أحمد ضحية

أحمد ضحية: لا وطن في الحنين: القسم الثاني: عالم عبده الخال 06

تنهدت سلمى وهي تواصل تداعياتها المؤلمة:
– عادل الوغد، اقترب مني بطريقته المميزة تلك في مداهمة الآخرين، وتحويلهم لأصدقاء حميمين، في لحظة وأحدة. عندما اقترب بلطفه وحنانه، كان كلحظة خاطفة كبرق لا يلبث أن ينطفيء، مخلفا وراءه غياب كل أمل للعزاء.. في اللحظة الأولى أنساني كل شيء يتعلق بتلك اللحظات المجنونة مع عبده الخال.. تلك اللحظات التي لا أريد استردادها. لكنه لم يكن يعرف ماذا يريد ولماذا؟
لم تكن لديه فكرة واضحة عما يريد. “أريد أن احبك كالمراهقين ” هكذا ألقى بعبارته ذات مرة، وأثار جدلا واسعا في أوساط الأصدقاء. حتى عبده الخال استند على هذه العبارة في خطاباته البينية. كان عادل كلعنة أخرى من غياهب تاريخ منسي، مليء بالطلاسم والغموض. لعنة لا تقل عن لعنة عبده الخال، عليهما اللعنة!
ربتت ليمياء على كتف سلمى، ومسحت الدمعتين اللتين انحدرتا، في خطين حفرا عميقا في فضاء المكان، وهي تستعيد ذلك المساء المشعث، المحاصر بالغبار، والضباب الذي حجب الشمس، في مسيرتها الغاربة، وأعطى الفضاء مناخا غريبا، لم تعهده المدينة من قبل.. ذلك المساء الذي صار حديث المدينة لسنوات طويلة قادمة..
إذ شبّ حريق في غرفة استأجرها عاشقين، وأنهتك الجسر الذي يربط الخرطوم ببحري وانهارت ثلاث عمارات في قلب السوق العربي، ومعاقين الحرب تحركوا في نظام متقن، ليغلقوا جسر الخرطوم، ويحاصرون السلاح الطبي.. ونشبت معركة مسلحة بالهراوات والعصي والرصاص، والغاز المسيل للدموع في جامعة أم درمان الأهلية، وتفجر المشردون أمام القيادة العامة، بينما جرا فات مجهولة تهدم مجلس الوزراء، وعدد من مواطني الأحياء يهجمون على اللجان الشعبية ويذيقونها ضربا مبرحا..
الطلاب يسقطون قتلى، فيتم السطو من المسلحين بالهراوات، والعصي على الموبايلات وحلي الطالبات. فتنفجر ناقلة بترول في مستودعات السلاح.. كانت أم كواكية، أخرى تخرج من قلب التاريخ، لتلقي بظلالها على اللحظة الراهنة!
في ذلك المساء الموعود بالحسرات، اجتمع الأصدقاء في غرفة عبده الخال لأول مرة منذ تم اعتقال عادل وعبده الخال (لم يكن اجتماعهم لتقييم الموقف ولكن) لتقسيم آنسات الشلة على ذكورها على نحو عادل، إذ أصبحت الأمور (كما أفادت عائشة وقتها) معقدة ومتشابكة، ومثيرة للشكوك والريبة إذ لم يعد أحد يعرف من تحب هذه ومن يحب هذا! ولماذا يمنح هذا أو هذه الود للجميع (فجر الاجتماع إذن كل هذه القضايا العظيمة، خاصة انه أعطى الأولوية للحالة النفسية لعادل وعبده كخارجين من المعتقل لتوهما ) حتى أن الكومندان نفسه تم توريطه تحت طائلة عدد من الاتهامات، التي لا تخطر على البال((حول طبيعة علاقته بسارة(التي ضبط أكثر من مرة وهو يرمقها بنظرة مريبة)، وموقع ماما حليمة من كل ذلك، لكن لم يجرؤ أحد بالطبع على مباشرته بذلك ))، وأدت إيحاءات ذلك الاجتماع الشهير وإشاراته إلى اكتشافات مذهلة، على الرغم من أن المعلومات التي تم تداولها كانت غير كافية وشابها الكثير من التحفظات، التي كادت تصل لعراك بالأيدي..
