ليلى الشافعي

الوهم والرماد. 09 – بوح على ناصية المدينة

الظهيرة. المدينة تعيش صخبها العادي، سيارات، حافلات، باعة متجولون، عجزة متسولون، مارة يتحركون في كسل أو يركضون نحو هدف غامض. المدينة تحضن ضجيجها، وزهرة تنتحي زاوية في مقهى، ترشف قهوتها السوداء، وتعب نفسا عميقا من سيجارتها وتحكي. في جلدها استقرت جرثومة التمرد القاتلة، وفي نظرتها بريق حزن شفاف. قبالتها امرأة في بداية العقد الثالث، تنصت غليها في انتباه وتعاطف، تحاول أن تستنفر فيها كل طاقات الحكي.
– تكلمي يازهرة.. لك رفيقة في الألم قد تحسن الإنصات. فككي جسيمات الحكاية وأعيدي تركيبها حتى تبدو شفافة، فالمستقبل لنا، هذا ما قالته الرؤيا وأكدته تجاويف كفك الأيسر. ألفظي ما بأمعائك من لغة بائدة وتدججي بالرفض.. فأنا معك.
استوت زهرة في جلستها وقالت بنبرة يائسة:
– كيف تكونين معي عندما أكون ضد نفسي. فأنا أحببت جلادي وطلقت كبريائي منذ خمس عشرة سنة. خمس عشرة سنة حصدت سنة حصدت بعدها ثلاثة أطفال وطلاقا بائنا وفقرا وفراغا.
– قد تكونين كسبت ذاتك!
– ربما، لكن بعد ماذا؟ أما الآن في عقدي الخامس، والجرح استقر في قعر الذات طريا لا يلتئم، وهذا عنفي لا يجد من يلم شتاته، وهذه صرختي يرتد إلي رجعها يتيما موؤودا.. قد أكون كسبت ذاتي، لكنني خسرت ما عداها.
– أليس ذلك كافيا؟ ألست امرأة جديدة؟
– ربما، لكنني وحيدة.. أتفهمين معنى أن يكون الإنسان وحيدا.. لادفء يدثره ولا حضن يعانق لواعج ذاته، هل تفهمين ذلك؟
– أفهم أنك مازلت تحبينه.
– بل أحقد عليه.
– الحقد درجة من درجات الحب.
– بل مرحلة وسيطة بين الحب واللامبالاة.
تنبعث من جنبات المقهى موسيقى خافتة. فصول “فيفالدي” الأربعة تحلق فوق زهرة تذكرها بدورة الحياة والطبيعة، فترتخي عضلات وجهها، تطلق عينها الكدر، وتسرح في البعيد كأنها ترتب فصول الحكاية. ومن ذلك الماضي البعيد المضمخ برائحة الخطيئة الأولى يصلني صوتها هادئا وديعا:
– في هذه المدينة، ومنذ عشرين سنة خلت، أحببت طالبا صغيرا. كان يقطر فتوة وطراوة. لم تكن تهمني فلسفته في الحياة. كان بالكاد يركب جملة مفيدة. لكنني أحببت وداعته ورقته وأحببت لحظات الجنون التي قضيتها معه. لم أفكر في الزواج منه. بل لم أفكر في الزواج أصلا. كنت أمج تلك العمامات البائدة التي تقتحم عليك لحظات جنونك لتسرق منك الممنوع وتخط لك صك الاستقامة. لكنني رغبت في الإنجاب. وكأية امرأة مجنونة، أنجبت منه طفلا اعتقدته ثمرة حب لا ينضب. وذات مساء، تحسست مواطن العطاء في ذاتي فلم أعثر على شيء، كأن المساحات الخضراء تحولت إلى أرض جدباء قاحلة. فأدركت لأول مرة أن الحب قد يموت كما تموت الأزهار والأشجار وحقول القمح، فحملت طفلي ورحلت.
كان الحب هو البوصلة التي تحدد علاقتي بالآخرين، لم أكن أفهم لي وجودا خارج هذا القطب من العطاء. استخففت بلك القيم التي تسرق مني جسدي وتقدمه قربانا لشيخ القبيلة. وجببت شوارع المدينة وأزقتها، حاملة ثمرة العصيان ولاهجة بالتحدي. لم أكن أدرك أنني وحيدة، وأن شهريار مدجج بسلاح فتاك وأن طفلي ولد قبل الأوان.
تكلست الأشياء من حولي وأصبح للوحدة طعم المرارة، ولنظرات الناس وخز الدبابيس، وكنت ما أزال أومن بالحب رغم ضراوة الحصار. وعند ملتقى طرق صادقته. قرأت في عينيه حنانا وبعض تضامن فبدأت معه تجربة أخرى.
