عبد العزيز الراشدي

هذا الوجه… ذلك المكان: 1- مراكش

(أ)

مراكش المحطة، عند الفجر، تغتسل في رجفتها الأولى بموسيقى خوليو وإيقاع النشيد الوطني
خوليو، الهارب من مكان ما، هادئ، دافئ، باعث الحيوية والحرارة في الذكريات.
وإيقاع النشيد الوطني الذي تبثه الإذاعة، ساعة الصفر، من راديو المقهى.
في أذني، يتناغم خوليو مع النشيد الوطني فيصنعان: خوليو الوطني.
الأوراق البيضاء و الذاكرة الصافية، وقهوة الفجر تحدث الاختلاجة. من زجاج النافدة المطلة على الشارع، تنبعث رائحة الفجر الغض. أرتشف القهوة ببطء، أرتشف الوجوه والطاولات، مسافرون يتناولون فطورا مبكرا صحبة حقائبهم، وفي عيونهم تحفز لامتطاء رحلة ما. النادلان يتناوبان الخدمة، لكل منهما مساحته من الكراسي، من الزبائن وابتسامات الفجر. صاحبة المقهى لذيذة كحلوى، توزع البصر في الأركان، تحرك الأصابع في خفة، تكتكة الآلة تختلط برنين الدراهم: الدرهم الأبيض سينفعها في اليوم الأسود.
(ب)
مراكش عند الضحى ساخنة كأي مصير، تفتح شهيتها للصهد، فيما تتكلم السمراء بلكنة متورمة عن السفر وقرعة أمريكا. ما أشهى فصولك يا صباحات الداوديات: أرصد قهوة العاشرة، وبضع مكالمات تلفونية، وانتظر كأي صياد خانته الرماية.
السماء تصب غضبها لأننا لا نؤمن بالحركة، وأسئلة الطلبة لا تغري بكتابة الشعر و القصة.
في الداوديات، في جامعة الحقوق، يتشبث ماركس بلغة العهد القديم ، محاولا أن يظفر ببعض الريح، لكن سليمان يرفض فالحكمة له وحده. أما الريح فتمر بين يد يهما معا مخشخشة ويرقبها الملتحي الهابط من الظلمة فجأة: يقضم منها طرفا ويعلق طرفها الثاني بساحة الحلقية فتبكي الطالبة القادمة للتو من الجنوب لأنها لا تفهم..
الفتاة الصغيرة القادمة من »تزنيت« إلى كلية الحقوق تعلمت الحركة بسرعة، وأشاحت عن الريح، لذلك تعجبني لهجة المحامي في صوتها وهي تغني فيروز. لن تغفر لي المحامية الصغيرة كسلي، ولا ذقني التي أتركها لوقت، لكنني أدخل وجيب قلبها ببطء، تعري الشجون بداخلي وتتخلل بأصابع حكمتها و لكنة المحامي فيها شعيرات وجعي. تتقني الجنوبية كأي رياضة، زهورها عند الحركة لا تعـتني برغوة الصيف..
(ج) مراكش في العشي تركل الحمرة و الاحتمال. النوافذ لا يطل منها غير الجميل ، والشوارع لا يملأها غير الجميل فأين توازن الطبيعة ؟ تفتح المدينة القديمة ذراعيها لتيه يطول، لشخص يترك مصيره للجدران المتآكلة والأقواس، لا يهتم لمصيره. ينقاد وفق السيل. الشوارع لا تهتم بالراجلين، لذلك تخلق الحميمية بين السيارات والأقدام، و الأقواس تفضي إلى أقواس إلى جامع الفنا ..
يدخل الصخب الساحة جرعات, والساحة لوحة متحركة, الأضواء تصنع مشهدها الخاص, روائح الأطعمة شهية كنص أدبي….
في الساحة ثمة مشاهد كثيرة: شابان يلتفعان بنون النسوة، يتحركان على إيقاع القعدة, ينتشي الجمهور فتطلع الدراهم..
في الساحة عينان زائغتان ينز منهما الحكي المتلهف القابض على حمرة المساء . يختلط الحكي برغوة اللعاب.
في الساحة امرأة تقتعد كرسيها الصغير, تقشر خرافاتها وتبحث عن ملاءمة ممكنة لأوراق الكارطا بمصائر المارة .
في الساحة إناث وشهوات ،فرجة وأكل مغربي أصيل،وفي نفسي يظل شيء من حتى.
لا يصون صاحب الحلقة ذكرياته في الساحة لأنها كثيرة، لأن لها ملامح مختلفة. والحلايقي لا يصون ذكرياته لأنها بين الظل والضوء.. يقرأ حكاياته كفاتحة الكتاب، لا يتورع عن التقاط الدراهم والإشارات ليعيد صياغتها لصالحه.مقلتاه تسيران جهة الريح (ريح المعاني). لايعبىء بالدولة ولابطفولته المتوارية عنه كشبح أو طيف..
(ذ)
في مراكش الظلمة لا يقبّل رجال الأعمال بعضهم البعض عند انتهاء الصفقة كي لا تضيع نكهة العلاقة، لكن المرأة الشعبية تنشر مناديلها في فراغ المباني عل الأحزان تجف معها.المطلق يؤمن بي دائما في مدينة الأحمر ، ذلك أن الغرف البائسة التي تأوي مؤخرات الدببة تكسر الروتين، والطيور تعود إلى أعشاشها لأن الحنين يروضها، لكن مراكش تروض في المتاه.. سيطلع مني الضروري: حب مراكش الفجر والضحى والليل، وأسجو مع الأحمر فيها لأنها تقبض على صيغة المغربي ولا يغريها البراني رغم الكثافة.

عبد العزيز الراشدي، هذا الوجه… ذلك المكان (نصوص)

السابق
هذا الوجه… ذلك المكان: 2- خريف مغشوش
التالي
ألوان من الحب… للحب ألوان…: العم لــو