وقد بدا واضحا في ختام ذلك الاجتماع، أن كل الأصدقاء (بلا استثناء) كانوا مسلوبي الإرادة تجاه سطوة ليمياء وطغيانها الأنثوي…
هذه الاكتشافات المذهلة، ترتب عليها اجتماع طارئ للمعجبات بعبده الخال (كمناضل جسور)، دون أن يعرن الكوارث التي حلت بالمدينة أدنى اهتمام!
ضحك عادل وهو يستعيد تلك الأيام، وقال وهو يخلف رجل على رجل، كما يطيب له في لحظة انعتاق الأحزان، وهو يتفرس وجه عبده الخال، ليقرأ تأثير كلماته عليه:
– على الرغم من أنني كنت اعرف كل شيء عن علاقات عائشة، إلا إنني لم أشعرها بشيء من ذلك. كان كلانا حريص على تأمين العلاقة بعيدا عن أوشي والشعراني، حتى لا يفرغان فينا سمومهما العقائدية، لكن في الفترة الأخيرة من علاقتنا صرنا كقوسي السهام، تزداد آلامنا مع انشداد الوتر، وتتوتر الأعصاب..
كانت تتلمس الجرح في قلبي ولا تهتم، المح العذاب في عينيها ولا أهتم. عندما ترغب في كلمة دافئة، أفاجئها بافتعال معركة. وعندما ترغب في المعركة، أصب عليها ماء يغرق كل النيران التي أتت تحملها لتحرقني بها. كانت لذة ألمها، لذة ألمي، هي التي تدفعنا للاستمرار، تشدنا تجاه بعضنا وتضعنا على حافة الجرح.. تضعنا في تلك الحالة المجنونة، المتحفزة إلى أن تمزق كلانا. يا صديقي أنا رجل مهزوم. الشروخ تملؤني من أعلى لأسفل، ولم اعد احتمل المزيد.. لن تكون قبيلة النساء التي نعرض”وسطها، آخر القبايل التي نغزوها
انه قدري الذي شكلته الصحراء بداخلي، الصحراء بسمومها وحرها اللافح، بأفاعيها وعقاربها وسرابها الذي تحسبه كل نساء القبائل ماء..
انه قدري الذي امضي فيه مسلوب الإرادة، وليتني أستطيع التوقف..
(كان عبده الخال يدرك أن مناوة الخبيث، يسعى لتكوين جبهة متعاطفة معه، بتوظيف إمكانياته اللغوية في نشر الأكاذيب البائسة، التي تدمي لها القلوب وتنشطر الأفئدة..
رغم البحث الممض للصديقات، إلا أنهن لم يستطعن اكتشاف: من هي التي سربت مداولات اجتماعهن للأصدقاء، على الرغم من أن سوزي، اتهمت فيما بعد بأنها هدهد وطابور خامس، أصرت على أن الوحيدة، التي يمكن أن تلعب، مثل هذا الدور القذر هي ليمياء، ومع ذلك لم تكن الصديقات، قد تمكن بعد من التوصل إلى نتائج محددة حول “التقسيم العادل لذكور الشلة” فيما بينهن، لتوقع بروتوكولا بموجب ذلك..
اقترحت سلمى لجنة تقصي حقائق، حول العلاقات العاطفية للأصدقاء، تشمل البحث في مرحلة المراهقة. ولا تستثنى الميول الشاذة (بالطبع لم تبدأ هذه اللجنة أعمالها، لان أسرار الاجتماع كانت قد تسربت إلى العدو)..
في هذا الوقت كان الأصدقاء يدعون لمؤتمر طاريء، لم يتم الكشف عن الغرض منه (رغم تسرب الكثير من شعاراته الفضفاضة، مثل: لم شمل الأصدقاء – وحدة الشلة – رأب الصدع، الخ.. وكانت المفاجأة للصديقات داخل المؤتمر، مواجهتهن بصورة طبق الأصل من محضر اجتماعهن الطاريء، فأصرت روزالندة على معرفة “الغواصة” التي قامت بتسريبه. وطالبت بمقاطعة عنصر الاختراق.. فانبرى لها نواي بحسم “الحفاظ على سرية مصادرنا ” مما بث الذعر في نفوسهن، وجعلهن يشكن في بعضهن البعض.
