روايات

محمد صوف: يد الوزير (رواية). XXI

لعل المرء يحدث له بعض مخبآت الدهور ما لا يخطر على بال ولا تدركه العقول، خاصة إذا لم يعمل لآخرته عمل لما يموت غدا.. لعل المرء يهتضم عرضه ويهتم قلبه ويأذن بالوهن..
لعله يجهل أنه في دار الآفات والجوائح غير مأمونات. لعله ينسي أن للنفوذ نزوة وللسلطان سكرا وسكر السلطان أشد من سكر الخمر..
لندع قول القدماء.. ولنتابع الرواية.
آمن الرجل أن الحكمة التي تهوي من السماء إلى القلوب قد أخطأته وأخطأته لأن في قلبه خصلة من خصال أربع.. الركون إلى الدنيا. وهو ركن إلى الدنيا.
يقرأ ذلك في كتاب قديم ويهبط الدمع مدرارا
يهبط الدمع.. الدمع فقط.
تأتيه رسالة.. ترتعش يده اليسرى وهي تتسلمها من مساعدته. يرفع نحوها بصرا هو كالبصر.. تفهم مراده وتفض الرسالة. تفردها أمامه فيتابع سطورها..
يقرأ فيها حكاية داوود..
ما له داوود؟
تقول الرسالة..
كان داوود يسيح في الجبال. مر على غار فرأى رجلا عظيم الخلقة..
بعد هذه المقدمة يقرأ عبارة كتبت بحروف بارزة حمراء. وأنت لم تكن عظيم الخلقة..
ويتابع..
الرجل العظيم الخلقة ملقى على ظهره وعلى رأسه حجر كتب عليه.. أنا دوسم الملك. تملكت ألف عام وفتحت ألف مدينة وهزمت ألف جيش وفضضت ألف بكر من بنات الملوك ثم صرت إلى ما ترى.. التراب فراشي والحجر وسادي فمن رآني فلا تغرنه الدنيا كما غرتني..
في أسفل الرسالة عبارة كتبت بحروف بارزة حمراء.. ما أن أدركها بصره حتى أخرج صوتا غاضبا.. ورمى الرسالة جانبا..
فهمت مساعدته أنه يريد أن يغير المكان فدفعت الكرسي المتحرك إلى الصالون..
نظر إلى جهاز التلفزيون.. فأدركت أنه يريد أن يشاهد.. رأى الأخبار وهو عنها غائب.. النساء تزغرد والأيادي تصفق ومقص التشييد يقص الشريط الملون.. وهو غائب..
فأطلق زئيرا فأطفأت الخادمة جهاز التلفزيون
وأن..
الخادمة كالآلة. تطيع صامتة، تعطيه ما يرغب فيه. ترفع ما يرغب عنه. تدفع الكرسي المتحرك حين يطلب ذلك. تدفعه عند ما يهز رأسه بطريقة لا يدرك معناها أحد سواها. لا تتهاون في أداء واجبها.
في آخر الخريف. كان قرب النافذة ينظر إلى الشارع من خلف ستائر اختارها بنفسه قاتمة.. كما اختار لغرفته تلك أن تطلى جدرانها بلون الضباب.
تتساءل الخادمة.. “ترى ماذا يدور بخلده الآن؟”
يحرك رأسه يسارا فتركض إليه وتسحب الكرسي من قرب النافذة.. ينظر إلى المكتبة فتقربه منها. يمد يسراه التي تتحرك بالكاد ويشير إبهامها إلى أحد الكتب. تضع الكتاب على ركبتيه.. تفتحه.. ترى أنه لا يقرأ وإنما يحاول أن يشم رائحة الورق..
تنظر إليه ذاهلة، ها هي معرفتها تضيق عن فهمه. هكذا تقضي يومها معه..
قالوا لها يوم تقدمت لخدمته..
– أنت المسؤولة عنه.. حاولي بخبرتك وفطنتك وقدراتك أن تفهميه.. لا نريد أن نعرف شيئا. كل حاجاتك نلبيها. يكفي أن تطلبي.
قال لها أحدهم خمنت أنه قريب له:
– كان الله في عونك. كان صعب المراس وهو معافى. وهو على هذه الحال قد يصبح التعامل معه مستحيلا.
ومنذ ذلك اليوم وهي ترعاه..
لقد تحولت كل حروفه ألفا ممدودة قد تطول أو نقصر حسب الحاجة..
الذين يأتون لزيارته يكتفون بتقبيل جبهته وتوجيه ابتسامة تعاطف وسؤال يرد عنه برفة رمش ويذهبون.
عددهم يتناقص مع مرور الأيام..
لا تعرف ما حدث له. وكيف أصبح هكذا. كل ما تعرف أن طبيبا اشتغلت معه طويلا عرض عليها أن ترعاه بأكثر من ضعف الأجر الذي كانت تتقاضاه.
فقبلت
أحيانا يتوصل برسالة، ما إن يقرأها حتى يرميها جانبا، ولم تكلف نفسها قراءة الرسالة. بحدسها تعلم أنها رسالة تشف. وهي تعلم أن رجلا مثله لا بد أن يكون له أعداء وتؤمن أن على من يرفض معاداة الناس له أن يبتعد عن الأضواء والمناصب..
كانت تنتظر منه أن يطلب منها أن تقرأ له شيـئا فصوتها جميل وعذب ومريح وكم أحبه المرضى، لكن الرجل لم يجعل قط من القراءة هما. أو لعله لم يخرج بعد من التحسر الصامت وجوبا على وضعه.. وستأتي القراءة في مرحلة لاحقة، أي عندما يقبل وضعه ويسلم بالمكتوب..

محمد صوف، يد الوزير (رواية)

السابق
يوميات أوراق مهترئة. 01 – المنقذ في الصحراء/ ترجمة: عائدة نصر الله
التالي
محمد صوف: يد الوزير (رواية). XX