عايدة نصر الله

يوميات أوراق مهترئة. 02 – السفر/ ترجمة: عائدة نصر الله

24.8.2001
اليوم هو يوم سفري إلى أيوا . جميع من يعرفوني جاءوا لتوديعي، لم يبق أحد ممن أعرفهم في أم الفحم ومن خارج أم الفحم لم أحك له عن مخاوفي، طالباتي، أخواتي والجيران.
حكيت لكل العالم، ولاحظت بأنني كلما تكلمت عن مخاوفي أكثر جاءت النتائج عكسية، حيث كانت مخاوفي تزيد. حتى أنطون شماس يبعث لي برسالة إلكترونية من وراء المحيط صفحتين بالتمام والكمال يرشدني فيها ماذا افعل، خطوة خطوة، رجل لطيف لم أعرفه ولم يعرفني، ومن شدة إعجابي بالتفاصيل التي كتبها وشكل الإرشاد احتفظت بالرسالة بين آلاف الأشياء التي أخمرها. وأنت عزيزي تبعث لي برسالة ” إذا خاف الناس من السفر، فلماذا يسافرون. وما المعنى من “السفر”؟ ووضعت كلمة السفر بين قوسين، طبعا فهمت الرمز.. أردتني أن أفهم السفر بمعناه الاستعاري، السفر الداخلي والفحص الذاتي. كلماتك منحتني قوة، هدأت لبضع دقائق ومرة أخرى دخلت دائرة الخوف. وكلما اشتد خوفي كررت كلماتك وكأني أطرد بها الشياطين والأرواح الشريرة التي تنحسني.
أحد الأصدقاء، سامر، الذي سافر إلى نيويورك من قبل بدأ يشرح لي كيف أتدبر أموري. ورسم لي خريطة لإرشادي وبدون أن أنظر للخريطة سألته: ” هل مطار نيويورك أكبر من مطار اللد ؟” فانفجر سامر بالضحك وقال: “مطار اللد صفر نسبيا” وأحسست بأني احتاج المرحاض، واكمل قائلا: “مطار نيويورك أكبر من أم الفحم” وعندها أسرعت للمرحاض.
قرأت ورقة “الإرشادات” التي وصلتني من السفارة الأمريكية ألف مرة ولم أفهم منها شيئا. شعرت بأنني أدخلت نفسي إلى متاهة كنت في غنى عنها، وجاء في بالي أن أعدل عن كل شيء. سفر انتظرته كل حياتي يهددني كتنين يفتح فاه ليبتلعني.
وأنت لم تبرح رأسي، عنياك، صوتك، عندها جاء في بالي أن ألعن نفسي.
بدأ جميع من يعرفونني بالتوافد ليودعونني، واحد بعد آخر لطموا وجهي بالقبل، وأنا ابكي كمن تذهب لتوديعهم بلا عودة.
لم أنم ليلتها، وبدأت أكرر” إذا خفنا من السفر، إذن لماذا نسافر؟” كلماتك كانت تقويني كآيات مقدسة.
قرأت آيات منوعة من القرآن. أمي لا تسال، ولا تعطي أدنى اهتمام، وكأنها تخفي الحزن أو الغضب. تعابير وجهها غير مريحة. هذه المرة الأولى التي بها أبتعد عن أولادي مدة طويلة، التصقت بأولادي الذين سيرافقونني إلى المطار. أمي جاءت وأعطتني مبلغا من المال، وأشياء، زعتر، لبنة، زيت، وآيات من القرآن دستها في جيب صغير لكي تحميني من كل سوء.
في تلك اللحظة عرفت أن غضبها كان خوفا علي.
في مطار اللد، ابني يختنق من الدموع الواقفة في حلقه، ويخرج من جيبه سلسلة من الذهب وفي وسطها دائرة كتب عليها “الله” بكتابة عربية جميلة، ويعلقه في عنقي، ويحتضنني ويبكي. شروق ابنتي وفريد زوجها يرافقاني حتى اللحظة الأخيرة. بعد أن علوت الدرج الذي يؤدي إلى داخل المطار، المكان الذي لا رجعة منه، أحسست وكأنهم تخلصوا مني للأبد. نظرت إلى الوراء ورأيت ابنتي وزوجها وابني يبتسمون من خلال الدموع وغضبت عليهم لأنهم قذفوا بي إلى المجهول.
وهناك بجانب بوابة الانتظار لنيويورك، نظرت إلى الوجوه، فعرفت تعابير الوجوه العربية، تقدمت لأحدهم والتصقت به لكي يرشدني عندما نصل إلى المتاهة الكبرى. فهدأت.
