أحمد ضحية

أحمد ضحية: لا وطن في الحنين: القسم الثاني: عالم عبده الخال 04

منذ تقاعد البنجوس، أعتاد الجلوس كل مساء تحت شجرة الجهنمية، حيث يطيب له التنهد ” والله زمان يا زمان “. ثم “يجبد” نفسا طويلا من “الشيشة”، لا يلبث أن يكحه في ألم، فتغمزه سوزي:
– يا كومندان الكُبُر دخل، أنت بقيت ما قدر الحاجات دي..
فيضحك البنجوس:
– الشجر الكبار فوقو الصمغ.. الدِّهن في العتَاقة يا زولة..
ويهمس في أذن نواي بالبذاءات، فينفجر الأخير ضاحكا، وهو يكاد يقع على قفاه..
لا تزال أخر لحظة رأوا فيها الكومندان داخل الغرفة معهم، تشكل حضورا قويا، يشتت أفكار عادل. كأنه يقف أمامه الآن، تحت شجرة “الِمحنّة”. كأنها البارحة. تلمع كلماته في الظلام. تلقاها وذهب “على مفترق طرق”. كالمسيح، ذهب.. وتركه وحده، كما كان وحده دائما..
تنهد عادل بأسى. لم يعد يطق البقاء بهذه المدينة، فهي دون الكومندان وعائشة لا تساوي شيئا. رغم زواجه من سلمى لم ينسهما.
كل شيء يذكره بعائشة. الآن كالمجذوب، بين الصّحو والنوم.. الشوارع، الدروب، شجرة “المحنة” والبرق العبادي: كل شيء يذكره بها.. سأله الطبيب:
– وماذا بعد؟
هزّ عادل رأسه والشرود يصبح جزء لا يتجزأ من طبيعة نظراته:
– كلما لمحت البرق العبادي، أشعر بإحساس غريب، ينبثق منه ليحاصرني.. عندما أخبرت عائشة بذلك في تلك الليلة المطيرة، ونحن نشق معا دروب المدينة المتعرجة، بأن البرق العبادي يتغلغل داخلي ويخلخلني.. ابتسمت..
– وماذا قالت؟
– ألا أخبر أحدا..
– حتى عبده الخال؟
– حتى عبده. كنت وحدي، فدنت ودنوت. كان المطر قد توقف، ولم تكن عائشة موجودة، كدت اجن.. عندما التقيتها في المساء التالي لم تكذبني، كما كذبني الآخرون.
مع البرق العبادي بدا كل شيء في مسيرة التحولات العظيمة لحياتي.. الآن تنساب المشاهد والصور:
– ” هل أتوهمها؟!”.. فتسكنني بالألم والأسى.
أم هي حياة عشتها حقا في ذلك الصباح البعيد!
كان البرق العبادي يلمع في قبة السماء، فأين المفر. يلمع حيث تغيب الشمس. قلت لعائشة في ذلك المساء البعيد:
– أحبك؟
فردت:
– أكرهك.
” كيف لا تكرهينني وقد شوهتك كاسيتات بن لادن.. كيف وأنت تستمعين إلى صوته الواثق الحاسم المتيقن، كما يليق بقائد لفيالق الفرقة الناجية: (إذا كان الأهل لا يصلون أبدا فإنهم كفار مرتدون على الإسلام – شرب الدخان محرم، وكذلك بيعه وشراؤه وتأجير المحلات لمن يبيعه – حلق اللحية حرام لأنه مشابهة للمشركين والمجوس – استماع الموسيقى والأغاني حرام ولا شك في تحريمه – مشاهدة المسلسلات التي بها نساء حرام – قص المرأة لشعرها على وجه يشبه شعر الرجال محرم ومن كبائر الذنوب..)..
عائشة بذرة الحب التي هرب بها والديها بليل، حتى لا ينكشف أمرهما، كانت تنظر لأشقائها وشقيقاتها بإحساس غامض، كأنهم غرباء التقوا في مكان ما، دون حميمية ليفترقوا ذات يوم..
– نعم أنا ابنة حبهما، أنا العبء الذي رماه العشاق عن كاهلهم..
