روايات

عباس خليفي: شجرة الدردار – القسم الأول، الفصل 2

– هل يمكن لي أن أعثر على خبز؟
– وهل تعتقد أننا في عام الجوع؟!، أجابت صاحبة الفندق عن سؤال مزيان. الأفران في كل مكان، في كل شارع، كثر الخبز حتى لم يعد أحد يهتم به. قال مزيان يجيبها في نفسه:
– جسمك خير دليل.
بباب الفندق تقف شاحنة حمراء، محركها في حالة دوران، خلف المقود رجل يكاد الدم يتفجر من خذيه. وقف مزيان ينظر إلى كابينة القيادة…
– أذهب.
– لا تذهب، عد من حيث أتيت.
– لماذا أنا هنا إذن؟
– أنت أحمق إذا ذهبت.
– أحمق؟!
صعد مزيان إلى الشاحنة، وقبل أن يغلق الباب سمع صوتا يخاطبه:
– إياك أن تنسى الحزام الجلدي ألمعلم التغزوي.
حرك رأسه علامة على الايجاب، ثم ضحك.
أي حزام يمكن أن يحيط بذلك الجسم الرشيق؟ بتلك الكدية من اللحم، يلزمك حبل.
توقفت الشاحنة قرب أحد الأفران، اشترى مزيان الخبز تحسبا لم!ا هو آت. وما هي إلا دقائق حتى أصبحت الشاحنة خارج المدينة في اتجاه الجنوب الشرقي.
– كيف سأعثر على صاحب الرسالة؟
– إسأل، من يملك لسانا لن يضل، وعندك الإسم والعنوان!.
– كيف سأقابله؟!
– اِرم بالرسالة في وجهه، أفرغ غضبك كما فعلت مع الدراز، إجعله يندم على لعبته الدنيئة!.
– وإذا كان أقوى منك وتغلب عليك؟!
– إلجأ إلى المخزن، إشتكه إليه فينال جزاءه!.
– نعم، لقد إعتدى عليك، شغل فكرك ونغص عليك حياتك، جعلك تأتي من الرباط حتىبني عمارت!.
– وإذا كان ما يقوله صحيحا؟.
– هراء…!
– فكره؟…!
– لربما كان أبوك متزوجا امرأتين!
– لكنه لم يكن يتغيب عن تغزوت إلا إبان عهد جيش التحرير!.
أعاده صاحب الشاحنة إلى نفسه عندما سأله.
– …؟ بالريفية.
– معذرة – قال له مزيان – لا أتقن التخاطب بالريفية.
– سألتك عن الهدف من زيارتك لبني عمارت…
– آه، بني عمارت؟ سفري؟ أنا ذاهب لرؤية أخ لي هناك، ربما كان أخي يعرف الريفية. أما أنا فلا
– ومن أين أتيت؟ من أية قبيلة أنت؟
ضحك مزيان ساخرا وقال يجيبه.
– في هذا اليوم بالضبط لا أعرف من أية قبيلة أنا!
رمقه السائق خزرا من زاوية عينيه وقال بجدية بالغة.
– لا تعرف؟!…وما اسمك؟
– اسمي؟!
– نعم! اسمك؟ هل نسيته هو أيضا؟!.
– اسمي مَزْيَانْ.
– مزّيان؟
– لا، مزِيان بدون تشديد.
– قلت بأنك ذاهب لزيارة أخيك في بني عمارت؟
– ربما هو أخي، وربما ليس أخي.
– هل هو ابن القبيلة أو موظف، أو…؟
– لا أعرفه، لم يسبق لي أن عرفته ولا التقيت به أو سمعت عنه حتى.
– أتهزأ بي ياهذا؟ أتظنني بليدا؟
– لا، حاشا أن أستهزئ بك…الأمر جدي، بعيد أن يتخذ هزءا ولعبا.
– غاية في الجدية!
سكت السائق عن الكلام وازداد وجهه احتقانا بالدم. لاحظ مزيان حركات يديه على المقود، ورجليه على الدواسة والكابح. فسكت هو أيضا. وبعد لحظة توقفت الشاحنة.
