عبد العزيز الراشدي

هذا الوجه… ذلك المكان: 2- خريف مغشوش

إلى الشاعر الجنوبي رشيد مونيري

أ -خريف المكان:
كل كائنات الكون تنمو وفق نظامها الداخلي.
و الصحراء لا تنمو وفق هذه الرؤيا (لا تنمو). لا ينمو خريفها المغشوش على الخصوص. لا سُحبها المعلقة ، ولا بداوتها التي تشتهي بعضا من الحداثة تصنع توازنها.
و خريف الصحراء نظامه مجاني كالكلام. لا يعوقه التموج, لا المطر اليسير ولا طرطقة السروال على لحم الأمازيغية. يصنع أسطورته بملامح أكثر تثاقلا ويغشى كائنات الكون في الصباح والمساء قادما من زمنه الشخصي, ومن تقاسيم الفلاحين والرعاة الذين يعبرون إلى زمن العولمة الجديدة جدا بملابس وملامح أرث, ببعض التبغ وكثير من الفيديو كليب…
ويغشى الشاعر الحساني إذ يقايض روحه بالمحبوبة فيسرجُ الجمال..
يغشى الخريف كائنات الكون, كما تغشاه السحب, لكن السحب خفيفة, وكل الكائنات ثقيلة كالهم: بالرصانة و الرتابة.
لذلك لن يوجع كائنا تربصَهُ بالحكي فيغدو نحو دواخله ليسجل ما يحدث. مقتربا من ملامح الخريف الأكثر إبهارا، عابرا نحو صوت الجنوبيات الأقرب إلى الأنوثة ونحو ضوءهن الشحيح. يرعين بخفوت واضح أصواتهن وسمرتهن كالخمر جارحة.. والجنوبيات يُقتّرن الكلام ويَعْبرن بسرعة مجنونة من الطفولة إلى الكهولة لينجبن أحفادا متخففات من تطور الكائن البشري ,متخمات بتجارب الفضائيات: تعلمهن المسلسلات الكلام.
وتقول الأنثى انفث صدأ روحك وتخط الحواجز وهيا إلى الشبق المنظم لتمسح رعونة الليل, تثاقل، لا ترتجف، أحذر أن تنام وأنت معي. فيقول لها: العبور من الذات إلى الموضوع صعب وحليبك حامض.
يغشى الخريف الشجيرات الصغيرة فتنمو ببطء وثقة في حديقة المنزل ليلا كيلا تزعج أحدا .تُفاجيءُ بأوراقها وأغصانها تكبر صفراء على الأرض ولا تحس هشاشة ولا موتا ولا تكتب شعرا وجوديا فهي ليست مريضة بالوهم والوسواس وهي تؤمن بحكمة الهنود: لا شيء يفنى كل شيء يعود.
و يغشى الخريف الكائنات متوغلا في المكان, معرجا على الحقول و البوادي ضاحكا من نقص المحصول وهشاشة الدخول المدرسي. و يرى في الإطار أطفالا يقرأون ولا يكترثون لعلامات الترقيم كروائي تجاوز افقه.. لا يكلم الخريف الريح فهو لا يحكمها ,ولا يكلم الشعراء الذين يحتمون بالمقهى الصغير يعيدون اكتشاف الماغوط وانتقاد المشهد الثقافي.
والخريف يعلم أن الصحراء ليست له بحكمة الأولين والآخرين وأن المدينة/ الواحة مُزورة ككل المباني القليلة المزروعة، كأفكار الشعراء الليلية التي يمحوها النهار. كالسيارات القليلة والشارع الوحيد. كالبغايا والعاطلين الذين لا يجرءون على التظاهر لأن البوليس يحرس انتظاراتهم.
المصير واحد والخريف باهت. والكائنات تحتاج من يحك أوجاعها كي تبهت. لذلك يَسْبَتُ الوقت سريعا فتزاول الأمطار مهامها وتصبح أشعار «الهايكو» أكثر جدارة فيحصن المدرسون تحاضيرهم ينسون النظريات التربوية ، ويلجأ ون إلى الفندق معتصمين بالرغوة الأكيدة.
ما العمل؟ ما العمل؟ يعتصمون ببرد المدينة من هواجس قد تحط على القلب ومن عدم التوازن يظلون هناك ينتظرون خفوت الليل. والريح تخفت قليلا فتتوهج الأمازيغية.
لا تتوهج الأمازيغية عادة في الفندق إلا في السبت. تتثاقل صافية وبيضاء كاللبن.تحرك خصرها على إيقاع الكمنجة فيموء الموزون ويتلألأ اللباس. لا تفعل شيئا سوى تحريك خصرها – أقول نسبيا – فهي تحرك القلب والعواطف والشغف بالفن والجسد.
وقبل انفصال الواقع عن الرؤيا يحيط بها حماتها فيرتعش الليل والقلب والكمان وبياض الجسد القليل في الصحراء.
الكائنات ترتعش وتستزيد من الرغوة الليلية وتناقش مدارس الشعر.. يدب التنمل في الروح والساق اليسير وتكرع الكائنات مزيدا. تحتمي من برد الدواخل ومن نقطة ارتكاز المرأة المرتعشة. يطول الليل فتقصد المرأة الغرفة لتحلب اللذة وتظل حتى الصباح تحلب.
تحلب تحلب. وتتمنى في قرارتها أن تظل في منتصف الشهوة ولا تبلغ نهاية الرحمة حتى العصر أو حتى تصبح الانتخابات نزيهة في بلدها.
ستنام النساء المستعملات في الخريف بعد التعب ولا يوقظهن الطبل البلدي والبوليس يراقب النساء والمعطلين، لكن الكائنات تستأنس بالأحمر والرغوة وترتق به لوعة الداخل.في الخريف أيضا – كصورة أخيرة – ربما يتعقب المرشدون السائح الأشقر و تتـعقب شراهتهم شقراءه على الخصوص فيلاحظ الشعراء المعتصمون في المقهى أن الصحراء لا تتسع لكائنين: الصدق والحداثة..
ب – خريف اللغة:
بدون طائل تبحث اللغة عن مفاتيح بين أفخاذها.حرفيا: تبحث اللغة عن موسيقى الماء .عن طفولة لا يؤجلها التعب كل يوم وعن نصوص عالمة – أقصد لم يكتبها جني من قبل – كما تبحث اللغة حسب قانونها الداخلي وبرنامجها عن مصير لا يترنح. بل يسير وفق إيقاع خاص.
واللغة أحيانا تصبح وسيلة لفض الاشتباك، إذ تعمد إلى صياغة التهم كي لا تترهل، لا يعنيها مصير شاعر فاشل ولا تعنيها الأسماء الكبيرة أو الصغيرة لا تبحث عن شيوخ أو زعماء يمكنونها من ذاتها فقدْ فَقَدَ الجميع هيبتهم،اللغة تبحث حقيقة عن مفاتيح بين أفخاذها.
سترتل اللغة ألوانها قريبا وتتركنا نحظى بقلق العصر، لا نجرؤ على تلمس حمضها النووي إذ تعلم يقينا أن أصابعنا قد تموت في اشتباك لغوي.
كل كتابة – أعني ما أقول – هي محاولة لصناعة ملحمة خاصة ولقياس حجم الخريف في الداخل.لذلك قد يجرؤ الكاتب على فك أزرار اللغة ببطء شبقي لكن حتما لن يضاجعها – بكارة اللغة أقسى-

عبد العزيز الراشدي، هذا الوجه… ذلك المكان (نصوص)

 

السابق
التي ليست هي (الفصل 1)
التالي
هذا الوجه… ذلك المكان: 1- مراكش