أحمد ضحية

أحمد ضحية: لا وطن في الحنين: القسم الثاني: عالم عبده الخال 05

ليمياء في كل ليلة تغلق على نفسها غرفة نومها. تشاهد على الكمبيوتر أفلام الجنس، وقبل أن تنام متعبة من وحدتها وانتظاره، تكون قد تدربت قليلا على الالتياع، علها تقضي على ما تبقى من حصونه. لكن سرعان ما تهز مؤخرتها في قلق عميق، عندما لا ينتبه الخال إلى التغييرات التي أحدثتها على سلوكها..
انه خارج إطار العصر وقوانينه في عالم يخصه وحده.. لا يأبه لتقنية العصر في المشي، والفساتين القصيرة، الضيقة، الشفافة، التي تكشف كل سلطات الجسد دفعة وأحدة، كقنبلة لا تبق ولا تذر. لا يأبه لتكنلوجيا الرغبة وتقنيات الشهوات..
فتغادر ليمياء لتتركه غارقا في الحديث الممل مع عادل، الذي يضيف:
– التراكمات التاريخية للاستعلاء والاسترقاق والنهب المنظم للموارد و..
فيقاطعه الخال:
– وتحول البلاد الكبيرة من الإسلام الاسمي إلى الإسلام الإفريقي، ومن ثم السعي الرسمي لإعادة إنتاج الثقافة والناس، لإدراج كل ذلك في السياق العربي، وفقا لوجهة النظر البيانية القياسية، كل ذلك شكل الأزمة الحالية.
– تاريخ البلاد الكبيرة هوتاريخ الوادي. من الصعب إلغاء تاريخ بهذا العمق وإعادة تشكيل وجدان الناس وفقا لتاريخ وثقافة غريبين عنهم.
– التعقيد يبرز من كونها ارض هجرات.
– ولكن ليست كل المجموعات كذلك، ف”الفور” مثلا لم يكونوا مهاجرين، إنهم شهود على هجرة الميدوب والبرقد من النوبة الشمالية، والبرتي من الشمال الغربي والدا جو من الغرب. شهود على هجرة الفولبي الوثنيين والعلماء والحجاج و”الفقرا” الذين اختطفهم الزبير باشا، قبل أن يصلوا إلى البيت المقدس، واسترقهم فتفرقوا أيدي سبأ..
انه عصر إعادة الإنتاج لكل شيء، ونحن ضحاياه. فهو عصر الإنجازات الكبيرة، والحروب والحصار والدمار، واكتشاف الخريطة الو راثية وتمجيد الجنس: السر الأزلي، الذي لا ينبغي التصريح به..
عصر عائشة (مع ذلك) والفن الشبقي الذي تتعاطاه مع أوشي. ومع ذلك فإن ال BBC تقول أن الثوار في جزر فيجي أطاحوا بالنظام القائم، وأكد مجلس القبائل على خطواتهم التاريخية. تتحدث BBC مباشرة عن تقارير الأمم المتحدة عن العنف الممارس ضد المرأة، وعن أحد عشر مليون طفل في أفريقيا، يموتون سنويا بأمراض فتاكة، يمكن معالجتها ب80 مليون دولار فقط، إذا تخلت الحكومات الأفريقية عن فسادها المزمن، الذي تأتي البلاد الكبيرة على راس قائمته!
كتب أبو عمرو عثمان إلى سلطان مصر الظاهر برقوق في 1391 عن مهاجمة عرب الجزام لشعبه، وخطفهم مواطنيه البرنو واسترقاقهم، ويرجوه إعادة الذين أُخذوا رقيقا إلى مصر، فذويهم البرنو يعانون اشد الألم لذلك. وتقول قناة الجزيرة في تقريرها الإخباري 30 /12 /2005 انه في الساعات الأولى (مما أصبح اسمه فجر الجمعة الدامي) أكثر من ستة ألف جندي مصري حاصروا اعتصاما سلميا للاجئين السودانيين أمام مفوضيتهم (المفوضية السامية) بالقاهرة، لفضهم بالقوة المسرفة، فسقط ضحية لذلك أكثر من 50 قتلى(رسميا) ومئات الجرحى، وتم اقتياد الأحياء والجرحى إلى معسكرات للجيش خارج العاصمة. لكن اللاجئين العزل الناجين يؤكدون أن عدد القتلى فاق المائتين، ومئات أخرى من الجرحى الذين يتوقع موتهم.. بالطبع تمت هذه المجزرة المصرية ضد السودانيين المسالمين في إطار التضامن العربي!
