رابح خدوسي

رابج خدوسي: الضحية (رواية) – 16

عاد سالم ومحمود إلى قريتهما بعد غياب طويل دام فصلا كاملا، اهتز كيانه من النظرة الأولى التي تعود أن يحي بها القرية، فرك عينيه غير مصدق قائلا لرفيقه محمود:
– انظر،،، هل لاحظت؟
رد محمود مبهوتا:
– غريب ماذا وقع لها؟؟
لم يكتشفا للوهلة الأولى سرّ تغير وجه القرية التي بدت سافرة، كئيبة، فاقدة النضارة والبهاء، وقفا في استغراب:
– أين الصفصافة يا محمود؟ هي ليست في مكانها….
– إن قريتنا عارية،، عارية لقد سلبوها ستارها….
– لقد فضحوها…….
واصلا سيرهما يحثان الخطى في عجلة، يبحثان عن الحقيقـة التي حوّلت وجه القرية من اخضرار دائم إلى صيف أصفر، إلى صحراء جرداء، بعد قطع مئات الأشجار التي كانت تحتضن المنازل والطرقات بأفيائها الوافرة……
– جريمة في حق قريتنا، أين رجالها؟؟
لم يجد ردا من جماعة الشباب الذين ولوا بظهورهم مدبرين، اتبعهم بندائه:
– رشيد،،، عبد القادر،،، الميلود،،، عزيز إلى أين؟ ما بكم؟؟ خاطب صديقه محمود:
ما أصاب هؤلاء القوم، لماذا صدوا عنا مدبرين؟
– لم يتغـير وجه القرية فقـط بل تغير أهلها كذلك، تعال إلى منزلنا لنعرف الحقيقة،،،
– إني في لهفة لرؤية أمي يا محمود بعد ثلاثـة أشهر من الفراق….
سأطمئن عليها ثم التحق بك إلى بيتكم..
– وأنا أيضا أرافقك لأسلم على خالتي البكو… (صمت محمود قليلا ثم غير مجرى حديثه):
– أريد أن أعرف من حركاتها الرزينة جواب أهل صفية في موضوع زواجك بها…
– أه يا محمود لو تعرف ما فعلت بي الأشواق، إن الشوق للقاء الأحبة صفية يكاد يقتلني هيا… أسرع…. أسرع.
كانـت أزقة القرية مفروشة بأوراق الأشجار الشاحبة التي تساقطت من الأغصان اليابسة المكومة أمام المنازل والبيوت احتياطا لأيام البرد القـارس… سارا في طريقهما قاصدين كوخ العجوز أم سالم، فالتقيا صدفة بالشيخ يحي والد محمود:
– إلى أين تسيران يا أبنائي؟
سأل الشيخ يحي بصوت متهدج ونبرة حزينة،، أقبل الاثنان يسلمان عليه في حرارة ويسألانه عن الأحوال…
– الحمد الله،،، تعالى معنا يا سالم؟
سأل سالم في حيرة:
إلى أين يا عم؟
– إلى منزلنا إن أمك ليست بهذه البلدة
– ماذا جرى… هل أصابها مكروه؟
– إنها بخير،، لا تقلق سأقص عليك كل شيء في البيت،،، توقف سالم قائلا:
– انتظروا خمس دقائق، أضع أمتعتي في بيتنا وأعود في الحين…
هز الشيخ يحي رأسه قائلا: لم يبق من بيتكما إلا الرماد، لا تتعب نفسك لقد أحرقه الطغاة
سأل سالم: ماذا… ماذا؟؟
قرأ في عيني الشيخ يحي الحزينتين آيات الكارثة فتوقع ما لا يسر، وضع أمتعته على الأرض وجرى مسرعا قاصدا الكوخ… اتبعه محمود والشيخ يحي في سرعة، وقف سالم بين أكوام الرماد والأعمدة الفاحمة… يتأمل بقايا الجدران،،،
– عما تبحث يا صديقي؟؟
– ……..
– سالم؟؟
– ابحث عن رائحة أمي،،، عن طفولتي،،، عن لعبي،،، عن شجرة التوت التي غرستها،،، عن شجرة الصفصاف التي ارتويت تحت ظلالها بالعواطف النبيلة…
– من فعل هذا بقريتنا يا أبي؟
– ومن تظن يا محمود غيره؟؟ أنه.. هو
التقت النظرات تحمـل المعاني الكثيرة التي لم يجد لها اللسان منطقا… نظرات سالم التي تحملق في الشيخ سالم مستطلعة الإجابـة عن مدى الكارثة….
