عايدة نصر الله

يوميات أوراق مهترئة. 01 – المنقذ في الصحراء/ ترجمة: عائدة نصر الله

لرامبو الشاعر لا توجد أية علاقة برامبو الأمريكي ذو العضلات المفتولة والذي لا تصمد أمامه دبابة أو طائرة حيث بإمكانه ان يقضم أي منهما بأسنانه لو وقفت في طريقه. فهو المخلص الحديث لمشاكل العالم.
لهذا، خطر في بالي أن أناديك “رامبو”. لكني اكتشفت بأنك لا تشبه رامبو بأي حال من الأحوال، لا بتركيب الجسم ولا بالتصرفات. ليس لك القامة الطويلة والعضلات المفتولة. وبيني وبينك، لا شيء يجذبني في رامبو؟
فأنا شخصيًا لا أحب شكله لا بالمعنى الرجولي ولا الإنساني، ولمجرد النكتة افتتحت باسمه.
منقذنا قصير القامة يميل إلى الاعتدال، لا يربي عضلاته وعيناه زرقاوان وجاحظتان. ولا أدري ما الذي دعاني لذكر رامبو على فجأة. ربما لأن رامبو منتصر دوما. على كل حال جميل أن تشعر أن هناك رامبو عندما تكون تائهًا في الصحراء. حيث باستطاعته أن ينتصر على الحيوانات، الأفاعي وحتى إذا زأر بك أسد سيكون متربصًا به وله مستعدًا.
منقذنا جال في الصحراء مع مجموعة نساء ورجال، وكان لدي شك بأن كل من معي يعرفون عقدة خوفي من الضياع.
الضياع أو التيه تعبير أكرره في كتاباتي حتى يخيل لي أن التيه والضياع سيتحول يوما إلى موتيف خاص بي. ولكي أختصر الطريق على الباحثين الذين سيبحثون كتاباتي بعد موتي (على افتراض أنني سأكون شيئًا يستحق الذكر) بالرغم من أن الباحثين والنقاد هم كمحققي الشرطة يلاحقون التفاهات ويعصرونها لكي يجدوا ما هو جديد أو نقطة ما لم يتوصل إليها أحد من قبل. وبهذا بدلا من أن يسارعوا بالسؤال ” لماذا هي تذكر كل الوقت الضياع من الطرق”؟
سأختصر عليهم الطريق وأقدمها لهم بملعقة من ذهب وأعطيهم لائحة من المخاوف، خوف من الطرق، خوف من الضياع، خوف من الحياة، وكل هذا بسبب ابتلاع الطريق المفاجئ لأبي. أما الباقي فسيضطرون للبحث عنه.
عندها سيتساءلون “كثيرون من فقدوا آباءهم على الطرق لماذا عندها الخوف مبالغ فيه؟ هذا سؤال جيد يستحق البحث.
أية مغفلة أنا؟
في اليوم الذي سيأتي باحث ما ليغوص في مخاوفي لن يبقى إنسي هنا، ربما يكونون في كوكب آخر ومواضيع البحث عندها ستكون مختلفة، وطبعا، أحمد لله، لأني يومها لن أكون في القائمة السوداء للتحقيق.
أين كنت؟
أه، قبل أن يهاجمني الخوف من الضياع. كنت أرسم خرائط العالم دون أن أنظر إلى الأطلس، وكنت أحصل على 100 بالجغرافيا. أما اليوم فإن باستطاعتي أن أفقد الطريق في كل مكان وحتى في بيتي. والطرق في حساباتي ليست مقتصرة على الشوارع فقط، ولكنها تستطيع أن تكون أسهم على الحاسوب، درج كهربائي، مصاعد كهربائية.
هذا الآن تعرفونه وستعرفون وستسمعون مني أطنان من القصص حول نفس التيه؟
في الصحراء، الأمر اشد صعوبة، لا يوجد اتجاهات، حيث بإمكانك أن تختفي داخل قبة السماء واللون الأصفر.
هناك كان هو… منقذنا. يصفر لنا تصفيرا ته وحسب النغم نعرف بأننا ما زلنا في الاتجاه الصحيح. ولكن بالنسبة لي لم يكن الأمر كذلك. أحد لم يدرك كيف كنت أعود إلى الطريق كمن يتوب عن خطاياه. لم أثق باللحن. لأن أذني لم تر الموسيقى. ولهذا… كبدوية صحراوية أو كإحدى أفراد القبائل القديمة، أخذت أوراقًا بيضاء، قسمتها لقطع ولففت كل قطعة بحجر احتياطًا لكيلا تطير. وبدأت أوزعها مع كل خطوة. وكنت كمن يقوم بفعلة مشينة أنظر حولي لئلا يراقبني أو يقبض علي أحد متلبسة ورميتها بسرعة.
بعد ساعات سمعنا صفارة الناي، وبإعقاب الأوراق عدت إلى القاعدة سالمة في الطريق إليك.
منذ ذلك الوقت أصبحت أنت الحجر داخل الورقة، والورقة ذاتها… اللحن والناي.
قلت لي” عايدة، أنت ملائمة جدًا للمكان”
بنت الصحراء؟ نعم. ولكن لست بنت حكمة الصحراء.
لماذا يأتي في بالي أن أتحدث عن الموضوع الآن؟
لا أعرف. ربما لأنني على شفا ضياع… سفر طويل؟
الحقيقة يا عزيزي، بأنني عندما أكتب هذه اليوميات أو الرسائل، سمها ما شئت، والتي تحوي كثيرا من التفاهات. فإنني أحاول عن طريق كتابتها أن أفحص الكتابة من خلال الغوص في الكتابة نفسها.