– ما بك يا عبده؟
– لا شيء يا لمياء..
مدت له بقايا القهوة.. أخيرا نجح في استرداد ذهنه المكدود:
– ما وصلنا لحل يا ليمياء. لسه مصرة على الطلاق؟
مرر عبده الخال قلمه الأحمر على الخريطة مشيرا لعادل:
هنا يدخل أحدهم قطية القش، يشعل فيها النار. ترتفع ألسنة اللهب. تأكل النار القطية تماما.. يمضي الزمن بطيئا، وفجأة يخرج من بين الرماد والجمر، وهو ينفض عن صدره غبار ثيابه المحترقة (ينتقل بقلمه من نقطة لأخرى، ناهبا الطريق في إقليم السافنا): الرمال، الشجيرات القصيرة المتفرقة، الأعشاب الكالحة وأشجار التبلدي، التي تمد أغصانها باتجاه الذي يلوح في أفق السماء.. ثمة أحاديث عن “إبيرة ودرت تشعل مواجدا. تدفع القلب للتلفت، طي المنعرجات التي تخط حدود كرد فان.. هذه الجغرافيا التي تجفف القلب وتجعله شحيح الالتفات منذ انفصال السلطان هاشم عن ابن عمه تيراب وتكوينه مملكة خاصة بالمسبعات غير خاضعة لسلطة الفور…
يمتشق الوقت قامته. يتسربه ضوع السنا سنا، وبقايا نفحات الصباح، التي لا تزال عالقة بشجيرات القضيم” وليس ثمة شمس تؤكد انتصاف النهار، وبعد المسافة إلى وادي صالح لا تزال طويلة، يتمدد المكان..
وتتوالى المحطات: تقف الشرفة حدا فاصلا. جر يبان و اللِّعيِّتْ جار النبي، كارنكا، الجلابي، والضعين.. هنا. هذا الخط يفصل قلب جغرافيا الرزيقات البقارة. الآن في طريقهم إلى بحر العرب، حيث الكلأ والماء. وحيث متكأ من علاقات المصاهرة، التي تربطهم ب”الأنقوك”..
أخيرا حيث تصعب الحركة إلا بالطوف الأمني. من هنا (يضع عادل دائرة حمراء على الضعين) تتلاقى في قلب جنوب دار فور، التفاصيل المعبأة باحتمالات جديدة للجسد الممتد غربا..
رائحة السمن لا تزال عالقة بهذه الخطوط الكنتورية، التي تؤشر ارتفاعا ثم انخفاضا.. تتداخل مع رائحة القضيم، يتناسل مذاقهما على الأضراس متسربا اللثة، ويطل جبل نيالا وأب كردوس شامخين: كما تصورات الذاكرة. أب كردوس يشير لجبل نيالا أن يتقدم، ويركع عند قدميه مع سلاسل الجبال الطويلة..
تغوص سلمى أكثر فأكثر. تحاول استرداد نفسها، من عالم بعيد أهدرها. تجذبها دواماته كجزر البحر، ومده. تتماهى في كيرا. تصبح هي كيرا ذاتها بلحمها وشحمها، والكيرا هي..
يلملم عادل الخريطة على حجره، يغيب في عينيها، اللتين تشيان بوميض غريب كالبرق، العبادي. يبتلعه الوميض في جوف عيني سلمى..
ينسحب عادل ويغوص داخله، ينقب بين تلافيف وجدانه، يجد عائشة متمردة، حنون، تأتي عبر الباب الخشبي السري، الذي يفصل بيت التأمين عن البيت الكبير.. بقدر ما كانت تنفر منه، أصبحت تترقبه بشوق ولهفة. كانت قد اعتادت وجوده، فأحاطتهما هالة من الألفة والود. أخذت تنمو شيئا فشيئا، لتصبح دفئا غامرا، ثم لم تعد بينهما إسرار، حكت محاصرة بصوت الملا عمر. حكت وحكت، بكى وبكت..