– أتعرف ياهذا؟…ياأنت؟ أشتغل سائقا منذ عشرات السنين، حملت معي الآلاف في شاحنتي ولم يسبق لي أن صادفت شخصا مثلك…شخصا…
استمر السائق يغمغم بالريفية إلى أن سكت، لم يلتقط مزيان من كلامه إلا كلمة واحدة كررها عدة مرات: «أبو هاري». قال مزيان:
– أعتذر إذا لم يعجبك كلامي.
لم يجب بقبول الإعتذار ولا برفضه.
– وسيادتكم؟…من أية قبيلة أنت؟ من بني عمارت؟
– سيادتنا من قبيلة المريكان!…من حومة الكونغو! ألا يظهر ذلك جليا على وجهي وهيئتي وطريقة كلامي؟…
أرأيت وتأكدت بنفسك؟! لقد سبق لك أن سمعت بأن الريفيين أناس جديون بطبعهم، لا يقبلون المزاح. سمعت ذلك من والدك السي علي، من عمك ومعلمك الوكيلي ومن أناس كثيرين. ها أنت قد أغضبت السائق وأثرته، فكيف ستتفاهم مع ذلك الشخص الذي أنت ذاهب للقائه؟…
وصلت الشاحنة إلى ساحة توجد بها بعض النباتات، ساحة سوق الإثنين. أوقف السائق المحرك ونظر إلى مزيان.
ما كاد مزيان ينزل حتى كان الناس قد تحلقوا حول الشاحنة، ينظرون إليه ويسألون السائق. قرأ مزيان أسئلة عديدة في وجوههم ونظراتهم: من أنت؟ من أين أتيت؟ عمن تبحث؟ كم يوما ستمضي هنا؟ ما اسمك؟…سيل من الأسئلة.
– إدجن أوبوهاري واها![10]
ناب السائق عنه يجيب القوم. كلمة «أبوهاري» وحدها هي التي علقت بذهنه، سمعها جيدا. أخرج مزيان ظرف الرسالة من جيبه، الرسالة التي كتبت في هذه السوق قبل شهور.
– أين هو باعثك أيتها الرسالة؟!
دار مزيان بعينه بين الوجوه والظرف بين يديه. قصد شخصا مسنا وسأله.
– من فضلك ياعم، محمد الأزرق…الجبلي، هل تعرف بيته؟
– أجبري؟![11]
كلام وإشارات باليدين، فهم الإشارات ولم يفهم الكلمات. انتظر مزيان الرجل حتى أنهى كلامه، شكره، ثم حمل حقيبته، وأخذ الإتجاه المشار إليه. تتبعته الأعين من خلفه تشيعه، أحس بها تخترقه كالسهام، استدار على حين غفلة فوجدها كذلك. تابع طريقه.
عجيب أمر سكان البوادي – قال مزيان يحدث نفسه – لا يكاد الغريب يدخل قريتهم من شمالها حتى تسبقه أخباره إلى جنوبها، شتان بين من يدخل المدينة ومن يدخل القرية.
– أنت لست وحيدا يا مزيان، هناك من يتبعك ويقتفي أثرك.
ثلة من الأطفال خلفه، توقف فتوقفوا. أشار إليهم أن يقتربوا، ففعلوا بعد مشاورة. وجه السؤال إليهم:
– بيت الجبلي؟
تحادث الأطفال فيما بينهم، ثم تقدموا مزيان، وأشاروا إليه أن يتبعهم. يسيرون من حين لآخر يستديرون. الأرض حمراء، صخورها صلبة، أشجار اللوز في كل مكان والهواء نقي جاف. مزيان يسير خلف الأطفال وينظر إلى الطبيعة. وبعد مدة توقف الأطفال عند إحدى الشعاب وأشاروا إلى أحد البيوت. فهم إشارتهم، وقال.
– نادولي عليه، أخبروه أني أريد مقابلته.
منزل بسيط.. منزل ريفي تحيط به أشجار الصبار الشوكي.. تتبع الأطفال حتى وصلوا إلى البيت وغابوا داخله. القلب يخفق، والعرق يتصبب من الجبين، علقت عيناه بالبيت…
خرج الشخص المعني ليقف عند شرفة المنزل مع الأطفال الثلاثة.
– آشكون على من كتساقسي ألعايال؟!
