أحمد ضحية

أحمد ضحية: لا وطن في الحنين: القسم الثاني: عالم عبده الخال 03

– برهان الحبشية تسأل عنك يا عادل.
– إنها صديقتك أنت.
قال عادل بخبث، فنفى عبده الخال:
– حتى أنت يا..
– دعنا من ذلك الآن. ماذا قررتما أنت وسلمى؟!
– ربما نتزوج.
– لولاها لما خرجت من مستشفى المجانين.
– انه ليس مستشفى للمجانين.
– أعلم.. أعلم، المرض النفسي شيء عادي مثل الملا ريا والحمى الصفراء، وهلم جرا.. هكذا يقول كل أنصاف المتعلمين.
– وماذا تقول أنت؟!
ضحك عبده الخال:
– أقول إنه أشبه بالإيدز.
على غير توقع دخل الكومندان، فأرادوا أن ينهضوا..
– لا.. لا الزموا أماكنكم، أريد الأنس بكم قليلا..
أدهشهم هذا اللطف فوق العادة، الذي أبداه، سأل عادل:
– كيف حال الحاجة حليمة؟
فرد الكومندان بأسى:
– عمتك حليمة لا تزال تصر على قضاء ما تبقى من عمرها في الانقسنا، وأنا أصر أن نمضي لقضاء البقية الباقية من حياتنا في الوادي، وليمياء وزوجها عبده لا يعجبهما هذا ولا ذاك.. كما ترى نحن على مفترق طرق..
– كل منكم اختار معنى وجوده وهويته..
الصمت الذي حاصر الغرفة قبل قليل تبدد في الفراغ، وانخرط الأصدقاء في الأحاديث الجانبية، حتى أنهم لم ينتبهوا لمغادرة الكومندان البنجوس، واختفاءه على نحو غير محسوس من فضاء الغرفة، التي كانت قد تعبأت به قبل قليل.. كأنه قال كلمته ومضى..
سأل نواي:
– ما الذي حدث؟
فردت ليمياء بحزن مصطنع:
– منذ ذلك اليوم لم يره أحد..
– ماذا تعنين؟
– اختفى الكومندان بصورة غامضة تماما، كأنه تلاشى في الفراغ..
في كافتيريا “أتني” يتوشح الفضاء الأخضر بالنزيف، تتهدم قلوع الذكريات، ويشرع المنفى بواباته الأسطورية السبع..
قالت سلمى:
– أتمنى لو كان عم البنجوس حاضرا لأتكيء على صدره..
رد عادل بحزن:
– شهد على زواجنا، كآخر مهمة تاريخية له، ومضى دون أن يخلف أثرا..
– أتمنى رؤيته الآن لأبكي على صدره..
– لقد أحببته كثيرا.. للأسف، كل شيء يتكشف بعد فوات الأوان!
– كان قلقا عليك..
– اعرف. كان ممزقا بين خيارين أحلاهما مر.. كان يعرف أنني ابنه، مثلما اعرف أنني ابنه، دون أن يجرؤ أحدنا على التصريح.
– احبك.
– غادرا كافتيريا أتني وهما يدسان جوازي سفرهما بحرص.. خطواتهما على الإسفلت يتضاءل وقعها.. يتضاءل.. تذوي الخرطوم خلفهما، ويبتلع الفراغ الصدى..

أحمد ضحية، تجاعيد ذاكرة البنجوس (الجزء الثاني من لا وطن في الحنين)

السابق
أحمد ضحية: لا وطن في الحنين: القسم الثاني: عالم عبده الخال 04
التالي
أحمد ضحية: لا وطن في الحنين: القسم الثاني: عالم عبده الخال 02