(.. ولاختلاط المرأة مع الرجال في ميادين العمل، تأثير كبير في انحطاط الأمة وفساد مجتمعها.. المعروف تاريخيا عن الحضارات القديمة الرومانية واليونانية ونحوهما، أن من أعظم أسباب الانحطاط والانهيار الواقع بها، هو خروج المرأة من ميدانها الخاص، إلى ميدان الرجال، مما أدى إلى فساد أخلاق الرجال، وتركهم لما يدفع بأمتهم إلى الرقي المادي والمعنوي.. كنت في أحد الأسواق صباحا فرأيت عجبا، سوق للتبضع ظننته كذلك وإذا بي افاجا انه أيضا سوق لعرض النساء واستعراض الشباب ثم التواعد واللقاء ولك ذلك خلف ظهور الآباء الغافلين عن بناتهم وأبنائهم..)..
كانت عائشة شمس لياليه المظلمة، وقمرها الوضيء. رياحين بستانه الذي امحلته سنوات العسف والجفاف..
كانت مثل قمر “اربعتاشر”، تثير مراهقة المدينة المتكئة على مفرق النيل، انتزعته من الحواري، الأزقة، بيوت الليل وفتيات برهان الحبشية الشبقات..
لم تكن تملك شيئا إزاء هذا الذي يتحرك بين جوانحها شوقا لاهبا، بنفسجا ووردا مخمليا، ناعما ودافئا لحد العذاب..
قدر مجنون، مجابه بقدر مجنون. قدر أشهر من الاختفاء الغامض لدماس، والغياب المجهول للكومندان، ولعين كتاريخ ساحق، محرّم ومحفوف بالمخاطر..
– أرجوك.
– أرجوك أنت.
– انت لا تختلف عن أوشي!
– أنا احبك.
– أنا أكرهك.
عبر المنطقة البحرية المحفوفة بالشعب المرجانية والحلازين، طرِّية الملمس. كان قد أغلق الباب السري وفصل النور، غرق في الظلمات..
في ظلام الغرفة كانت عينيها تلتمع ببريق عجيب، وعلى نحو رهيب، أتى صوتها باكيا، متشنجا..
كان قدإمتلأ رعبا، وسكنته الكوابيس المزمنة. أدرك أنه تركها خلفه، في مضارب قبيلة مسحورة، دونها الطلاسم والرصود..
انسحبت عائشة من عالمه، فارتد إلى أعماقه كحجر أثري..
قالت سلمى:
– وعبده الخال صديقك..
– بل قريبي. أصابته ليمياء بالجنون..
– وأنا؟
مد زراعه، لتتحسس راحته ظهرها بلطف، وتأوه..
تلك أيام البرق العبادي.. أضاء البرق أفناء المستشفى. اقترب الطبيب الشاب ووجه خطابه لسلمى..
– يجب أن تدخليه الآن إلى غرفته. عما قليل ويهطل المطر..
– انه يصر على الجلوس. يريد أن يشاهد المطر يهطل عليه.. والبرق..
قالت بحياء. أمعن الطبيب الشاب فيهما النظر وهو يقول:
– حسنا. انه البرق العبادي..
تلاشت خطوات الطبيب الشاب، الذي صعد ليراقبهما من الغرفة المطلة على الحديقة. كان المطر قد بدا يهطل. لمع البرق العبادي، فنهض عادل.. اقترب من سلمى. دنت منه. تخاصرا.. لمع البرق العبادي مرة أخرى، تركزت هالته الخاطفة على جسديهما المتوحدين. هبط الطبيب الشاب إلى حديقة المستشفى، كانت خالية منهما. اختفيا في لمح البصر، كالبرق العبادي..

أحمد ضحية، تجاعيد ذاكرة البنجوس (الجزء الثاني من لا وطن في الحنين)

السابق
أحمد ضحية: لا وطن في الحنين: القسم الثاني: عالم عبده الخال 07
التالي
أحمد ضحية: لا وطن في الحنين: القسم الثاني: عالم عبده الخال 05