ومضى كلانا في درب مختلف. النصل الذي أغمدته عائشة في داخلي، يفاقم إحساسي بالخطر.. والحزبيين يفرون من وجهي، كما يفرون من الجرب، وإذا التقيت أحدهم مصادفة:
– لا تتصل يا رفيق، سنتصل بك نحن.. إنها دواعي تأمينية فحسب…
– لكنكم ابتعثتم عبده الخال وليمياء قبل ثلاث سنوات؟!
– سافرا على نفقتهما الخاصة.
– أنا كنت مسئولهما واعرف كل شيء!
– الأمر كما قلت لك.
قال عبده الخال عند عودته من سوريا:
– لا تحزن يا صديقي إنها العصبية..
– ربما لا تزال الانتماءات القبلية الضيقة تلعب دورا، لكن كيف سمحوا لك أنت؟
– خال ليمياء عضو في القيادة المركزية، ليمياء هي التي ساعدتني.
– لأنها تحبك؟
– لقد تم الانقلاب على مشروع المنوِّر الغربي.
– لقد ناضلنا طويلا في سبيل هذا المشروع، وتلقينا دونه الضرب المبرح. لم ننحني في أحلك الأوقات التي مرت بنا..
– هل تقاضيهم الثمن الآن؟!
– لا، لكنها المفارقة.. حتى عائشة تركتني دون مبرر..
– إنها طائشة، لن تلبث أن تهدأ..
– لا ستسافر إلى والديها..
– وستعود فهي لم تعد مقيمة هناك.
اقترب الطبيب الشاب:
– يجب أن تدخل إلى غرفتك، عما قليل ويهطل المطر..
– نعم انه البرق العبادي..
انطلقت الخرطوشة، وتلتها أخرى فثالثة. كانت الغزالة قد تلقت في صدرها كل الطلقات، وعلى نحو مفاجيء انكفأ جسدها على طيف عائشة، الذي انبثق من الجرح الذي خلفته الطلقة.. اختلطت دمائهما.. تلاشى الجسدان في جسد وأحد، واتسعت عينا الغزالة على مصراعيها، وهي تغالب النزع الأخير. انقبض صدر عادل، فغادر الوادي على عجل. قال لعبده الخال عندما وصل مرعوبا:
– كان طيفها متوحدا في الغزالة..
– أصبحت تصوراتك مخيفة ومزعجة، أشك في أنك ستقتلها ذات يوم..
– لا يا صديقي. إنها تدمر حياتي، بطيفها الذي يلاحقني..
– هذا وهم، يجب أن تنسى الأمر!
كان عادل يدرك انه أخر مساء يغني عائشة، على إيقاع العود.. غرامه بغزالة ذات صدر ابيض، بعروق نافرة، زرقاء.. امرأة لا وجود لها، كحلم الأم في ذهن طفل يتيم، كشهوة لليالي مستحيلة، تغيب في وله مستحيل.. ريح بلا زفيف.. مطر سري.. غناها وهو يمضي متسللا الدروب المتعرجة للديوم، حاملا العود تحت إبط، وفي الإبط الآخر دفتر أحلامه الزرقاء، وعلى صدره تئن أشتات الماضي، ولعبة الذكريات، والغزال الذي يصطاده في كل مرة، ووادي الألم اللعين. ذات جرح مخملي في ذاك المساء، خلال ظل ما. انزويا.. متسربلين الظلال.. ضحكت ملتاعة وهي تنتزع نفسها. اتكأت على صدره (الغزالة المضرجة بدمائها تسيطر على عائشة) الحلم المتنائي. الملتهب، المر. المتأوه.. كأن كل شيء محض صراع، مقاومة لقدر مجهول. تهشم غصن جاف، تحت ثقليهما، داهمتها سحابة معبأة بالثلج. أفرغت ندفها وافترقا، لتأت بعد أيام وتقول:
– أكرهك.
– لماذا يا عائشة؟!
– يجب أن نفترق.
