكون ابنة وحيدة لهذا الأب دون غيره.. غمرها بعطاءاته الزاخرة حتى لكأنه كان مدينا لها بشيء أو كان يحاول من خلال ما يبذله لها أن يكفر عن ذنب ما ارتكبه في حقها. وهذا ليس صحيحا أبدا لأن كل ما وهبه إياها كان أعظم وأثمن من يرد أو ترتجى ثمرته.
قبل هذا إنها الآن تحاول…أن توقظ وعيها – بعد كل هذه السنين- على حقول من المشاعر كانت اعتيادية لديها.. وتعيد اكتشاف ما ألفته واعتبرته جزأها الأكثر تعبيرا عنها. تسخّر قدرتها على التأمل لإعطاء وصف كامل للطريقة التي تمر بها نسمة هواء كانت أرق من أن تشعر بها .
ذاك والدها كما تمثلته .. وجه يحترس بالعطاء المرضي ويتدرع به لمواجهة أي خيبة محتملة.. وجه يعلن في كل لحظة حبه المؤلم ويذهب إليه دفعة واحدة.
لقد كان حريصا كل الحرص على إرضائها فهو لم يتصرف معها أبدا بحزم حتى أثناء ارتكابها أفدح الأخطاء بل كان يكتفي بتنقيح بعض عبارات التأنيب المخففة ويحاول أن يسكبها في أذنها وعندما لا يطاوعه قلبه على ذلك يمسح على جبهته بكلتا يديه ويكتم نفسا عميقا ثم ينصرف..
ما أرقه وما أعجزها على أن تكون بمستوى ما تلقت من فيوضات قلبه الكبير. كان كبيرا ومبالغا في حنوه عليها، كبيرا وشاعريا في احتفائه بها إلى درجة الإحباط الذي يترجم خوفه الدفين من ألا يكون جديرا بهذه السعادة الحقيقية، أو ألا تكون هذه السعادة التي هو جدير بها شيئا حقيقيا.هنا يكمن سر المعادلة. فلتضع يدها على نقطة الارتكاز هذه وتستعد لمجاراة منحدر أفكارها التي تراودها في لحظتها هذه.. لحظة توحي بأن إشراقة النهار من وراء زجاج النافذة ستقهر ما تبقى من قطعان الغيوم المتلكئة تطوق عنق ذلك الجبل البعيد، يدغدغ منظر سفحه المخضر عطر الطفولة في أعماقها وتأسر روحها قمته ذات الشموخ اليقيني الخالد كأنها كل يا يبقى عندما يضمحل كل شيء …
مقطع من الفصل الثاني من رواية
التي ليست هي

علي مغازي، مختارات من نصوصه

السابق
التي ليست هي (مقطع من الفصل 2)
التالي
هذا الوجه… ذلك المكان: 2- خريف مغشوش