وضع عبده الخال كوب القهوة أمامه. مص القهوة التي تجمعت في فمه ببطء. شعر للمرة الأولى بكافتيريا “أتني” مكتظة عن أخرها. على الرغم من مضي سنوات، منذ أول مرة التقى فيها الخال والأصدقاء بهذه الكافتيريا، إلا أن أُلفتهم جميعا مع المكان، لا تقل عن ألفتهم مع غرفته. بل تقوى يوما بعد يوم. يأتون في أوقات فراغهم. يجلسون في ذات المكان، الذي اعتادوه منذ سنوات خلّت. المكان الذي ارتبط لعادل وعائشة بذكريات، وأحزان وأفراح وآلام لانهاية لها.
عاد بذاكرته إلى الوراء، وليمياء تسرب إليه مشاعرها عبر عادل،
للحظة العاطفية الخامسة ليمياء لا تعرف ماذا تريد بالضبط. بدأت حياتها بعلاقة محفوفة بالمخاطر، ثم أخرى غير واضحة المعالم، وثالثة باردة.. و.. وانتهت إلى حالة عشق مسجون بالأساطير، عشق نشأ في ظروف غريبة ومعقدة. ففي هذا الشتاء تعمقت حيرتها، وانتابها إحساس بالهزيمة والخور. شعرت بالحاجة لمن يواسيها، وينفض عنها كلّس الوحدة والوحشة. في هذا الشتاء القاس.
– لا تتورطي في علاقة عابرة يا ليمياء..
– ماذا تعني؟
– أنتِ كالسجين، وإحساس السجين بالآخرين يختلف عن إحساس الطليق.
– وإن يكن..
– عادل ليس لك يجب أن تفهمي أن هذا الأمر وهم..
– مثلما أنت لست سلمى.
لم تكن ليمياء تبحث عن مبرر للقبول أو الرفض. إنها تلك الحالة المرضية، للإحساس بالتميز عن الآخرين، والتكريس للأنا، محور الكون.. نوع من الرغبة في الامتلاك، لا تستطيع مقاومتها، لاتخاذها أكثر الطرق مثالية، مما يمنحها سلطة فوق شرعية، سلطة قاهرة ومستبدة..
– لا أنا بنت مؤدبة.
– غريب، كنت أظن غير ذلك، عندما حكيت لي عن صديقاتك السحاقيات.
– انت تتكلم معي بطريقة غريبة، كأنني لست حبيبتك. انت بشع، لن احكي لك أسراري مرة أخرى.
– الكومندان لا يعرف حتى الآن، إلى أي حد انت مجنونة.
– انه صديقي وعما قريب سيصبح هو وماما حليمة حموّي.
(كان يدرك أن السبب الجوهري الوحيد، الذي يبقي ليمياء إلى جواره، هو عدم فهمها له بالكامل، عدم فهمها لذلك الجزء الغامض، المدهش الذي يوحي به، فيغذيه الخيال.
هنا على وجه الخصوص يعلن العصر عن فضيحته: تمزق الأحلام الكبيرة، انهيار التواصل الإنساني، والارتياب في كل شيء، خاصة الكون..
انهيار العالم وتدمير الطبيعة، هما سمتا العصر، الذي يسفر عن تمزقاته أوضح ما يكون.. التمزق الذي لم يبق من حقيقتنا، سوى ما قد نجده في عيون الآخرين، بعد جهد ممض من الألم الحفري، الذي تعتمد نتائجه على التأويل: عصرنا الذي نحن تعبير عنه في سلوكنا التحفز، التوتر، القلق..
إنني لا أستطيع أن اصدق أن ليمياء تحب شيئا غير ذاتها، ولا أصدق أنها تعتبرني محض صديق، وفي ذات الوقت لا ازعم أنني أحبها، والى الأبد على طريقة المسيحيين القدامى، إذ أتردد في إلزامها بالإخلاص لي غائبا وحاضرا.. ربما ابحث عن تلك اللحظة الإنسانية المشتركة، التي نعيشها معا.. لنتوحد في كيان وأحد ضد الموت: كما يليق بعبده الخال وحبيبته..)..
ليس ثمة ما يدهش. الدهشة لا تجوز إلا إذا ارتبطت بمشروع، كقضية مطلوبة بحد ذاتها، لتحيلنا إلى تلك العوالم، البريئة التي تم التعالي عليها، وأزيلت عن الوجود.. تلك العوالم البريئة، الحالمة بتابواتها وطواطمها، وبراءتها وعذريتها وجنونها..
تلك العوالم التي في الواقع تشبه دواخل إنسانها. لا فرق البتة بين ما هو كائن في الطبيعة، وما هو كائن فيه.