رحلت عائشة، في حصار والدها لها بكاسيتات ابن عثيمين، التي يشغلها كل مساء بعد أن يغلق التلفزيون، ويجبر كل الأسرة على التحلق حولها.. رحلت محاصرة بالصوت والصدى (أن الدعوة لنزول المرأة في ميدان الرجال، المؤدي إلى الاختلاط، سواء كان ذلك على جهة التصريح أو التلويح، بحجة أن ذلك من مقتضيات العصر، ومتطلبات الحضارة. أمر خطير جدا، له تبعاته الخطيرة، وثمراته المرّة وعواقبه الوخيمة. رغم مصادمته للنصوص الشرعية التي تأمر المرأة بالقرار في بيتها، والقيام بالأعمال التي تخصها في بيتها ونحوه.. ولا شك إن إطلاق البصر، واختلاط النساء بالرجال والرجال بالنساء في ميادين العمل وغيرها، من أعظم وسائل وقوع الفاحشة..)..
ذهبت عائشة إلى الأبد، لتحاصره الغزالة، تحيل حياته إلى جحيم وتدفعه إلى المغامرة. رغبة لا تستطيع مقاومتها. أخر مرة اتصل بها، كانا لا يزالان يغالبان جنوح الشوق. أخر مرة اتصل بها، كانت هي تلك المرة التي ردت فيها وهي تنتهره:
– أنت ثقيل.
– من حقي أن أعرف لماذا تركتني؟
– فقط أكرهك.
– أعط نفسك فرصة، وأحدة على الأقل..
غامر. نزل من الحافلة واقترب من البيت الفار ه. دق قلبه بعنف وهو يلحظ الزحام وعربة الشرطة أمام البيت. اقترب.. كانت عائشة الزهرة البيضاء مسجاة على البلاط الملطخ بدمها، كلوحة سريالية، وحلم غامض يمتد ببقع الدّم حتى نجيل الحديقة. ارتسم على وجهها ذلك الرعب بوجه الغزالة. نوع غريب من الرعب، ورهيب. لا شيء مثله.. أحس بصداع عنيف يجتاح رأسه..
– ثمة حلقة مفقودة هنا..
قالت سارة وهي تستمع إلى عادل في اهتمام..
الأطفال اللاهيين بعلب الصلصة والزجاجات الفارغة يشدون انتباههم.. تنكفيء نظرات عبده الخال على شجرة المحنة، فيأتي صوته عميقا:
توسط شرورو شطة النار المشتعلة، التي تحلق حولها كل أهالي الوادي. مد عنقه في أسى، على امتداد ساعديه اللتين خالهما الناس.. كل الناس، متمددتان في اللانهاية، وعلى إيقاع الطبول اخذ يرقص، والنار تلتهم الحطب الجاف تحت قدميه، تضيق دائرة النار. يختفي وجهه في اللهب، ويتحرك الجبل المقعي في حضن الوادي ببطء. يختفي رأسه وتلتحم دائرة النار، لتصير شعلة وأحدة، فيختنق صوت الطبل ووتر الربابة والعود ويصمت كل شيء.
وتنفرج عن الجبل فوهة تأخذ في الاتساع. يخرج شرورو بعد فترة من الزمن، نافضا رماد الحريق عن إزاره، ومثل كل مرة يلتف حوله الناس، كأنهم يرونه في طقسه المهيب لأول مرة. يمسحون عن وجهه حبات العرق.
لكن هذه المرة لم تكن مثل تلك المرات، فقد كانت آثار الخراب والدمار، تفوح من كل شيء، وفي كل شيء..
– ” جبل نامي تبدأ وتنتهي به الجبال “..
قال أومي. تنهد البنجوس، وهو يستعرض جنده المتراصين في نظام عسكري دقيق. ثم زفر: ” هذه المرة ليست ككل المرات التي يتعرض فيها الوادي للغزو. لم يحدث أن تمكن الغرباء ذوي اللون الوردي أو القمحي من سبي نساءنا. لكن اليوم نحن مهزومون. لقد سبيت كيرا لنقي نوارة فريق الشرتاي..
لقد قمتم بواجبكم كأبطال، لكن ما كتب أن يكون، يكون. وما سيكون لا نعلمه..