نظرات محمود المسرّحة في الفضاء ونظرات الشيخ يحي الذي يخشـى غرق سالم في دجى الهموم إن عرفـه ما يختزن في صـدره من أخبار….
اغرورقت عيناه بالدموع وسأل:
– وأمي هل أكلتها النار؟؟ صارحني يا عمي… أرجوك؟؟
– في المستشفى يا بني… إنها تعالج.
– اقترب منه ومسك بجلابيبه:
– هل حالتها خطيرة… أين مواضع الحروق…؟؟
وضع الشيخ يحي يده على كتف سالم مربتا:
لا تخـش يا بني شيئا،، إنها لم تكن في الكوخ أثناء الحريق بل لم تكن في هذه البلدة..
هيا معنا إلى المنزل نشرب قهوة ونتحدث…
سار الثلاثة في اتجاه البيت وعند الاقتراب منه استقبلهم الأخ الأصغر لمحمود فسلم عليهما وبدا عليه انه يريد إخبارهم بأشياء، فقد اعتاد أخوه محمود أن يسأله:
بشير.. بشّرنا بالأخبار التي حدثت أثناء غيابنا،،، هيا يا وكالة الأنباء…
تطلع بشير إلى وجوههم ثم قال لأخيه محمود في صوت مسموع:
– محمود هل تعلم؟
– ماذا يا بشير قل؟
– صفية،،، ماتت
توقفا عن السير وتطلعا إلى الشيخ يحي يتأكدان من الخبر،، وهز الشيخ يحيى رأسه في إيجاب قائلا:
(كل من عليها فان).
جمد الدم في عروق سالم،،، نزل الخبر عليه كالصاعقة وردّد:
صفية،،، هي بالذات، مستحيل،،، كذب،،، فقد توازنه وكاد يهوي على الأرض لولا محمود الذي حال بينه وبين السقوط… استرجع بعد برهة قليلا من توازنه واهتز كمن لدغته عقرب،،، جـرى في أزقة القريـة يسـأل الأطفـال: ماتـت صفية؟ أمي في المستشفى…؟!
أجابوه: نعم… نعم
– كذب…. كذب،
صمـت الأطفـال في اندهـاش سرعـان ما تحول سكوتهـم إلى ضحكات بريئة… وواصل سالم سيره سائلا كل من يصادفه:
– بوزيد…. صحيح صفية….
لم يعره بوزيد أي اهتمام،،، مسكه سالم من ذراعه قائلا:
– أجبني يا بوزيد… ماذا حدث لصفية وأمي؟
نهره بوزيد بنظرة احتقار قائلا:
– ابتعد عني يا ابن الحرام.. اسأل عن أبيك قبل أن تسأل عن صفية..
لم يصغ إلى بقية كلامه، ابتعد عنه وهو يردّد: كذب…. افتراء…
هرع مسرعا نحو شجرة الصفصاف… كان قلبه يعتصر ألما، عجز لسانه عن التعبير، خنقته الدموع:
وأنت أين أنت؟؟
كانت أثار المنشار تشكل دوائر في سطح الجذع والأغصان المصفرة تنام هنا وهناك قرب العين… وقف مخاطبا إياها:
– يا شجرة الأحباب أين أنت؟ أين حبيبتنا؟ ماذا فعلت بكما الأيام؟؟
حمل جسمه مسرعا نحو الجامع حيث كان الشيخ دحمان يستعد للأذان:
– أصدقني القول يا إمام….
– اهدأ يا بني… (ولا تقنطوا من رحمة الله)
– أين أمي؟
– في المستشفى شفاها الله.
– وأين صفية؟
– ابنة بلقاسم في ذمة الله… لقد بلغ أجلها.
– وأين شجرة الصفصاف؟؟
– هذا مالا أعرفه؟؟
– وأين أبي، من هو؟؟
أطرق الإمام إلى الأرض ببصره قائلا:
– استغفر الله و هذا السؤال لا أعرف جوابه أيضا.
– يجب أن تعرف… إنك إمام… أو يعني هذا أنني… ابن…
– هذا ما يقال….
