حمدي البطران

حمدي البطران: منتخبات من قصصه القصيرة. 04 الطبق

قرأت عنه قبل أن أراه . وعندما رأيته يعلو المباني الشاهقة تمنيت أن أقتنيه . غير أنني سرعان ما رأيته
ينتقل إلى المباني المتواضعة . راودتني فكرة إحضاره , ولكنني جوبهت بجملة صارمة من زوجتي:
– عندنا بنات !
وكنت أعرف أنه يبث دون حياء , ودون مراعاة أن تكون التى بجوارك إبنتك, أو زوجتك, أو جارتك, غير أن الحظ حالفني, ودعيت إلى مؤتمر في إحدى الفنادق الفاخرة, وتسمرت أمام الشاشة, وفى يدي هذا الجهاز السحري الذي ينقلك من تركيا إلى إيطاليا الى الفليبين إلى عرايا اليابان, وقتها اعتزلت فعاليات المؤتمر, وتنازلت عن حقي فى مناقشة البحث الذى حضرت لأجله , وظللت طوال فترة المؤتمر رابضا بجلبابى الريفى أمام الشاشة, لا أغادرها إلا للطعام ودخول دورة المياه, وعرفت ان ضيوفنا العرب والأجانب قد نهضوا بالمؤتمر , وبقيت أنا ومعى زميلين من الأرياف, كل فى غرفته, لم تفلت منا لقطة واحدة.
اعترف أن تلك المباراة بين القنوات جعلتنى أعاود من جديد وطرح فكرتى على زوجتى بخجل, ولكننى عدلت فى اللحظة الأخيرة عندما رأيت أن العرى كان مشتركا بين النساء والرجال.
كان ابني – طالب الثانوية العامة – قد أخبرنى أن أسطح المنازل حولنا قد أصبحت مثل غابة عباد الشمس. وأن جارنا عبد الموجود تشاجر مع جارنا خليفة بسبب عدم وجود مكان لتركيب الطبق لأمتلاء السطح بالأطباق, وأخبرني إبنى بخبث أنه لا يليق بى وبمركزى – يقصدني أنا – أن لا يكون فى بيتنا طبق . وقال إنه يشعر بحرج شديد بين زملاءه عندما يتحدثون عن الفضائيات المصرية والجزيرة ولا يجاريهم.
أخبرته أن الصبر مفتاح الفرج . وخفت أن أنقل له هواجسي من التركية والأيطالية والتايلاندية. كانت كبرى شقيقاته قد دخلت الجامعة والصغرى تتأهل للإعدادية والباقيات بينهن . ولم يكن من اللائق أن أخبره بتلك التبريرات المعروفة عن فساد الأخلاق والغزو الثقافي والنظام العالمي الجديد , وسعى الآخرين للسيطرة علينا.
ولكنه سكت واجما أمامي , وقدر صمتي وسكوتي وانصرف منكسرا.
غير أن رأيته ذات يوم متهللا , وأخبرني أننا لم نعد بحاجة الى شراء الطبق والريسيفر, وحمدت الله أنه اقتنع بفكرتي من تلقاء نفسه, وإسنطرد إبنى يشرح لى أن جهازنا يلتقط من تلقاء نفسه برامج الأطباق الأخرى, وأمسك جهاز التحكم, وبدأ يضغط عليه , ورأيت على الشاشة مذيع يضع الدشداشة على رأسه , ولم من المعتاد على قنواتنا المصرية أن تفعل هذا , واعتقدت أنها قناه مصرية جديده تبث للأخوة العرب المحرومين – مثلما كان يحث فى الإذاعة – ولكن المذيع أخبرنى أنها قناة أبوظبى . وبدأ إبنى يشرح لى الفكرة بأن بعض أجهزة الريسيفر بها موزع يمكنه أن يبث للجيران الفقراء أمثالنا.
وبدأ جارنا – المحسن – ينتقل من قناة الى أخرى, ونحن نشاهد ما يختاره, كان ينتقل من قناة إلى أخرى بسرعة , ولم يمهلنا متعة التروى والاستماع, وكان من حسن حظنا أن جارنا هذا كان توجهه عربيا خالصا فتنقل بين دبي والأردن وسوريا والسعودية واليمن والسودان , وتوقف عند برنامج يتحدث عن هواية الصيد بالصقور.
تعودت أن أجلس مع إبنى المراهق نشاهد ما يجود به علينا جارنا. وتذكرت أنني أب, وما كان ينبغي لى أن أجلس فى انتظار ما يجود به الغير , وتذكرت أنه من الممكن لجارنا هذا أن يتوحد فى لحظة صفاء مع زوجته ويزور التركية أو الأوروبية.