أديت طقوسي وأدركت إنها بداية النهاية، لحكاية قديمة استمرت منذ آلاف السنين. انه حنين الأسلاف ونبوءاتهم. يوم تسبى نوارة الفريق، يبدأ خلف الأسلاف الحياة.. “..
قال عبده الخال:
– ورفع البنجوس يديه معلنا انتهاء التعليمات، لينفض عنه الجند الذين اخذوا أوامرهم..
وينفض الناس لكن دون أن يتفرقوا. كانوا مسمرين على الأرض الحجرية.. مضى البنجوس بخطوات وئيدة، إلى فوهة جبل نامي، مع طليعة الجند تاركا خلفه الكيرا تقود فيلق المزارعين.. “..
تأوه عادل وعائشة تستعيده إلى مداراتها، كاسترجاع آلي لشريط كاسيت.
كانت عائشة فتاة الحزن البديع. اليافعة يفوع فرخ “القُمرِّيْ”، كصفحة بيضاء بريئة حد الفجيعة، في تصالحها مع ابن عثيمين. لكن سرعان ما انهتكت وانتقلت إليها عدوى التأزمات والهواجس والظنون والمثاقفات الجريئة.. هذه الأوبئة التي تصيب أطفال اليسار(وهم يعانون تمزق أنظمة تفكيرهم )، فتقلب ليلهم نهارا ونهارهم ليل!
قال مناوة:
– إنها ككل جواري المثقفين.
رمقه عادل بألم وأنهدّ في تأوهاته. أصبحت عائشة تجتر حزنا قديما كالذي يثير أشجان أطفال اليسار، ويدفعهم للنضال بالكمنجات، حتى تتقطع أوتار الذكريات والأحلام، وتتحول إلى أشلاء أحزان نبيلة. أولى سنوات عودتها إلى الوطن، من بلاد النفط لدراسة الجامعة. أدمنت الأشعار المأساوية، الموسومة بالمعاناة والنضال، كانت أولى الهاتفات في المظاهرات:
– ” ودانا لشالا + عزتنا ما شالا + نحن البلد خيرا + ومستقبل أجيالا.. (*) “..
لكنها لم تكشف عن نقابها أبدا..
أدمعت عيناها بالدموع وهي تنشج بالبكاء:
– ما الذي تريد أن تعرفه يا عادل، تحويل التنظيم لي.. إلى مجرد عاهرة في بيت التأمين؟
أنهد صوتها وانهدت.. كانت ألما خالصا يقطع بوحه شرايين القلب، يسيل في وجدانه، يستفرغ وجدانه. ود لو كان بمكنته إخراجها من هذا النفق، انتزاعها من هذا العذاب القاسي:
– ليس ذنبك يا عائشة، إنها أزمة الأخلاق التي يعيشها عمك الشعراني.
تاهت بعينيها بعيدا وانسل صوت عادل متوترا، كصوتها.. مخترقا سمع عبده الخال..
كان الشعراني أحد القيادات السرية، ومسئول المنطقة (ج) على رأسه الأصلع انزلقت طوباويات ماركس، وخزعبلات عفلق، وترهات الترابي.. تزوج الشعراني (المحاضر الجامعي الذي لا بأس به) من إحدى زميلاته مساعدات التدريس، المناضلات القدامى اللائي افنين زهرة حياتهن في المطالبة بحقوق المرأة والعصافير، وضرورة دعم مهرجانات الزهور، من الميزانية الرسمية للدولة، حتى تضفي على نفسها (الدولة) طابعا رومانسيا يتلاءم وقضايا العصر. وربما لهذه الأسباب طلقها الشعراني ثلاث طلقات وأحدة تلو الأخرى، بائنة بيان علم البيان (معربا عن إيمانه العميق بعلم الجمال الماركسي، ورفضه للمفاهيم الجمالية البرجوازية المزعومة) بعد أن أنجبها اثنين من البنات..
وفي البيت القديم الذي شهد ولادته وأخيه المغترب (والد عائشة)، احضر طفلتيه لتستقرا مع أمه (لتؤنسا وحدة الجدة التي باتت تتآكلها الغربة والوحدة، في هذا البيت المتسع، دون أنيس.