حد الدهشة يعيش عادل الآن دهشة كنت انت قد غادرتها، أو غادرتك.. ينكفيء على حفرياته، مهجسا بوالده البنجوس، وجدته كيرا.. يعبئه البحث في تفاصيل النهب المسلح والحرب الأهلية، بالأساطير المتفرعة من الوديان الممتدة من “بلبل تمبسكو ” حتى “الله مرقا” و” سجلو”. يغوص فيها ليذوب في امتداداتها بأفكاره المعبأة بـ “أزوم” و”وادي صالح” وتلك الفتاة القمبيلة المزينة بالمرايا والخرز. والأسواق الأسبوعية والعربات الكبيرة، المتنقلة من سوق إلى سوق وهي تحمل في أحشائها كل شيء: البن، الزيت، الدخن، الصلصة والشطة، إلى أخره من المحاصيل التي تمضي إلى بورصة أم درمان ونيالا، أو تتوغل بعيدا في إفريقيا الوسطى وتشاد وليبيا.
لحم الورك الضأني يقطر منه الزيت مشويا على لهيب النار، ساخنا أمامك مع البصل والطماطم و”المرِّين” والشطة “الدنقابة” الساخنة.. النساء والصبايا الفارعات، ببضائعهم المعروضة لعربات “أم دورور”.. اللوبيا، البفرة، البطاطس والفواكه وقصب السكر..
الفلاتة البقارة بملامحهم المميزة: شنطة اليد النسوية الصغيرة، والعيون المكتحلة، والمرايا والخرز الملوّن، والسروال القصير والعراقي بالوا نهما المتنافرة..
أحدهم يرى فتاة من الـ “بني هلبا”، فتقع من قلبه موقع السهام، فينتفض، ويرتعش ويتصبب عرقا.. يغمى عليه من الصبابة والوجد.. بنت من “بني جلول” أو “الأمهرية”، واسعة العينين، شعرها ممشط في جداول طويلة، وثغرها مذموم تتدلى من كتفها ذو الاستدارة الكاملة، حقيبة من القرع محلاة بالخرز والودع ووجهها الوردي بـ “رشمته” الممتدة من الأنف حتى شحمة الأذن، يجعلها كلوحة موغلة في الحلم.
المقاهي وحركة الناس و”عرب الجزيرة” الذين غزوا الوديان، يتنقلون بين الأسواق بتجارتهم، بين “بانقي” و”وادي صالح ” و”نيالا” و”انجمينا” ينقلون “العِرق” والبن وأشياء اخرى من جنس التوابل..
يختبيء جبل “أب كردوس” في ذكرى سلطان الداجو “كسوفرو” وأشياء وأشياء تسقط لاحقا على بنية الوعي السلطوي، لعلي دينار وشقيقته الميرم تاجا..
العطور المهربة من الجوار الإفريقي والأحذية والسجائر الاسبرينج Springوالنلسون Nelsonوالرياضي الليبي ونبات لقرع المتمدد في كل مكان..
– هذا الخط..
قال عبده الخال مشيرا لعادل، الذي يمرر قلمه على الخريطة..
– يمثل طريقا ممتدا من زالنجي حتى أم دخن..
هناك حيث يتضاءل الحلم بدولة مستقلة عن الفرنسيين والإنجليز بمجيء عام 1916..
عند طور يتلاشى الدفء ويتحول الجو إلى برودة ثلجية تكلس الأطراف، وتلسع الوجه والقفا..
يتسلل الطريق الإسفلتي (زالنجي – نيالا) الوديان في زحف افعواني حميم. تختفي زالنجي خلف السلاسل الجبلية والوديان والغابات.. الطرق المتعرجة تحجب دليج(احتضرت فيها ثورة داوود بولاد، حيث قتل دون محاكمة، كما يليق بمناضل ثوري) وتقترب قار سيلا حيث يخرج لسان طويل من الحصى، يسخر من الأميرة الإنجليزية سليلة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، في زيارتها التاريخية الشهيرة بعد الحرب الأهلية الأولى (85 -1990).. يمتد الطريق حتى فور بر نقا، حيث يتفرع منه طريق آخر إلى الجنينة..

أحمد ضحية، تجاعيد ذاكرة البنجوس (الجزء الثاني من لا وطن في الحنين)

السابق
أحمد ضحية: لا وطن في الحنين: القسم الثاني: عالم عبده الخال 06
التالي
أحمد ضحية: لا وطن في الحنين: القسم الثاني: عالم عبده الخال 04