هذه ليست المرة الأولى التي أسافر فيها في طائرة، لقد سافرت عندما كنت ابنة ثلاثة وعشرون عاما، ولكن عندها كنت مع مجموعة، وكنت أكثر جرأة وكان بي بقايا مغامرة في الحياة. والآن أنا ابنة 47، أجلس متيبسة بجانب طفلين، أحدهما ابن عشر سنوات وأخوه ابن 12. بادرت في حديث معهم، حيث لم يكن من المعقول أن امضي الأربعة عشر ساعة في الطائرة وأنا أفكر فقط في وجودي معلقة في السماء. أولاد هم أصغر عمرا من أولادي يعلموني كيف أستعمل الآلات المتنوعة في الطائرة، التي نسيتها. ولقد اعتنوا بي بشكل جيد. عندها أدركت أن قامتي أصغر من قامتهم. نعم. “هم ” يتعلمون السفر بجيل صغير، وهكذا يتعلمون اكتشاف العالم. وهنا لأول مرة أفكر في كتابة التعبير “هم” و “نحن”. نعم هذا كان فرق أساسي بيننا وبين أمم الله جميعا. فأنا أذكر بأن أخي الوحيد أراد أن “يتفصحن” مرة لكي يصبح مستقلا، وسافر إلى جنين. وجنين لم تكن تبعد عن أم الفحم أكثر من خمس وأربعين دقيقة. وربما بسيارة جيدة تصلها بعشرين دقيقة. ليس كاليوم حيث لا يمكن أن تصلها أبدا.
وحينذاك، أخي المدلل سافر لزيارة عمي الساكن في جنين دون علم أمي. وشاعت الفضيحة، أمي مزقت ثيابها ونفشت وقلعت شعرها، وكأن أبي قبر من جديد لأن أخي سافر لوحده. وبهذه الطريقة شب أخي كرجل مستقل.
ولربما نحن نحب أطفالنا أكثر!!! من يعلم؟!! لا يجب رؤية كل شيء أسود!!
أربعة عشر ساعة بالطائرة، كارثة، مخيف. وماذا باستطاعتي أن أتكلم مع أولاد صغار؟
كما وكنت خجلة من نفسي، حيث بدا جلوس الأطفال مريحا، فكانوا يقومون ويتجولون، وكأنهم ليسوا في السماء. يلعبون ألعابا مختلفة، وأما أنا فقد تيبست مؤخرتي وأردت أن أثبت السماعات لأسمع الراديو، فأثارت أعصابي، كل تلك الأدوات لا تزيدني إلا عصبية، عدا عن أن جلوسي كان في الممر.
أربعة عشر ساعة، كل من جاء في باله أن يتجول مر بي، والأطفال شربوا كثيرا من السوائل، وكل منهما عندما أراد الذهاب إلى المرحاض طلب مني بأدب أمريكي مخلوط مع إسرائيلي وقال: “أكسيوز مي بليز” وكنت “أأكسسز” لهما لمدة 14 ساعة، وبعد عدة مرات. كان يكفيهما النظر إلي لكي أفهم أن علي القيام وفسح المجال لهما. وكدت أطلب منهما أن “يعملوها” في حضني على أن يدعوني أرتاح قليلا.
حاولت النوم ولم أجرؤ. لأنه إذا لا قدر الله ومت. ستكون خيانة في حق نفسي. أحب أن أموت وأنا مدركة لذلك، ولا اذهب هكذا سدى؟ ألا يكفي بأن الحياة تستغفلني؟ هل أتيح للموت فرصة الضحك علي ولا تتاح لي الفرصة بالمعرفة؟ لا. ولهذا أبقيت عيناي مفتوحة حتى النهاية
حاولت أن أفكر فيك، بالصحراء، بصورتك مع الحطة والعقال. ولكن كان الكل في مخيلتي مبهما ومغبرا. هربت من كل الأسئلة الفلسفية التي كانت تعطل على متعتي.
متعة؟ أية متعة هذه؟
وصلنا لنيوجرسي ويا الله. “الل……….للله” شعرت بأن العالم يود ابتلاعي، عندها التصقت بأحد العرب الذي كان بالصدفة من بيت لحم، هدأني ورافقني إلى محطة التفتيش وفارقني.لأنه كان متوجها محطة أخرى.
المطار كان كبيرا علي.
“كبيرا علي” ليس التعبير المناسب لتلك اللحظة. لقد فاق كل الأوصاف التي وصفها سامر قريبي من أم الفحم. عندها، حاولت التعمشق على كلماتك “إذا خفنا من السفر، فما الداعي للسفر؟”.
استجمعت قوتي وبين الكلمات والدموع كان يفصل خيط رفيع، فلو دفعني أحد ما لانفجرت بالبكاء. إحدى اليهوديات اسمها كيرن، والتي من شدة الربكة نسيت أن آخذ عنوانها في إسرائيل لأشكرها، ساعدتني ورافقتني الى بوابة الترمنال، وحتى ركبت معي في المقطورة الصغيرة التي تؤدي إلى المحطة المقصودة للطائرة. على الرغم من أنه كان عليها العودة إلى ترمنال آخر. وهذا وحده يكفي لتتصوروا ملامح التيه التي رسمت على محياي.