هذه الرسائل أو اليوميات، أو ما شئت، كانت من المفروض أن تشكل خلفية لرواية. ولكن قررت أن أخاطر وأكشف سر اللعبة. كثير من الأشياء التي تذكر هنا ستظهر بالرواية. وسيكون مستفزًا لك، له/، لكم \ القراء الذين ستشعرون بالانتصار في كشف أبطال الرواية. ولكني لن أمنحكم فرصة الاكتشاف وستخسرون الشعور بالانتصار.
وليكن.. لتكتشفوا.
ما الذي سيحصل إذا كتبت نفس الموضوع بأشكال مختلفة، ألن تكون مغامرة؟
نعم ستكون.
أين كنت؟
قلت مغامرة؟
نعم وليكن.
هذه الرسائل تحوي نطفًا من الواقع المجدول بالخيال. ولأسفي أن لحظات الواقع هي الكتابة المليئة بالدم، ولحظات الخيال هي لحظات الحب. كنت أود أن يكون الأمر عكسيًا. ولكننا يا عزيزي نخاف من الحب أكثر من القتل.
في هذه الرسائل أحاول فهم نفسي، وهناك دائمًا شخصية تفرض وجودها علي وربما هي التي تكتبني، وأحيانا تفرض جملة نفسها علي وتسحبني وتعود على نفسها مرات عديدة حتى تتركني من تلقاء نفسها عندما تكون قد أخذت من دمي كل ما تريد.
ألم اقل بأن الكتابة هي مغامرة؟
فلتكن.
وها أنت تظهر لي مرة أخرى، منذ تلك اللحظة التي أمسكت فيها بيدي في داخل تلك الدائرة نلف ونقول ” ضوء وظلام”. حتى ذلك التعبير لم يكن غريبًا علي. ولكن ربما شكل القول؟ ربما شكل التنفيذ؟ وربما التوقيت أجابا على شيء داخلي عندي؟
ربما.
وهنا تبدأ قصة فتاة في السابعة عشرة، حين كانت تخربش بالقلم وتبني لها مسرحًا>
لم أعرف آنذاك ما هو المسرح؟ وها أنت تعيد لي الحكاية.
هل فعلا هو أنت؟ أم أن هناك آخرون.
ربما.
دفعتني لنسيج مسرحًا غير قابل للتنفيذ. مسرحًا لا معقولا يجول في مخيلتي، مسرحًا لو أتيح له أن ينفجر على الورق لأرعبني، تلك المرأة التي تنعف نفسها بك ليلا وتلعب بك كالدمية.
نفس دمى الطفولة.
أين ذكرت الدمى؟
أه! ربما ذكرتها في مكان آخر، لقد تحدثنا أنا وأنت عنها. هل تذكر؟
نعم. ألعب معك وإياك كدمية. وعلى الرغم من ضخامتك فأنت ترتسم بيدي كريشة، وحالما ألتقيك ألبس قناعًا. من يدري لو كان بأيدينا أن نكون كما نريد؟ من يدري ماذا كنت أفعل، ويا ترى ماذا كان سيكون ردك؟ مثلا لو تسلقت عنقك وضغطتك إلى حضني مع كل تلك المشاعر التي لا يدركها الرجل، ماذا كنت ستقول؟
ربما كان على الرجل أن يلد مرة ليفهم تلك المشاعر. وليفهم انبثاق الحياة من شعرة الموت.
هل أنت المقصود في هذه الرسائل أم هناك آخرون؟
أين كنت؟
أعرف أنك تهتم بي، تشعر بي، وتهرب. لأنك لا تستطيعني؟
لأنك لا تستطيع دخولي؟
لأنك تخاف علي؟
لأنك تخاف عليك؟
تعبير ” الدخول” يحمل معه أسنان حادة لمن يطرب لنكش اللحم الحي. أما للذي أكتب له\ لهم\ لهن… أيضًا فإنه يحمل أسنانًا حادة للتفتيش عن عوالم الدخول المقصود.
ولهذا قررت أن ” أدخلك”\ أدخله\ هم \ هن\ أنتم \ أنتن\ من خلال هذه الرسائل.
وهل ذلك لأنني أعاني حالة دائمة من الطيران؟
أحملك\ أحمله\ أحملكم أينما ذهبت.
هناك في تلك الصحراء المضيئة تمنيت أن أتلفع بالرمل حتى أصيره. وعندما مررنا على موقد عابر وددت أن أتمدد به. حلمت أن أفعل ذلك أمامك، تلك الطاقة الكامنة المجنونة في داخلي لم أستطع نعفها في وجهك، وإلا.. فلربما أحببتني. لأني أعرف أنك ستحب المرأة الشمس في لهبها وحدة وضوحها. هذه الموجودة بين أسطر الكتابة.
وأنا لا أساوي سوى تلك السطور.
عزيزي أنت الأكثر معرفة لي وبي، هل تكرس لي نطفة من الوقت؟
كل علاقتنا على مدى سنوات، كانت رسمية ويكتنفها التهذيب.
” هل لك خمس دقائق”؟
بعد ذلك علا الموج:
” عزيزي، أشتاق لرؤيتك”
” مشتاقة”
وبعدها..” أحبك”.. انفجرت.
طبعًا انفجرت دون نتيجة
هل مسموح لي أن اكتب لك، له، لهم، لكم… ربما لآخرين؟
تعال نحاول!
عائدة نصر الله، 2.7.2001

من مجموعة يوميات أوراق مهترئة، ترجمتها عن العبرية وبعض المقطوعات عن الإنكليزية: عائدة نصر الله

 

السابق
يوميات أوراق مهترئة. 02 – السفر/ ترجمة: عائدة نصر الله
التالي
محمد صوف: يد الوزير (رواية). XXI