وقتها كانت ظروف الشعراني تسوء باستمرار، توقفت مخصصاته الحزبية بسبب “مهام المرحلة النضالية الحاسمة، التي يمر بها الحزب المفكك بالانقسامات”، كما أن الحزب فقد الكثير من استثماراته، والحكومة الجديدة فصلت كوادره الذين يسندونه ماليا، من كل دواوين الخدمة العامة، كما أن التحولات التي اعترت العالم كجنون البقر، أوقفت الدعم الأجنبي، فقد تفككت دول رفاق الخارج، وأصبح كل رفيق يقول “دار أبوك كان خربت شيل ليك منها عود”..
وهكذا تكاتفت الأسباب والعوامل، لتجعل كل ما هو منهار اشد انهيارا. حتى إيجار هذا الجزء المفصول من البيت، الشاسع للحزب كمحطة تأمين، ما عاد الحزب يفي بالتزامه تجاهه. والشعراني يخشى المطالبة بالإيجارات المتراكمة، فيتهمه الحزب بأنه “برجوازي صغير”.. فواحدة من المشكلات النفسية العصية للشعراني، انه ظل زمنا طويلا يقنع نفسه بأنه “مثقف ثوري”، ومع هذه الترهات ظل الشعراني مغلوبا على أمره، حتى انه لم يتمكن من طلب العون من أخيه المغترب والد عائشة، فهو لا يريد أن يمد يده لشخص ” رجعي مختلف معه أيديولوجيا، كطليعة تقدمية ثورية “ِ..
وهكذا لم يصدق الشعراني نفسه، حين تذكره أحد زملاء النضال القدامى، وجعله موظفا عنده في مكتبه التجاري المريب محدود الأعمال. ولأن الشعراني مناضل فذ، لدرجة الإصابة بجملة توترات جسدية، راودته فكرة الزواج مرة أخرى “فالحلم الاممي لا يسقط بسقوط تجربة وأحدة”، وهكذا استبعد النساء من ذوات الريش والسلام الأخضر، وعمل على استحضار نقاط ضعف رب عمله الرفيق “أوشي”، فقفزت إلى ذهنه ذكريات الجامعة والمغامرات الصغيرة، مع الزميلات العوانس والأوانس “أيام كان الحزب حزبا”، وكيف أن أوشي كان كصحراء تيه عتيدة، وهو يعد الخطط ويرتب التفصيلات، وقعت حنان شقيقة أوشي بين التفاصيل، فالتقطها وأصبح ينتظر زياراتها المتباعدة للمكتب، بصبر عظيم يليق بمناضل له تاريخ الشعراني العتيد.
وصارت زيارات حنان متقاربة يوما بعد آخر. “يبدو أن جوهر مسألة البروليتاريا على وشك التحقق باعتلائهم لسدة.. “وهكذا تم حذف تفاصيل، وإضافة تفاصيل أخرى لخطط الشعراني المدهشة. التي استخدم فيها كل خبراته التنظيمية والسياسية. وتوجت خططه العظيمة بحضور عائشة ابنة أخيه من المغترَب لإكمال دراستها. ومع انه “كتقدمي” لم يستطع إقناعها بخلع عباءتها السوداء، التي تشعره انه يقف أمام وطواط، إلا أنها أبدت مرونة أسرية، فقد أدركت بعد كل مناقشاتهما حول العباءة والحجاب، وبخبرة الفتاة التي انتهكت مرة، أن عليها أن تكون لطيفة في التعامل مع عمها، والضيوف الذين يرتادون منزله.
ومع الأيام اعتادت على أشياء كثيرة كانت ترفضها، وأخذت شيئا فشيئا تستجيب لاهتمامات عمها بها، ومداهمته لها في الجامعة بين آن وآخر، ليوصي أعضاء التنظيم عليها.. كان يتصور انه يؤدي في مهمة نضالية نبيلة وعظيمة، فالتحول الحقيقي ينبع من قلب وعي الجماهير.. أو ليست عائشة من صميم هذه الجماهير التائهة؟!، وأوليس الوعي انعكاس للمادة”، وهكذا تورطت عائشة مع البورليتاريا في أحلامهم التي تختلف جذريا مع أحلامها دون أن تدرك ذلك إلا بعد فوالت الأوان، لكنها والحق يقال كانت لوحدها تمثل فصيلة مختلفة داخل التنظيم. وهكذا شهد بيت التأمين الحزبي، تراجعاتها التي بدأتها بخلع الحجاب، على استحياء..