صوت كالرعد تصاحبه حركة باليد.
– اقترب أريدك لأمر.
– شانِّي؟!
أشار إليه مزيان بيده. تعال.
– عايان، عايان، هايانا نازل عندك.
قال مزيان يخاطبه في نفسه: ستسمع القبيلة كلها بصوتك.
– يسألني: شاني؟ اقترب أيها المفتري وسأريك شاني إلى أن تصل أيها الجبلي اللعين وأريك، أخاك، …أنا أخوك؟
– هايانا أخاي ديالي، شاني حبيتي؟، قالها الجبلي ولما يصل بعد إلى مكان وقوف مزيان.
رجل قوي. لحية شقراء، وعيون خضراء… يرى فيه صورته، يرى نفسه.
التقت العيون بالعيون، تسمرت لحظة، لم يستطع الخيط الواصل أن يحتمل فانقطع…
طاحونة زيتون ثقيلة فوق الصدر، دخان أسود كثيف، دقات طبول تقترب وتبتعد، نقط سوداء، وطاويط، حباحب، طربوش أحمر بغل أسود، لحية فقيه وصومعة بيضاء، شفاه تتحرك، يد بيضاء وأياد سوداء، سورة يس، إذا وقعت الواقعة يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي، ملعقة زيت وصوت فيه بحة خفيفة، صور تطفو وتغيب ثم تطفو، أغصان شجرة ووجوه، أصوات ووجوه، وجوه وأصوات، ثقل الطاحونة الصخرية يخف، رائحة البصل والأصوات، برودة على الجبين وسخونة بين الفخدين…
بدأت الذاكرة تعود إلى طبيعتها. غابت أشياء وحضرت أشيــاء…
صيحات اهتز لها المدشر: صيحة فرحة وتعجب وصيحة خوف، أعقبتهما صيحات.
وقف الشخصان ينظر أحدهما إلى الآخر يتفحصه.. استولت الدهشة عليهما، نفس الملامح، نفس لون العينين ولون الشعر والحاجبين. خيل لمزيان أنه ينظر إلى صورته في المرآة، كأنهما توأمان متطابقان. الفرق الموجود بينهما هو اللباس واللهجة، مزيان يلبس بذلة عصرية سوداء، والثاني جلبابا صوفيا. مزيان يتحدث الدارجة بطلاقة والثاني بلكنة جبلية معروفة.
صفعة قوية تلقاها مزيان على مخيلته. زلزلته زلزالا عنيفا، رجة أحدثت شقوقا في الجدار سمحت بخروج ما كان محبوسا ومنسيا. حضرت الصور. اختلط الماضي بالحاضر. ارتمى كل منهما في حضن الآخر. لم يتمالك محمد نفسه فصاح من الفرحة حتى وصل صوته إلى آخر الدوار ولما أحس بجسم شقيقه يتلوى بين يديه ويتهاوى صاح من الخوف يستغيث يطلب النجدة. هب سكان القرية إلى مكان الحادث، تعاونوا على حمل مزيان لبيت والده عبد السلام مددوه فوق فراش وأحاطوا به ينظرون إلى وجهه ويستمعون إلى الكلمات التي تخرج من فمه:
– أيما، أبابا، أمحمد، ماني ثودرم[12]؟ الخذروف، التين والزبيب، الفقيه ذهب، الكلاب والسوق، القطط السوداء والخوف، يما حليمة واللوح، لحية بيضاء تحت شجرة الدردار…!
كلمات لا رابط بينها ولا يحكمها منطق. كالهذيان.
التف حوله الجميع. من حين لآخر كان مزيان ينتفض كالممسوس. صوته يرتفع تارة ويهدأ تارة أخرى. وضعوا بصلا في أنفه، رشوه بالماء… وبعد مدة أخذ وجهه يستعيد طبيعته وبدأت رموشه ترف. أصوات مختلطة، أصوات رجالية ونسوية بالريفية.. بكاء.. حركات، ووشوشات…أخيرا فتح مزيان عينيه على وجوه تراقبه باندهاش.
– أين أنا؟ وماذا حدث؟! ما سبب اجتماع كل هذا الجمع وأي منزل هذا؟…لماذا أنا ممدد هكذا؟ ماذا حصل؟…
– الحمد لله على السلامة والعودة!
