روايات

محمد صوف: يد الوزير (رواية). VIII

– هل تستطيع أن تعيش وتدع الآخرين يعيشون؟
يصفق معالي الوزير لطارح السؤال قبل أن يرفع الكأس إلى شفتيه ويقول:
– برافو يا رجل.. هذا سؤال عبقري.. سأرد. أنا لا أدع الآخرين يعيشون وحسب. أنا مصدر عيش الآخرين.
ويشير إلى حارسه الشخصي ويضيف..
– انظر إليه.. عضلاته المفتولة لا قيمة لها في غيابي.. أحسن ما يستطيع أن يفعل بها هو حمل البضائع في الميناء من سفينة إلى شاحنة ومن شاحنة إلى سفينة.. معي أنا يرتدي الكريستيان ديور.. ويقف.. يسير جنبي.. أو خلفي.. هذا كل ما يفعله مقابل أجرة تسيل لعاب الكثيرين. إضافة إلى كوني في غير حاجة إليه.. نحن نعيش في بلد آمن.. نعيش فيه آمنين محلقين رؤوسنا.. إضافة كذلك إلى أنه يرافقني قليلا.. لا عندما أشعر بالخطر.. إذ لم أشعر بالخطر مطلقا ولكن عندما تقتضي الإيتيكيت حضوره معي.. إذ لا يعقل أن أذهب إلى مكان كل نظرائي فيه مصحوبون بحراس شخصيين وأنا لا..
يرفع الكأس مرة ثانية إلى شفتيه.. ويجول ببصره في قاعة مقصف الفندق الفسيحة.. تتوقف نظرته دون أن تتوقف على شخصين ينظران جهته..
شيء في داخله يرتجف قليلا.. يتجرع الكأس إلى آخرها.. يقول في نفسه..
– أنا شخصية عامة وطبيعي أن ينظر إلى الناس بإلحاح..
ينتبه صديقه لشروده..
– أين غبت يا معالي الوزير؟
يطلق ضحكة عالية.. ويشير للنادل أن يأتي له بكأس أخرى..
ويتحدث هو. ويتحدث الآخر. ويضحك هو ويضحك الآخر.. ويقف الحارس الشخصي في الكونتوار.. أمامه كاس من ماء معدني.. إذ لا يعقل أن يشرب في أوقات العمل.. ويحدق فيه الشخصان. ويتحدثان فيما بينهما. ويضحكان ويشربان بدورهما.. وينظران إلى رواد المقصف. ويعبر بصرهما الحارس الشخصي لمعالي الوزير دون أن يثير انتباههما ودون أن يعلما أن الوزير يصحب معه حمايته.. ويتحدثان. وينظران إلى معالي الوزير وهو يشرب يقول يضحك يشير للنادل. ينظران إليه وهو ينهض.. وهو يزحف نحو مراحيض المقصف.. ويريان الحارس الشخصي بدوره يتجه نحو مراحيض المقصف.. ولا ينتبهان إليه.. ويتكلمان.. ينهض أحدهما يتوجه إلى مراحيض المقصف..
عند مدخلها يكاد يصطدم بمعاليه خارجا.. لا ينتبه إليه الوزير.. يدخل.. ثم يخرج.. يتوجه نحو صديقه ويتحدثان طويلا.. لا يستطيعان منع نظراتهما من التسلل نحو السيد الوزير..
– نظرة السيد الوزير تصطدم بالنظرتين.. فيرتجف هذه المرة وجلا.. نظرة السيد الوزير هذه المرة تتوقف بدورها عليهما.. تتفحصهما من بعيد.. تتقلص عضلات وجه الرجل..
– غريب أمرهما.. كأني موضوع حديثهما.. أوف! هذا طبيعي.. فأنا شخصية عامة..
ومع ذلك يشير للنادل الذي يأتيه ركضا.. ينحني النادل.. يتكلم الوزير.. يرد النادل..
– لا يا سيدي.. لم يسبق لي أن رايتهما هنا من قبل.
يشير إليه بالانصراف.. ويلاحظ الرجلان أنهما كانا موضوع حديث الوزير والنادل..
يقول سلمان لنفسه
– لعله تذكرني..
يضحك صاحبه..
– لا تخش شيئا.. ما يثيره هو تحديقنا فيه لا أكثر
يندهش سلمان ويسأل صاحبه
– لم قلت ذلك؟
يرد صاحبه..
– ألم تقل إنه تذكرك..
ويطلق ضحكة عالية..
– كنت تعتقد أنك تكلم نفسك.. أفق يا صديقي فلسانك خانك..
ثم يريان هذه المرة رجلا مفتول العضلات يقترب من السيد الوزير وينحني ويسمع ويحرك رأسه إيجابا ولم ينتبها إلى كونهما موضوع الحديث.. ويريان الرجل يعود إلى الكونتوار أمام مائه المعدني..
يقول سلمان لصاحبه
– أما آن لنا أن نرحل.. فقد اطلعنا على المكان لقد أصبحت أنفاسي تضيق الآن..
يشير الصديق للنادل..
وفي الخارج يتنفسان الصعداء.. يشيران إلى سيارة أجرة.. تتوقف.. خلفهما الحارس الشخصي لمعالي الوزير يسجل رقم سيارة الأجرة.. ويعود إلى مكانه قرب كأسه على مبعدة من وزيره.

محمد صوف، يد الوزير (رواية)

السابق
محمد صوف: يد الوزير (رواية). IX
التالي
محمد صوف: يد الوزير (رواية). VII