تساقطت الأوراق الجافة لشجرة النيم الهرمة، التي توسطت الحوش، أصبحت ليالي عائشة ملوّنة في بيت أوشي.. في المكتب.. في بيت التامين.. في الكافتيريات على شارع النيل، وأماكن أخرى عديدة ارتاداها بجرأة محمومة ودون خوف (أو هذا ما كانت تحاول إظهاره)..
كانت عائشة كالمارد الذي أطلق من قمقمه بعد آلاف السنين من السجن المؤبد. لا تتذكر نفسها إلا عندما ترتدي العباءة أو تخلعها، كأنها تعاقب نفسها على مثال كانته يوما..
– أخذتك الخرطوم بين منعرجاتها ومنعطفاتها، هكذا هي الخرطوم مدينة الغزاة، بأخلاق الغزاة..
قال عادل:
– صدقني أكره نفسي كلما رايتك..
– انت غير طبيعية!
– وأنت كذلك..
كان عادل أصغر أعضاء القيادة، التي كان أوشي أمين سرها، ولم يقطع علاقته بأوشي رغم مغادرته “حظيرة الحزب”. وكان أوشي يدرك أن التهم والشائعات التي أطلقت حول عادل، بعد تركه الحزب محض افتراءات، لكنه يدرك أكثر أنها ضرورية “للحفاظ على تماسك الكادر “المتبقي. في تلك الأيام الصعبة.. لم يجد عادل من يؤازره سوى عبده الخال وسلمى وأوشي.. حتى مناوة ونواي هربا من وجهه.
تراجع عادل ليغيب في صوت سلمى “اليحاصره” من كل فج. خفضت صوتها وهي تتحدث عن “دماس” ربيب العمدة حفيد تلك النوباوية “الصّمة” كاكا، التي داعبت خيال الفرسان، فسقطوا عند أقدامها المحناة مضرجين بدمائهم. ورثت عنها سلمى العينين اللامعتين كعيني صقر جارح، والشعر الغزير الخشن، والأنف الاقني الصغير ولون البلح..
يروي التاريخ المهموس به في الاندايات أن العمدة الكبير، هو الذي وهب دماس فحولة لا تقاوم، يوم دخل بكاكا ذات قمر وضيء..
ويشير ذلك الهمس فيما يشير، لفارس القبيلة الذي كان ينافس العمدة سرا. قالت سلمى:
– كان العمدة الكبير عنينا، مما يضع فحولته موضع تساؤل؟!
بل يضع فحولة دماس نفسها في ذات الموضع.. ومع ذلك كانت شهريارية العمدة لا تخفى على أحد، فزوجاته اللائي لم يستطع ارواء ظمأهن، سوى ذلك الفارس المجهول، كنّ يسربن كل ما يجري داخل البيت الكبير، ليتناقله الرجرجة والدهماء!
لم يكن دماس يفهم شيئا من تلك العبارات التي تتحدث عن” الشوق، الذي خلى شدير الجوف محروق، راجي مطيرة (**)… ” الفارس الفحل المجهول، وكل تلك الأحاديث من هذا النوع. لكنه كان يحسها، فيزهو مشعلا ذلك القلق، الذي لا يدري كنهه، وينتصب كفحل تسقط تحت قدميه النساء لوعة وتشهي.. ومثلما تركع المدن تحت أقدام الغزاة والفاتحين، يشرع دماس هراوته في بيت العمدة الكبير. مما يرجح أن ذلك الفارس المجهول، إنما هو دماس ذاته.. الذي ينهض إثر كل غزوة، فيتمنى أن لو كان النحاس قريبا منه ليضرب عليه:
(يا عريبي خت الطلبة + يا عريبي خت الطلبة
باكلكم.. باكلكم.. + باز نقر.. باز نقر(*** )..