– مْزِّيَان، هل استرحت؟
– مْزِّيَان؟
خيل إليه أنَّه يسمع اسمه يُنطَقُ لأول مرة، تملكه العجب لما وجد نفسه يتحدث بالريفية على حين غفلة، الريفية التي لم يكن يعرف منها ولو كلمة واحدة. سأل محمد:
– مْزِّيَان! هل تذكرني جيدا؟
– أنت أخي.
– إنش![13]، سألته وهي تشير إلى صدرها.
– كمين ذعتي، عتي مينوش[14]
– وهذا؟ هل عرفته؟
– هذا عمي، لا شك في أنه عمي. وجهه كوجه أبي تماما.. إنه عمي شعيب.
عرف مزيان وتذكر وجوها كثيرة
– وهذا؟ هل عرفته؟ انظر إلى وجهه جيدا وإلى شاربيه المفتولين، هذا هو عمك يتحدث الإسبانية بطلاقة أحسن من الإسبانيين أنفسهــم.
أين كان كل هذا مخزونا؟ لماذا لم يتذكرهم مزيان إلا اليوم؟ المنزل بشكله وأركانه يعرفه جيدا، الوجوه يعرفها. واللغة، أين كان كل هذا؟
تذكر مزيان كل شيء؛ شجرة البرقوق والسفرجل، الأبواب الخشبية والنوافذ، الغرف، والدرجتين الصخريتين. طاف بالبيت يتفقده. لم يتغير أي شيء. فقط هناك غياب الأب، والأم، والبغل، وعلوش.
أحس مزيان بقنوط ثقيل في بيت ريفي، البيت الذي رأى فيه النور لأول مرة، ود لو غادر المكان على وجه السرعة والعودة من حيث أتى. صبَّر نفسه وأرغمها على الاحتمال، لم يجد تفسيرا لقنوطه.
– أيجدر بك أن تطاوع نفسك وتنصرف؟! ماذا ستقول عنك أسرتك؟ أقطعت كل هذه المسافة لتبقى ساعات معدودة؟ ألا يكفيك ما غبت؟.
ضغط على نفسه وبقي. في المساء اجتمعت العائلة كلها في بيت عبد السلام. أقام محمد عشاء يليق بعودة أخيه واجتماع العائلة. سمروا إلى آخر ساعة يتحاكون… قال شعيب:
– أبوك يامزيان يا ابن أخي كان أوسطنا، أصغر مني ومن عمتك مينوش هذه، كان قويا عزيز النفس
– كي لاسطيما[15]!، علق أركاز.
– اختفيتم في أحد الأيام على حين غفلة، لم ندر أية طريق أخذتم. جاء الجندي الإسباني بعد ذلك بالتعزيزات. اقتحموا بيتكم، لم يجدوا أحدا، ألقوا القبض علينا وسجنونا…
– إخوس دي بوطا[16]، (كلمات يطلقها أركاز جهرا).
– الكلب علوش وحده هو الذي كان يغيب مدة ثم يعود. ظل يحرس البيت إلى أن أدى مهمته.
خض تفكير مزيان اختلطت عليه الأمور لا يدري هل يتابع حديث أعمامه أو ينشغل بالتفكير في ما حصل له، أو في الأشياء التي كان قد نسيها وتذكرها على حين غفلة…
كل موضوع كان يضغط عليه بقوة ليستأثر بتفكيره وحده…
– بقي الجندي الإسباني يتردد على بيتكم هذا باستمرار، يداهمه على حين غفلة، إعتقد أن أخي عبد السلام سيعود إليه. قال لنا الجندي:«إذا كان يختبئ في الغابة فلا بد أن يمل ويعود إلى البيت، لن يفلت مني!. لم يكن يجد غير كلبكم علوش ذلك الشجاع…
– كان كصاحبه، كلبا ريفيا، قال أركاز مقاطعا أخاه شعيب.
– تضايق علوش من كثرة تردد الجندي وأصحابه على البيت، يداهمونه ويفتشونه أقلقوا راحة علوش إلى أن حل ذاك اليوم الذي بدأ ينزل فيه المطر لأول مرة، آواخر سنة سبع وأربعين…
– ما زال كنعقل، كنا وصلنا إساكن، قال محمد بلهجته الجبلية.