لمست فيه حيرة المثقف وشفافيته، وتمزق الرجل المهووس بالآتي. كان وحيدا يجتر وجع الهزائم، وكنت أنا المهزومة أبحث عمن يشاطرني النهاية.
قال إنه هصير المرأة ورفيق مواجعها، وقال إنني مستقبله وبوصلة تجدده وأنه سيعانق إنسانيته عندما يكتشف آخر نبض في عروقي. كتب قصيدة ينعي فيها الاستبداد ويبشر بالآفاق الجديدة. أطلعته على تمردي فقال مرحبا بالنطفة التي تقوم اعوجاج الزمن!
زغردت آخر خلية في جسدي فرحا. وصرخت دون تردد هذا فانوس ينبجس في عمق ليلي لينير لي درب الوصال. كنت صغيرة وساذجة، فلم أدرك أن جده ينام منذ قرون في قعر ذاته مطمئنا إلى وصيته الأخيرة.
أحببته هكذا دفعة واحدة، بعد أن استهوتني رقته ومواطن وجعه. وعندما اقترح عقد الزواج لم أتردد، ولم أخش على نفسي من التدجين لثقتي في شقاوته وهوسه بالعلاقات الندية.
وبدأ الزمن يزحف دورته الحلزونية، وفتح طفلي عينه على رجل اعتقد أنه أبوه، وبدأت الأيام تكشف عن المفاجآت.
اطمأن زوجي المثقف إلى تملكه لحاضري ومستقبلي، فأقعدني في البيت. وبرر ذلك بغيرته الشديدة علي، وبعدم ائتمانه جانب امرأة خبرت الحياة مثلي. صعقت واستنكرت، لكن شيئا أسميته الحب ‘مى بصيرتي، فتنازلت عند رغبته حفاظا عليه ودرءا لغضبه. وكان تلك فاتحة التراجعات. انحصر عالمي الصغير وتقلص إلى أن تخزل في شخص زوجي، أصبح مصدر المعرفة ومركز الجذب والعطاء. وبدأ عالمه يتسع ويكبر إلى أن أصبحت فيه نقطة باهتة غير ذات قيمة.
انجبت منه طفلين، فزاد اطمئنانه لاستقرار العلاقة، ولم يعد يتورع عن ضربي وإهانتي أمام الملأ. كان ينتقم لماض عشته باستقلال عنه، فانحبس كالشظية في حله، كنت شرسة ولم أكن أتردد في رد إهاناته وشتائمه، لكنني كنت الخاسرة أبدا، لأنني لم أكن قادرة على الحسم وكان ه يعرف ذلك ويستأنس به.
تمر الأيام ويتسلق زوجي بمهارة مناصب السلطة. يطلق وجع ماضيه وهمومه وقضاياه، ويصبح من أعيان المدينة. يتبخر الحد الأدنى. تتربع فظاظته فوق دمل السلطة، أتحول في بتيه إلى خادمة بالمجان، فأقرر حمل أطفالي الثلاثة وأرحل.
– أكاد لا أصدق… أأنت التي تحملين كل هذا؟ كيف حدث ذلك؟
– لست أدري، طرحت السؤال على نفسي ولم أعثر على جواب.ربما نحن النساء لا نشطر رأس الثعبان حتى ينتفخ ويصبح برأس التنين. لا أعرف لماذا. ربما يحدونا أمل واهم في أن يتحول الثعبان إلى حمل وديع، فلا نحصد سوى الغبار وحطام الذات المتهاوية.
– لعل الحب هو مصدر التردد.
– بل جرثومة السلب العالقة بجلدنا المتفسخ.
– هي تجربة على كل حال.
– بل هي كابوس طبقته لأعانق البوح.
ظلت زهرة تحكي إلى وقت متأخر من الليل، طلبت عدة فناجين من القهوة وأوشكت أن تنهي العلبة الثالثة من سجائرها. وفجأة دخل رجل إلى المقهى، وطفق يجول ببصره في جنباته المقفرة. ارتكبت زهرة، وتوردت وجناتها. وقعت نظرات الرجل عليها، اقترب منها وهمس في أذنها بشيء لم تتبينه المرأة الثانية. انفرجت أسارير زهرة، ابتسمت له في لطف ثم حملت حقيبتها وذهبت معه.. وبقيت صديقتها الثلاثينية وحيدة في مقهى مقفر.
19 يونيو 1987

ليلى الشافعي، الوهم والرماد (مجموعة قصصية)

السابق
الوهم والرماد. 10 – في تلخيص باريس
التالي
الوهم والرماد. 08 – باتجاه المقبرة