وتتجدد الحرق التي تعتمل داخله فيركض إلى انداية كاكا، متسللا أزقة الرديف، فيهتف لدى حضوره الشر يبين:
(يا قاصد الشرابة + مقابل الشيخ بالقرابة
دماس وكتين جاها + ود النوبة ما صفاها
لقى الزبدة رابطاها + بطل شغلته وراها(**** )..
ويشرب. يشرب حتى يرتوي ويمص الذباب الأخضر، الذي يعترض جرعات الكأس. يبصقه على وجوه الشاربين، دون أن يأبه للعنا تهم.. تأتيه كاكا. تهمس في أذنه فيمضي إلى الداخل، يفاجأ بابنة العمدة نعمة في “الدردر”. تسنده كاكا بصدرها، الذي كان فيما مضى، يداعب باستفزازاته الملحة خيال مرتادي الانداية. تقترب النعمة، ابنة العمدة التي بلون الحليب، تكشف عن جسد متمرد، مجنون، تحتضنه، تغمره فيها. يتهشم كأس القرع في يد أحد الشاربين، وتندلق “المريسة” المزبدة، وتفوح رائحة الزنخ. فترتخي أعصاب دماس على عنقريب “القِّدْ”، خائر القوى، مهدود الحيل “كود أبرك”..
– أنا حفيدة النعمة يا عادل..
– الحاضر هو خلاصة الماضي.. نحن اليوم على ما أراد لنا أسلافنا، في لحظة معطاءة ما..
يقول بصوت آلي وهو يتداعى في عذاباته. يمضي كد ماس، يودع الدار التي تعانق راياتها الحمراء عنان السماء. يمضي مشهرا سكينه الطويلة، التي لم ُيشاهد أبدا يغمدها في جسم أحد. فقط يشهرها في الوجه، لمجرد الإخافة، حتى في تلك اللحظة التي اختفى فيها بصورة غامضة، والى الأبد. يهتف دماس بصوت عال:
– أنا لست دماس، أنا عبد الله، البقول لي دماس تاني سكيني دي بتركبو لي حدّها..
ويستمر في صرخا ته مارا بزقاقات الدّيم، ليجد نفسه في انداية كاكا مرة أخرى. يقع خائر القوى. يتسايل الزبد من شدقيه، ولا يصحو إلا والنهار قد شارف على الزوال..
تراجع عبده الخال إلى أعماقه “لست يا ليمياء كدماس، ولست عبد الله مزعوما، ولا أنت حفيدة النعمة بنت العمدة. ستركعين عند قدمي يوما، مهزومة وتطلبين الغفران..
” أمعن عبده الخال النظر في الأطفال الأشقياء الذين يخرجون من أعماق الديوم ليلهون بعلب الصلصة والزجاجات الفارغة، قالت طفلة لطفل:
– انت متخلف.
فرد عليها بعنف:
– وانت مطلوقة ووقحة وما عندك أهل..
ارتفع حاجبا عادل ولمعت عيناه في ذهول، ومضى ليلتقي سلمى عند نهاية الحي، بعيدا عن شجرة المحنة. أطلا على البحر. وقفا كشجرة اراك وحيدة في جبال الشرق. ولفهما صمت مكابر، سارع على قطعه:
– لقد قررت..
طوقت عنقه، وهكذا تزوجا في صمت، وهما يتراجعان عن شاطئ البحر.. أيضا، في صمت…
قال الطبيب الشاب لسلمى:
– إنه لا يسمع كلام أحد غيرك. فلا تعطيه الإحساس بأنك تراقبينه، وحاولي أعادته إلى غرفته قبل هطول المطر..
همهمت سلمى وهي تجذب الكرسي لعادل، الذي جلس يراقب الغيوم المتلبدة في أفق السماء، وهي تتجمع من كل حدب وصوب، والبرق العبادي لا يلبث أن ينطفئ، حالما يلمع في سرعة خارقة..
مع البرق العبادي تتشتت الذاكرة، تنساب صور مختلطة، مشاهد مبعثرة، فمع البرق العبادي، بدا كل شيء في مسيرة تحولاته.. أرادت سلمى أن تجلس، فمد إليها يده:
– لا، تعالي قربي..