– اعتقد الجندي أن المطر سيرغم عبد السلام على العودة إلى بيته، فجاء يغتنم الفرصة لينتقم، تفطن علوش لنواياه، انقض على الجندي وعضه في ساقه، اختاره هو بالذات من بين باقي الجنود…
استجمع مزيان كل فكره ليتابع الحكاية باهتمام.
– ضربه اللعين برصاصة أصابته في كتفه الأيسر. لم تمته. ازداد هيجانا وانقض عليه ليعضه في فخذه، أطلقوا عليه رصاصة أخرى اخترقت بطنه، لم يسقط علوش ارتمى على الجندي وخدشه في بطنه. أفرغوا فيه خمس رصاصات أصابته في مختلف أجزاء جسمه وسقط.. مات علوش.
– خوذيـر[17].
– كان سيموت سواء قتله الجنود أم لم يقتلوه. انصرف الجندي، لم تمض سوى أيام قلائل حتى جاءنا الخبر، بدأ الجندي يرتعش وينبح كالكلب. نقل إليه داء الكلب.. هل تعرفون كيف كان مصيره؟
تعجب مزيان، تكونت لديه رغبة لمعرفة المزيد فسأله عمه.
– كيف كان مصيره؟
– خافوا أن ينقل السعار إلى باقي الجنود، فعزلوه. صنعوا له قفصا حديديا سجنوه داخله.. لسانه يتدلى ولعابه يسيل.. لم يستطع أحد من أطبائهم المخاطرة بحياته والاقتراب منه، أتوا بخرطوم، فرشوه إلى أن مات في قفصه. وصل الخبر إلى أمي المسكينة فحنت يديها ورجليها.
انتهت قصة علوش مع الجندي الإسباني. عاد مزيان إلى قنوطه وتفكيره. حاول أن يختلق عذرا مقبولا يعتذر به ليغادر القرية ويعود إلى ترجيست ومنها إلى الرباط. وجد أن قضاء الليلة في ذلك البيت شيئا لا يحتمل. ما السبب؟ لا يدري. الوقت يستعجله، إذا نزل الليل ضاعت منه الفرصة. قبل غروب الشمس بوقت قصير كان على وشك أن ينهض ليودع الجميع. وفجأة استدار الحاضرون كلهم إلى باب الحجرة التي كانوا مجتمعين فيها هو وأخوه وأعمامه وأبناء أعمامه…استدار مزيان إلى الباب ليرى فتاة تدخل. فتاة شقراء، فاتنة الجمال، جهيرة، ليست غليظة ولا نحيفة، تلبس قميصا أصفر وسروالا من الدجينس. سكت الجميع وبدأوا يتابعونها بأعينهم. قطعت الغرفة قاصدة مزيان. توقفت على بعد خطوتين منه، وقالت توجه الكلام إليه:
– بونسوار طري زوغوز دو فوكونيطر[18].
– موا أوسي، أجابها بلغتها وهو ينظر إليها مشدوها.
أعطت الشقراء بظهرها لمزيان وانشغلت بالبحث عن مكان للجلوس. لم يقم أحد بتقديمها إليه ، كل ما عرفه عنها هو اسمها، «ماكي». سمع أحد أبناء عمه شعيب يقول: «ماكي جات». انشغل مزيان بالفتاة انشغالا أنساه قنوطه وضيقه ورغبته الملحة في مغادرة المكان والقرية. ماكي؟! بل قل يا ابن عمي إنها فتنة. من أين حلت هذه المصيبة؟ من الذي أتى بك أنت أيضا في هذا اليوم إلى بيت أبي؟ قولي أيتها اللؤلؤة من تكونين؟…ماكي؟ بل حمامة، جهنم أنت، قولوا أيها الحاضرون، من تكون هذه المصيبة؟ قولوا أي شيء وخلصوني، خلصوني جازاكم الشيطان، إياكم أن تقولوا إنها أختي أو بنت أخي، لا تقولوا إنها عمتي أو خالتي. افعلوا أي شيء وخلصوني ما لكم صامتون؟ وما لها تتحدث بالفرنسية؟ من أية جنسية أنت أيتها الحورية؟ إن شتئم ألا تقولوا أي شيء، فافعلوا، لكن اتركوني فقط ألتهمها بعيني. أين كنت يامزيان؟ أين ماضيك وأين مستقبلك؟ ما هذا التشابك وهذا الاختلاط؟ أية دوامة هذه؟ أين كنت؟ …
قال شعيب بعد سكوت:
– أين كنا؟!
