حمدي البطران

حمدي البطران: منتخبات من قصصه القصيرة. 05 الموكب

أنهي دسوقي صلاة العصر. جلس قليلا في المسجد، كان دسوقي يبدو مهموما، هناك أمر يشغله ويفكر فيه، ولكنه مع ذلك نهض قائما، تناول حذاءه واتجه إلى الباب. عند عتبة المسجد، وضع حذاءه على الأرض، وضع قدميه فيه، انحني على الحذاء يربطه، ثم رفع رأسه. وسار في الشارع لا يكلم احدا، ولا ينظر الي أحد.
كان ابن عمه شفيق معه في المسجد، وخرج خلفه وهو ينظر إليه، وعندما شاهده يسير بمفرده في الشارع، سار خلفه يحاول أن يلحقه، ولكن دسوقي كان يسرع في سيره، أسرع شفيق مثله يحاول أن يسأله عن سبب سيره بمفرده، ولكنه لم يتمكن من اللحاق به، ومع ذلك سار خلفه.
شاهدهما عدد من أقاربهما، حاولوا الاقتراب منهما ليسألوهما عن سبب سيرهما دون كلام، وعندما اقتربوا منهما ساروا خلفهما أيضا دون كلام.
كان كل من يراهم من أهل القرية وهم سائرون يسير خلفهم دون أن يتكلم.
اتجه دسوقي إلي الطريق الرئيسي المؤدي الي المدينة. كان قد تم توسيعه ورصفه، سار دسوقي في الطريق الواسع لا ينظر خلفه. كان هناك شيء غامض يشغله ويفكر فيه، وخلفه أهل قريته يسيرون خلفه ولا يعلمون الجهة التي يتوجه إليها؟ فقط ساروا خلفه.
لم يشأ أحدهم أن يسأل دسوقي عن سبب سيره متجهما، ولا الجهة التي يتوجه إليها، ولكنهم ساروا جميعا في صمت خلف دسوقي.
أثناء سيرهم في الطريق كانت تصادفهم سيارات قادمة، كانت السيارات تقف بجانب الطريق وتوسع لهم، وعندما يعبر الموكب تستدير السيارات بمن فيها وتسير خلف الموكب.
بعض الفلاحين عادوا من حقولهم، وهم يحملون الفؤوس على أكتافهم، وبعضهم يحمل الحشائش على حماره. كلهم توفقوا وشاهدوا الموكب، وساروا خلف السائرين دون أن يتكلموا او يسألوا.
مر الموكب أمام نقطة شرطة. يقف على بابها حارسان وفي أيدهم الأسلحة، ظن أحدهما أن هناك جنازة قادمة. وقف الشرطي في وضع الاستعداد ونادي على باقي زملائه، وقفوا صفا واحد بملابسهم الرسمية. وعندما عبر الموكب أمامهم صاح أحدهم:
سلام الجنازة. سلام سلاح.
واصطفوا جميعا لتحية الجنازة القادمة. وعندما عبر الموكب من أمامهم. سأل أحد الجنود زميله عما إذا كان قد شاهد النعش. فأقسم له زميله أنه شاهد النعش وهو مغطي بقماش أخضر في أخضر.
غير أن أحد المخبرين توجس من هذا الموكب الذي لا جنازة فيه ولا عرس، وأسرع الي تليفون النقطة، وأخبر عن هذا التجمع وقال لضابطه الأعلى: إنهم يسيرون في الطريق العمومي المتجه الي المدينة.
كان دسوقي يفكر في الأمر الذي يشغله، وهو يسير دون أن ينظر خلفه، وأبناء عمه وأقاربه وأهل قريته يسيرون خلفه في صمت دون أن يحاول أحدهم أن يسأله عن سبب سيره.
في الطريق انضم إليهم بعض أبناء القرية التي مروا من أمامها والقرى المجاورة، وفيهم بعض المخبولين وضعاف العقول كانوا يجرون حتى يصلوا الي دسوقي فينظرون عليه بإكبار وإعجاب، ويعودون جريا الي المؤخرة، والناس ترقبهم ويسيرون في صمت لا يقطعه سوي وقع أقدامهم على الطريق الأسفلتي.
كان بعض الفلاحين كان يجرون المواشي التي كانت معهم في الحقول، وكان هناك عدد من الفلاحات قد انضممن الي الموكب، دون أن يعرفن عنه شيئا، بعد أن شاهدن أزواجهن وإخوتهن وأقاربهن وهم يسيرون في الموكب، وكان عدد منهن يحملن أطفالهن الصغار على أكتافهن.
