رابح خدوسي

رابج خدوسي: الضحية (رواية) – 09

خيم الصمت هذا المساء على رواد الدكان وقلّت حركاتهم، فسرت رائحة العنب المتعفن في مناخرهم، النور الضئيل يشع من المصباح الزيتي المعلق على الجدار، دخانه يمتزج بدخان السجائر فيتشكل على مر السنين خيوطا سوداء تتدلى من السقف.
افترشت أنامل بوزيد مجموعة من الأوراق النقدية استعدادا لعدّها قبل مغادرة الدكان، القلوب تخفق لخفقانها بين أصابعه والعيون تتطلع إليها في إحصاء صامت وغارت النقود في جيب بوزيد فبلعت الوجوه ماءها…
أسرف بوزيد في الضحك، ووجوه الحاضرين واجمة، بعض الأفواه تصنعت الابتسام مجاملة، قال لهم بوزيد:
– أتحزنون لأجل حمار مـات، ومئات الأشخاص تموت في فلسطين كل يوم والعرب صامتون.
افترسته النظرات الجافة التي ركن أصحابها إلى الصمت المرّ الذي لم يخضع له الشيخ يحي فمزّق لباس الصمت قائلا:
– إنهم الأولاد الثمانية الذين يموتون جوعا،، بعد أن مات حمارهم.
قاطعه بوزيد متهكما:
– لقد أخطأ حارس الغابة عندما دفع الحمار إلى الهاوية وكان الأحرى به أن ينتقم من صاحبه معمر،،، ويجعله طعاما للغربان..
– إنه عمل الجبناء قساة القلوب.
وغادر الشيخ يحي الدكان دون وداع،،

نجح محمود في كسب ثقة سالم من جديد بعد أن صار له نعم المعين في الشدائد وألطف الناس معه خاصة في أزمات إغمائه، فذابت تلك الضغينة التي كان يحملها فؤاد سالم وقصّ عليه ما يؤرق مضجعه ويثير شجونه،،،،
التقيا بعد أيام من حادثة حارس الغابة مع معمر فبادره محمود بقوله:
-ها قد جمعتنا أيم العسرة بعد أن فرقتنا أيام الرخاء.. (ثم أردف قائلا بعد صمت قصير):
– معمر فقد حماره وهو راجع من المدينة… لقد دفعه حارس الغابة إلى الواد بكل ما يحمل، هل علمت؟
سأله سالم في دهشة:
– هل كان الحمار محمّلا بالفحم؟؟
– بل كان يحمل الدقيق والزيت، تدحرج كل شيء إلى أعماق الواد تدحرج الدموع من مآقي أطفال معمر، إنها مأساة الإنسانية وفضيحتها أن يطل عليها القرن الجديد والعالم يعـود إلى الجاهلية الأولى…
قال سالم متنهدا:
– مسكين أنت يا معمر، خسرت رأس مالك وربحت حرارة الصيف ونار الفحم!
وأردف محمود:
– كانتا أهون من حرارة دموعه، ولكن يبقى معمر رافضا الخماسة عند الحاج ورافضا رعي الغنم عند حارس الغابة،، قال سالم:
– إنه ثائر يا محمود…
– وثورته الرفض في صمت.. رفض العبودية المتحضرة.
جلس سالم على صخرة مستديرة تسمى صخرة العلام، السكون يخيّـم على القرية والبدر يرسل ضوءه مبتسما، يطارد دجى الليـل في خجل، حدثـه ما جرى له الأسبوع الماضي في عين الصفصافـة مع الحاج وصفية، كانت كلماته جراحا تسيل ألما، الآهات تسبقها وتتلوها، قلبه الجريح ينفطر همّا، أشفق محمود وخشي أن يتعرض رفيقه سالم إلى أزمة جديدة فغير الموضوع بطريقته الخاصة:
– هل تعلم يا سالم ماذا حدث في هذا المكان؟؟
– ……………..
– أحداث كثيرة غالبته فلم تغلبه (استوى محمود جالسا) وأردف قائلا:
– أقصد ذلك الصباح من أيام الثورة الذي خفق فيه العلم الوطني محييا سكان القرية بينما كانت راية الاستعمار تنام على الأرض ملطخة بالوحل… قصة واقعية يعيدها أبي في كل مناسبة… تقلّصت رئتاه بإخراجه زفيرا ممتدا تمدد الحسرة بين ضلوعه وقاطع محمود قائلا:
– إنه استعمار قديم، أخذ درسا من أبطالنا،،،، إن ما يشغلني الآن هو الاستغلال الجديد ذو الجذور القدية… استغلال الأعزاء:….. الأرض…. أبيك…. صفية.. أفكارنا أيضا تعانـي من الغزو الذي حرج من الحقول ولم يخرج من العقول…
قاطعه محمود:
– إنها فكرة.
– …….؟؟
– لا يكون لك حق الدفاع عن صفية إلا إذا خطبتها من أهلها، وبالتالي تنقذها من شر الطاغية.
ابتسم سالم قليلا واتسعت شفتاه شاكرا الفؤاد على استراحته التي ظن بها منذ مدة.. وزاغت نظراته مبددة سحر الابتسامة التي ضاعت أثناء إبحاره في تأملات بعيدة.. تأمل وجه القمر المبتسم.. وحدث نفسه:
– “خطوبة… زواج… دراسة…. خدمة وطنية..؟؟”
ربت محمود على منكبه سائلا:
– ما رأيك يا صديقي؟؟
– فكرة سابقة لأوانها، لكنها مقبولة.
-إنها مشروع وحدة باركتها السماء…
-لقد ذكرتني يا محمود متى تفرض السماء وحدة المسلمين؟
-يوم الحشر…
وقف محمود معاهدا سالم:
– سترافـق أمي أمك إلى دار أهلها،،، وأبى أول من يطمئنك بموافقة أبيها، إن شاء الله.
– إن شاء الله…


رابج خدوسي، الضحية (رواية)

السابق
رابج خدوسي: الضحية (رواية) – 10
التالي
رابج خدوسي: الضحية (رواية) – 08