وجدت نفسى أنهر إبنى بشده, واطفأت الجهاز, وأخبرته أنه لا يليق به والامتحانات على الأبواب, وعقبة المجموع الذى سيدخله كلية الطب, وغادر الصالة مكتئبا, ومع ذلك فلم أذق أنا طعم النوم. كانت ليالي الفندق لا تزال صورها حية وصافية فى ذاكرتي . نهضت من سريري. تحسست باب غرفة إبنى فوجدته نائما , وغرفة زوجتى والبنات وكن نائمات, ووجدت نفسى أجلس مع جارنا , هو فى شقته , وأنا فى شقتي والساعة تقترب من الثالثة صباحا.
ووجدت امامى رجلا يصارع إمرأة عارية فى السرير . كانت مصارعة فعلا ولا تمت إلى النعومة والرقة التى نعرفها نحن, ومع ذلك فلم يرتو. وأكمل مصارعتها فى حمام السباحة, ثم عاد الى المطبخ, وعندما نامت شريكته تسلل إلى أخرى لعلها تطفئ رغبته المستعره, واكتشفت أن ما كان يقوله أجدادنا ” كل شئ فى الكافر وافر” ينطبق على ما أراه .
وكنت قد سمعت فى حديث العمل بين الزملاء وهم يتهامسون عن فوائد هذا الطبق من الناحية العملية, وقال أحد الزملاء إن محطات العرى محدودة ومعروفه ويمكن عند الضرورة تشفيرها. وجعل استخدامها خاصا بى أنا . وسمعتهم يتجادلون حول القناة العربية التى تشتم مصر بضيوف من مصر , وتطوع أحد واستضافني وقت بث هذا البرنامج فى تلك الفضائية , ورأيت إمرأة جميلة تتحدث بحرية فاقت كل الحدود, وكنت قد رأيتها من قبل فى قناتنا المصرية الأولى تتحدث وقد غلبها الحياء إلى الحد الذى طالبها فيه المذيع بأن ترفع صوتها قليلا, ورفعت أن وقتها مؤشر الصوت لأسمعها.
كانت تتحدث فى القناة العربية بكل جوارحها من أجل إقناع غريمها الذى يجادلها وكان سوريا, وبعد انتهاء البرنامج إكتشفت أنها شتمتنا أكثر منه, وإن كان هو قد تحدث بألفاظ وتعبيرات هجرناها فى مصر منذ أكثر من عشرين عاما.
كان أحد معارفي ويعمل نجارا للموبيليا قد شاورني راغبا فى شراء أفضل أنواع الأطباق باعتباري مثقفا, والحق انه فاجأني , فلم تكن لدى الفكرة الكافية لأشرح له, كما لم يكن من اللائق أن أعتذر له بجهلي فى هذا المجال, وحاولت عبثا أن أشرح له الفكرة العامة وفلسفة الجهاز , ولكننى وجدته ملما بكل التفاصيل الدقيقة المتعلقة بالنواحي الفنية . قطر الطبق . نزع الريسيفر . كما كان ملما بنوعية الإرسال والأقمار. عربسات. نايل سات. هوت بيرد. الماليزي. التركي.
وأحسست بحرج بالغ ولكنه حسم أمره وقال:
– الهوت بيرد أفضل.
وبعدها رأيته يقف على سطح منزله ومعه آخرين , وهم يعدلون وضع الطيق الذى بدا عريضا وشامخا, ودعاني للمشاركة فى ضبط الإرسال ولأشهد معه اللقطات الأولى, وأخبرني أن جهازه يستقبل أربعمائة قناة, وطلب منى أن أعد له القنوات لألا يكون التاجر قد غشه وأعطاه الأقل , وكان بجواري شقيقه الحداد وأولاده الحفاة وبعضهم لم يغسل وجهه من ثلاثة أيام , وأمهم تجلس تقلب فى رأس أحدهم وتلقم الآخر ثديا وافرا.
وبعد ان انتهى من عد القنوات قال:
– على بركة الله. عقبى لك.
وقررت أن أشتريه مهما كان الثمن.
يونيو 1999

حمدي البطران: منتخبات من قصصه القصيرة

السابق
السيد نجم: غرفة ضيقة بلا جدران (رواية قصيرة). (1) غرفة ضيقة بلا جدران
التالي
حمدي البطران: منتخبات من قصصه القصيرة. 03 كلب الصورة