جلال الحكماوي

تذكرة ذهاب إلى نفسي. I- تذكرة ذهاب إلى نفسي

قطاع طرق
في الحانة
التي تفتح فخديها
وتغلق قلبها
بعد منتصف الليل
جلست أمامي دمية مجهولة
وطلبت بصوت مرتفع
مسدسا بقطع ثلج ساخنة
وشجرة سكاكين ملونة.
فأحضر لها النادل البدين
قطاع طرق بالصودا
وآلة كاتبة مجنونة
تدعي أنها زوجتي الخامسة
نظرت إليّ بدهشة
وأعادت الطلب.

قصيدة حب جديدة على آلة “رويال” قديمة
لا أريد الهجرة إلى كندا
كما لا أصلح للعب دور فتى الشاشة الأول في هوليوود.
ولم أفكر في بصق قصيدة إلكترونية جديدة، لهذا السبب بالذات.
في رأسي تمرق
قطارات سريعة تحمل قهقهات الشياطين الصغار إلى
السماء
وأمامي،
تلفاز على شاشته اللعوب شارون ستون،
وهي تغمز لي
بشعرها الأشقر المبلل،
وشفتيها الناعستين من شدة الحب.
ابتسم لها،
ولفم الشاشة النائم في لعاب الرسوم المتحركة
خرْ…رْ…رْ…رْ…رْ…رْ…رْ…رْ

 

الآلة الكاتبة “رويال” تشخر على الطاولة
العارية الذراعين،
إلا من تلك العينين الحالمتين لراعية
أوقعتني ابتسامتها الشرقية في بئر الحب.
وأوقعتني كهرباء نظرتها الأولى من
الطابق الستين لناطحة سحاب لامرئية:
لكني لم أصب بأذى
رأيت فقط،
رضاب عجوز يود أكل الحلوى لتلميذات
صغيرات بوريقات زرقاء.
ورجال ونساء يحملون حياتهم على
ظهورهم
كما يحملون أكياسا ثقيلة من السلع المهربة
الرجال والنساء الذين يحبكون جيدا قصصهم
أدوار الحب
في غرف النوم الكئيبة.
ويكذبون كالتماسيح
أرثي لمن يضع حبه كاملا في ألبوم الصور
العائلية

تهمس الآلة في أذني “ألم أعضضك في حيوات سابقة؟”
أنظر متأففا إلى ملابسها الملتهبة،
ثم أقذف بمناديل الكلينكس الوردية
بعد استعمالها في غرفة هوائية.
إن جل النساء كالأحذية المستعملة
لا يمكنك أن تلبسها طويلادون أن تصاب أصابع قدمك بالفصام.
إنهن يلصفن جفونهن على ظهر بطل
المسلسل المكسيكي “رهينة الماضي:
لكي تتوقف سيقانهن الممتلئة عن التفكير.
جل النساء جعجعة :بلا طحين”

عندما رأيت “قوس قزح” للمرة الأولى،
كنت كمن تدهسه قافلة من الشاحنات العملاقة المحملة
بالدجاج الغاضب،وهي تسير ب300 كلم في الساعة.
فنسيت أني لا أصلح لأن أكون مثلاً شهيرًا

جوني ديب
في أفلام الحب القصيرة والمتوسطة
أما الآلة الكاتبة “رويال” فتسمع “بختة”
للشاب خالد كل يوم،
إني عشيق مهذب لآلة عصابية ونحيفة جدا،
تلتهم حقول البطاطس المقلية بشراهة،
وتصر على أن أقلد لها جيم موريسون
أو أهاجر إلى باريس لأحضر لها عبد الإله الصالحي
شخصيا.
آخ..خ..خ..خ..خ..خ..خ..خ..خ..خ..خ..
انني أريد تقبيل كل العقارب الصفراء، لهذا السبب
بالذات.
وأعجب لمن يضع حبه ناقصا في مقلاة عصرية.
الآلة الكاتبة إياها تلعب معي الورق في لوحة
لبوتشيللي
اخرج يدي خلسة..
اقرص صلعة النجار البصاص الذي يقضي يومه في
اصلاح نظرات الطالبات الجديدات.
ثم افتح ثلاجتي الكبيرة كحلم