انتبه مزيان من شروده على صوت عمه.
– كنا نتحدث عن انتقام علوش لأخي عبد السلام. نعم، لقد أطفأ علوش نار الحقد التي كانت تتأجج في نفوسنا، خاصة أمي، أمي التي فقدت إثنين من أبنائها وحفيديها وعروستها بسبب الاستعمار. أصبحت بعد غيابكم واختفائكم لا تكف عن البكاء أبدا. كلما حاولت أن أصبرها كانت تقول: «أخذوا مني عبد القادر، وشردوا عبد السلام وأولاده وتطلبون مني أن أكف عن البكاء؟ ماذا فعل الأطفال الصغار حتى يشردهم الاستعمار؟ قلبي يخبرني أنه حصل لهم مكروه، أشعر بذلك رغم بعدهم عني. هيهات لقلب الأم أن يكذب عليها! قلبي يحمل إلي أخبارا سيئة…! تعذبت، لم يبق لها من أبنائها سواي. بعد الاستقلال، ذهبت إلى الحسيمة في شغل مهم. قضيته وعدت، قلت لها والفرحة تغمرني: «سأسافر يا أمي. لقد حصلت على «كونطرادة». سأذهب إلى «برجيكا»[19] حيث سأشتغل وأعود بأموال كثيرة. سأشتري لك كل ما تحتاجينه، سأرسلك للحج، سنبني بيتا جديدا ونغرس أشجارا كثيرة.
كانت تستمع لكلامي وهي تأكل بعض الفواكه أحضرتها لها من سفري للحسيمة، ثم سألتني:
– وأين توجد هذه البلاد التي ستسافر إليها ياشعيب؟ برجيكا؟ أين تقع؟ هل هي أبعد من فيا والناظور؟ أبعد من مالكا؟ مالكا التي يوجد بها أخوك أركاز؟ كانت المسكينة ترفض أن تنادي عبد القادر بغير هذا اللقب، «أركاز». ليتني لم أبح لها بالنبإ قبل أن تنتهي من الأكل.، إذ ما كادت تسمع مني أن برجيكا بلد من بلاد النصارى حتى لفظت ما كان بداخل فمها. بصقت على الأرض، تغير وجهها بسرعة، أخذت تبكي وتنوح: «وآويلي ويالسوء حظي! لقد أخذ مني النصارى أبنائي كلهم، كل واحد منهم أخذوه بطريقة. يا ويلك ياخضرة! لقد أصبحت كالدجاجة التي أكل الثعلب كل فلاليسها! حاولت أن أشرح لها وأفهمها أني ذاهب للعمل وأني محظوظ، قاطعتني، رفضت أن تكلمني حتى أعدل عن فكرة السفر لبلاد النصارى. كانت تقول: «لعتنة الله على الأموال التي ستأتيني من أيدي النصارى، كُلْ خبز الشعير ولا تسافر إلى بلدهم!. تنهد شعيب. نظر إلى مزيان ثم إلى ماكي وتابع الحكي.
– سافرت للعمل في «برجيكا»، حصلت على الأموال، لكني ضيعت في المقابل ما لا تستطيع أموال الدنيا كاملة تعويضه. ياليتني كنت عملت بنصيحة أمي…
قاطعه مزيان سائلا:
– وهل لا تزال تعمل في بلجيكا يا عــم؟
– لا، الحمد لله، لقد عدت نهائيا. بلغت سن التقاعد وعدت قبل شهر واحد فقط، كفاني ما ضيعته هناك.
– وأنت يامزيان يابن أخي، أين كنت طوال هذه المدة؟ – سأل أركاز – لو كنت أعرف أن لي ابن أخ مثلك لكنت بحثت عنه في الشرق والغرب إلى أن أجده.
