حمدي البطران

حمدي البطران: منتخبات من قصصه القصيرة. 02 تصريح بالدفن

جاءني صوت ابن خالي فى التليفون متهدجا:
1. عمار مات. الوحش أكله . ضروري تحضر.
كان هذا فى الصباح الباكر , وأنا أغالب النوم, أذهلتني المفاجأة, كانت جملته الأخيرة لا تزال ترن فى أذني ” ضروري تحضر”.
وضعت السماعة وحاصرتني الهواجس.
. . .
عمار قريبي من ناحية والدتي , يعيش فى قرية بعيدة عن مدينتنا , وكان يزورني كثيرا , وفى المرة الأخيرة عندما زارني كانت صحته جيدة , وكان يرتدى جلبابا جديدا , ويلف حول رأسه عمامة , وقتها شكي لي من ضابط النقطة الذى فتشه وأخذ منه البطاقة العائلية , وعصا كانت معه ويعتز بها , وقال إن العصا أحضرها معه من عيون موسى بسيناء التى حارب فيها , وسألته وقتها:
– هل أهانك الضابط أو ضربك؟
أنكر عمار الضرب والإهانة, وقال إنه لا يريد سوى العصا والبطاقة التى لا يستطيع أن يتحرك بدونها, وأخبرني أنه ذكر اسمي وقرابتي له أمام الضابط الذى أخذ منه البطاقة , ولكنه تظاهر بعدم السمع, وفجأة امسكني من كتفي وقال :
– أنت أعلى منه . كلمة واحدة منك فى التلافون ترد لى البطاقة والعصاية .
وكنت أعرف أن هذا محال , لأنني لو تكلمت مع الضابط سينكر أنه أخذ منه البطاقة والعصا , وسيقسم لى بأغلظ الأيمان أنه رفض – لأجل خاطرى – أن يحرر له محضر جنحة لعب قمار وإحراز أسلحة بيضاء, وقلت لعمار وقتها:
– سأحاول.
كان عمار يتشكك فى نواياي, وقال:
– كلكم زى بعض, من طينة واحدة.
وكان يبتسم, ويبدو عليه الارتياب فى جديتي, وقال:
– تركت عوضي على الله فى العصاية , لكن البطاقة ضرورية.
وقتها ضحكنا معا وحكى لى عن يعض نوادره أثناء عمله فى العراق والكويت, وقال إن كيله الكويتى رفض أن يعطيه الأجر المتفق عليه , وأنه شكاه هناك فى المخفر, ومع ذلك رحلوه, وضاعت عليه تكاليف السفر ومصاريف الطائرة وجواز السفر والشهادة الصحية, وأقسم لى أنه أنفق أكثر من خمسة آلاف جنيه وكلها ضاعت , وسكت لحظة وقال:
– وسنين العراق كلها ضاعت , يخلف علينا ربنا , أخذوا فلوسنا وأعطونا حوالات صفرا على بنك الرافدين, وموت يا حمار.
وكنت أعرف أن عمار يمهد ليطلب منى سلفة ألف جنيه ليدفع الغرامة المحكوم عليه بها فى جنحة بناء على أرض زراعية قبل أن يحجزوا على بيته , وقال إنه سيعطيني من ثمن محصول القطن الذى سيبيعه, وأبتسم ابتسامة ماكرة قبل أن يتسلم المبلغ , وعرفت أن محصول القطن أجهزت عليه الدودة.
. . .
قلب الضابط فى جثمان عمار , كان نائما على جنبه الأيمن , وملفوفا فى بطانية كما غطى نفسه قبل أن يموت , وكان يرتدى نفس الجلباب الذى زارني به, وكانت العمامة متماسكة على رأسه, ورأيت تمزقان على جبهته وصدغه الأيسر . قال واحد من الواقفين:
– الوحش نهش وجهه.
كان هو نفسه الذى ضربه وأخذ منه البطاقة والعصا , وكان الضابط ينظر الى الجثمان بإشمئزاز , وكانت نظرته قاسية , ربما كانت النظرة القاسية نفسها التى رمقه بها حيا .. !
لأشفقت على الجثمان الذى كانت عيناه شاخصتين فى الفراغ من وطأة النظرة القاسية التى وجهها له الضابط قليل الذوق والخبرة, وحاول أن يقلب فيه , قلت له أن يسجل فقط ما يراه من دون تقليب فيه, كنت أكبر من الضابط سنا , ورتبة, وخبرة. تلاشت من عيني الضابط نظرة الاشمئزاز وحل محلها نوع من عدم الاكتراث وقال:
– ماشى.
وبدأ يدون ما يراه على ظهر دفتر حكومي كان فى يده , وكانت صيحات النسوة من قريباتنا تجعل كلام كل منا للآخر مستعصيا على السمع. أنهى الضابط معاينته, وأشار الى واحد من الخفراء وأمره أن يحرس الجثمان ويمنع الناس من نقله أو الاقتراب منه.