وأطرد منها الدون جوان الذي كنته،
وكل الحسناوات اللواتي تركتهن في انتظاري
ذات ليلة مقمرة من 3شباط (فبراير)1990 في الساعة
الثانية صباحا.
كن يبكين من التأثر،
وهن ينزعن من صدورهن النافرة قطع الحب المثلجة،
ويضعنها في أكياس بلاستيكية عليها صورة “البقرة
الضاحكة”.
وضعت مكانهن: شرائح اللحم، ومهرجانات الشعر،
وعيون المكبوتين،
وبعض المجلات المتخصصة في الموضة، وألسنة
الجارات الحسودات.
إلي الآن أحب الملاك الشرقي بأسناني السليمة والمسوسة
وأحبها أكثر مما تحبني المراهقات ذوات السراويل
اللاصقة
اللواتي يرغمنني على الدخول على المصعد المعلق في
الهواء،

 

ويغلقن الباب بإحكام…
تتوقف الآلة الكاتبة عن لعب الور
أحدق في ساعتي اليدوية
تترك الآلة الكاتبة “رويال” طاولتها العارية الذراعين
وتعود إلى لوحة بوتشيللي.
أبقى وحيدا أمام الهاتف
ترن…نْ…نْ…نْ…نْ…نْ…نْ…نْ…
آه من لا يحب بوتشيللي لن يستطيع رفع السماعة
الحمراء الآن.
لماذا يأخذ الشاعر زوجته إلى الماكدونالد
تضع رجلا فوق رجل
والموج نائم تحت قدمك
كقطيع جمال هائج
تأكل الهامبورغر الأمريكي
لأول مرة في حياتك
تربتُ في الوقت نفسه
على عنق زوجتك السّمين
وأنت تحدثها عن آلة تصبين النفرّي
والقميص المثقوب لعثمانَ
وعن الذبابة الأمريكية الشقراء التي ابتلعتها
قبل قليل دون أن تشعر بذلك
وتحدثك هي عن سيارتك الذميمة
كسلوقي اجْرَب
التي لا بد أن تقايضك أنت ونظرياتك النقدية
بأي شيء يزيّن غرفة النوم.
زوجتك تقهقه عالياً

 

وهي ترفع عقيرتها بالبكاء
وتفتح ريش ساقيها للسان الهواء.
تتمنى لو وضعتها بين أسنانك
وكسرتها كحبة جوز فاسدة
أو وضعتها في صندوق الكبريت الفارغ على الطاولة
لكنك إنسان مؤمن
تؤمن بأنك تزوجت عن “Love story”
بخنزير له وجه المنفلوطي
وقوائم نازك الملائكة

وأنك (بسبب كل هذا) تنتحر يومياً
بابتلاعك 100 قصيدة عمودية.
إنك لا تمزح مع الخنازير
والخنازير لا وقت لها للمزاح معك (وهذا هو المهم)
فبمجرد ما تضع فمك على فم الحوت الجالس أمامك
تدرك بأن الأرض يمكن أن تغرق في نصف كأس ماء
مثلج،
وانك شاعر في قمة السعادة

الفتاة النحيفة ذات الرأس الصغير

ككرة مضرب
تقرا “Femme Actuelle”
وتنظر (ببلاهة)
للأزواج في زنزانة الماكدونالد
والسعادة تتطاير من أفواههم الكبيرة
كالبصاق،
وهم يضعون (بتصنع أبوي) أيديهم على مؤخرات
أطفالهم الشُقْر الذي يصرخون وهم يشيرون بأصابعهم
البلاستيكية إلى الشارع:
PAPA….PAPA…Regarde…regarde…
cet homme pisse sur notre voiture
الماكدونالد يضحك ويحك ذيله.
والقصيدةُ القصيدةُ شبكة صيد بثقوب عملاقة
لاصطياد اكبر عدد ممكن من الدببة.
لا أثق في زوجة الشاعر التي لها وجه المنفلوطي
ولا أثق في عيون الشبكة.
الشيء نفسه بالنسبة للفتاة النحيفة
التي تقرا “Femme Actuelle”
وتنظر (بين الفينة والأخرى) لساعتها،
دون أن تشرب كأسها من الكوكاكولا.
العواء ليس في حاجة إلى قبعات إنجليزية
* كلمات

أحيانا تُعينني الكلمات الصغيرة
على شطر الأرض إلى نصفين
كتفاحة فاسدة أغْرتها وُعُود السكين.