وقلت في نفسي. سأمحو هذه المحطة من اللائحة لكيلا أرتبك وأعود من حيث أتيت. اقسم لكم بأني هكذا فكرت في تلك اللحظة. وهكذا محوت محطة نيوجيرسي، لكي أتخلص واعرف كم محطة تبقي لي لكي أصل أيوا.
آه… قبل أن أودع كيرن سألتها:” قولي لي يا كيرن، من فضلك، هل مطار شيكاغو كبير؟
قالت ” ربما أكبر من هذا؟” وقصدت نيوجرسي. فشعرت بمغص شديد.
وصلت إلى شيكاغو. وبهذا أكون قد تخلصت من محطتين بقي محطة واحدة وأكون في ايوا. وصلت إلى شيكاغو ساعة قبل الموعد. وقد قال لي صديقي سامر من أم الفحم، عندما نظر إلى ورقة البرنامج ” حسنا، هناك ساعة من الوقت، تستطيعي فيها شرب القهوة، دللي نفسك حتى يحين موعد الطائرة”.
شيكاغو بني على شكل ديناصور، مليء بالمقاهي والمحلات التجارية، مطار راقي لمن لا يشبهني. ذهبت مباشرة للمحطة التي من المفروض أن تأخذني إلى أيوا، ونظرت إلى شاشة الاستعلامات، فكانت قائمة سفريات أخرى. سألت الموظفة بالضبط كحمقاء وساذجة: أليس هذه البوابة لأيوا؟ ولكن أن أكون ساذجة أفضل من الضياع. وماذا يعني إذا كنت ساذجة أو هبلة مرة؟
مرة واحدة؟ مضحك. كل حياتي وأنا ساذجة. إذن مرة إضافية أو اثنتين وحتى عشرة. لا يضر.
الموظفة ابتسمت بأدب بشكل جعلني أحس بأنني فعلا ساذجة. ولكني ضربت عرض الحائط. قالت لي: نعم هذه هي البوابة. ولكن موعد سفرك بعد ساعة.
عرفت ذلك وتجاهلت الملاحظة. جلست بجانب البوابة ولم أتزحزح من مكاني، وجميع اقتراحات سامر ذرت بالهواء. تسمرت ساعة كاملة بجانب المكتب. ناس يذهبون وناس يغادرون وعايدة متسمرة ومتمسمرة لكيلا تهرب الطائرة.
جاء الوقت. صعدت إلى الطائرة.، طائرة صغيرة: ” ربما يكون أحد الكتاب في نفس الطائرة، إذ لا يعقل أن أسافر كل الطريق دون أن أقابل أحدا من بين ال-30 كاتبا”. وكان ذلك صحيحا، فقد كان الكاتب الأرجنتيني، الذي عرفته فقط بعد أن نزلنا في المطار في أيوا.
وصلنا إلى أيوا، في المطار رأيت شابة تمسك بلافتة كبيرة كتب عليها ( – International writing program- iwp) ولم أكد استوعب بأن لي علاقة بالأمر، حتى سمعت الشابة تنادي باسمي” عايدة”
فقلت” نعم”.
كنت كمن وجدت أحد من عائلتها Kسقطj في أحضانها وتبادلنا القبل وكأننا ولدنا معا.
جنيفر باوم اسمها، وحتى اليوم ما زلنا بعلاقة عن طريق الرسائل الإلكترونية. وددت أن أقص لها قصة السفر المتعب، إلا أنني صمت.
أحسست بأنك تنقصني في تلك اللحظة، وشعرت بقلبي ينقبض، أردتك. وكانت الكلمات هاربة مني.
ذهبنا إلى مكتب البيت الذي أعد للكتاب في الجامعة، رميت بكل أغراضي في الغرفة. ووجدت الكاتب الإسرائيلي أتجار كيرت ” العجوز” طفلا حكيما. وبعدها هرعت لمكتبة الجامعة لكي أرسل لك إميل ولأخبرك بوصولي.
وأنت أرسلت لي كعادتك، كلمات قصيرة ومباشرة كيهودي متعلم” وأخيرا ها أنت تصلين لأيوا. تبريكاتي”.

من مجموعة يوميات أوراق مهترئة، ترجمتها عن العبرية وبعض المقطوعات عن الإنكليزية: عائدة نصر الله

السابق
يوميات أوراق مهترئة. 03 – تعارف/ ترجمة: عائدة نصر الله
التالي
يوميات أوراق مهترئة. 01 – المنقذ في الصحراء/ ترجمة: عائدة نصر الله