ضرب الخفير بيده على كعب بندقيته المسنودة على كتفه وقال:
– حاضر يا معالي الباشا.
. . .
فى مركز الشرطة سألني الضابط المحقق بسخط غير مقصود عما إذا كان القتيل قريبي. أجبته بأنه فعلا قريبي من ناحية والدتي, وقال بسخط غير مقصود أيضا:
– ماشى.
أخرجت علبة السجائر, ناولته سيجارة. سحبها من العلبة قبل أن أمدها, أشعل لنفسه قبل أن يشعل لى. كانت سيجارتي فى يدي قبل أن أشعلها , شعرت بالارتباك , وتذكرت أنني أقدم منه وكان ينبغي أن يشعلها لى بنفسه , وتذكرت فى نفس الوقت الجثمان المسجى فى العراء تحت حرارة الشمس وصراخ النسوة حوله باكيات, وابتلعت مرارتي وسكت.
. . .
عاد مفتش الصحة من معاينة الجثمان , وأخبرني أنه لا يصدق حكاية الوحش الذى أكل وجه عمار, وسألني بنوع من السخرية:
– يعنى إيه وحش؟
أجبته بأنه كلب مسعور أو ذئب أو قط برى جائع , وأخبرته أنني فى خدمتي الطويلة رأيت حالة مات فيها رجل كان وحيدا مع فى الشقة مع كلبه, وعندما جاع الكلب ولم يجد ما يأكل صاحبه الميت.!
نظر الى مفتش الصحة باستخفاف وقال:
– دى الكلاب البلدي , لكن الكانيش والوولف والبلودوج مش ممكن .
أشفقت على الجثمان المسجى من سخونة الشمس والرائحة التي ستنبعث منه, وقلت له أن يكتب أى شئ , المهم أن ندفن الجثة.
بعد أن كتب المفتش تقريره الذى لم أره ناوله للضابط . كتب الضابط عليه:
– يحول للنيابة.
. . .
مشيت بجوار العسكرى الذي يحمل الأوراق الى النيابة , أخرجت علبة السجائر وناولته سيجارة, خطفها وقال :
– النيابة بعيدة, وشكلك مش متعود على المشى الطويل.
أشرت الى عربة حنطور يجرها حصان , صعد هو إليها قبلي, جلسنا متجاورين , وقال إنه من المحتمل أن يكون وكيل النيابة نائما , ولابد فى هذه الحالة أن ننتظر , ومرت لحظة صمت قاسية , كانت الشمس تلهب الجثمان بأشعتها الحارقة , وسألني العسكرى :
– هو الميت قريبك ؟
أومأت إليه بالإيجاب , وكنت أفكر فى احتمالات نوم النيابة , وقال العسكرى :
– أنا ممكن أصحيه , لكن فيها خمسة أيام خصم من قوت العيال .
وفهمت ما يرمى إليه العسكرى , أخرجت جنيها من جيبي وقدمته له ,. نظر الى الجنيه ولم يمد يده , ثم نظر فى وجهي وقال :
– بقولك خمسة أيام يا جدع ؟
أعدت الجنيه , وأخرجت ورقة بخمسة جنيهات ودسستها فى جيبه . قال :
– إن شاء الله تكن آخر الأحزان .
كنا قد وصلنا الى النيابة . نزل هو أولا , وغاب لحظة , ثم عاد قائلا :
– البيه الوكيل عايزك .
سلمت على وكيل النيابة . كان يعرفني , وسألني عن الحكاية , وأخبرته بها . قال :
– البقية فى حياتك , على العموم هي حكاية غريبة . لكن الأوراق أمامى ليس فيها أى شبهة جنائية.
سلط عينية على الأوراق , وكنت أفكر فى الجثمان المسجى وقال يسألني :
– نطلب الطبيب الشرعي ؟
وأشفقت على الجثمان من لهيب الشمس وصرخات النسوة وقلت لوكيل النيابة :
– يا معالي الباشا , المسألة واضحة وبسيطة ولا تستدعى , وأهلية الميت سئلوا فى المحضر . ولم يتهموا أحد .
لانت أصابعه حول القلم , ومد يده الى الأوراق الملفوفة كالأسطوانة من تاثير كف العسكرى عليها , وبسطها أمامه وكتب :
نصرح بدفن الجثة .
أغسطس 1990

حمدي البطران: منتخبات من قصصه القصيرة

السابق
حمدي البطران: منتخبات من قصصه القصيرة. 03 كلب الصورة
التالي
حمدي البطران: منتخبات من قصصه القصيرة 01 نجــوى