دنت منه. أنهد صوته:
– كل شيء في هذه المدينة يذكرني بعائشة. الشوارع التي وطأتها أقدامنا، الدروب، الناس والبرق العبادي. إحساس غريب ينبثق من هذا البرق، ليتغلغل في أعصابي. أخبرتها عن ذلك في تلك الليلة المطيرة، ونحن نشق دروب المدينة المتعرجة. البرق يخلخلني.
توقفت بغتة وابتسمت:
– انه روحي فلا تخبر أحداً..
ودنت مني. عندما انتبهت كان المطر قد توقف، وكنت وحدي، ولم يكن لعائشة ثمة وجود في المكان.. كدت اجن.. هل أتوهم حقا!
كان البرق العبادي يلمع في قبة السماء، في ذلك اليوم هطلت الأمطار بغزارة لم تعهدها المدينة، التي اعتادت “القبلي”. وكانت المدينة تنهار…
مع البرق العبادي تلحق بالسماء أسماء أخرى “سيكتب الكجر في تقاريرهم، انه محض سكير عربيد، يغشى بيوت الليل دون وازع، لا يمثل تهديدا للأمن، لا جدوى من مراقبته.. “..
استرد عادل بصره من عبده الخال الذي كان مهوما في تلك (المؤامرة التي اشتركت فيها معه برهان الحبشية) فأرسلت إحدى عوانسها الملظلظات إليه.. فكانت ردة فعله غير متوقعة، فمنذها تنتابه الهواجس والظنون والأشجان. وعادل عندما تنتابه الهواجس والأشجان لابد أن يقدم على فعل مدهش، وهو ما حدا به لان يدعو إلى اجتماع طاريء للأصدقاء، في بيت البنجوس، في الغرفة المعهودة، ليبحث الأزمة العاطفية لعبده الخال، على هامش وقائع أزمته مع العصفورة ليمياء، التي يبدو أنها نسيت لحظة عبور الجسر، تلك اللحظة الحالمة التي ارتخت فيها الأهداب وتساقطت الرموش الوطفاء على صفحة الماء، عازفة على صمت الليل حديثا سار بصيته الموج والسمك، ولم تتطحلب مفرداته كسِّر في جوف أصداف، بل رحلت مع نسيم الليل والبحر. لترتسم على بنايات المدينة العالية، وحواريها وأزقتها، ليركض بها أطفال المدارس في الصباح الباكر، ويضمنونها نشيد العلم في الطابور الصباحي، لتصبح بعد ذلك ضمن مقتنيات المتحف الوطني. مثل كل القصص العاطفية العابرة..
تأمل عبده الخال غرفته الحميمة، غرفته التي يجد فيها أصدقاؤه متكأ لأحزانهم. إذ يجيئون ليضعون أحزانهم فيها كلما ضاقت عليهم البلاد، وحثت الرماد على رؤوسهم الطير. يهرعون إليها مرتدين قميص البلاد الحزن، يحيطهم دفء عبده الخال وهو يعزف على العود الهرم، ليمسح عنهم أحزان الطريق ووعثاء السفر.. يشعر الخال بما يؤرقهم كقبيلة مهزومة، تقاطعت فيها شروخات الأيدولوجيا وأوساخ الواقع..

—————–
هوامش:
(*) الشاعر محجوب شريف.
(**) الشاعر محمد الحسن سالم حميد.
(***) من اهازيج نحاس العمد في النيل الابيض في الحقبة التركية، وهي أمر خاص بتحصيل الضريبة “الطلبة”.
(****) اهزوجة شائعة في خمارات الخمر البلدي في النيل الابيض، يغنيها السكارى اثناء قعداتهم.

أحمد ضحية، تجاعيد ذاكرة البنجوس (الجزء الثاني من لا وطن في الحنين)

السابق
أحمد ضحية: لا وطن في الحنين: القسم الثاني: عالم عبده الخال 05
التالي
أحمد ضحية: لا وطن في الحنين: القسم الثاني: عالم عبده الخال 03