– احك لنا أخاي ديالي، فاين كونتي؟
حضر طعام العشاء فتوقف الحديث. التف أفراد العائلة حول الموائد. جلس الرجال مع الرجال والنساء مع النساء، ووحدها الشقراء لم تجلس مع هؤلاء ولا مع أولئك. اختلت وقعدت تتناول عشاءها بمفردها… سأل مزيان:
– لماذا جلست تلك الفتاة منفردة؟
لم يكن سؤاله موجها لأحد. كان موجها للجميع، لمن يستطيع الإجابة، فقال شعيب بعد لحظة صمت:
– تلك الحمقاء؟ لو طاوعتُ أمي لما رأيتَها هكذا، ألم أقل لك أني فقدت ما لا يمكن للأموال أن تعوضه؟
لم يجرؤ مزيان على السؤال ثانية. قاوم رغبته، لكنه كان كالجالس فوق جمر متقد. عيناه لا تزيغان عنها لحظة. انشغل بها إلى أبعد الحدود.
من تكون هذه المصيبة البيضاء؟ من يستطيع مقاومة نفسه إذا وقعت عيناه عليها؟ لماذا ينعتها عمك شعيب بالحمقاء؟…حمقاء؟ إذا كانت كل جميلة مثلها حمقاء فأنعم به من حمق ولا دمت ياعقل.
سمرت العائلةحتى الفجر يتحاكون، سمعوا قصة مزيان حكاها لهم، منذ أن تخلى عنه أبواه إلى أن توصل بالرسالة، إلى مجيئه وحدوث ما حدث. وقبيل الفجر تفرقت العائلة؛ انصرف الأعمام إلى بيوتهم، فانفرد الأخوان محمد ومزيان لبعضهما وسأل مزيان أخاه:
– محمد؟ قل لي: أين كنت ولماذا لم تكاتبني إلا الآن؟ أين أبي وأمي؟ لماذا تتحدث باللهجة الجبلية؟
– تلك قصة أخرى، إذا شرعت في حكايتها لك فلن أتمكن من إتمامها قبل الغد. نم قليلا وغدا سأحكي لك كل شيء.- سؤال آخر أخي، من تكون ماكي تلك الفتاة الشقراء التي تتحدث بالفرنسية‎؟
ضحك محمد ضحكة عالية وقــال:
– لقد أضحكتني يا أخي مزيان، ماكي! حتى أنت؟! إنها ماجدة بنت عمي شعيب. إسمها الحقيقي ماجدة، أخواها يناديان عليها كذلك، نم قليلا وغذا ستعرف كل شيء.

[1] رأس السنة الفلاحيـة.
[2] هو ابن المقيم العام، قتل في إحدى المعارك.
[3] بو ورد، وباب الحيط، وبو زينب، وباب الصليب كلها أسماء لمراكز جيش التحرير وقواعدهم قرب المنطقة.
[4] الباسبورطي: إسبانية تعني جواز السفر، وديخي باسار: إسبانية أيضا، وتعني رخصة المرور.
[5] السكويلا: كلمة إسبانية تعني المدرسـة.
[6] أغلقت الآن: La escuela de artes indiginas
[7] أزيلت تلك القبور حديثا وبني مكانها مسجد ووكالة للبنك الشعبي.
[8] الريف في المغرب لا تعني البادية عكس الحاضرة، بل تعني منطقة خاصة في الشمال.
[9] فوندا ميكيل: مطعم مشهور في تركيست كان يديره أحد الإسبانيين.
[10] شخص أحمق ليس إلا!
[11] الجبلي بالريفية.
[12] أين تهتم؟
[13] وأنا؟
[14] أنت عمتي، عمتي مينوش.
[15] (بالإسبانية) وا أسفاه!.
[16] أبناء القحبة.
[17] كلمة جد قبيحة.
[18] مساء سعيد جد مسرورة بالتعرف عليك.
[19] بلجيكا. هكذا ينطقها أهل الشمال عامة.

عباس خليفي، شجرة الدردار (رواية)

السابق
عباس خليفي: شجرة الدردار – القسم الأول، الفصل 3
التالي
عباس خليفي: شجرة الدردار – القسم الأول، الفصل 1