حمدي البطران

حمدي البطران: منتخبات من قصصه القصيرة 01 نجــوى

قادني أبى فى عربة القطار, وأجلسني على الكرسى رقم ثلاثة نفس الرقم الذى حجزناه, وضع الحقيبة بجواري, أعطاني التذكرة, وأمسك يدي وصافحني. ثم تركني ونزل.
. . .
فى المحطة التالية توقف القطار, سمعت أصوات تقترب من الكرسى, سمعت أحدهم يسأل :
– رقم أربعة؟
قلت:
– رقم ثلاثة.
قال:
– اجلسي هنا.
انكمشت فى مقعدي, تسربت دفقة عطر إلى أنفى, سمعت الرجل الذى كان يسأل يقول:
– الحقيبة أعلى الكرسى . خالك منتظر على المحطة. مع السلامة.
. . .
كان العطر قويا. وصلتني منه دفقات متتالية. وكان السكون قاسيا ومظلما. ارتطام العجلات الفولاذية للقطار بالقضبان يزيد من قسوة الصمت والظلام. كنت أشعر بالتصاق خفيف بجسدي وذراعي عندما يميل القطار. وأيقنت أن بجواري
وحيدة وحيدة. وسألتها :
– ذاهبة الى الإسكندرية؟
لم ترد على الفور. وبعد لحظة سمعتها تقول :
– هه؟
كان صوتها مزيجا من الرغبة والتطلع والامتناع والخوف والرهبة والأنوثة في آن واحد, وتحرك شئ داخلي عجزت من السيطرة عليه , قربت رأسي منها وأعدت السؤال.
قالت :
– دمنهور. وأنت ؟
كان صوتها صافيا كالحرير, وأيقنت أنها جميلة وملساء, وكان ما بداخلي يلح ، تملكتني رغبة عارمة فى لمس وجهها, تذكرت أنني لم أرد عليها، قلت:
– الإسكندرية.
قالت :
– أنت محظوظ, أنا أعشق رائحة البحر.
سادت فترة صمت, كنت خلالها ألوك فى داخلى رغبة عارمة ولذة شملت كل شئ, شعرت بالاضطراب, خفت أن تفضحني رغبتي وانفعالاتي, فتحت فمي وقلت:
– فعلا. رائحة البحر رائعة. خصوصا عندما تنعكس الأضواء على البحر.
لم أسمع جوابها, لاشك أنها اعتبرتني غبيا وحالما.
. . .
مرت فترة دون كلام, وأنا أغالب الشيء داخلى. وكنت ألوك صوتها الدافئ الأنثوي الأملس, كنت أعاني من الصمت الذى يقطعه من آن لآخر صوت الباعة وعجلات القطار والظلام ومقاومة الشيء. أيقنت أنها ربما أدركت حقيقتي وغادرت المكان, ولكنني كنت أشعر بلذة الالتصاق ولمسات كتفها الطرية عندما يميل القطار ودفقات عطرها, وسكن الشيء, شعرت بالوحشة, تمنيت لو كان الموت قريبا منى فألقاه, ومع ذلك كنت أستعذب عطرها.
. . .
هدأت سرعة القطار, وتوقف بعد قليل, ساد ارتباك, سمعت صوتا من بعيد ينادى:
– نجوى. نجوى.
سمعت صوتها بجواري:
– أنا هنا يا خالي.
وشعرت بها وهى تقف, وقفت أنا بدوري, ودون إرادة منى لمستها، شعرت بيديها تمسكان يدي, وشعرت بأنفاسها لحارة ساخنة تقترب منى, كانت يدها ملساء ولينة, وبعد لحظة انسحبت بعيدا عنى. سمعت خالها وهو يخبرها أن تظل مكانها حتى يقف القطار.
وبدأ عطرها يبتعد.
. . .
جلست مكاني أحدق في الصمت والظلام, وأستنشق بقايا عطرها, أحاول كبح جماح الشيء داخلي.
ديسمبر 1993

حمدي البطران: منتخبات من قصصه القصيرة

السابق
حمدي البطران: منتخبات من قصصه القصيرة. 02 تصريح بالدفن
التالي
أحمد ضحية: لا وطن في الحنين، القسم الأول: رهد الخيل. (11/2)