* مبارزة

سأعبر الجسر الآن
لأصل إليكِ
قبل سبعين عاماً
يكون فيها الماء
قد لبس قفازات حقيقية
لمبارزة العالم.

* قبلة

قُبلة الأيام العادية
توقظ الدبابيس في جلدي.

* يوم عطلة

عبر المصعد المُعطِّل
يوم الأحد
ينزل كلب أنيقٌ
وبيديه نظارات شمسية سوداء.

* مسدس من عيار 38

عندما تغضبني الكلمات
أنام بين أسنان مسدسي
لأستيقظ باكرا

وأقرر فجأة ودون مقدمات
الذهاب إلى نفسي.

* العجائز
أكره العجائز
هؤلاء الداعرات اللواتي يَتَلَصَّصن
من ثقب الباب
على شبه مراهقة تغفو
بين أحضان مِظَلِّ
يدَّعي التواضع
ويحلف بالتقاعد
بمجرد هزمه للمطر.

* حداثة
الركض خلف أرنب الحداثة
كالركض خلف سيارة لنقل اللحوم
يسوقها سلوقي أعمى نحو الغابة.

* تلميذات “سباتة”
في حديقة وادي الذهب
تجلس التلميذات النجيبات
على مقعد عجوز
أنهكته مواعيد العاشقين
وتفكر في امتحان الرياضيات
وفي مداعبة زبناءٍ لامرئيين
يأتون من إيطاليا محملين بريش السعادة
مرة كل سبعة قرون.

* ضيف ثقيل
أفْضَلُ ما يفعله ضيفٌ ثقيل
هو أن ينام سنة كاملة
في دولاب ملابسك العتيق
دون أن يحلم بالفاكهة
المعدنية التي تلمع في سلة الله

* صورة فوتوغرافية
وسط الحقول المغناطيسية
تَلْهثُ كلابُ الورق المقوى
وراء صراخِ لِصٍّ
نجا بأعجوبة
من أنياب القرية المجاورة
بينما الرعاة يتسامرون
حول صورة فوتوغرافية قديمة
للعنزة الوحيدة
التي تجرأت على النظر بوقاحةٍ
في وجه الجزار المغرور بنفسه.

حين لا أرى حـنيفة
* نادل “سولي، مار”
كان النادلُ المتَجهِّمُ
لا يبتسم لنا
إلا بعد الأداء.
يبتسم، فقط….
حين ينظر إلى بريق النقود
في يديه الفيليتين
ويتخيل سعادة أنثى فرس النهر
وهي تحاول أن تدخل رأسها

في عالمه المزدحم بالفناجين.

* قرية في السحاب
عبر الجسر القديم
يمر الملاك الأزرق
-قارئ كونديرا اللامرئي –

لابسا الجينز الخجول
والقميص المفتوح قليلاً
على ندبة الهواء الخفيفة
إلى مدرسة الحب.
يمر الملاك
بمحفظته الاسبانية السوداء
حيث تضحك الثيران
من بلادة الغزل
ويصرخ: OLE!

* المقعد الحجري
عاشقان من ورقٍ ينظران
إلى الأفق.
تتشكَّلينّ من موسيقى قوس قزح
وتضعينَ يديكِ في يدي
فيستيقظ المايسترو الهَرِمُ
ويفركُ عيون المقعد المثقلة
بنعاس الفراشات الحالمة

ثم يهمس في أذن العدم:
-فعلا، فعلا
إنها رائعة
كموجة مهذبة
تركتْ قراصنة البحر البعيد
وتكومت في لوحة لبوتشيللي.

* مطعم السمك
أفواه الأرز
أصابع الملاعق
أدب الشَّكَّاكين
وسروال النادل المراهق
المُمَزَّق عند الركبة
يحلقون في سماء ابتسامتكِ جميعاً
كلما أشرتِ إلى كأس الماء.

جلال الحكماوي، تذكرة ذهاب إلى نفسي (ديوان شعري)

 

السابق
تذكرة ذهاب إلى نفسي II – كل مسدساتي على صدغكِ يا تأشيرة
التالي
مربعات: 04 – ملفات طاركوس