اقترب هذا الموكب العجيب من قرية ثالثة، وكان وقت الغروب قد اقترب. وكانت القرية تنتظر حضور عروس أحد أبنائها من قرية مجاورة. وكان هناك فرقة من حملة الطبول والمزمار البلدي في انتظار العروس، واعتقدوا ان موكب العروس قد وصل. فاقتربوا منهم وهم يضربون الطبول وينفخون في المزمار، وتطوع بعض أهل العريس المنتظرين بالرقص أمام دسوقي، اعتقادا منهم انه يقود موكب العروس القادمة. وبدأ جميع من في الموكب يرقصون على أنغام الطبول.
ومع ذلك كان دسوقي يسير دون أن يلتفت خلفه، أو ينظر الي الموكب الذي تشكل خلفه، كان هناك شئ يشغله، ويفكر فيه، ويسيطر عليه، لم يفصح لأحد عنه.
امتد الموكب واستطال. وشمل بالإضافة الي أهالي قرية دسوقي عدد من أهالي القرى التي مروا عليها، كما تجمع في مؤخرته عدد من الصبية والأطفال يرقصون، ويلعبون، ويتسابقون، ويتبارزون. وكان عدد من الناس يحملون الفؤوس التي عادوا بها من الحقول.
كما كان في الموكب عدد من كبار السن يركبون الحمير ويسرون خلف الموكب، وكان هناك عدد من الصبية يبيعون السجائر للرجال، والحلوى للأطفال.
شوهدت من بعيد عدد من سيارات الشرطة من حاملات الجنود، قادمة في اتجاه الموكب، وأمامها عدد من السيارات تحمل الضباط والمخبرين.
كانت قوات الشرطة تقترب من الموكب والموكب يقترب من سيارات الشرطة، والظلام قد بدأ يخيم على الجميع ودسوقي يسير لا يلوي على شيء، ولا يحدث أحد، ولا يتكلم مع أحد، ولم يخبر أحد عن وجهته. والموكب تضخم الي حد بعيد، ولم يعد الطريق الواسع يتحمل أن تمر منه سيارة لتسبق دسوقي أو تسير أمامه. وسارت كل السيارات المتجه الي المدينة خلف موكب دسوقي الصامت.
عندما أقترب الموكب من سيارات الشرطة نزل منها الضباط وتأهب الجنود بالعصي والقنابل المسيلة للدموع.
لم يسمع رجال الشرطة أي هتافات معادية، ولم يبلغهم أحد عن تخريب قد وقع. فأصدر قائدهم التعليمات بعدم اعتراض الموكب والاكتفاء بمراقبته من بعيد.
أقترب الموكب من سيارات الشرطة التي توقفت على جانبي الطريق بتقدمه دسوقي. وسار أمام السيارات كما تعود أن يسير دون ان يتلفت الي السيارات والجنود والضباط والمخبرين الذين اصطفوا على جانبي الطريق.
بعد ان عبر الموكب سيارات وقوات الشرطة وسار في طريقه، أدارت سيارات الشرطة محركاها وركب الجنود والضباط وساروا في مؤخرة الموكب.
اقترب الموكب من المدينة، كانت هناك سيارات شرطة صغيرة فيها رجال بأيديهم أجهزة لا سلكي يتحدثون فيها.
أول ما قابلهم في المدينة ميدان واسع تضيئه مصابيح قوية. فيه عدة منازل أبوبها مفتوحة. وكان هناك منزل بابه مفتوح وأمامه شجرة تحجب ضوء المصباح، دخل دسوقي في البيت، ووقف الجميع خارج المنزل.
توقف الناس عن الحركة والكلام، وعم الصمت. ووقف أهالي المدينة في الميدان ينظرون الي الموكب الواقف. ولا أحد يعلم شيئا عما يفكر فيه دسوقي أو يخطط له. كانت سيارات الشرطة قد أحاطت بالميدان. ووقف الجنود في حالة تأهب ينتظرون التعليمات التي تصدر إليهم من رؤسائهم.
وخيم الصمت والترقب على الجميع.
وغاب دسوقي في المنزل الذي دخل فيه. وعندما دخل أغلق أحد أصحاب البيت الباب خلفه.
كان الجميع ينتظرون خارج المنزل. وتأخر دسوقي. حتى بدأ الملل يتسرب الي الناس. ومع ذلك فقد كان رجال الشرطة يقظون وفي حالة استعداد.
فجأة فتح باب المنزل. وخرج دسوقي منه وخلفه امرأة في مثل سنه.
عندئذ صاح أحد الواقفين:
أخيرا أعاد دسوقي زوجته.

حمدي البطران: منتخبات من قصصه القصيرة

السابق
رابج خدوسي: الضحية (رواية) – 01
التالي
السيد نجم: غرفة ضيقة بلا جدران (رواية قصيرة). (7) معذرة يا سيد الليل