وقف أمامه مواجها وقوفه:
– كذب… افتراء… افتراء…. افتراء إن بعض الظن إثم… إثم… إثم يا شيخ دحمان…
لحق به محمود وهو يسرع خارجا من القرية…. اقتحم سياج المقبرة، وأرسل بصره باحثا… باحثا بين القبور… خفق فؤاده…. كان التراب طريا على قبر جديد… قصده في سرعة قائلا:
– أبـي.. أمي.. الكوخ.. الصفصافـة كلهم رحلوا، غابـوا، وحتى أنت يا حبي الكبير يا أنيسي في وحشتي،،، يا معذبة روحي تسافري بعيدا دون وداع،،، إلى أين سألحق بك… سألتحق بك… سأرافقك في طريقك إلى الآخرة….
احتضن سالم القبر بصدره يقبّل الشاهد المركّز وسط القبر، يسقي بدموعه ذرات التراب في هذيان ومناجاة… لماذا؟ يا رب…كيف…؟ صفية أجيبي…أنا سالم…
فشـل محمود في محاولة إبعاده عن القبر، تلطخ وجهـه بالتراب الممزوج بالدموع… اشتدّت نوبته الهستيرية… وتشنجت أوصاله…
لماذا لم يخبرونني… لأودعك… لتكون نظراتي رفيقا لك في مماتك،، لأنام في قبرك.. لأنوب عنك يوم الحساب…؟؟
لماذا…. لماذا لم يخبروني لأبعث معك رسالة إلى الله…. لماذا؟؟
هرع محمود إلى البيت واخبر أباه:
– أبي لقد أغمي على سالم…. إنه يحتضر.
وقف الأب في سرعة آمرا:
– هات المفتاح معك وقليلا من الماء واذهب يا بشير إلى الشيخ دحمان واخبره بالأمر.
أقبل عثمان يستشف الخبر فاتجه الثلاثة نحو المقبرة ولحق بهم بعد حين معمر، كانت الشمس تميل نحو الغروب،، وسالم ممتد إلى جانب
قبر صفية، لم تجد الوسائل المستعملة نفعا في التخفيف عنه…
وبعد نصف ساعة جاء الطفل بشير يحمل الحرز الذي كتبه الشيخ دحمان، علّقوه في عنق سالم وتعاونوا على حمله إلى منزل الشيخ يحيى، كان يطلق من حين لآخر زفرات ممزوجة بالهذيان أمي… أبي…… صفية…. آه……آه…..
– قال: استغفر الله… يجب علينا أن نتحرك يا جماعة… أترون كيف يتغير لونه وأنفاسه توشك أن تنقطع.
قال معمر: ماذا يجب أن نفعل يا عمي يحيى؟؟
أمر الشيخ يحي ابنه محمود:
– اذهـب إلى بوزيد واطلـب منه الحضـور بالشاحنة لنقـل سالم إلى المستشفى (ثم أردف قائلا):
– الأجرة… كما يشاء لا تناقشه……
خرج محمود قاصد الدكان في سرعة… مرّت لحظات صمت… وقف الشيخ يحيى وأدخل يده في كيس كبير للملابس وأخرج بطانية رمادية…. وضـع سالم في كنفها في انتظـار حمله إلى الشاحنة…. كانت عيناه مركزتين في السقف وأسنانه تصطك كانتفاض الطائر المذبوح….
عاد محمود وعلامة الخيبة تنبعث من عينيه، سأله عثمان في لهفة:
– أين بوزيد والشاحنة؟؟
أجاب محمود في حسرة:
– لقد رفض قائلا: لو منحتموني نصف الكرة الأرضية لما وضع سالم رجله على الشاحنة لأنه ابن….. (وأطراق محمود واجما)
أكمل معمر:
– لأنه ابن بكوشة التي أدخلته المستشفى.
هزّ محمود رأسه نافيا وأردف قائلا:
– يا ليته قال ذلك.. إن طعن اللسان أعمق من طعن السنان.
قال معمر:
لقد فهمت ما يعني الوغد الحقير لكن لا يضير السحاب نباح الكلاب…
وقف عثمان قائلا:
– دقائق وتنتهي المشكلة بإذن الله….. انتظروني….

رابج خدوسي، الضحية (رواية)

السابق
رابج خدوسي: الضحية (رواية) – 17
التالي
رابج خدوسي: الضحية (رواية) – 15